تخطى إلى المحتوى

إحكِ الحقيقة… (عن الطائفيّة)

سبتمبر 14, 2018

(نُشرت هذه القصة القصيرة على صفحات جريدة المدينة الحيفاوية اليوم)

كان يوم 22 من أيار 2017 يومًا مميزًا. إذ حضرنا جلسة أخرى من جلسات محكمة الاعتقال للشاعرة دارين طاطور. وقد رفضت المحكمة مرة أخرى طلب إلغاء الإعتقال المنزلي المفروض على دارين، وهو الاعتقال الذي استمر لاحقًا أكثر من سنتين ونصف حتى تم الحكم عليها بالحبس الفعلي لمدة 5 شهور ومن ثم جرت إعادتها إلى السجن. إلا أن المحكمة، في هذا اليوم، قد سمحت بخروج دارين من موقع الاعتقال في بيت العائلة في الرّينة، لمدة عدة ساعات كل يوم، شريطة أن يرافقها “حراس مؤهلون” من أبناء العائلة. وفي تلك المناسبة، وانتهازا لنسيم الحرية الجديد، لن تعود دارين ومرافقيها بعد الجلسة إلى البيت، ولكنها، ولأول مرة منذ اعتقالها قبل أكثر من سنة ونصف، انطلقت للتجوّل في شوارع مدينتها الحبيبة، الناصرة، وكنّا نحن معها.

في هذا المقطع القصير، وبعد مرور أكثر من سنة على ذلك اليوم، لن أرغب أن أكتب فصلًا إضافيًا في القصة المشهورة لمحكمة الشاعرة طاطور. لكنني أريد أن أتطرق إلى حديث جانبي، دار خلال جولتنا في شوارع الناصرة، وأروي قصته المعقدة التي لم تنفك عن إشغالي حتى يومنا هذا.

كنّا نسير في أزقة السوق القديم باتجاه كنيسة البشارة حيث التقينا، عن طريق الصدفة، بمجموعة من الأجانب، يرافقهم ناشط محلي. توقفنا وطرحنا عليهم السلام، وقد علمنا أنهم ناشطين في حركات الدفاع عن حقوق الأقليات في الولايات المتحدة، وخصوصا من حركة “حياة السود مهمة”، وقد أتوا إلى فلسطين في جولة تعليمية\تضامنية، وكان صديقنا يرشدهم في رحلتهم في الناصرة.

سررنا بفرصة التعارف هذه، وقد طلبنا من المرشد أن يروي للأجانب المحترمين عن قضية محكمة دارين أيضًا. وشرع فعلا بالشرح إلا أنه لم يكن ملمّا بالتفاصيل، فطلبت إذنه وشرحت قضية المحكمة منذ بدايتها وحتى أخر جلسة محكمة في اليوم نفسه. كان شرحي قصيرا ولكنه كان وافيا، وشعرت أن الضيوف مسرورين لهذه الفرصة للقاء نموذج حي من قصص الصراع.

ولكن، عندما توقفتُ عن الحديث، ظهر عدم الارتياح عند صديقنا المرشد، وقال لي: “احكي لهم الحقيقة”.

اعتقدت أنني شرحت تفاصيل القضية بدقة وبصدق ولم أفهم أي حقيقة يريد ان احكيها، ولم أرد.

إلا أن، يبدو أن هذه الحقيقة التي غابت عنّي كانت واضحة للعديد من أفراد مجموعتنا، غير مجموعة الأجانب، وصار بعضهم يحثّني، عربًا ويهودًا وأجانب: “نعم، احكي لهم الحقيقة!”، “Yes, tell them the truth!”.

ذهلت، وكان حالي، كما يقولون، كحال “الأطرش في الزفة”. لم أفهم. “قد حكيت الحقيقة كما أعرفها،” أصرّيت. “فإن أخطأت في أمر، فصححوا خطأي”.

“كلا، لم تخطئ. ولكن قل لهم أنك يهودي!”

نفد صبري هنا. كان بعض الأحباء والأصدقاء يشعرون أن الأجانب، الذين كانوا من مختلف الأنواع والأعراق، والذين سمعوا كلامي المتزن والموضوعي، يمكن أن يغيب عنهم “مصدر الجذب” الرئيسي – أن من يتكلم هذا الكلام هو شخص من أصل يهودي… حاله كحال القرد الراقص في عروض الشوارع.

“OK, OK, I will tell the truth – طيب، سأحكي الحقيقة،” ضحكت.

“عليكم أن تعلمون أننا نعيش في مجتمع غارق في الطائفية،” أخذت أفسر للضيوف. “لقد سيطرت الصهيونية على كل تفكيرنا وتوقفنا عن التعامل مع الإنسان باعتباره إنسانا، وصرنا نتعامل معه أولا وأخيرًا بحسب انتمائه الطائفي. بل إن مفهوم الانتماء الطائفي عنّا، هو مفهوم خاطئ ومشوه بسبب الصهيونية. فاليهودية، كما أعرفها، دين. والدين إيمان وعقيدة. وانا، كشخص، لا أؤمن بهذا الدين وما من أية صلة لديّ به. ولكن الصهيونية تريد أن تقنعنا بأن الدين ينتقل بالوراثة وعن طريق الجينات… وأن ابن اليهودية هو يهوديّ حتمًا. وأنا أشعر بالأسف أن أصدقائي قد طلبوا منّي أن أعرّف نفسي إليكم باعتباري يهوديًا”.

وهكذا تكلمت الحقيقة، كما عثرت عليها في قلبي، للضيوف ولأصدقائي ولكم القراء.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: