تخطى إلى المحتوى

ملاحظات على خواطر الرفيق عزمي حول وباء كورونا

أبريل 4, 2020

في هذا العالم المهموم فوق طاقاته بالخلافات بين البشر والطبقات والشعوب، وفي ظلّ هذا الضرر الذي تسببه الإنسانيّة لبيئتها الطبيعيّة، تُعيدنا أزمة فيروس كورونا إلى التناقض الأساسيّ الذي تميّز البشر من خلاله عن بقيّة أنواع الحيوانات: الصراع ضدّ القوى الطبيعيّة العشوائيّة، والسّعي إلى خلق بيئة تلائم احتياجات الحياة الإنسانيّة.

ليس كابوس الوباء هذا جديدّا على التّاريخ الإنساني، إذ يشبه فيروس كورونا بعض الفيروسات التي سبقته، ولكن الإنسانيّة التي تواجه كورونا هي التي قد تغيّرت كثيرًا: إنّها المرّة الأولى التي نواجه فيها تحدّيًا من هذا النوع وبهذا الحجم كإنسانيّة واحدة مترابطة؛ نقوم بملاحظة وعدّ واحتساب كلّ مصاب وكلّ متوفّ وكلّ ضحيّة لهذا المرض منذ يوم اكتشافه في الصّين وخلال فترة انتشاره في كلّ بلدان العالم. المرض واحد والإنسانيّة واحدة (والاقتصاد العالميّ واحد أيضًا). الإنسانيّة تغيّرت تتوحّد وتترابط، ولكنّ النظام السياسي (العالميّ) هو الذي لا يزال من مخلّفات عهد تاريخيٍّ بائدٍ يعتمد التقسيم: تقسيم العالم إلى دول وإمبراطوريات ومحاور وأحلاف وأحلاف مضادّة. وبهذا فإنّ محنة كورونا تشكّل امتحانًا قاسيًا لهذا النظام العالميّ بكلّ مركّباته ومجتمعاته ودوله.

يمكننا أن نتوقّع منذ الآن (ونحن لا زلنا على أعتاب هذه التجربة الكارثيّة) أن تسرّع نتائجها بعض التحوّلات التكنولوجيّة والمجتمعيّة والسياسيّة، ونأمل ونؤمن بأن الإنسانيّة سوف تستخلص الدروس المفيدة لكي تتغلب على هذا الوباء وتحول دون تكرار تفشّي الأوبئة في المستقبل وتستمر في بناء مجتمعات وأنظمة ونظام عالمي أكثر ملاءمة لحاجات البشريّة. ولكي نستفيد من هذه التجربة المأساويّة، فإنّ علينا أن نقرأ حيثيّاتها بشكل صحيح…

نشر موقع عرب 48 عدّة فصول من خواطر الدكتور عزمي بشارة حول أزمة فیروس كورونا المستجدّ، ابتداءً من يوم الجمعة 20\3. ولأنّ الدكتور بشارة من الأصوات المؤثّرة في العالم العربي، رأيت من المهمّ الردّ على بعض الأفكار التي نشرها، لأطرح وجهة نظر مختلفة.

ملاحظة قصيرة حول سياق هذا النقاش

التقيت بالدكتور عزمي بشارة في منتصف التسعينيات في مرحلة تشكيل حزب “التجمع الوطني الديمقراطيّ”. فقد بادرت حركة أبناء البلد (وأنا من بين ناشطيها) في ذلك الحين إلى تجميع كلّ القوى الوطنيّة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلة منذ 48 التي كان لها موقف نقديّ من اتفاقيّة “أوسلو” في جبهة عريضة تجسّدت عام 1996 على هيئة حزب “التجمع”. كانت المرجعيّة الفكريّة لحركة أبناء البلد الاشتراكيّة العلميّة، وعدم الرّضى عن مواقف الاتحاد السوفياتي بخصوص للقضيّة الفلسطينيّة قد حمى عقيدتنا الفكريّة من السّقوط مع سقوط الاتحاد السوفياتي. أما الرفيق الدكتور عزمي فكان من كوادر الحزب الشيوعي الإسرائيلي التي ابتعدت عن نهج الاشتراكيّة مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولكن التقينا واتفقنا على برنامج سياسيّ محدّد يخصّ القضيّة الفلسطينيّة… وبعد مرحلة قصيرة استنتجت حركة أبناء البلد أن نهج التجمع لا يتلاءم مع مبادئها فانفصلت عنه.

في العقد الماضي، مع ظهور ثورات “الربيع العربي” عام 2011 وما تبعها من صراعات وتقلّبات، تجدّد اهتمامي وازداد تقديري لمواقف الدكتور عزمي… بعد المرحلة الأولى من التفاؤل والحماس من حركة الجماهير الثوريّة “العفويّة”، قامت الكثير من الحركات والأحزاب التقدميّة التقليديّة بتغيير مواقفها وابتعدت عن حركة الجماهير؛ وعلى هذه الخلفيّة برز تمسّك بشارة بمبادئ الديمقراطيّة والتنوير وإدانة القمع الاستبداديّ كصوت نوعيّ يشير إلى إمكانيّة التقدم نحو الأهداف الأصليّة الضروريّة لخلق التغيير الديمقراطيّ في منطقتنا.

وها نحن أمام تحدٍّ مصيريّ جديد – كيف يقرأ الدكتور عزمي الخارطة العالميّة، وكيف يجب أن تُقرأ هذه الخارطة؟

مداخلة عن أهميّة الرؤية النقديّة

يبدأ بشارة خواطره بالتحذير من “تسييس نقاش الوباء” فيقول:

“تسییس الأوبئة الفیروسیة واستغلالھا في ترجیح موقف سیاسي ھو مركب من الجھل وقلة الضمیر. ومن مظاھر ھذا المركب الانقسام حولھا بموجب محاور سیاسیة، مثل امتداح الصین الاشتراكیة (ھي في الحقیقة رأسمالیة ذات نظام حكم دیكتاتوري شمولي، أي تجمع “المجدَیْن” الرأسمالیة والدیكتاتوریة)، وذم الدول الرأسمالیة الدیمقراطیة، إیطالیا وإسبانیا نماذجًا.”

يعني، امتداحنا للصّين التي تحرّكت بشكل سريع وحاسم في مرحلة أوليّة جدًا، قبل أن تتّضح تفاصيل هذا الوباء، وبالتالي نجاحها في وقف انتشار الوباء على أراضيها الشاسعة والدّفاع عن ناسها الكثر الفقراء، هو في نظر الدكتور عزمي “تسييس” و”جهل”. وذمّ الدول “الرأسمالیة الدیمقراطیة” التي أهملت ناسها بالرغم ممّا أمكنها تعلّمه من التجربة الصّينيّة هو، كما يقول، من الممنوعات و”قلة الضمير”.

بعد أن أرهبنا لئلّا نشير إلى هذه الحقيقة الواضحة بل السّاطعة، وحذّرنا من التسييس الذمّ، يستمر المتحدّث نفسه في ذمّ الصّين وتبرئة الأنظمة الرأسماليّة الغربيّة. ويُتوقّع منّا بالطبع، أن نؤمن بأنّ هذا الترهيب والذم والتبرئة، ليس جهلاً ولا تسييسًا للوباء.

لا بدّ هنا من أن نتساءل: اليس كشف الحقائق ونقاشها علنًا ومحاسبة الحكومات على تقصيرها من صُلب الديمقراطيّة التي نسعى إلى تحقيقها؟

ماذا الذي يعنيه لنا “الغرب”؟

من الواضح أن الدكتور عزمي قلق من تداعيات هذا الوباء الذي كشف أمام العالم عجز الأنظمة الرأسماليّة عن توفير الحماية الأساسيّة للبشر، وبعد أن حاول الدكتور منعنا من الحديث عن ذنوب الأنظمة في هذه المرحلة المؤلمة، يواصل تبريره لها:

“الدول الديمقراطيّة تأخرت في أخذ الوباء بالجديّة اللازمة، وھذا یحسب علیھا ولیس لھا. ولكن ترددھا في فرض منع التجوال والتحكم بحیاة المواطنین، واستخدام المناشدة في البدایة بدلًا من الأوامر وغیرھا من المعوقات، ھي من مزایا “نوعیة الحیاة” الأفضل في المجتمعات في غیر ظروف الطوارئ. الأنظمة السیاسیة لا تقیم بموجب سلوكھا في حالات الطوارئ، خلافا للبشر الذین غالبًا ما یظھر جوھرھم في حالات الطوارئ. علینا أن نمیز بین طبیعة الأنظمة وطبیعة البشر. ولكنه، على كل حال، درس كبیر لھا أن تكون مستعدة لمثل ھذه الحالات.”

يمكننا أن نتجاهل هنا المقياس الفلسفي الابداعي، الذي يميّز بين الأفراد الذين يقيّمون وفقَ سلوكهم في أوقات الطوارئ وبين الأنظمة التي لا يصحّ تقييمها وفق سلوكها في أوقات الطوارئ. فالحاجة أمّ الاختراع، كما يقال. ولكن لاحظوا معي أن بشارة الذي حذّرنا سابقاً من “ذمّ الدول الرأسمالیة الدیمقراطیة” يسمّيها الآن “الدول الديمقراطيّة”… بمعنى دول مجرّدة من مضمونها الطبقي، لأنّه يريد أن نمدحها للسّبب “النبيل” الذي جعلها تتردّد في وقاية مواطنيها، والسبب حسب بشارة: لأنّها حريصة على حرّية الناس و”نوعيّة” حياتهم وتأبى التحكّم بهم!

هنا، علينا أن نتساءل: هل من المفيد تغييب هذه الصفة (الرأسماليّة) عن هذه الأنظمة عندما ننظر في سبب تقصيرها وتأخّرها في محاربة الوباء؟ هلّ كل هذا التقصير نابع عن “ديمقراطيّتها” الناعمة الزائدة وعدم رغبتها في أن تفرض الخطوات الوقائيّة على البشر؟

بهذا التفسير والتغييب بمحو المحلّل، بخفة يد، عقوداً كاملة اتّسمت بتقليص الخدمات الطبيّة والاجتماعيّة والخصخصة وتفضيل الربح الخاصّ لقلة من الشركات العملاقة على مصلحة الأغلبيّة الساحقة من المواطنين. كما يتناسى الاعتبارات الاقتصاديّة القويّة التي تسبّبت في تأخير ردّ الفعل على تفشّي الوباء، ولا تزال تلعب دوراّ مركزيّا في حسابات الكثير من هذه الحكومات التي تخشى الخسائر الماليّة أكثر مما تخشى الخسائر في الأرواح.

هذا بالنسبة لتغييب صفة “الرأسماليّة” عن هذه الدول. أما بالنسبة للتأكيد على الصفة الثانية لهذه الأنظمة، الـ”ديمقراطيّة”، بوصفها نقيضا لتخلف الأنظمة الشموليّة في الدول الفقيرة، فهي أيضًا “تبرئة” غير مبرّرة للأولى. تشكل الرأسماليّة اليوم نظاماّ عالمياّ يشمل جميع مناحي الحياة كالاقتصاد والثقافة والصحة ومكافحة الأوبئة. وباتت الأنظمة الغربيّة توفّر الديمقراطيّة الشكليّة والرّفاهيّة (التي تتناقص تدريجيّاً) لمواطنيها بفضل تشديد الاستغلال والقمع بحق سائر البشريّة، سكان “العالم الثالث”، الذين يحرمون من مواردهم الطبيعيّة وينتجون معظم الناتج العالمي الذي يباع بأسعار زهيدة بشكل مذهل ولذلك لا تحسب له قيمة.

إن الغالبيّة العظمى من البشر، معدومي الحقوق، الذين تحكمهم هذه الأنظمة الرأسماليّة “الناعمة” من خلال نظام “أبارتهايد” عالمي، تزدهر من استثمار استغلالهم، وتتنصل من أيّة مسؤوليّة لتوفير حقوقهم أو أمنهم أو صحتهم، بل تقدم دعمها للأنظمة الديكتاتوريّة والنيوليبراليّة لكي تقمع وتمنع أيّة محاولة لتحسين ظروف حياة الجماهير. هؤلاء البؤساء هم، بالذات، المرشحون ليصيروا ضحايا كارثة شاملة ومرعبة، إن وصل الوباء إلى بلدانهم بسبب إهمال الدول الغربيّة.

إن أردنا الحديث عن “حكومات ديمقراطيّة”، بالمناسبة، فيمكننا أن نذكر بعض حكومات العالم الثالث، مثل الأرجنتين، وحتى حكومة الهند العنصريّة، التي أثبتت اهتماماً أكبر بصحّة شعوبها من حكومات الغرب، واتّخذت خطوات أشد صرامة لوقف الوباء في مرحلة أبكر من انتشارها في بلدانها.

باختصار، هل من المعقول أن ينسى أي محلل في العالم الثالث أن “الغرب” هو أساساً “الاستعمار” و”الامبرياليّة”؟ كيف يمكن أن نصدّق ادعاء الغرب بتبنّيه لقيم الديمقراطيّة؟ ألا تمثّل الديمقراطيّة لدى الغرب مجرد أسلوب لتأمين ولاء مواطني “مراكزه” عندما يستغلّ ويحكم ويظلم مواطني العالم، مثلها مثل “الخبز والسيرك” الذي كانت الإمبراطوريّة الرومانيّة توفّرهما لعامّة الشعب في عاصمتها؟ وإن كانت لهذا الغرب صلة حقيقيّة بقمّة الديمقراطيّة، فكيف يمكن تفسير حراسته الشديدة لبؤبؤ عينه، “الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط” – نظام الأبارتهايد الصهيونيّ على أرض فلسطين؟

هل قامت الصّين فعلا بالتستّر على المرض؟

من خلال اسكات أصوات “الجهلاء” التي تمدح بالصّين، يردّد الدكتور بشارة الأكذوبة المنتشرة في وسائل الإعلام الغربيّة، تلك الأكذوبة القائلة بأن “تستّر الصین على الوباء مدّة طویلة قد أسهم بانتشاره خارج الصین أیضًا”.

جميعنا نملك ذاكرة قصيرة، لكن من حسن حظّنا أن العالم الافتراضي والانترنت موجودان، والتّاريخ بعيد عنّا بمسافة بضع نقرات على لوحة المفاتيح فحسب.

قمت بالبحث في محرك غوغل عن مراحل تطوّر الوباء، فوجّهني إلى تقرير في صحيفة نيويورك تايمز (هنا بالإنجليزيّة). وسوف أستقي من هذا التقرير بضعة تفاصيل بسيطة لا أكثر:

  • في الـ31 من كانون الأول-ديسمبر 2019 أخبرت حكومة الصّين العالم أنها تواجه عشرات حالات الالتهاب الرئوي لسبب غير معروف. (وأشكّ إن كانت أيّة حكومة أخرى في العالم قادرة أصلاً على ملاحظة عشرات حالات المرض في منطقة ما… فضلًا عن إعلام العالم بذلك.)
  • في الـ-6 من كانون الثاني-يناير يخبرنا مراسل نيويورك تايمز من بكين بأنّ عدد المصابين بالمرض الجديد قد بلغ 59، لم يتوفّ أحد منهم بعد. ويواصل إخبارنا بأنّ الحكومة الصّينيّة أغلقت سوق الحيوانات الذي كان يشتبه بأنه مصدر المرض الجديد، وبأنّ عدّة دول في آسيا قد اتخذت خطوات وقائيّة على غرار فحص القادمين من مدينة ووهان.
  • في الـ-8 من كانون الثاني نقرأ أنّ “باحثين صينيّين قد اكتشفوا فيروسًا جديدًا يقف وراء مرض أصاب عشرات الأشخاص في أنحاء آسيا… لا يوجد دليل على أنّ الفيروس الجديد ينتشر بسهولة بواسطة البشر، مما يجعله خطيرًا بشكل خاص، ولم يتمّ ربطه بأيّة حالة وفاة. لكن مسؤولي الصحة في الصّين وأماكن أخرى يراقبونه بعناية للتأكد من أن التفشّي لا تطور إلى شيء أكثر خطورة.”
  • في الـ-10 من كانون الثاني نقرأ: “أعلنت وسائل الإعلام الحكوميّة الصّينيّة عن أوّل حالة وفاة معروفة بسبب فيروس جديد أصاب عشرات الأشخاص في الصّين… كان المتوفّي، ويبلغ من العمر 61 عامً، من الزبائن الدائمين في السوق في ووهان، وقد وجد أنه عانى في السّابق من أورام في البطن وأمراض الكبد المزمنة.”
  • في الـ-20 من كانون الثاني، يرصد تقرير منظمة الصحة العالميّة 6 حالات وفاة، كلها في ووهان، 278 حالة مرض في الصّين (منها 258 في ووهان) و4 حالات مرض خارج الصّين.
  • وفي الـ-23 من كانون الثاني “أغلقت السلطات الصّينيّة ووهان (مدينة مهمّة في وسط الصّين يصل عدد سكانها 11 مليون!)  ملغية الرحلات الجويّة وحركة القطارات التي تغادر وإلى المدينة، كما علّقت حركة الحافلات وقطارات الأنفاق والعّبارات داخلها. عند هذه النقطة، مات ما لا يقلّ عن 17 شخصًا وأصيب أكثر من 570 آخرين، بما في ذلك في تايوان واليابان وتايلاند وكوريا الجنوبيّة والولايات المتحدة.”

وأؤكد مجددًا أنّ كل هذه الأخبار كانت مواكبة مباشرة للحدث باللغة الإنجليزيّة ومن على صفحات نيويورك تايمز (وبقيّة صحف العالم ولغاته)، فأين التستر الذي استمرّ “لمدّة طويلة”، الذي يتحدّث عنه الدكتور؟

يعرف من يهمّة الأمر أن دولا عدّة في شرق آسيا، تحكمها أنظمة مختلفة، على غرار فيتنام وتايوان واليابان، تعاملت مع خطر كورونا بجديّة منذ البداية وتمكّنت من منع انتشار الوباء في بلدانها، أمّا الذي أعمى عيون الغرب، فلم يكن سوى عنصريّته واستعلاء وسطحيّة وفساد قياداته وإعلامه ومفكّريه.

ما هو سرّ نجاح الصّين؟

لا يخفي عن الرفيق عزمي بشارة أنّ “جهلنا” الذي يعبّر عنه امتداح سلوك الصّين الاشتراكيّة في هذه المرحلة يعتمد على حقيقة ثابتة تثير إعجاب العالم أجمع – نجاح حكومة الصّين في وقف الوباء على أراضيها. ولذلك يجد نفسه مضطرًاَ لتفسير هذا النجاح بشكل يتلاءم مع نظريته فيقول:

“يُحسب للصین سرعة ضبط الأوضاع ومحاربة الانتشار في بلدھا. ولا یُنسى أنّ قدراتھا الھائلة غیر المتوفرة للكثیر من الدول أسھمت في الأمر، وكذلك سھولة تنفیذ الأوامر والتحكّم بالسكان فیھا. في ھذه الحالة یصبح الانضباط شبه العسكري، والتنفیذ بصمت وخضوع، الذي یمیّز النظام الشمولي “فضیلةً”.”

ويسأل القارئ بداية، ما هي هذه “قدراتھا الھائلة غیر المتوفرة للكثیر من الدول”؟ هل وجدت الصّين الذهب أو النفط أو الغاز، أو استغلت المستعمرات والعبيد؟ والجواب طبعًا لا. لقد كانت الصّين من أفقر دول العالم قبل عدّة عقود ولا توجد فيها الموارد الطبيعيّة، وكلّ قدرتها المتوفرة اليوم هي ناتج عمل عمّالها وعلمائها. ولكن الصّين اليوم، من حيث الناتج المحلي الإجمالي لكلّ فرد، تعتبر من “دول الوسط”، مع ناتج بقيمة 16842 دولار (بعد أخذ فرق الأسعار بين الدول بالحسبان) مقابل ناتج بقيمة 59928 دولار للفرد في الولايات المتحدة. لماذا تستطيع الصّين، إذًا، توفير العلاج الصحّي من الفيروس للجميع؟ ثم: كيف تتمكن الصّين من إيقاف حركة اقتصادها العملاق على مدار شهور (دون حصول فوضى أو مجاعة) لكي تحافظ على صحّة وحياة البشر؟ هل هذا كلّه “بفضل” رأسماليتها ودكتاتوريتها، بحسب توصيف الدكتور عزمي؟ أم أنّ الصّين، لسبب ما، قد حدّدت أولوياتها بشكل أصحّ من دول الغرب الرأسماليّة؟

لا أريد أن أتطرق هنا لتحليل طابع الاقتصاد الصّينيّ الحديث، الذي خلق أكبر نموذج من التطور الاقتصادي في تاريخ البشريّة، فقد كتبت حول هذا الموضوع في عدّة مقالات سابقة. يكفي القول هنا أنّ الصّين قد أثبتت في هذا الاختبار التّاريخي، كما فعلت قبل ذلك في مناسبات عديدة، أنّ الشركات الرأسماليّة (المزدهرة) الموجودة فيها لا تتحكّم بقرارها السياسي، وهي بذلك تختلف عن دول الغرب التي تقدّس الرأسماليّة والربح الخاص.

كما ونذكّر أنّ حكومة الصّين، على عكس الكثير من الأنظمة الديكتاتوريّة والشموليّة التي نعرفها، ليست مَلكيّة ولا عائليّة ولا حُكم الفرد الواحد، ولا تخدم مصلحة فئة صغيرة من المقرّبين والمنتفعين. سؤال الإغلاق من عدمه في الصّين لم يُحسم بقرار فرديّ من الرّئيس – كما حدث في كلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا والهند مثلاً – بل كان مبنيا على تقييم علميّ، ورافقه نقاش وخلاف وسجال شارك فيه مختصّون ومختصّات من مجالات الصحّة والاقتصاد وغيرها.

وقد سمعنا كيف أعلنت الصّين “الحرب الشعبيّة ضد الفيروس”، وإن كانت نغمة هذا المصطلح غريبة على الأذن الغربيّة، فلا نتوقع أن تكون غريبة على شعوب عاشت القهر وتعتمد على استنفار وتضحيات جماهيرها للحصول على حريتها، بل كان مصطلح “الحرب الشعبيّة” جزءاً من قاموسها السياسيّ ويملأ أدبيّات وإعلام حركات التحرّر الوطني (ومنها الفلسطينيّة، على سبيل المثال). ومن يتابع أخبار الصّين تحت حصار الفيروس يعرف أن تنفيذ هذا القرار كان مهمّة التنظيمات الشعبيّة حتى مستوى اللجان المحليّة في كلّ منطقة وشارع ومجمّع سكني… وانتصر الشعب الصّينيّ في حربه على كورونا كما انتصر في معركة التحرير وبعدها في معركة التطوير.

فصل المقال

نراقب جميعًا الكارثة وهي تتطور يومًا بعد يوم إلى أبعاد مرعبة أكثر فأكثر… وعزاؤنا الوحيد هو أننا سنعمل بحزم على إصلاح مجتمعاتنا وتغيير أنظمتنا وإنشاء نظام عالميّ جديد مبنيّ بشكل أساسيّ على احتياجات الإنسانيّة، بعد انتهاء أزمة كورونا هذه، وبعد سقوط هذه الخسائر المذهلة في الأرواح.

إنّ تفسير النجاح في محاربة الفيروس باعتباره مرتكزاّ على الاستبداد، والإشارة إلى أنّ الفشل ناجم عن الديمقراطيّة والتسامح، يناقض الحقائق نعم، ولكنّه أكثر من ذلك يشوّش بوصلتنا جميعًا في طريقنا نحو التغيير.

 

اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: