تخطى إلى المحتوى

عن الانتخابات ومقاطعتها… قصة شخصية جدا

سبتمبر 9, 2019

بقلم: رلى نصر-مزاوي

(تم نشر هذا المقال على صفحات الفيسبوك، ورأيت من المناسب إعادة نشره هنا)

لست ممن قاطعوا انتخابات الكنيست الصهيونيّ على مدى سنيّ حياتي؛ شاركت فيها ثلاث مرات، بترددٍ أحياناً، وبِفعْل المسايرة في أحيان أخرى. والحقيقة هي أنَّني أخجل من نفسي الآن على تلك المشاركة. لكن َّالحياة مدرسة، وما نحن – في فكرِنا وسلوكِنا ومواقفِنا – إلّا مجموع التجارب التي نمر بها. ولعلَّه من البديهيّ القول أنَّ تجاربَنا تُعلِّمنا أنَّه حتى عندما نُخطئ، يبقى باب التصحيح مفتوحاً، لمن يختار ألَّا يتقوقع في الدفاع عن خياراته السابقة، أو حتى خيارات عائلته أو حزبه أو أصدقائه. أخطأت، أقولها بملء الفم رغم الخجل، ولن أحاول تبرير الخطأ، ولن أُدافع أكثر عما أراه خطأً واضحاً، تعهَّدت أن أكون صادقةً مع نفسي ومع من هم حولي. وأنا على يقين أنَّ ما مررت به هنا في فلسطين المحتلة عام 1948 يُعبِّر عما تمر به الغالبيَّة العظمى.

وُلدت وكبرت في زمنٍ صار فيه الفلسطينيون من حملة الجنسيَّة الإسرائيليَّة يتعاملون مع مستعمِرهم على أنَّه واقع لا فرار منه. لم أسأل يوماً كيف استمرَّينا في الحياة بعد أن تغيَّرت جوهرياً مع فقدان كل شيء، البشر والحجر، البيوت والأهل والجيران والمجتمع. لم أتساءل عن الألم والخوف وعن شعور العجز الذي رافق الكثيرين إلى درجة الإطباق الكامل على ما حدث والامتناع عن سَرْد الأحداث. اعتقدت أنَّ جدتي وحدها كانت كذلك، أنَّ أهلي وحدهم تحاشوا كل ذلك. ولم أُفكِّر كيف بدأ الناس العمل في مؤسَّسات “الدولة” بهذه السرعة. وُلدت في هذا المكان وتنفَّست أجواءه بتناقضاتها. عرفت حقيقة التهجير والتطهير العرقيّ الذي قامت به الحركة الصهيونيّة تجاه أبناء شعبي. عرفتها كحقيقة في رأسي، وبقيت كذلك سنيناً طِوالاً؛ معلَّبة في رأسي بلا أثر يتجاوز تلك العلبة أو ذلك المربع. تعلَّمت (كما الجميع هنا) المنهاج الدراسيّ الذي اختارته “إسرائيل” لنا، وتعلَّمت بعدها في جامعة حيفا، درست علم النفس بدايةً في جامعة إسرائيليَّة، حيث يتباهى الأخصائيون النفسيون “العرب” بشهادات الجامعات الإسرائيليَّة ويعتبرونها متفوقة على شهادات كل الجامعات الأخرى في العالم. لم أعِ يومها معنى شعور الدونيَّة الذي تسرَّب من زوايا هذا الفكر.

بَقِيَت الأمور على حالِها، في قلبي كنت دائماً أعرف أنني فلسطينيَّة ولكنَّني أعيش هنا “خصوصيّة” هذا الداخل بلا أي شيء قد يحفّز رأسي أو قلبي أو كليهما للخوض في تساؤلات. حتى عندما كانت هذه التساؤلات تقرع أبواب قلبي، لم أجد إطاراً يمكنني من خلاله أن أصيغ هذه التساؤلات بالكلمات، أن أسمع نفسي وأنا أتساءل بصوتٍ عالٍ، أو أن أتحاور مع فلسطينيين آخرين حول واقعهم ورؤيتهم من أجل المشاركة في بناء مشروع تحرريّ فلسطينيّ واحد يعبِّر عن جميع الفلسطينيين.

سكنتْ وأكملت تعليمي في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وهناك بدأت أفهم معنى أن تكون فلسطينيَّاً. التقيت فلسطينيين تنقَّلوا من دولة إلى أخرى، مرّات ومرّات، سِيَر حياتهم كانت تحتاج للقاءات طويلة كي تستعرض حالة اللجوء الشخصيّ بطولِه وعرضِه. أخذتني الصدمة في أول لقاء كهذا، صديق صديقتي الإيطاليَّة، فلسطينيّ، مرَّ هو وعائلته بعذاباتِ يَصعُب تعدادها. كان قد سَرَد لي مسيرة لجوءٍ تكفي لشعوب الكرة الأرضيّة بأسرِها. من القدس إلى الأردن، إلى الكويت، إلى قطر، إلى السويد، إلى إيطاليا ثم أمريكا، مسارات لم يكن أي من محطاتها خياراً إراديَّاً حراً، إنما مسيرة حافلة بالقهر او الاضطرار. استشطت حَنَقاً، كنت أبكي، ولم أعرف ماذا عليّ أن أفعل. لم أعرف أصلاً أنَّها البدايات فقط وأنَّ قصص اللجوء الفلسطيني تملأ هذا الكوكب البائس. نعم، كنت بحاجة لأن أبتعد عن هذا الداخل لأرى الصورة الكاملة، لأتواصل مع نفسي ومع فلسطينيتي الممنوعة والمقموعة فوق أرضي ليس بقوة السلاح، إنما بقوة صهر الوعي لفلسطينيتي عبر منظومة متكاملة لا يسهل تشخيصها من الداخل.mukata3a 7ata al-3awda

عُدْت إلى البلاد، إلى فقاعة الخصوصيَّة التي نعيش فيها ونصدِّق كذبتنا التي صنعناها بأيدينا، تحت وطأة كيّ الوعي من جهة، والتخوين الذي طالنا من إخوتنا قبل موعده (أو ربما في موعده) من جهة أخرى. استمرَّت الأمور على هذا الحال، إلى أن التقيت للمرة الأولى عدداً من اللاجئين الفلسطينيين. العشرات منهم، من مخيم اليرموك، في لجوئِهم الثاني، في تعاسةٍ وتعب وبلا أمل. لحظة سماعهم لكلمة فلسطين غيَّر معادلة الألم، كم الحب الذي تفتح فجأة من ثنايا الخوف المتنامي على وجوههم بعد خروجهم من قوارب الموت، جعلني أشعر أنَّني بين أهلي، أهلي الذين لم أعرفهم، ولم يكونوا في البال كما يجب. يا إلهي كم أهملناهم! كم نسيناهم! كم نجحت المنظومة الاستعماريَّة بإبعادنا عنهم حتى أصبحوا خبراً نسمعه في النشرات الإخباريّة! نمتعض للظلم الذي يتعرضون له وكأنَّهم ليسوا مِنّا ولسنا منهم، ولا نعي أنَّنا نعيش نفس المعاناة، من نفس المُستعمِر المحتل، ولا نشعر أنَّ على عاتقنا وبإمكاننا القيام بدورنا من أجلنا جميعاً. كيف يكون الإنسان إنساناً في مكان ما في موقف ما في لحظة ما، ويتخلَّف عن أن يكون إنساناً في مكان آخر ولحظة أخرى وموقف آخر! يا لبشاعة ما يدمّره هذا الاستعمار فينا! وما أصعب ما نعيشه هنا دون أن نُدرِك. هنا صرنا “نحن” بالنسبة لي، لم نعد “نحن وهُم”. وهذا هو انتصاري الأكبر.

في السنوات الخمس الأخيرة بدأت بالانخراط إلى حد ما في حياة اللاجئين والمهجَّرين، وبفضلهم بدأت أرى الصورة الأوسع. كيف يمكننا أن نرى الصورة الأوسع هنا في فلسطين المحتلة عام 48 تحت شعارات الأحزاب التي تدعو الى “التعايش اليهوديّ العربيّ”، وتُعتَبَر بين الناس أحزاباً وطنيّة؟ أحزابٌ تدعو إلى المساواة والعدالة لكنها لا تتطرق لقضايا اللجوء والعودة إلَّا من باب الشعارات ورفع العتب؟ أحزاب لا تتورع أن تطلق علينا مسميات “عرب إسرائيل” و”الوسط العربي” بكل راحة وسهولة، ولا تخجل من اختلاق وهم المفاضلة بين طاغية صهيونيّ يساريّ على زميله اليمينيّ صاحب نفس الأجندة.

كالكثيرين غيري، كان شيء ما في داخلي يبحث عن العدالة المسلوبة، عن مواجهة للظلم والقمع. جاء خطاب “دولة لجميع مواطنيها” فرفع السقف قليلاً أو كثيراً. في ذلك الزمن وجدت فيه خطاباً ناريّاً إذا ما قارنته بخطاب التعايش الذي كان قد استنفَذ نفسه ليس فقط لمضمونه، وإنما أيضاً لكونِه نادياً مغلقاً على أصحابه. لكن، ماذا عن اللاجئين؟ ماذا عن أولئك الذين يقبعون في مخيمات اللجوء تحت الثلج حيناً وتحت وهج الشمس الذي لا يُطاق أحياناً أخرى؟ ماذا عن أولئك، مالكي الأرض الأصليين، أصحاب الأرض والبلاد؟

من يومها، صِرتُ ألتقي أبناء شعبي الفلسطينيين ممن يسكنون في شتى الأماكن، لا ألتقيهم لأشتري منهم بأسعار مخفضة، ولا ألتقيهم في مطاعم فاخرة لأحصل على خدمة ممتازة بسعر قليل. بدأت ألتقيهم كما ألتقي عائلتي، بدأنا نتحدث ونتحاور، نصغي ونتشارك التجارب والرؤى. هناك تعاظم فيّ شعوري بمعنى الوطن. فهمت للمرة الأولى أنَّ الوطن ليس كمشة تراب، أو بضع حجارة أو مساحة محدَّدة على وجه هذه الكرة. من يومها أدركت بعقلي وبقلبي أنَّني جزء من شعب عظيم، أنَّ مكاني الطبيعي هو ما سُلب مني، من بشر وحجر. تعلمت أنَّ العالم لا ينحصر فينا هنا في الداخل، كما علمتنا الأحزاب والحركات السياسيّة هنا عبر مصطلحات التعايش مرة ومصطلح دولة المواطنين مرة أخرى. تعلَّمت أنَّ البحث عن العدالة لا يكون باستجداء المُستعمِر، وأنَّ البحث عن المساواة مع المُستعمِر وَهْم، وأنَّ فيه خذلاناً لشعبي، بل ولإنسانيتي. بكل بساطة، لأنَّ أبناء شعبي حول العالم، هم أيضاً يريدون العودة وهذا حقهم الأساسي، وأنَّهم يستحقون الحياة بكرامة كما كل البشر.

المعرفة شيء والوعي شيء آخر. أن تعرف أنك فلسطيني شيء، وأن تعيش فلسطينيتك شيء آخر. إذا تجاوزنا الأحزاب وكوادرها، ووقفنا وقفة صدق مع الذات سنرى أنَّ معظمنا شارك بالتصويت لانتخابات الكنيست ليس لقناعة بمبدئيَّة التصويت، ولا حتّى أملاً في تحسين الحال، فجميعنا نعلم، بما في ذلك الأحزاب، أنَّ لا فائدة تُرجى من هكذا مشاركة. جميعنا يعلم أنَّ هذا الكيان لن يسمح يوماً بأن يكون هناك أي تأثير للفلسطينيين في الداخل على تحديد مجرى الأمور. جميعنا نعلم أنَّنا ندفع نفس الضرائب لكن شكل بلداتنا لا يشبه بتاتاً شكل المدن الإسرائيليَّة الجميلة المرفهة. كلنا نعلم أنَّ حالنا المزري ليس نِتاج فشلنا في معركة المساواة، بل لأنَّ هذا الكيان وُجِد ليلغي وجودنا بطرق شتى.

كبرنا على فكرة شرعيَّة التصويت للكنيست الإسرائيلي، و”النضال البرلمانيّ” كما يحلو للبعض تجميله، ولم تمنح الأحزاب نفسها فرصة للتفكير في هذه الخطوة ومعانيها وانعكاساتها ليس فقط علينا إنَّما على جميع الفلسطينيين أينما وجدوا. ماذا يعني تصويتنا للكنيست ووجودنا فيه:mukata3a na3am

– أنَّنا نقبل – برضى – أن نكون جزءاً من منظومة سلبتنا كل ما نملك.

– أنَّنا نقبل – برضى – كامل أن يتمتَّع المستعمِرون بامتيازات خاصّة على حسابنا.

– أنَّنا نرضى أن نكون “أقل” وبالقدر الذي يحدده لنا المُستعمِرون.

– أنَّ لا مشكلة لدينا في الظلم المفروض على أبناء شعبنا المشتتين في كل مكان، إذا ما حصلنا في المقابل على بعض فتات.

لا فائدة تُرجى من أن نكون جزءاً من المنظومة الاستعماريَّة التي شتتت معظم أبناء شعبنا ولا زالت تمنعهم من العودة، تحتل وتتحكم في كل شؤون الناس في المناطق المحتلة عام 1967، وتُطبِق الحصار على الأهل في غزة. مهما “وهبتنا” هذه المنظومة من “حقوق”، يبقى الإسرائيليّ يتفوق على الفلسطينيّ لا لشيء سوى لأنَّه المستعمِر الذي يتمتع بكل امتيازاته الإضافيَّة علينا وعلى حسابنا وعلى حساب معاناة أبناء شعبنا أصحاب الأرض الأصليين.

كلمة الحق قد لا تحرر وطناً الآن، لكنها تنقّي ضمائرنا وتسهم في بناء الوعي لأبنائنا حتى تحصيل الحق، حتى تفكيك المنظومة الاستعماريّة، حتى العودة والحياة بمساواة وعدالة ليس تحت شروط المُستعمِر بل بعد إنهاء حالة الاستعمار بالكامل، لتعود الأرض لأصحابها ومن عليها ليس حكراً لمن ينتمون لديانة معينة كما هو الحال منذ سبعين عاماً من المشاركة في الانتخابات.

لقد قرَّرت أن أقاطع انتخابات الكنيست الصهيوني لأحافظ على كرامتي، لأكون نداً وليس جزءاً من منظومة استعماريَّة قامعة، وكي لا أُسهِم في خذلان ملايين اللاجئين والمهجَّرين من أبناء شعبي المظلومين، هذا هو إرثي لأبنائي من بعدي. وأنت أيضاً تستطيع أن تفعل ذلك، حتى لو شاركت في الانتخابات عبر السنين، فالوطن والانتماء والكرامة ليست عادة ولا تحتمل المجاملة إنَّما هي إعلان موقف.

#قاطعي
#قاطع

 

اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: