تخطى إلى المحتوى

حراك طالعات يتجاوز مناهج السياسة الفلسطينيّة

سبتمبر 30, 2019

كنت أسير على عجل في ذلك المساء. إذ كان من المهم لدي ألّا أتأخّر عن المظاهرة الهامّة المنددة بقتل وتعنيف النّساء. لكنني قد فوجئت حين اقتربت أنا ومن معي من “ساحة الأسير” في الحي الألماني في حيفا، حين أدركت بأنني قد تأخرت فعلا، على الرغم من وصولنا إلى المكان قبل الموعد المحدّد في الدّعوة، إلا أننا قد شرعنا من بعيد، بسماع أصوات الهتافات. وهكذا، فقد أسرعنا المسير لكي ننضم إلى الجمهور المحتشد في الساحة.

* * *

جاءت المبادرة إلى إطلاق هذه المظاهرة من جانب مجموعة من الناشطات، من دون دعم أيّ حزبٍ أو تنظيمٍ أو مؤسسة. لكي ندرك الظّرف المحيط، علينا أن نذكّر بأن الدّعوة قد انطلقت في حمأة موسم الانتخابات الإسرائيليّة، أي في مرحلة كانت فيها جميع الأجهزة السياسيّة والإعلاميّة تعمل على استقطاب اهتمام الناس وتكريسه لصالح العمليّة الانتخابيّة التي ادّعت الحملة بأنها “مصيريّة”. وعلى الضدّ، فقد شكّل خروج الناشطات إلى الشّوارع والحارات لغرض توزيع المنشورات ولصق الإعلانات والتواصل مع الرجال والنّساء، معادلًا مهمًّا، في ظل إصرار القطب المعاكس، الذي يتمثل في الحملة الممولة بملايين الشّواقل لتشجيع الجمهور العربي الفلسطيني على المشاركة في الانتخابات.

Tal3at on Halisa wall with Mukata3a

طالعات – البديل الحقيقي لمحاولات الاندماج الفاشلة في السياسة الإسرائيلية

وفي حين تلخّصت رسالة كلّ من حملة الدّعوة للمشاركة في التصويت، والحملة الدعائيّة للقائمة المشتركة، في مقولة “امنحوا أصواتكم لممثليكم لكي يمنحوا ثقتكم، بدورهم، للجنرال غانتس” (وهذا ما حصل فعلًا، كما يعلم الجميع)، فقد نادت رسالة “طالعات” النّساء (وجميع المطالبات والمطالبين بالعدالة والحرّيّة) إلى رفع الصّوت في الشّوارع، وخلق التغيير في المجتمع بقوة نضالنا الشّعبي، والدّعوة إلى وحدة الحراك التحرري الشّعبي الفلسطيني رغم كل الحواجز والتشرذمات التي فرضها المستعمر.

* * *

تميّز الجّمهور الذي تجمّع في ساحة الأسير بالتنوّع، وقد كانت غالبيته من الشّابّات، ومنهنّ الناشطات المثابرات، ومنهنّ كانت هذه مظاهرتها الأولى. وقد لاحظت من بين المشاركات أيضا نسوة كبيرات في السّنّ، وبعضهنّ من المحجّبات. كما برز ظهور نسبةٍ ليست بالقليلة من الشّباب والنّاشطين الرّجال. لكن ما كان ظاهرَا، أيضًا، هو غياب القيادات الحزبيّة التي اعتادت على استغلال فرص الظهور الإعلاميّ والمشاركة في كلّ نشاطٍ جماهيريّ.

* * *

لم يتوقف الهتاف منذ لحظة وصولنا إلى ساحة الأسير إلى أن تفرق المتظاهرون بعد أكثر من ساعتين. وقد اشتملت الهتافات على العديد من الشّعارات التي تندد بتعنيف النّساء، وبعضها سردٌ للحالات الخاصة واحتوى على أسماء الضحايا على غرار “كلنا مع دلال داوود التي أخذت حقها ’بإيديها‘”، وقد هاجمت الهتافات من قالوا بأنها قد “انتحرت”، كما نددت الهتافات  بالموقف غير المكترث لبعض الناشطين الذكور بجرائم القتل مدعيا انتظار نتائج التحقيق في جرائم القتل، من خلال هتاف “هوّ ساكت ودمّي يسيل، وعم يستنّى التفاصيل”.

لكن الشّعارات لم تتوقف عند جرائم القتل والتّعنيف، فقد تم إطلاق هتافاتٍ تنادي بحرّيّة النّساء وسيادتهن على أجسادهن وحياتهن، مرورا بهتاف “الثورة ما إلها حدود،”، منادية بـ “وطن حرّ، نساء حرة” وصولا إلى الهتافات التحرريّة على غرار “كرامة، حرّيّة، عدالة اجتماعيّة”، أو في هذه المناسبة، “كرامة، حرّيّة، ثورة نسويّة”.

ومع ازدياد الاحتشاد الجماهيري في ساحة الأسير، انطلق الجميع في مسيرة حاشدة في جادة الكرمل، أغلقت بالكامل هذا الشّارع الرئيسي في الحي الألماني، وقد توقفت المسيرة عند المفترق الذي أطلق عليه المتظاهرون اسم “مفترق باسل الأعرج” بمزيد من الهتافات، ولغرض تمديد إغلاق شارع أللنبي، ومن ثم تحركت المسيرة نحو شارع الكرمة وقد قامت بإغلاق هذا الشّارع أيضا. وقد واصلت المسيرة مشوارها نحو شارع الجبل المحيط بوادي النسناس، ومنه عادت عبر شارع أللنبي إلى الحي الألماني ومن ثم ساحة الأسير.

وفي ساحة الأسير استمعنا إلى كلمات ألقتها المنظمات، وعبرت عن أهداف المظاهرة وطبيعة حراك “طالعات” وقد دعت الجميع إلى الاستمرار في التحرك لغرض خلق التغيير اللازم، ووعدت بمواصلة الحراك. وقد استمرت الشّابات ومعهن الشّباب في التجمهر والهتاف في ساحة الأسير لفترة طويلة بعد انتهاء البرنامج المخطط للفعاليّة.

* * *

انطلقت مظاهراتطالعات” في 12 موقعا في الوطن والشّتات: من رفح في قطاع غزة مرورا بالقدس ورام الله ويافا والطيبة والطيرة والناصرة وعرابة البطوف والجش، وحيفا وبيروت وبرلين. وقد قامت قوات الاحتلال بقمع مظاهرة “طالعات” في القدس بعنف شديد. والجدير ذكره أن تظاهرة الطيرة لم يتم التخطيط لها مسبقا، لكن مجموعة من النّساء قد قامت بتنظيم هذه الوقفة في بلدتها لكي يلتحقن بأخواتهنّ في باقي المواقع.

* * *

واحد من الشّعارات التي رفعتها المتظاهرات كانت “نحنا مش قضيّة مؤجلة”، فيما أكّدت المنظّمات في منشور الدّعوة إلى التظاهر بأن “قضيّة أمن وكرامة النّساء في فلسطين هي قضيتنا كمجتمع، وهي ليست قضيّة مؤجلة إلى ما بعد التحرر الوطني، بل هي قضيّة ذات أولويّة راهنة”. وقد حددت هدف المظاهرة في أنه يتمثل في إعادة “تعريف جوهر الخطاب والفعل السياسي التحرري الفلسطيني”. يشاكل هذا الإصرار على مواجهة القضايا الاجتماعيّة الملحة بحراك مجتمعي كل فلسطيني تغييرًا جوهريًا ضروريًا في منطق العمل النضالي والسياسي الفلسطيني.

في ظل موازين القوى غير المتكافئة التي تميل لصالح المستعمِّر، تبحث القيادات التقليديّة على مكان لها في الهوامش المحدودة المتاحة في أطار نظام الهيمنة، من خلال الحكم الذاتي الوهمي لـ”السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة” أو من خلال التمثيل في الكنيست الصهيوني. بيد أن تجربة العقود الأخيرة قد أظهرت كيف تكون نتيجة القبول بهذا الأفق المحدود التنازل على الطابع التحرري للنضال الفلسطيني والقبول بالتقسيم بين لاجئ ومقيم وبين التجمعات السّكّانيّة المختلفة داخل الوطن الواحد. وفي الوقت ذاته، تضمن تراكم وتكاثر القضايا الاجتماعيّة المختلفة من فقر وعنف وأزمة السكن وغيرها.

لكي نتمكن من مواجهة قضايا المجتمع بمجملها، فإن علينا أن نقوم، بصورة دقيقة، بتشخيص العلاقة بين نظام الاستعمار والأبارتهايد وبين البنية الداخليّة للمجتمع الفلسطيني، والعلاقة بين التحرر المجتمعي والتحرر الوطني. ما من شك في أن نظام الاستعمار هو السبب الرئيسي الذي يعيق تقدم المجتمع العربي (وهذا ينطبق أيضا على الدول التي حصلت على استقلالها الرسمي ولكنها تعاني من “الاستعمار الحديث” الاقتصادي والثقافي)، بيد أن البؤس والقمع والفساد الداخلي لا يمكن أن نعزوه فحسب إلى الاستعمار، هذا كله له آثار مباشرة ضارة على حياة الناس (وعلى حياة النّساء أكثر)، إذ أن هنالك من يستفيد من هذه الظروف ويعززها داخل المجتمع بنفسه، وهي تشكل عائقًا وحاجزًا يعيق التطور الشّخصي والمجتمعي والوطني في الآن ذاته.

* * *

بناء على ما تقدّم، يشكل حراك “طالعات” نموذجًا هامًّا، ليس فحسب في مجال مواجهة قضايا القتل والعنف تجاه النّساء، بل إنه يعدّ أيضًا نمطًا للتحرك الذّي من شأنه أن يشمل جميع قطاعات المجتمع الفلسطينيّ، وعلى رأسه الجّيل الجديد والنّساء ومجمل المضّطهدين والمهمّشين، الذين يمكن لهم أن يحققوا ، على الأقل، من خلال المطالبة بحقوقهم، رفعّا لمكانتهم في المجتمع. لقد أثبت حراك “طالعات” أيضَا الطاقة الإيجابيّة الكامنة في حراك شعبي موحّد يشمل الفلسطينيات والفلسطينيّين في جميع أماكن تواجدهم في الوطن والشّتات.

تعي المبادرات إلى إطلاق الحراك بأنهن “طالعات”، فعلًا، نحو مسارٍ جديد، وهو مسارٌ من شأنه أن يشكل المحور الأساسي لتجدد حركة التحرّر الفلسطينيّة، ولذلك، فقد اختتمن بيانهنّ بالقول بأنهنّ يأملن خلق “مراكمة نحو بناء حراك فلسطينيّ جامع”.  إن النجاح الباهر الذي حققته مظاهرات يوم الخميس 26 أيلول 2019 يشكّل دفعةً قويّةً باتّجاه تحقيق هذا الهدف.

* * *

ثلاثة مقاطع فيديو من المظاهرة في حيفا:

https://youtu.be/7vO8pBuWYLs

https://youtu.be/EKGV1WvjOP8

https://youtu.be/WQ6-t0vxJ7A

 

اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: