Skip to content

احتلال الحليصة للمرة الـ…

(على خلفية هجوم الشرطة الأخير على حي الحليصة في حيفا، تم نشر هذا المقال تحت عنوان “حيفا المخيّم” في موقع “فلسطين ultra”)

مقدمة الرفيق مهند

يسألك سائق التاكسي: “جنين البلد ولا المخيّم؟” ومثله، يسأل الناس في أماكن شتّى من فلسطين أسئلة كهذه: طولكرم المخيّم؟ شعفاط البلد؟  قلنديا الحاجز أم البلد أم المخيّم؟ هكذا صارت في المفردات الفلسطينية ثنائيات تشير إلى وجود حيّزات مدينية متوازية لا تختلف في التسميات فحسب، بل وفي تعامل المؤسسة الرسمية معها.

المفارقة التي قد لا يعرفها البعض هو أنك بإمكانك أن تسأل أيضا، شخصا آتيا من حيفا، إن كان آتيا من حيفا البلد أم حيفا المخيّم. مجازا طبعا. فنحن الفلسطينيين نعيش أيضا في هامش المجاز.

احتلال الحليصة للمرة الـ…

خلال الأيام الأخيرة، داهمت قوات كبيرة من الشرطة والوحدات الخاصة ورجال الشاباك والكلاب حي الحليصة الفقير المنكوب الواقع على منحدرات جبل الكرمل شرقي حيفا. حيث اقتحمت القوات بيوت المواطنين من دون أمر قضائي أو استئذان أو انتظار، وقامت بإلقاء النساء والأطفال الذين كانوا نائمين في أسرّتهم إلى برد الليل  أثناء عمليات تفتيش البيوت والعبث في محتوياتها.

police-plane-in-halisa

طائرة الشرطة فوق الحليصة

قامت الشرطة بكل ذلك بحجة البحث عن شاب من أبناء الحي، تقول أنها تشتبه بضلوعه في مقتل مواطن يهودي في حي الهادار المجاور صباح يوم الثلاثاء 3\1\2017. لكن عمليات المداهمة العشوائية البربرية لم تكن مجرد إجراءات تحقيق شرطي عادي بل كانت عملية انتقام وترهيب موجّهة ضد سكان الحي بشكل عام. فرجال الشرطة، حينما يقومون بتغطية وجوههم بالأقنعة السوداء، لا يكونون رجال قانون بل عصابة إجرامية تأتي لكي تنفذ جرائما بحق المواطنين من دون أن يتاح التعرف على هوية المنفذين.

اقتحم رجال الشرطة الحي وهم يحملون البنادق التي تستعمل في العمليات القتالية. وكانت تصرفاتهم جميعها تشهد بأنهم  لم يأتوا بهدف اعتقال المشتبه به بل بهدف قتله. بذا، يقوم هؤلاء بـ”إغلاق الملف” من  دون التحقيق فيه. بل إن بعض ضبّاطهم قد صرّح بهذه الغاية بشكل مكشوف، لوالد الشابّ المطلوب وقالوا له “قل ’الله يرحمه‘ وأحضر التمر…”hooded-police-in-halisa

بعد يومين من هذه الحملة المسعورة قام الشاب المطلوب بتسليم نفسه في مركز الشرطة في عكا ونُقل إلى زنازين المخابرات بهدف انتزاع الاعتراف منه.  ويبقى أمر التعتيم على حيثيات التحقيق ساري المفعول. ولكن، كما نُشر من اقرباء المعتقل، فهو ينفي أي علاقة بالمنسوب له.

أمَّا الاعتداء الصهيوني على حي الحليصة وسكانها فهو ليس أمرا جديدا، وقد اخترتُ، في هذه المناسبة أن اتذكر وأذكّر  ببعض سوابقه.

الاحتلال الأول – 1948

الحليصة حي جبلي صغير، بُنيّ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وقد كان في الحليصة مقر اتحاد لجان الأحياء العربية ـ على شارع صلاح الدين الرابط بين حي الهادار اليهودي وبين مدخل حيفا الشرقيّ.  تحوّل مركز لجان الاحياء لاحقًا إلى مقرّ لـ”حركة النجادة” التي اجتهدت للدفاع عن حيفا قبل سقوطها وتهجير سكانها في شهر نيسان 1948. وقد  كانت الحليصة ميدان المقاومة الأشدّ في حيفا، حيث كان القتال يتركّز هنالك من منزل إلى منزل. ولا أزال أذكر، حين تعرّفت على هذا الحي للمرة الأولى في سنوات الثمانينيات، مشاهدتي لآثار الرصاص، من آثار معركة الحليصة، على العديد من جدران منازل الحي.

بعد تهجير سكان الحي الأصليين استولت ’دولة إسرائيل‘ (وبعض السماسرة) على ممتلكات هؤلاء، وقامت بإسكان المهاجرين اليهود فيها. وقد ظل الحيّ على هذه الحال إلى أن عادت إليه هويته العربية الأصلية بعد عقود، حين تحول إلى أفقر أحياء المدينة. حيث تمكّن بعض لاجئي حيفا والقرى والمدن المهجرة الأخرى شراء حق السكن (“الأجر بالمفتاحية”) في منازل الحي. أتذكر بأن أحد سكان الحي قد روى لي بأنه حين حضر لكي يوقّع على اتفاقية الاستئجار مع شركة “عميدار” [وهي شركة الإسكان الحكومية] بأن  الموظف قد قال له “لقد كلّفنا احتلال الحليصة  الكثير من الدماء وها انتم تشترونها منّا”.

تحولت الحليصة إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين في وسط حيفا  بإمكان المرء فيه أن يجد العائلات الناجية من مجزرة بلد الشيخ أو مجزرة الطنطورة، إلى جانب مهجري أم الزينات وصفورية وسحماتا والياجور وغيرها.

ذكريات التهجير الثاني 1967

كنت ساكنا جديدا في الحي، عندما حلّ موعد انتخابات الكنيست في العام 1984. أصدرت حركة أبناء البلد التي انتمي لها، وقتذاك، بيانًا يدعو لمقاطعة الانتخابات. ولكنني وجدت بأن الأحزاب الصهيونية تقتحم الحي. في الوقت الذي كان فيه الحزب الشيوعي، الذي يملك جذورا في الحي، لا يجرؤ على توزيع بيانه الانتخابي هناك. ولذلك، فقد  تجاوبت مع مبادرة  “الكابتن”، وهو ناشط كان أهل الحي يطلقون عليه هذا اللقب لأنه كان مدرّبا لفريق كرة القدم الخاص بالحليصة، وخرجنا سويا لتوزيع بيان الجبهة الديمقراطية على منازل الحارة. وقد فوجئت عندما قال لنا العديد من المواطنين الذين زرنا بيوتهم بأنهم يخشون من التصويت للجبهة، ويخشون أكثر من المقاطعة، خوفًا من أن تقوم السلطات بقطع الماء والكهرباء عنهم.

علمت، فيما بعد، بأن هذه المخاوف لم تكن وهمية، بل نتاج لتجربة السكان المريرة، الذين تجمّعوا في غالبيتهم في مخيم للاجئين الفلسطينيين بعد الحرب على ساحل حيفا، في حي “البراكسات” وهو حي مكون من أكواخ تم بناؤها كيفما اتفق، في المنطقة الصناعية المجاورة “أرض الرمل” (خوف شيمن)، من دون أن يتلقوا أبسط الخدمات البلدية.

في العام 1967، استغلت بلدية حيفا الصهيونية أجواء الحرب، وأتت، من دون سابق إنذار في صباح يوم من أيامها لكي تسوي الحيّ الفقير بالبلدوزرات وتمسحه تماما من على وجه الأرض. وهكذا، فقد عاد لاجئي العام 1948 من جديد إلى اللجوء، وعادوا بعد “تمتعهم بميزة السكنى في بيوت الصفيح” إلى السكنى في الكهوف وبقايا المنازل المهدومة في وادي رشميا القريب، من دون ماء جار أو كهرباء. لقد كانت مجرد مسألة الحصول على منزل في حي الحليصة تعد إنجازا كبيرا لهم، بعد مرور عشرات السنوات من دون أن يكون لهؤلاء سقف ثابت فوق رؤوسهم ورؤوس أطفالهم.

منع تجول

لم تنتهِ معاناة السكان في نقطة تثبيت وجودهم في حي الحليصة. فلطالما اعتبرتهم بلدية حيفا “غرباء” رغم وجود أغلبيتهم في حيفا منذ 1948، ورغم أن العديد منهم كانوا يعيشون في حيفا قبل النكبة وقبل معظم السكان اليهود في حيفا. وقد مارست البلدية، والهيئات الحكومية سياسة التمييز والإهمال تجاه الحي، وذلك على أمل أن يتسببوا في نزوح السكان الفلسطينيين من المدينة. فكانت هذه المؤسسات حال تمكنها من إخلاء أحد المنازل من ساكنيه، تقوم بهدمه. وقد حدث أيضا أن الحكومة قد قامت بهدم أنصاف المنازل، قبل رحيل كل سكانها، وحولوها إلى مواقع غير صالحة للسكنى.we-will-not-be-quiet

تبنت شرطة حيفا، أيضا، سياسة مقصودة لتحويل حي الحليصة إلى مركز لتجارة المخدرات، وذلك بهدف ابعاد هذه التجارة عن الأحياء اليهودية. لقد تسبب هذا الأمر في ضياع جيل كامل من الشباب في سنوات السبعينيات والثمانينيات. وقد استمرّ الأمر إلى أن قام السكان بتنظيم أنفسهم لإبعاد هذا الوباء عن الحي. وقد كان الإجرام في الوقت ذاته يتفشى في الحي من دون أن تقوم الشرطة بأدنى مجهود لمنعه وبالمقابل تبنّت الشرطة سياسة “الغزوات الانتقامية” لمعاقبة الحي بأكمله. ولا زلت أذكر الأيام التي كانت فيها الشرطة تعتدي على الشباب وتهينهم في الشارع الرئيسي، شارع احمد شوقي الواصل إلى جامع الحج عبد الله، وتطور الأمور إلى مواجهات مفتوحة بين راشقي الحجارة  وقوات القمع، حيث كانت هذه المواجهات تستمر لساعات طويلة وتنتشر  في كل موقع من مواقع الحي.protesting-police-violence-in-halisa

في مرحلة متأخرة، أصابت مصيبة أخرى الحي، تتمثل في ظاهرة الصراعات الداخلية وانتشار السلاح وتنفيذ حالات قتل. وعلى الرغم من انتقال مقر الشرطة المركزي في حيفا إلى حي “الحليصة التحتى” فإن هذه الشرطة لم تتدخل  للكشف عن منفذي جرائم القتل، أو لمنع العنف طالما طال هذا العنف سكان الحي الفلسطينيين. وتحضرني في هذا السياق قصة حصلت في شهر حزيران 2008، حين أتت الشرطة في أحد الأيام التي شهدت فيها شوارع الحليصة اشتباكا بالسلاح الناري، وقد ادعى رجال الشرطة بأن بعض الشبّان قد قاموا بتصويب أسلحتهم نحو رجال الشرطة، علما أن أحدا من هؤلاء لم يصب.

قررت الشرطة معاقبة الحي بأكمله، لاستعادة هيبة الدولة، وعادت مساء اليوم ذاته إلى الحي بقوات معززة من الوحدات الخاصة وتلك التابعة لحرس الحدود، وأعلنت عن فرض حظر التجول في الحيّ بأكمله. وانشغلوا أثناء قيامهم بفرض الحظر بإيقاف ركاب السيارات العائدة إلى الحي، من دون علم أصحابها بأن هنالك حظر تجول مفروض، حيث كانوا يجرون الناس من السيارات في الشوارع ويقومون بضربهم ضربا مبرحا على جانب الشارع الرئيسي. فإذا ما حاول أحد السكان الخروج من منازلهم لوقف الاعتداء على أقاربهم أو ضيوفهم، تحول هو نفسه إلى ضحية لوحشية الميليشيات الشرطية.

الهدم والترحيل

لم تقتصر المواجهات بين الشرطة وسكان الحليصة على الكرامة فحسب وعلى الاحتلالات المتكررة، بل إن لدينا أيضا حصتنا من النضالات المطلبية.

قمة هذه النضالات كانت في عزّ برد الشتاء في مثل هذا الشهر، كانون ثاني 2005، عندما أصدرت المحكمة، بطلب من البلدية، أمر هدم لبعض الشرفات، كمقدمة لمشروع كبير لتوسيع الشوارع على حساب البيوت والساحات والحدائق.  قام سكّأن الحي بنصب خيمة اعتصام أمام المنازل المهددة ونظموا الحراسة ليلًا ونهارًا. لقد جهّز أهل الحي أنفسهم في هذه المرة جميعا لمجابهة القمع ولمنع احتلاله مرة أخرى. وقد أدى ذلك، في النتيجة، إلى امتناع الشرطة عن اقتحام الحي، وهذا ما أجبر البلدية على التنازل عن مشروع الهدم والمصادرة.demonstration-against-house-demolition-in-halisa

لم يتأخر، بعدذاك، انتقام الشرطة من انتصار السكان عليها. فقد اختارت البلدية هدفا آخرا للهدم، وهو منزل عائلة بشكار، على مدخل مدينة حيفا الرئيسي، وهو منزل منزو عن منازل الحي. قامت الشرطة بإغلاق مداخل حيفا الرئيسية طيلة ساعات وحاصرت المتمترسين في المنزل (الذين بلغ عددهم نحو مئة من النشطاء)، وقامت بالاعتداء عليهم بالضرب قبل أن تقوم بهدم المنزل. إلا أن السكّان قد قاموا بجمع التبرعات ووضع بيت نقّال جاهز، في موقع المنزل المهدوم.

إن حادثة هدم منزل عائلة بشكار، لم تروِ غليل الشرطة ورغبتها في الانتقام من سكان الحليصة، فقد استغلّت الشرطة، ثانية، أمر إخلاء ثان صدر ضد أحد سكان الحي، وفاجأت السكان صباح أحد الأيام بإغلاق جميع مداخل الحي، واقتحام الشوارع باستخدام مئات العناصر من بلطجية الوحدات الخاصة، واستخدام الطيران في سماء الحي.  وقامت قوات الكوماندو الشرطي باقتحام المنزل المستهدف من الشبابيك، وهو على الطابق الثالث، لكي تقوم باعتقال سكانه: رجل عجوز يعاني من أمراض القلب، مع زوجته وبناته اللواتي كنّ في الفراش. وانتصرت الشرطة مجددا باعتقال العائلة وتدمير كل محتويات منزلها.

إننا، إن قلنا بأن الحلّيصة محتلة  فهذا لا يعني كلاما مبدئيا مجردا أو حقيقة تاريخية فحسب. بل إن هذا الاحتلال عملية مستمرة، ويأتي على شكل سلسلة رعب متكررة يعيشها السكان جيلا وراء جيل.

Advertisements

على هامش اعتقال الدكتور باسل غطاس

(تم نشر هذا المقال على موقع “فلسطين ultra” – وأضافت هنا فصل خاص حول مساهمة “حراك حيفا”)

علينا أن نفهم: نحن الآن في خضمّ مرحلة من الرّدة في العمل السياسي. يتبدّى هذا بشكل واضح مع توجه المؤسسة الاسرائيلية نحو القمع الفاشي دون اضطرارها هذه المرة لارتداء قناع “عملية السلام” او مكياج “الديمقراطية”، ومع احتدام الثورة المضادة في البلدان العربية باستخدام كافة أساليب البطش والقمع الوحشي لوقف، بل معاقبة، مطالب الجماهير بالحرية والعدالة، ومع استفحال اليأس وبلوغ الضياع حدّا يجعل بعضنا يدافع عن الإجرام السلطوي أو الساديّة باسم الدين أو الطائفة باعتبارهما طريقا إلى الخلاص، ووصولاً إلى انزلاق مجتمعات الدول الامبريالية باتجاه كراهية البشر والتطرف الشوفيني.

لقد أثبت التاريخ ان المحرّك الرئيسي لتطور البشرية بشكل عام، ولنمو الفعل الجماهيري الثوري نحو إسقاط المؤسسات القمعية القديمة وإنشاء قاعدة جديدة لتطور المجتمعات، هو الأمل والإيمان بقدرتنا على بناء مستقبل أفضل. فالعمل السياسي يخضع لقوانين التطور البشري، وهذا التطور، بدوره، يعتريه المدّ والجزر، الفعل وردّ الفعل. وبناء عليه، فمن الطبيعي في مرحلة الردة، أن يتركز نضالنا على الدفاع والتكاتف والتضامن في وجه العدو الذي يحاول أن يستغل اختلال موازين القوى ليغيِّر قوانين اللعبة لصالحه.

كان من المتوقع أن نكون أكثر صلابة في معارك الدفاع عن النفس. فهذه المعارك لا تطلب منا إبداعاً وطرح أفكار أو مفاهيم جديدة يمكن أن نختلف عليها او نخطئ في صياغتها، فنحن في هذه الحالة، ندافع عن وجودنا وعن حقوقنا التي اكتسبناها خلال عقود من النضال. بناء عليه، فإنني أرى أهمّية لمراجعة بعض التجارب الأخيرة خصوصا تلك التي تمحورت حول قضية اعتقال الدكتور باسل غطاس.

الحقيقة والتحقيقات

يرى حكام اسرائيل العنصريين (وأنا هنا أعني القيادة الإسرائيلية تاريخيا، منذ نشوئها وحتى اليوم، وبما يشمل الـ “معارضين” و “حماة الديمقراطية الاسرائيلية” أيضا) بأن العرب يشكلون خطراً وجودياً على مشروعهم الاستعماري الاقتلاعي بناء على بقاء العرب على هذه الأرض. ونحن نشهد الآن، كما شهدنا سابقا، كيف افتعلت القيادات السياسية وتفتعل التحريض ضد العرب، وكيف تلاحق “أجهزة الأمن” المواطنين العرب، فيما يتعامل الجهاز القضائي مع العرب مدفوعا بالعدوانيّة ورغبات الانتقام. ولذلك فمن المستحيل أن نتعامل مع أي تحقيق تمارسه هذه الأجهزة باعتباره محاولة للبحث عن الحقيقة. كما أنه من المستحيل أن نتعامل مع قرارات هذه الدوائر القضائية الحاقدة بأنها تجسيد للعدالة.

يبدو لي مستهجناً، أولًا، قول البعض بأنهم “ينتظرون انتهاء التحقيق”. بيد أن الأسوأ من أولئك هم من يحاكمون المتهم قبل أن يصدر جهاز القمع والتلفيق حكمه بحقّه. إنّ هذا يعدّ ظلما، حتى بحسب قوانين الاحتلال العنصرية.free-basel-ghattas

لدى الاطلاع على الكثير مما نُشر في الصحف العربية والعبرية حول قضية اعتقال الدكتور باسل غطاس، وبعد قيامنا بزيارته ليلة الافراج عنه، أعتقد بأن القضية شديدة البساطة. أنا لا استطيع أن أقول بأن هذه هي حقيقة مثبتة، ولكن، كما فهمت، فقد قام الدكتور باسل باستلام مغلّفات احتوت على بعض الكتب أو الرسائل وقد قام بتسليمها للأسيرين اللذين التقى بهما. وفيما بعد، ادّعت السلطات بأنها قد عثرت على هواتف نقالة داخل هذه المغلّفات.

بناء عليه، فإن من يدعي بأن الدكتور باسل قد تصرّف بشكل غير مسؤول أو خطير، إلى جانب أولئك الذين يدّعون بأنّه قد قام بعمل بطولي، فإن هؤلاء، معاً، يصدّقون رواية الأجهزة الأمنية ويرددونها. إن هذا التصرف هو تصرّف غير مسؤول، وخطير، ولا مبرر له وطنيا. إلى جانب ذلك، فلا يوجد تفسير لادعاء البعض بأنه كان على الدكتور باسل أن يفحص المغلّفات أو يشكك في محتوياتها، لأن أصحاب هذا الادعاء يتبنّون، ولو ضمنيًا، النظرة الاسرائيلية العنصرية التي ترى في كل عربي خطرًا. وإن كان هنالك من يستبعد إمكانية تلفيق التهم وتزوير الأدلة من قبل المخابرات الاسرائيلية فإن علينا أن نوجه له سؤالا إن كان قد سمع في السابق عن عمليات قتل الأطفال واغتيال القيادات والناشطين؟ فهل من المستهجن أن يرتكب نفس الجهاز أساليبا أخرى لتنفيذ “الاغتيالات السياسية”، بحق حزب وطني فلسطيني سبق وأن أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بأنه لا يرغب في بقائه في الكنيست؟

أما إن انتهى التحقيق و “ثبتت” التهم في المحاكم الاسرائيلية فإن هذا لا يعني شيئا بالطبع. فنحن نعلم، من تجارب طويلة أمام المحاكم بأن أجهزة القمع الاسرائيلية متخصصة في انتزاع الاعترافات الكاذبة. كما فعلت محاكم التفتيش في القرون الوسطى التي عرف عنها بأنها كانت تربط حجرًا بعنق المشتبه به وترميه في البحر. فإذا غرق فإن الأمر يعني إثباتا لبراءته، أما إذا طفى، بقدرة قادر، فإن الأمر يعني أنه مدعوم من الشيطان، وبذا فيتوجّب قتله حرقا.

هنالك حقيقة أخرى قرأناها في الصحف وسمعناها من الدكتور باسل، هي أن أحد اسباب تمديد اعتقاله كان رفضه إخبار المحققين باسم الشخص الذي قام بتسليمه المغلّفات. رغم أن معلومة كهذه تعدّ أمراً لا يصعب على السلطات الحصول عليه. إن عمل د. باسل، في هذا الجانب يعدّ عملا أخلاقيا، بل وبطوليا فعلا.

حراك حيفا

يحاول حراك حيفا التصرف بموضوعية وتقديم نموذج من المسؤولية والتضامن والوحدة الوطنية. فقد اعتبرنا بأنّ الهجوم السلطوي على التجمع يعدّ حلقة أخرى من مسلسل القمع السلطوي، تماما كما حدث إبّان اعتقال قيادات حركة أبناء البلد والحركة الاسلامية سابقًا، إلى جانب الإعلان عن حظر الحركة الاسلامية “الشمالية” قانونيا، ناهيك عن الملاحقات المستمرة المرتكبة بحق ناشطي الحراكات الشبابية. إننا لا نرغب، ولن نستطيع، إنقاذ ما تبقى من كذبة “الديمقراطية الاسرائيلية”. بل إن علينا أن نعتبر بأن التصدي لمحاولات تجريم العمل السياسي الفلسطيني هو جبهة أخرى من جبهات النضال التي سننتصر فيها من خلال تعزيز صمودنا وتمتين وحدتنا، ومن خلال عدم السماح لعدوّنا بالاستفراد بمناضلينا.

بناء عليه، كان يهمنا أن نطلق مبادرة لمظاهرة في حيفا دفاعًا عن باسل غطاس من خارج التجمع، تماما كما حدث في شهر أيلول الفائت إبّان اعتقال عدد من قيادات وكوادر التجمع بحجة التحقيق معهم في شؤون تجاوزات مالية.
إننا نفضّل، في أغلب الحالات، أن نجري تنسيقا للنشاط بين كافة القوى والأحزاب الوطنية في حيفا ومع ممثلي الجمهور العربي في المدينة. وبناء عليه، فقد تم تعيين مظاهرة حيفا هذه المرة، وبالرغم من سوء الأحوال الجوية ، لمساء الثلاثاء 27\12. وكان سرورنا مضاعفا مع وصول خبر اطلاق سراح المعتقل وتحويله الى الاعتقال المنزلي، أولًا بفرحة تحريره وثانيًا لتحررنا من واجب الوقوف في الشارع في هذه الظرف. وقد أكمل بعض الرفاق المشوار لزيارة الدكتور باسل في بيته في الرامة وتهنئه على الافراج.

تمّ توجيه انتقادات إلينا بسبب الغاء المظاهرة. كانت حجّة الانتقادات هي استهجان إلغاء وقفة أعلنّاها تضامنًا مع د. غطاس وجميع الأسرى، بعد إطلاق سراح شخص واحد قضى أياما معدودة رهن الاعتقال، في الوقت الذي لا يزال هنالك فيه آلاف السجناء خلف القضبان؟

إنَّ قضية الأسرى كانت وستبقى على رأس اهتمام حراك حيفا، فقد تظاهرنا ولا تزال أمامنا الكثير من التظاهرات التي سنخوضها حتّى الإفراج عن جميع الأسرى. ولكن، ينبغي ملاحظة التالي: إن لكلّ عمل سياسي له حيثياته. فسبب هذه المظاهرة بالتحديد ليس لأن د. باسل كفرد هو معتقل، بل باعتبارها تصدّيا لتصرف السلطة التي تحاول ردع جماهيرنا عن العمل الوطني من خلال استهداف التجمع كحزب سياسي.

الشرطة في خدمة الشعب

سمعنا الكثير حول السياسات الجديدة لحكومة اسرائيل التي وضعت نصب عينيها تدليل “عرب الداخل” فقد خصصت لذلك ميزانيات هائلة. وها نحن نرى كيف تم اهمال سكان مستوطنة “عمونة” الذين كانوا ينتظرون إخلائهم قبل انقضاء العام وتعويضهم بملايين الشواكل، وبناء مستوطنة أخرى أكبر لهم. كلّ هذا لم يتحقق في نهاية الأمر. بل علمنا بأن نتانياهو قد أصدر أمره للبولدوزرات بالتوجه إلى القرى العربية والمدن المختلطة في النقب والسهل والمثلث والجليل لهدم بيوت العرب. لا تستغربوا، ولا تستهينوا بتكلفة يوم عمل لجرّافات الـ D9، بل وزيدوا، فوق ذلك، تكاليف نشر المئات من بلطجية الوحدات الخاصة، ولا تقولوا أن الحكومة تتصرف ببخل مع العرب.

نقطة أخرى تشير إلى هذا الكرم الفائض: أثناء زيارتنا للدكتور باسل علمنا بأن استفادة العرب على حساب مستوطني “عمونة” لم تقتصر على البولدوزرات وقوات الياسام الخاصّة. فقد جهّزت سلطة السجون قسما خاص ومرتّبا في السجن لاستقبال معتقلي “عمونة” في حالة مقاومتهم الاخلاء – وقد دشنت هذا القسم باعتقال د باسل فيه. وقد أطرى الدكتور على جودة البطّانيات الجديدة النظيفة الناعمة في هذا القسم، بعكس البطانيات الخشنة الوسخة في باقي السجون. خذوا هذا وتخيّلوا الآن: كيف سيجنّ جنون المستوطنين قهرا إن علموا بأن كل هذا النعيم الذي حضّرته لهم حكومتهم قد صار مصيره، في نهاية المطاف، أنّ سجينا عربيّا قد استفاد منه!

الهواتف والعالم الشفاف

مع اعتقال الدكتور باسل كتبت مقالا باللغتين العبرية والإنجليزية يوضح بأن تهريب الهواتف للأسرى هو مساعدة إنسانية وليس خطراً أمنيا. فهذا بناء على الأمر الواضح بأن يتم التنصت على جميع محادثات الهواتف في كل البلاد، كما يتم تحليل مضامين المحادثات وتحديد موقع طرفي المحادثة بدقّة. تحت هذه الظروف، وتحت علم الأسرى بالأمر، فإن دور الهاتف ينحصر في مقاومة الظروف اللاإنسانية للأسر، لا غير، وذلك من خلال توفير مجال للأسير للإتصال بأحبّائه. ولكن الأسرى أيضا يعلمون أنهم يدفعون مقابل ذلك ثمنا معروفا ومبررا (رغم كونه غير مقبول)، هو أن هذه الهواتف تساعد السلطات أيضا على  تكثيف عملها الرقابي.

من الواضح أن السلطات تعرف بحقيقة وجود الهواتف في السجون، ولكنه من الواضح أيضا بأنها معنية بأن يتم تهريبها وتمنع ادخالها بطرق رسمية، وذلك بهدف تحميل الأسرى وعائلاتهم تكاليفا اضافية. وفوق ذلك كلّه، استخدام مسألة تهريب الهواتف واستعمالها الـ”غير قانوني” كذريعة للملاحقة والعقاب متى شاءت.

محاولة فهم عزمي بشارة

جانب آخر من قضية اعتقال د باسل غطاس، كان الادعاء بأن المقالات التي استلمها منه الأسير وليد دقة كانت تحتوي على تعليمات مشفرة. وبعد الاستفسار حول الموضوع علمنا انها مقالات للدكتور عزمي بشارة. لقد اتضح بأن رجال الشرطة قد حاولوا قراءة هذه المقالات، ولكنهم، بالطبع، لم يفهموا شيئاً منها. ومن هناك نبع اعتقادهم بأن هذه المقالات مشفرة. وها هو الاسير وليد دقّة يقبع في ظروف العزل والعقاب إلى أن يتمكن أحد من عباقرة جهاز الشرطة من تحليل المضامين “الخفيّة” في هذه المقالات.

دم أهلك حلب لن يذهب هدرًا

بطولة الشّعب السوريّ نموذجٌ للنضال لأجل مستقبل شعوب المنطقة والبشريّة

ما اّلذي يستطيع الكاتب أن يكتبه حينما يتمّ ذبح الأطفال بالآلاف، حينما تُقصف المستشفيات قبل البيوت لكي لا يبقى ملجأ آمن؟ ماذا يمكن للمواطن في “دول الجوار” أن يفعله عندما تجتمع روسيا العظمى وإيران المدفوعة بشكل محموم بدوافع طائفية والميليشيات التابعة لها من أجل سفك دماء السوريّين واستئصال روح الحرّيّة التي ملأت النفوس أملاً وهزّت أركان الأنظمة في المنطقة منذ سنة 2011؟ ومع تكرار هذه المذابح الجماعيّة لأكثر من خمسة سنوات، يومًا بعد يوم، دون هوادة؟

وكيف يمكن أن نستمر في حياتنا اليوميّة وأن نرى أمام عيوننا معاناة الشّعب السوريّ الذي دفع بأرواح أكثر من نصف مليون شهيد ويتعرّض لأبشع جرائم الحرب في تاريخ البشريّة المليء بالفظائع، في الوقت الذي لم نقم نحن فيه بالتحرّك قيد أنملة من أجل وقف هذه الجرائم؟ كيف يمكن لنا أن نتحدث عن حقوقنا ومعاناتنا ونحن نتجاهل ما يجري في سوريّا الآن؟ إنّ التفكير بأحداث سوريّا يترك جرحاً مفتوحاً في قلب كلّ واحد منّا، إلا أن تجاهل هذه الأحداث له معنىً واحد: هو موت الرّوح الانسانيّة في الجسم الحيّ…

لن نتمنّى لكم إلا الحياة الكريمة

لا معنى للكلام أمام بطولة شعبٍ يواجه آليّات الموت والدمّار بجسده وروحه وإرادته للحياة والحرّيّة… إنّ هذه البطولة لا تقتصر على المقاتلين فقط بل إنّ بطولة الدفاع المدني والأطباء وكل أم أو أب يعمل المستحيل لكي ينقذ حياة اطفاله وكل من يخاطر بحياته ليفتش عن قطعة من الخبز ليعيش فصول هذه المأساة يوما إضافيا، لا تقل عن بطولة المقاتلين.

نعرف بأنه ما من قانون تاريخي يضمن انتصار الحق على الباطل أو يقضي أن تتحرر الشعوب وبإزالة الظلم عن المقهورين. لقد عانت الانسانيّة من قرون من التخلف وقرون من الاستعمار وابادة الشعوب المستَعمَرة وحروب احتلاليّة دمويّة راح ضحيتها عشرات الملايين… ولكن لا بد للانسان أن يستمر في البحث عن حياة أفضل ويسعى إلى الحرّيّة والعدالة. ولا بدّ للإنسانيّة أن تكمل مشوار التاريخ وأن تخلق تجاربا تنتج نوعا آخرا من الأنظمة يخدمها بشكل أفضل.

منذ أن كسر الشّعب السوريّ حواجز الخوف والترهيب وطالب بحريته، اعتمد النظام اسلوباً واحداً وهو التّصعيد الدائم في مستوى القمع والقتل لكي يثبت بأنه لا إمكانيّة للحياة خارج سيطرته. إنّني أعتقد بأنّ النظام السوريّ هو أكثر نظام، في التاريخ، استخدم جميع وسائل الحرب والتدمير لهدم بلده على رأس أبناء شعبه. وكلّما تصاعد عنف النظام صار الخضوع له مكروهاً وأكثر مرارة.

الصراع بين الآلة والانسان

حمل ربيع الشّعوب العربيّة في طيّاته أملاً كبيراً، بعد عقودٍ من القمع والغرق في مستنقعات الفساد وانتشار الظّلم والقهر في منطقتنا، بل وتعميمهما. فكان ملخّص هذا الأمل واضحاً جدًا للجميع: إنّ الروح الانسانيّة لا تقبل بالقيود، وأن إرادة الحرّيّة أقوى من آليّات القمع… لقد انتشرت هذه الرسالة وشكّلت حركات احتجاجٍ شبيهةٍ في أوروبا، بل إنّ حركة “أوكيوباي” التي احتلت ميادين المدن المركزيّة في الولايات والمتحدة قد استلهمت روح هذا الرّبيع وانتفاضاته…

ليس غريباً أن يحاول أصحاب السلطة والامتيازات قمع روح التغيير والحرّيّة… فقد اعتاد هؤلاء على استغلال الشّعب وعلى اعتبار خيرات البلد ملكًا لهم. وهكذا، فقد اندلعت الحرب المفتوحة بين آليات القمع وبين إرادة الشّعب السّاعي نحو الحرّيّة على كلّ الجبهات، بدءاً من تدخّل جيوش ملوك وأمراء الخليج لقمع الثّورة في البحرين، وانقلاب السيسي في مصر، و”كرامة” جنرال الـCIA حفتّر في ليبيا، والقصف السعودي-الإماراتي على اليمن الفقير الجائع.aleppoboy-large_trans

إلا أنّ الموقع الأول في هجمة الثورة المضادة محفوظٌ لجيش الأسد في سوريّا، هذا النظام الذي لا يأنف عن ارتكاب أيّة جريمة للحفاظ على سلطته… أما النموذج الأعلى من البطولة الثورية، بالمقابل، فهو كامنٌ في مقاومة الشّعب السّوريّ البطل خلال السنوات الستّ الأخيرة، حيث واجه الجيش بجسده ولم يتراجع عن مطالبه بالحرّيّة والكرامة الانسانيّة. فقبل سنة، بعد تحرير إدلب وتقدّم المعارضة على كلّ الجبهات، كان من المحتمل أن ينتصر هذا الشّعب ويثبت للعالم أجمع بأن إرادة الشّعب أقوى من جيش نظامي يستعمل كلّ الامكانيات العسكريّة…

ومن ثم أتى التدخل الروسي، ممثلاً بثاني أعظم قوّة عسكريّة في العالم، ليغيِّر ميزان القوى لصالح النّظام.

لكم المستقبل

انها مرحلةٌ سوداءٌ في تاريخ البشريّة… فكما بثّ الرّبيع العربيّ الأمل في انحاء العالم، فإن العبث والتّخلف والعنصريّة ينتشران عندما نرى ردود الفعل في دول الغرب على أزمة الاقتصاد الرأسماليّ باتهام “الأجانب” واللاجئين والتّركيز على “الحرب ضد الارهاب” التي تحوَّلت الى حربٍ ضد المسلمين. فيا للعجب! عندما يصبح رجل عصابات مثل “بوتين”، الذي نهبت جماعته ثروات الشّعب الموروثة من الاتّحاد السوفياتيّ وحولوها الى ممتلكاتهم الخاصة، هذا البوتين صار هو المنقذ والنموذج  الذي يُحتذى به، لدى بعض الضعفاء في اليمين و”اليسار” على حد سواء.

لا أقول هذا من باب النقد، بل من باب النّظر نحو المستقبل، إنّ علينا أن نذكر أن الطاقة الثوريّة عند الشعوب، وعند الشّعب السوريّ بشكل خاص، قد كانت أكثر بكثير ممّا تم استغلاله لصالح الثورة، وقد تمّ استنزاف قسم كبير منها في الخلافات الداخليّة، كما قد تحوَّل قسم آخر من الطاقات الثوريّة ومن قدرات الشّعب من خلال جنون “داعش” الى قوة معادية للثورة وهدامة للانسانيّة.

إننا نرى محاولة القوى الكرديّة التقدميّة لخلق نموذجٍ آخرٍ من التّعاون من خلال تجربة “سوريّة الديمقراطيّة” في أقليم “روجافا” – ونتعلم أن انعدام الوحدة بين القوى الرئيسيّة للثورة السوريّة وبين القوى الكرديّة ليس قدرا تاريخيّاّ بل هو نتاجٌ لقصر النظر، وغياب برنامجٍ ديمقراطيٍّ شاملٍ يضمن حقوق الجميع.

طالما بقي انسانٌ واحدٌ يطالب بالحرّيّة ويرفض أن يخضع للبطش والقمع فإننا سنظل معه – وسنحلم بأن يتغيَّر الظرف السّيء فتعود الثورة السوريّة منتصرة. ولكن، وحتّى لو انتصرت قوى الظلم، فإن انتصارها هذا يظل انتصاراً مؤقّتاً وملغوماً، لأنّ الحكم الذي الذي ينبنى على انقاض شعبٍ وتدمير وطنه لا يدوم. أمّا بطولة الشّعب السوريّ في نضاله من أجل الحرّيّة فهي محفوظٌة في تاريخ البشريّة لتبقى الشّعلة التي تضيء الطّريق الى أيامٍ أفضل.

 

 

لقاءات في منتصف الطريق – 2

قصة قصيرة – الجزء الثاني والأخير – لقراءة الجزء الأول

(نُشرت في ملحق الجمعة 21\10\2016 في جريدة الاتحاد)

في بداية الجزء الأوّل رأينا عمر وهو يوصل ابنته مروة الى مكان عملها الجديد في مقهى “أروما” في المجمّع التجاري الحديث وينبّهها أن لا تدخل مطعم أبو حِلمي المجاور.

ويتذكّر عمر قصّة محاولات مصادرة التلة الواقعة بين قريته الصغيرة وبين الكيبوتس المجاور قبل أكثر من عشرين سنة تحت ذريعة الحاجة إلى اقامة محميّة طبيعية… فقد أقام شباب البلد خيمة اعتصام على أرض التلّة وتعرّف عمر هناك على “هيلة”، بنت الكيبوتس، التي جاءت لتعبّر عن تضامنها مع نضالهم. وفي نهاية الجزء الأوّل تركْنا عمر ورفاقه وهم يخطّطون مظاهرة في القرية ضدّ المصادرة وكانت “هيلة” تفكّر كيف تجنّد الكيبوتس لمساندة قضيتهم العادلة.

* * *

كانت المظاهرة عاصفة أكثر ممّا توقّع عمر.

تجمّع الشباب منذ ساعات الصّباح في خيمة الاعتصام وأتت وفود من القرى المجاورة… وخطّط الشباب أن يطوفوا شوارع البلدة في البداية، لكي ينضمّ إليهم الأهالي المتردّدون، ومن ثمّ يتوجّهون إلى مدخل البلدة لكي ينتشروا على طرف الشارع الرئيسي.demo-in-village

لم تصدّق الشرطة أنّه بالإمكان تنظيم مظاهرة جماهيريّة في هذه القرية الصغيرة، وهي التي قد تعوّدت على التعامل مع سكان البلدة من خلال الحديث مع “الكبار”، وبشكل خاصّ مع “حلمي”، مختار البلدة، دافعة إيّاهم إلى تحذير الشباب وكبح جماحهم.

حضرت الشرطة، هي الأخرى، منذ ساعات الصباح بعدّة سيّارات واحتلّت مكانًا في مركز البلدة، وتحدّث قائد المنطقة مع المختار وقال له أنّه لن يسمح بخروج المظاهرة إلى الشارع الرئيسي. وعندما رأى أحد رجال الشرطة ولدًا يحمل علم فلسطين في طريقه إلى خيمة الاعتصام على التلّة، أمسكه ومزّق العلم من بين يديه وضربه. فأخذ بعض الأولاد يرشقون الحجارة من بعيد نحو تمركُز الشرطة، ومن ثمّ فرّوا من المنطقة.

محاولة الشرطة وقف المسيرة وهي ما زالت داخل البلدة أشعلت مواجهة شاملة بين المتظاهرين وبين رجال الشرطة… وعندما ترك بعض رجال الشرطة سيارتهم كي يلاحقوا راشقي الحجارة، استغلّ الآخرون الموقف وأضرموا النّار في سيارة الشرطة. انتشر خبر المواجهات في القرى المجاورة وأتت مجموعات أخرى من الشباب لمساعدة أهل البلدة، ولجأ قائد الشرطة إلى المختار ليضمن لقواته انسحابًا آمنًا من ساحة المعركة. ولم يظهر أيّ رجل دولة في القرية حتى ساعات اللّيل، عندما أتت الشرطة بقوّة كبيرة معزّزة بالوحدات الخاصة وحرس الحدود وبدأت باعتقال الشباب.

* * *

بعد عدّة أسابيع قضاها رهن الاعتقال، أُطلق سراح عمر إلى الاعتقال المنزلي في بيت أهله…arresting-kids

في اليوم الثاني جاءت هيلة مع مجموعة من شباب الكيبوتس لزيارة تضامن إلى بيته. شربوا القهوة وتناولوا الفاكهة والحلويات الشرقية، واستمعوا إلى عمر وهو يروي قصص المظاهرة والاعتقال. كان يبتسم ويضحك وهو يذكر تفاصيل أصعب اللّحظات: كيف جمعوهم في ليلة المظاهرة في ساحة محطّة الشرطة، وكيف كان رجال الشرطة الذين شعروا بالاهانة من انسحابهم أمام الشباب يقتصّون منهم بالضرب والإهانات… تحدّث عن الفتى، حمّودي، ابن أبي مرزوق، الذي انكسرت قدمه في المواجهات، والذي قاموا بسحبه من البيت وواصلوا ضربه عمدًا على قدمه المكسورة…

بعد الاستماع لعمر قالت هيلة أنّ عندها أيضًا أخبار مهمّة يجب أن توصلها:

  • لازم تعرفوا إنّه هذه المظاهرة عملت اللّي عليها… بالرّغم من كلّ المشاكل والاعتقالات، ويمكن بفضل كلّ هاي الفوضى، صار في أمل كبير إنّه المصادرة تُلغى. كان في قبل عدّة أيام اجتماع عامّ لسكان الكيبوتس، هذا الاجتماع الذي تحدّثت عنه مع عمر قبل الاعتقال. أنا ومجموعة من الشباب طرحنا في هذا الاجتماع أن الكيبوتس لازم يتّخذ موقف ضدّ مصادرة التلّة. إذا بقي الأمر علينا، “محبّي العرب”، كان ممكن يتجاهلونا بكلّ سهولة. بس إسّى فهموا أن الموضوع يمكن يسبّب مشاكل لكلّ المنطقة. كنتوا لازم تشوفو “جادي” – والكلّ بيعرف إنه بيشتغل ضابط مخابرات في الضفة – وهو يتّهم إفراييم: “إنت عم تلعب بالنار. دواوينك بالآخر رح تكلّفنا كلّنا غالي!”… وإفراييم، لمّا شعر لوين الريح بيتهبّ، عمل نفسه كأنه مإلوش أي صلة بالموضوع، وهو بدّه يهدي الأمور أكثر منّا… ووعد أنه يتّصل في أقرب وقت بمختار القرية وإنهن يتوجهوا مع بعض للسّلطات المسؤولة ويطلبوا إعادة النظر في المشروع. هذا الملوَّن، بالآخر قال إنه كان من الممكن حلّ كل هذه القضية منذ زمان وأنه مستغرب ليش صديقه المختار لم يتوجّه له من قبل هيك بطلب المساعدة…

* * *

حلمي، “مختار” القرية، ليس عجوزًا، وليس رجلاً تقليديًا… فهو صاحب شركة مواصلات، ومن خلال عمله لديه علاقات مع الكيبوتس ومع العديد من المؤسّسات في المنطقة. ويعمل العديد من سكان القرية أجيرين لديه. إنه إنسان عملي ويحبّ مساعدة الجميع، لكنه ليس ذي تجربة أو علاقات في المواضيع السياسية الكبيرة عليه. عندما انفجرت قضيّة المحميّة الطبيعية ومصادرة التلّة شعر أنّها مشكلة أكبر من قدرته. كان يرأس اجتماعات اللجنة الشعبية ويسمع الجميع، ولكن دون أيّ إيمان في نجاعة اقتراحاتهم. كان يراقب بقلق تحرّكات الشباب وخاف أن يفاقموا المشكلة ويزيدوها تعقيدًا، وفكّر في الثمن الباهظ الذي من الممكن أن يدفعوه…

لذلك، عندما طرح عليه إفراييم، سكرتير الكيبوتس، أن يتوجّها سويًّا إلى الجهات المسؤولة، اعتبر الأمر هديّة من السماء. فـ”إفراييم” يعرف المسؤولين في الكثير من المكاتب الحكومية؛ منهم من يعرفه منذ أيّام خدمته في الجيش، ومنهم من هو معه في “الحزب”، إضافة إلى آخرين جلبهم اهتمامه في بناء العلاقات وجلب الميزانيّات للكيبوتس.

رتّب إفراييم جلسة خاصّة مع مسؤولين من وزارة الداخلية وسُلطة التخطيط وحماية الطبيعة، وسافر بصُحبة حلمي في سيّارته لحضور الجلسة في القدس.

* * *

بعد قيامه بإيصال إفراييم إلى الكيبوتس، عاد حلمي إلى البلدة مسرورًا، وأخذ ينفخ في بوق السيارة كالمشجّعين العائدين من لعبة كرة القدم بعد الانتصار. كان يتوقّف عند كل شخص يراه في الشارع من سكان القرية  ويصيح:

  • الحمد لله، لقينا حلّ لمشكلة التلّة.

وتوسّع حلمي المختار في الشرح، عندما تجمّع النّاس في ديوانه في ذلك المساء:

  • ما في حاجة كلّ التلّة تكون جزء من المحميّة الطبيعية. خبراء الطبيعة اللّي قعدنا معهم اعترفوا إنّه بالنسبة للحيوانات المحميّة بيكفي محميّة تمتدّ 200 متر من طرف الوادي. هاي المحميّة بيديرها الكيبوتس، بسّ إحنا رح نكون شركاء فيها. مصادرة باقي التلّة راح تُلغى بالاتّفاق مع الجميع.

لم يعتدْ عمر أن يتكلّم في لقاءات من هذا النوع، لكنّه شعر بأنّ ما يحدث هو خيانة لكلّ ما ناضل الناس من أجله:

  • يعني، نوافق على مصادرة مساحة 200 متر من أراضينا؟ التلّة مش رح تبقى تلّة من دون طرف الوادي…
  • ما هي الأرض هيك هيك مصادرة، أحسن ما تروح كلّها… ونسيت إشي مهمّ. اتفقت مع إفراييم نتوجّه مع بعض لقيادة الشرطة ونطلب مع توقيع الاتفاق تسكير الملفات ضدّ الشباب. وإفراييم وعدني شخصيًا إنّه طول ما الكيبوتس بيدير المحميّة الطبيعية مش رح يمنعوا أبو عمر يسقي غنماته من الوادي.
  • يعني، لازم نشكر الكيبوتس اللّي سمح لنا ندخل أراضينا ونشرّب غنماتنا من ميّة وادينا؟

* * *

الخيمة التي كانت على رأس التلّة، فكّوها وأعادوا تركيبها عند الوادي.. حيث سيُقام الاحتفال بالاتّفاق…

أتت هيلة مع العديد من الضّيوف من سكّان الكيبوتس. وجدت عمر وجلست إلى جانبه. هي كانت تريد أن تحتفل ولكنّها شعرت أنّ عمر في حالة من الاكتئاب. صمتت وهي تستمع إلى ملاحظاته…neighbors-for-peace

في مقدّمة خطبته شكر المختار الجميع على مشاركتهم في إفشال مخطّط مصادرة التلّة، ووجّه الشكر الخاصّ للجيران من الكيبوتس فذكر منهم بالاسم “الرّفيق الأمين إيفراييم”.

عندما قال المختار إنّ “هذا الاتّفاق هو إثبات على تشبّثنا بالأرض، قريةً وكيبوتسًا، جنبًا إلى جنْب” سمعت هيلة عمر يشتم المختار بالعربيّة وبالعبريّة، وشكرت ربّها أنّه لم يرفع الصّوت ليسمعه الجميع.

عندما انتشر الجميع بين طاولات الأكل والحلويات، أمسكت هيلة بإفراييم جانبًا وحاولت أن تقنعه بتغيير الاتفاق:

  • إذا كان ضروري هالمحميّة الطبيعية تكون على أرض القرية، ليش ما تكون تابعة للقرية نفسها… أو، على الأقل، ليش ما تكون مشتركة للقرية وللكيبوتس؟
  • صيانة المحميّة الطبيعية بدها استثمار مش قليل، وهاي القرية بالكاد عندها مصاري تزيد غرف صفوف للمدرسة، ومش راح يقدروا يشاركوا بتكلفة المحميّة. والأهمّ من هيك، بصراحة، من دون ما نجرح بمشاعر أيّ حدا، هون العرب مبيهتمّوش بالطبيعة. الإشي مش موجود بثقافتهم… يمكن، مع السنين، مع الاختلاط معنا، هالإشي رح يتغيّر كمان…

* * *

في شهر أيلول، مع اقتراب “عيد العُرش” اليهودي، بادر الكيبوتس لإقامة “عريشة السّلام” في أرض المحميّة الطبيعية، لتعزيز العلاقات مع الجيران العرب.

اتّصلت هيلة بعمر، وقال لها إنّه غير معنيّ بالمشاركة.

  • عرفت إنّك زعلان، والحق معك فعلاً. بسّ هاي فرصة. في كتير شباب من الكيبوتس راح يشاركوا وهم جايّين بنوايا طيّبة، بسّ ما بعرفوش ولا إشي. كان بيهمّني يلتقوا بشاب مثلك، بيقدر يحكي معهم دون خجل وبصراحة…
  • لا، يا هالة. تعزمونا على عريشة سلام فوق أرضنا اللّي أخذتوها منّا؟…. خلّي شباب الكيبوتس يكيّفوا مع المختار وأشكاله.

* * *

بعد ذلك بسنة أو بسنتين اتّصلت هيلة بعمر مرّة أخرى. شعر بخجل:

  • عرفتي إنّي راح أتجوّز عن قريب؟
  • سمعت، وبدّي أبارك لك بالعُرس… أنا مبسوطة كتير لإلك. ولأ، ما فيه حاجة تعزمني على العُرس، بفهمك. بس، المزبوط، أنا عم بتّصل معك لسبب. بالنسبة للأرض. عندي خبر مهمّ، وفكّرت إنّك يمكن بيهمّك تسمعه. هاي القضية بعدها بتخصّك وتخصّني.

اتّفقا أن يلتقيا في أحد المقاهي الهادئة في مدينة قريبة.

  • كلّه من إفراييم! ضحك علينا كلّنا من البداية. القضيّة مَكانتش قضية محميّة طبيعية. في مخطّط لشارع جديد يمرّ في الوادي، شارع سريع، أربع مسارات. كل قصّة المحميّة الطبيعية كانت مفتعلة من الأوّل عشان يسجّل مسار الشارع على إسم الكيبوتس. إسّى مقابل التنازل عن هالأرض، الكيبوتس راح ياخذ تعويضات بالملايين من الشركة اللّي بتبني الشارع. والأكثر من هيك، راح يبنوا مركز تجاري في الموقع اللّي فيه بستان أبوك، والكيبوتس هو صاحب هذا المركز.
  • أنا أرضي سلبوها، وما بيهمّني إذا صارت محميّة طبيعية أو مركز تجاري… إسّى دوركم… أنصبوا خيمة اعتصام للدّفاع عن المحميّة ونحنا بنيجي نتضامن معكم.
  • لا. تمزحش. هاي سرقة وعنصرية بنفس الوقت. حكيت مع إفراييم وقلتلّه رأيي، وهو زيّ العادة بيجاوبني بنفس التبريرات الفاضية العنصرية. بيقول إذا كان بدهن يصادروا الأرض من القرية بهدف بناء الشارع كانت رح تكون هناك مظاهرات أكثر ويمكن يسقط فيها قتلى. وبيقول إنّه لو كانت الأرض بإيد العرب الحكومة مَكانتش رح تعطيهم رخصة لبناء مركز تجاري ولا بأيّ بشكل. بس هيك، لمّا الكيبوتس هو اللّي يبني المركز التجاري، كمان العرب راح يستفيدوا. وحكالي بالآخر إنهن سمحوا لإبن المختار يفتح مطعم حمّص في المركز التجاري وإنهن هيك بيدعموا الاقتصاد العربي المستقل!aroma

* * *

تنظر مروة من شبّاك “أروما” وترى جدّها أبو عمر وهو يرعي الأغنام على رأس التلّة. جدار عالٍ يفصل بين ما تبقّى من أرض التلة اليابسة وبين المركز التجاري الجديد.

مروة تحبّ عملها في “أروما” – المحلّ هادئ ومكيَّف. لا يوجد ضغط كثير والعمّال والمدراء يتصرّفون بلطف.

لكنّ مروة لا تحبّ أكل “أروما”، وعندما تريد أن تأكل “طعامًا حقيقيًا” تبعث “جاي”، ابن الكيبوتس الذي يعمل معها، لكي يجلب لها من عند أبو حلمي مجدّرة أو بامية أو، بكلّ بساطة، ساندويتش حمّص.

(انتهت)

meeting-half-way-in-al-ittahad-2nd-part

 

 

لقاءات في منتصف الطريق

الجزء الأوّل

قصة قصيرة – نُشرت في ملحق الجمعة 14\10\2016 في جريدة الاتحاد

رسومات: إيريس بار

يحبّ عمر ابنته مروة كثيرًا ويريد لها أن تكبر كإنسانة مستقلّة واثقة بنفسها. لم يعترض عندما أنهت دراستها الثانوية، وبرغم علاماتها العالية أعلنت قرارها أنّها سوف تشتغل لفترة قبل استكمال دراستها. وجدت مروة لنفسها عملاً في مقهى “أروما” الجديد الذي فُتِح على طرف الشارع الرئيسي، وها هو أبوها يوصلها بسيارته إلى مكان عملها في يومها الأوّل.

عندما أوقف السيارة في المركز التجاري، رأى أمامه مطعم أبو حِلمي، مع لافتة باللّغة العبريّة فقط: “החומוסיה של אבו חילמי”. وتذكّر، وقال لمروة:

  • لا تنسي أنّنا أبدًا لن ندخل محلّ أبو حلمي…

* * *

كانت بداية القصّة قبل أكثر من عشرين سنة…

كان عُمر شابًّا في العشرينات، من أنشط الشباب في هذه القرية الصغيرة، وهو يعمل في البناء ويتعلّم ويجهّز نفسه ليبني حياته.

ذات يوم كان أبو عمر يرعي الغنم على “التلّة” – الأرض المرتفعة المليئة بالأحجار خلف بيته – ورجع إلى البيت منفعلاً:

  • أولاد الكلب… أجو بالجيب على التلّة… شكلهم مسّاحين. بلّشوا يدقّوا في الأرض عُصيّ… قلت لهم إنّ الأرض إلنا من جدّ الجدّ… قِمت العُصي وطردتهم… قلت لهم إذا بتبقوا هون بحرق الجيب… مين اللّي فوّتكو على هاي الأرض؟… وراحوا.

بعد عدّة أيّام، عاد المسّاحون مدعّمين بسيارتي شرطة. دقّوا الأعمدة، وقاموا بتصوير الأرض وسجّلوا ملاحظات في دفاترهم. في النهاية تركوا إعلانًا لجميع المعنيّين، يُعلمهم أنّ هذه الأرض قد صودرت بهدف إنشاء محميّة طبيعية. وحين احتجّ أبو عمر هدّدوه بالاعتقال.

في الأيام التالية اقتلع أبو عمر العمدان وواصل رعاية الغنم على التلّة… لكن هذا، في كلّ الأحوال، ليس حلاًّ، ولا هو يمنع المصادرة.

اجتمع سكّان البلدة واستنجدوا بكلّ من يمكن أن يساعدهم من سياسيّين ومحامين… لكن المهمّات الأكبر تحمّلها الشباب على عاتقهم فنصبوا خيمة على رأس التلة لحماية الأرض ولإثبات وجودهم عليها، تذكيرًا للجميع أنّهم في معركة مفتوحة للدفاع عن هذه الأرض.meeting_omars_father

في الأيام التي كان عمر يعمل فيها خارج البلدة، كان يعود من عمله ويصعد التلة ليسهر في الخيمة مع أصحابه إلى ما بعد منتصف الليل… وفي أيام العطلة كان يتواجد في الخيمة منذ ساعات الصباح الباكر… ومن خلال وجوده في الخيمة أخذ يساعد أباه في رعي الأغنام، وهو العمل الذي كان يرفض أيّة مشاركة فيه في السابق.

* * *

تمتدّ أرض “التلّة” من آخر بيوت القرية وتصعد حوالي خمسين مترًا ومن ثم تنحدر نحو الوادي… أرض التلّة خضراء في موسم الشتاء والربيع، وتجفّ في آخر الربيع ليتحوّل لونها إلى الأصفر. لكنّ المياه تبقى متدفّقة في مجرى الوادي على مدار أيّام السنة مبقية على حزام أخضر اللّون حولها… على طرف الوادي استصلح أبو عمر مساحة من الأرض فأزال منها الحجارة وصار يزرع فيها الخضروات وبعض الأشجار وشجيرات العنب؛ وكان يسقي مزروعاته من مياه الوادي.

أمّا الطرف الثاني للوادي وهو أرض الكيبوتس… فقد امتدّت فيه من أنابيب الريّ التي تصل كلّ الحقول بالمياه، حيث يقوم أعضاء الكيبوتس بزراعة ما يشتهون، فتبقى حقولهم خضراء طيلة فصل الصيف الحارّ…

كان عمر وأصدقاؤه يجتمعون في الخيمة على رأس التلّة وهم يخطّطون خطواتهم القادمة. كان من المقترح أن يقيموا مظاهرة في البلدة… ولم يكن الأمر بسيطًا، فلم تكن هذه القرية الصغيرة قد شهدت أيّة مظاهرة من قبل. وقد تراكمت الضغوط على الشباب منذ اللحظة الأولى التي طُرحت فيها فكرة المظاهرة. فمن جهة، قال بعض الأهالي لهم إنّ المظاهرة يمكن أن تتسبب بالمشاكل، معلّلين بأنّه “حرام تخرّبوا مستقبلكم”. ومن الجهة الأخرى بدأت الشرطة، التي وصلها الحديث عن المظاهرة، باستدعاء بعض الشباب للتحقيق معهم ولتهديدهم.

كان ذلك صباح السبت، حين وصل إلى الخيمة ثلاثة من الشباب اليهود، يصعدون التلّة من جهة الوادي. الصبيّة التي كانت تقودهم تحدّثت باسمهم، باللغة العبرية طبعًا:

  • نحنا من الكيبوتس، بسّ جينا نتضامن معكم. نحنا جيران وْوَلا مرّة كانت مشاكل بيننا.

دعاهم الشباب للجلوس وشرب القهوة في الخيمة. سأل الضيوف عن تفاصيل القضية وروى لهم عمر عن المسّاحين والشرطة وإعلان المحميّة الطبيعية، وعن الخطوات التي قام بها سكان القرية وعن المضايقات والتهديدات من قبل الشرطة.

عرّفت الصبية نفسها باسم “هيلة” وقالت:

  • الموضوع مش صُدفة. من شي سنة وأكتر نشروا بحث عن الطبيعة بهالمنطقة… بحسب هالبحث في هون أنواع خاصّة من الحيونات والنباتات، صعب تلاقي أمثالها في مناطق أخرى. إذا بدكوا تعارضوا إقامة المحميّة الطبيعية لازم المعارضة تعتمد كمان على بحث علمي.

كانت ردود فعل الشباب مختلفة. منهم من اعترض على الفكرة من أساسها، وشدّد على كون الأرض تابعة للقرية منذ الأزل ولا يحقّ لأحد أن يمدّ يده إليها، ومنهم من تساءل من أين وكيف باستطاعتهم جلب خبراء لإجراء بحث ينقض البحث الأوّل المسيء.

في نهاية الحديث، وعدت “هيلة” أن تحاول فحص الموضوع من خلال علاقاتها مع بعض خبراء الطبيعة، وقام الضيوف الثلاثة وعادو مشيًا إلى الكيبوتس.

* * *

كان عمر يقتاد أغنامه إلى الوادي لكي يوصلها إلى الماء عندما التقى بـ”هيلة” للمرّة الثانية – وكانت تحمل في يدها مجلّة.

  • أنا تعلّمت شويّة عن الطبيعة… بدل ما أخدم في الجيش، كنت مرشدة في مركز ينظّم جولات في الطبيعة… هاد هو البحث اللّي حكينا عنه واللّي بسببه أعلنوا المحميّة الطبيعية.. البحث من جامعة تل أبيب، اللّي موقّع عليه بروفسور مهمّ، ولكن الظاهر إنّ اللّي عمل البحث نفسه هُم عدد من الطلاب. عم بحاول أن أفحص بنفسي، يمكن وقعت أغلاط في النتائج…

أخذ عمر منها المجلّة وشرع في قراءتها.

  • عن جدّ هالضفادع وهالسّحلية كل هلقدّي مهمّات؟meeting_in_the_vally
  • إذا بتحبّ الأرض لازم تحبّ كل إللّي عليها… هاي المخلوقات كانت هون قبلنا… بنقدرش نيجي على هاي الأرض ونزرع فيها الخراب عشان نستهلك حاجتنا ونتركها بلا شي. وشو مع الأجيال الجاي؟
  • إذا كانت هاي الحيونات بعدها موجودة هون لليوم، يعني مفيشّ عليها خطر منّا ومن غنماتنا. غنماتنا بتشرب من هالوادي من آلاف السنين. هنّي بسّ بدهن يغلّبونا لأننا عرب.

ضحكت هيلة:

  • إذا كانت غنماتكم موجودة هون من آلاف السنين فهي بالأصل يهودية…
  • لا يا ستّي… كان هنا ألف شعب قبل أن يأتي اليهود من مصر، وحتى قبل أن يأتي سيدنا ابراهيم من العراق، ونحن وغنماتنا منهم.

ساعدها عمر في البحث عن أنواع الضفادع في الوادي ودعاها لتتناول الفواكه من بستان أبيه…

  • لمّا بحبشت ورا المقال، وصلت لكمان معلومة خطيرة… إنّه مش بالصدفة البحث انكتب. اللّي بادر له هو سكرتير الكيبوتس تبعنا، إفراييم. وهو اللّي سارع بعدين لاستغلال المقال وضغط على الهيئات المسؤولة منشان تعلن المحميّة الطبيعية. فقد يكون الكيبوتس هو المسؤول عن إنشاء وصيانة المحميّة…
  • مش غريبة. مْنعرف إنّ الكيبوتس هو أساس البلا. إنتي عارفة إنّ الكيبوتس تبعكووو مبني على أراضينا؟
  • كنت لازم أعرف… ولكن، بصراحة، ما فكّرت فيها.
  • الكيبوتس بعد فيه بناية من حجر، موجودة من قبل الثماني وأربعين. هاي البناية بناها سيدي في الثلاثينات، وأخذني هناك مرّة لمّا كنت ولد. بعد فيه على مدخل البيت حجر عليه اسم سيدي وتاريخ العمار. بفكّر هاي البناية تُستعمَل اليوم مُلتقى لشباب الكيبوتس…

ضحكت هيلة مرة أخرى:

  • “الزّولة” – هيك إحنا بنسميها…أكتر من نُصّها خربان. لازم تيجي وتفرجيني الحجر… بحياتي ما شفته.

* * *

قبل غروب الشمس كان عمر قد وصل إلى ما تبقّى من بيت جدّه، حيث كانت هيلة تنتظره. وقد وجد الخراب قد تفشّى في البيت منذ أن زاره مع جدّه المرحوم…  سقط سقف غرفة “اللّيوان”، والحيطان قد تصدّعت بفعل الأشجار التي كانت تنمو في كلّ زاوية في البيت. الغرفة الوحيدة التي بقيت صالحة للاستعمال هي غرفة النوم الداخلية، وقد كانت مفروشة بالفرشات وفيها بقايا الأكل والشراب… وتشهد الرسومات الملوّنة على حوائطها أنها تُستعمَل للحفلات والسهرات.

بحث عن الحجر الذي وضعه جدّه فوق مدخل البيت فوجده ملقىً بين الأعشاب، بالقرب من المدخل الرئيسي النصف متهدّم.

  • هذا اسم سيدي، الحاج ابراهيم عبد الله… وهون التاريخ اللّي انبنت فيه العمارة… السنة الهجرية… بسّ هي 1935.
  • مليح اللّي لقيته… أحسن تاخده معك. بعرفش إذا بتبقى هون وهي مرميّة، ومفيشّ حدا هون بيهتمّ بهاي الذكريات.
  • عارفة إنّنا عيّنّا المظاهرة ليوم السبت؟ دوريّات الشرطة بتحوم في البلد ليل نهار. رح يكون هاليوم يوم الأرض الخاصّ ببلدنا.
  • بدّي أجي أشارك في المظاهرة… راح تراجدوا عليّ؟
  • لا، بنحمّلك علم فلسطين…

صمتت هيلة كأنّها تزن كلامه. وتحدّثت، في نهاية الأمر، ببطء وبصوت خفيض:

  • هذا العلم لا يمثلني… بس أنا بفهم إنّه يعبّر عن نضالكم لأجل حقوقكم… لأجل الحرّية.
  • يا هيلة، يمكن اسمّيكي “هالة”، حلو الإسم؟ بتعرفي شو معناه؟ دائرة الضوّ التي ترسم حول رؤوس القدّيسين…
  • إنه نفس الشيء بالعبرية، “هيلة”، “هالة”، ببقى أنا نفسي…
  • أهلاً وسهلاً يا هالة، تعالي يوم السبت وشاركينا في المظاهرة، هاليوم مش رح ينتسى.
  • بس، يمكن “هيلة” راح تفيدكم أكثر. قلتلّك إنّ اللّي بيدفع الأمور ورا كلّ المشكلة هو سكرتير الكيبوتس، إفراييم هذا. بسّ يمكن نقدر نخلق معارضة إلو في الكيبوتس نفسه. هو مش محبوب كثير، وحوّل الكيبوتس كله لشركة تجارية هدفها الربح، وداس على ناس كثير في طريقه…

أشعلا النار وحضّرا العشاء وجلسا بالقرب من النّار وهما يتحدّثان عن الأيّام المصيرية التي تنتظرهم. كان عمر يتحدّث عن التحضيرات للمظاهرة، وعن التوتّر في البلدة، وعن كل التحوّلات والتطوّرات التي يمرّ فيها أهل البلدة خلال هذا الامتحان العصيب… وكانت هيلة تخطط كيف تحرّض أهل الكيبوتس على السكرتير اللّئيم، وكيف تُفهمهم خطورة الوضع الذي قد يقود إليه مشروع المصادرة، وكيف يمكن أن تجعلهم يحسّون بأنّ التصرّف غير الإنساني الذي يمارسه إفراييم والذي يتسبّب في المشاكل الاجتماعية في الكيبوتس، هو نفسه الذي يهدّد علاقتهم بالجيران.

وشعرا بأنّهما طاقم واحد قادر على إلغاء المصادرة وعلى تغيير الكثير في مجتمعيهما – وشعرا أنّ المشترك بينهما في نضالهما أكثر وأهمّ مما يفصل بينهما من تاريخ ولغة وثقافة… وقرّرا في نهاية الأمر أن يناما في غرفة “الزولة” لكي يستقبلا شروق الشمس من فوق أرض التلّة. فأخمدا النّار ودخلا في العتمة إلى الغرفة المفروشة… ولكنّ أحدًا منهما لم يغلق عينيه في تلك الليلة…

* * *

هل استطاع شباب البلد الخروج في مظاهرة عارمة؟ وماذا كان ردّ فعل السلطات؟ وهل استطاعت هيلة التأثير على موقف الكيبوتس لكي يدعم مطالب القرية المجاورة؟ وماذا سيكون مصير التلّة؟ تابعوا قراءة الجزء الثاني والأخير في العدد القادم.

meeting-half-way-in-al-ittahad

عام على اعتقال الشاعرة دارين طاطور – تضامن حول العالم

عتقلت الشاعرة دارين طاطور، من قرية الرينة، بسبب كتابات شاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. في الـ11 من اكتوبر 2015 اقتحمت الشرطة بيتها بمنتصف الليل، كبلت يدي الشاعرة ابنة الـ-34 عام وأخذتها. وفي الـ11 من أكتوبر 2016 مرّت سنة كاملة على اعتقال طاطور التي لا تزال رهن الاعتقال المنزلي في ظروف قاسية.

في الثاني من نوفمبر العام الماضي، قدمت ضد طاطور لائحة اتهام بادعاء التحريض للعنف ودعم تنظيم ارهابي. ترتكز التهم ضد طاطور على قصيدة بإسم “قاوم، يا شعبي، قاومهم” ومشاركتين على “الفيسبوك”، منهما مقولة “انا الشهيد إلي جاي” التي شاركتها، مثلها مثل العديد من الشباب، كردة فعل على جريمة قتل الفتى محمد أبو خضير.

المحاكمة ما زالت مستمرة في محكمة الصلح في الناصرة حيث ستعقد الجلسة القادمة في الـ17 من نوفمبر، ومن المتوقع ان تشهد دارين طاطور في هذه الجلسة. اذا ما تمت ادانتها بكافة التهم الموجهة لها فمن الممكن بأن تحاكم بالسجن لثماني سنوات.

طاطور قضت حتى الآن ثلاثة أشهر في سجون إسرائيلية مختلفة وستة أشهر أخرى بالاعتقال المنزلي في المنفى القصري في شقة بتل أبيب كان على عائلتها ان تتحمل تكاليفها. بنهاية شهر يوليو قرر القاضي في الناصرة بان بإمكانها متابعة السجن المنزلي ببيت عائلتها في الرينة. وقد جاء هذا القرار بعد ان قامت 250 شخصية، بينها ادباء معروفين، فنانين وشخصيات ثقافية أخرى، بنشر رسالة مفتوحة تطالب بإطلاق سراح طاطور: بين الموقعين على الرسالة نذكر نوعم تشومسكي، نعومي كلاين، دايف ايجرز، كلوديا رانكين وعشرة من الحائزين على جائزة “بوليتزر” وبينهم الاديبة المعروفة اليس ووكر والصحافية كاترين شولتس. أكثر من 7000 شخص وقعوا على الرسالة منذ ذلك الحين كما قام نشطاء بإطلاق حملة تضامن عالمية لدعم الشاعرة الشابة.news-of-free-dareen-tatour-petition-in-haaretz

وبمناسبة مرور عام على اعتقال طاطور، وقع 170 كاتبا وشاعرا ومفكرا على عريضة باللغة العبرية تطالب بالإفراج عنها وإلغاء التهم الموجهة لها، فقد نشرت صحيفة هآرتس خبرين حول هذه العريضة على موقعها الإلكتروني باللغتين العبرية والانجليزية. وبين الموقعين على العريضة الأديب الاسرائيلي إبراهيم جبريل يشوع، والشاعر توفيا روبنير، والبرفيسور في الفلسفة أفيشاي مرغليت، والرسام تسيبي جيفا.

قصة طاطور هي واحدة من بين قصص كثيرة. منذ اكتوبر 2015 وحتى يوليو 2016، اعتقلت حكومة اسرائيل حوالي 400 فلسطيني بسبب كتابات على الشبكات الاجتماعية، ذلك بحسب منظمات حقوقية. مع ذلك فقد اثارت قضيتها اهتماماً دولياً خاصاً مع الاخذ بعين الاعتبار انعكاساتها المخيفة على حقوق المواطن للفلسطينيين في إسرائيل، الحليفة الأقرب لحكومة الولايات المتحدة.

منظمة الكتاب العالمية “نادي القلم الدولي” (Pen International) تبنت قضية دارين طاطور كمثال للملاحقة التي يتعرض لها الكتاب والفنانين ولمحاولة قمع حرية التعبير. حيث عقد “نادي القلم الدولي” مؤتمره السنوي الـ82 في غاليسيا، إسبانيا، بمشاركة أكثر من 150 ممثل مما لا يقل عن 63 مركزاً. ومن خلال هذا المؤتمر، وفي الـ30 من أيلول 2016، بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، عبر المشاركين عن تضامنهم مع الشاعرة دارين طاطور من خلال قراءة شعرها وترجمة قصيدتها “شاعرة من وراء القضبان” إلى أكثر من عشر لغات. فقد نشر موقع “اللسعة” النص العربي الأصلي لقصيدة “شاعرة من وراء القضبان” بمناسبة سنة على اعتقال الشاعرة.

dareen-tatour-in-nazareth-court-september-6-2016-oren-ziv-activestills

دارين طاطور في محكمة الناصرة قبل جلسة المحاكمة – السادس من أيلول 2016 – تصوير أورن زيف، أكتيفستيلس

كما نشر موقع “عرب 48” في هذه المناسبة، مقال الشاعر سامي مهنا، رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48، تحت عنوان “اعتقال دارين طاطور: دولة تخاف من قصيدة“. وكتب مهنا: “هذه الإجراءات التعسفية الخطرة من قبل أجهزة الأمن والقضاء الاسرائيلي، ومن يقف وراءها من عقلية وفكر وتوجه داخل الأجهزة الأمنية العميقة، كجهاز الشاباك، تعيد إسرائيل برمتها إلى سنوات الملاحقات التي استهدفت الكلمة والموقف تلك الفترة التي تعرض فيها شعراء المقاومة الفلسطينية إلى الملاحقات والسجون والإقامات الجبرية، والتصفيات، التي ذهبت إلى ما وراء الحدود، كاغتيال الأديب الفلسطيني، غسان كنفاني، الذي لم يحمل سلاحاً يومًا، ولم يشارك في أي عملية عسكرية، ولم يقاوم ظروفه وظروف شعبه كمهجر من أرضه ووطنه قسرًا، سوى بقلمه، واغتيال الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وغيرهم.” وينهي مقاله بالنداء: “الحرية لدارين طاطور، وللمعتقلين والأسرى السياسيين، أسرى الحرية، الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية، والحرية للموقف والانتماء والكلمة الحرة وحق التعبير، ولن ترهبنا ممارسات القمع والاستهداف العنصري، وسنسعى دومًا، بالموقف والكلمة والعمل والنضال، لإحلال السلام العادل والمساواة، رغم أنف أعداء العدل والسلام.”

في اليوم نفسه، الـ11 من أكتوبر 2016، نشرت “مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان” بيان لها في اللغة الانجليزية تحت عنوان “تجريم الشعر: قضية دارين طاطور” يشمل تحليل الملف من النواحي القانونية. كما نشر موقع “Mondoweiss”، موقع مؤثر من الولايات المتحدة يختص بتغطية قضايا الشرق الأوسط، تقرير طويل للكاتبة “كيم جنسن” يغطي متجددات قضية طاطور منذ الجلسة الأخير للمحكمة في التاسع من ايلول. أمّا الموقع الإسرائيلي “حديث محلي” (سيحة مكوميت)، الذي يمكن انه اليوم أكثر موقع في اللغة العبرية يتابعه ناشطي اليسار،
فقد نشر مقال تحت عنوان “سنة على اعتقال الشاعرة دارين طاطور: على سهولة حرمان الحرية دون محاكمة“، ويركز المقال على قرار تمديد الاعتقال حتى انتهاء الاجراءات القانونية وعلى الاعتماد على لائحة الاتهام دون فحص الأدلة ومن ثم الضغط المتراكم على المتهمة للاعتراف أو للوصول إلى صفقة لتجنب مرحلة اعتقال أطول من العقاب المتوقع.

tweeter-report-on-october-11-2016

خصص نشطاء حملة التضامن مع طاطور في الولايات المتحدة يوم 11\10 لحملة تغريدات على موقع “تويتر” تدعي لاطلاق سراح الشاعرة. ومن المعروف ان نشاط التضامن مع طاطور في الولايات المتحدة مدعوم من حركتي “عدالة نيو يورك” و”صوت يهودي للسلام” التين تدعما حملة المقاطعة  ضد المؤسسة الصهيونية (BDS). فقد لقت حملة التغريدات استجابة واسعة، كما نرى في الصورة المرفقة.

تعليق الشاعر الفلسطيني من مدينة يافا محمود ابو عريشة بمناسبة سنة على اعتقال الشاعرة دارين طاطور

إن القمع الذي يتعرض له الأدباء الفلسطينيون قديم الأزل. هل تذكرون غسان كنفاني. لماذا اغتال الموساد هذا الشاعر والصحافي الفلسطيني الذي كان يمارس مهنته الشريفة مهجراً في لبنان؟ لقد مضت أربعة عقود على رحيله وكذلك على اغتيال الشاعر راشد حسين الذي أحرق حياً على يد الموساد في منزله في نيويورك  كما يقول أبناء عائلته. هذا الترصد للأدب والأدباء مخيف، وهو يميز الأنظمة القمعية والعصور المظلمة. كيف يقبل العالم “المتنور” بذلك؟ وكيف يتماشى مع حقوق الإنسان الذي يدعو العالم الغربي إلى احترامها وفي المقابل يدعم بكل القوة النظام الإسرائيلي القائم على التمييز والظلم؟

إن استمرار اعتقال دارين هو أولاً من مسؤولية هذه الدول ككل وليس فقط إسرائيل. مع ذلك فإنه يجدر بنا أن لا ننسى أحرار العالم شخوصاً من مختلف الدول الملتفين حول قضية دارين ومستمرين في دعمها، لهم كل التحية.

بيان حراك حيفا يدعو للتصدي لحملة الاعتقالات ضد التجمع الوطني الديمقراطي

لم يعد كافيًا أن نهتف لوقف الملاحقات السياسية. على جماهيرنا  ومؤسّساتنا وأحزابنا التصدّي لمحاولات الاستفراد بالحركة الوطنية بناشطيها وحراكاتها وأحزابها

بيان صادر عن حراك حيفا

شنّت السلطات الصهيونيّة هجمة أخرى ضدّ الحركة الوطنية الفلسطينية – هذه المرّة ضدّ حزب التجمّع الوطني الديمقراطي. تختلف الذرائع والوسائل في كلّ مرّة، كعادة السّلطات الصهيونيّة لدى ملاحقتنا في كلّ أرض فلسطين. نحن في حراك حيفا نعتبر هذه الهجمة موجّهة ضدّ شعب فلسطين كلّه لأنها محاولة لضرب وحدتنا النضاليّة عبر محاولات عزل الأحزاب عن عُمقها الجماهيري وزرع بذور الشِّقاق بين الأحزاب المختلفة وفي أوساط الناشطين أنفسهم.

إن عمليات اقتحام المنازل والاعتقالات الجماعية في ساعات الفجر لا هي خلَل ولا قصور يعتري المنظومة الصهيونية، وإنّما هي شكل من أشكال الممارسة الاستعمارية ضدّ أبناء شعبنا نعرفه جيدًا؛ وهي شاهد آخر على أن دافع هذه الهجمة ليس إداريًا وليس جنائيًا، بل ممارسة قمع قوميّ بغضّ النظر عن الذرائع.

ملاحقة الحركة الوطنية، والتي تجلّت في العام الأخير عبر قرارات حظر الحركة الإسلامية وحظر الحراك الشبابي في الضفة الغربية وأوامر الاستدعاء المخابراتيّة والتحقيقات مع ناشطينا، وأخيرًا عبر التحقيقات المالية وحملة الاعتقالات غير المسبوقة التي تجري بأمر من نخب سياسية صهيونية هي نفسُها فاسدة وغارقة حتى أنفها في الفساد المالي والإداري – هذه الملاحقة، نحن ننظر إليها باعتبارها معركة جديدة مفروضة علينا، وسنكون على قدر المسؤولية لكي نُسقط المؤامرة ونصدّ الهجمة من جديد.

الهجمة الأخيرة تكشف مجدّدًا وَهْم المراهنة على تعزيز “الدّيمقراطية” في معادلة “يهودية وديمقراطية”. نذكّر مجدّدًا أنّنا لسنا أمام دولة مؤسّسات قابلة للإصلاح بمنظور التحوّل الديمقراطي والاعتدال السياسي، فنحن نواجه كيانًا استعماريًّا وُلد من جريمة التطهير العرقي في فلسطين ويعتاش على الممارسات العنصرية ويرى وجودَنا على أرض وطننا عينَ “التطرّف”. من هنا، ندعو رفاقَنا في حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، شركاءَنا في ساحات النضال، إلى إعادة النظر في أطروحة “التغيير من الداخل” ومقولة استخدام منبر كنيست الكيان الصهيوني منصّة لرفع مطالبنا وعرض مظلوميّتنا. لقد ثبتت خسارة هذا الرّهان وتأكّد عدم اتّساق هذه الطروحات مع واقع الكيان وغاياته، ولذلك ندعوكم يا رفاقَنا إلى مراجعة مسألة المشاركة في انتخابات كنيست إسرائيل – لنتمسّكْ معًا بأهدافنا الوطنية العُليا دون تجزئة، ولنجدّ معًا في اجتراح سبُل النضال الأجدى.

كما في كلّ مرّة، يؤكّد حراك حيفا هذه المرّة أيضًا موقعه في هذه المعركة مصطفًّا إلى جانب أبناء شعبنا في السّجون وفي المنافي وتحت القصف وفي ساحات الاشتباك. نحن ندعو جميع أبناء شعبنا، أفرادًا وأحزابًا وحركات ومؤسّسات، إلى الانخراط في معركة الدفاع عن الحركة الوطنية في مواجهة آلة الدولة الصهيونية، مُدركين أنّنا شعب فلسطين – شعب واحد موحّد على دَرْب العودة وتحرير كلّ أرض فلسطين حتى آخر ذرّة من تُرابها الأقدَس.herak-haifa-logo

حراك حيفا

أيلول 2016