تخطى إلى المحتوى

ثلاثة معتقلين في سيارة الشرطة

مارس 23, 2018

قصة قصيرة

رسمت: إيريس بار

يحدث، أحيانًا، أن يكون وقتك الذي تقضيه في سيارة الشرطة المرحلة الأهم في تجربة الاعتقال…
حصلت هذه القصة في عام 1984، حين تم انتخاب الفاشي مئير كاهانا لعضوية الكنيست الصهيوني. وقد بادر كاهانا إلى إطلاق حملة نشاطات تحريضية إسنادا لندائه بطرد جميع المواطنين العرب الفلسطينيين من البلاد. شملت هذه الحملة قيامه بـ”زيارات” استفزازية إلى مدن عربيّة، أشهرها زيارته لأم الفحم، كما عقد اجتماعات شعبية في المدن اليهودية تميّزت بإطلاق الشتائم البذيئة وهتاف “الموت للعرب!”

في حيفا، لم تفلح حملة كاهانا، ولم يتمكن، في أغلب الحالات، في جمع جمهور يردد هتافه العنصري… باستثناء اجتماع شعبي واحد في حي “كريات إليعيزر” اليهودي القريب من الأحياء العربية في البلدة التحتى ووادي النسناس. فقد اجتمع المئات من أنصار كاهانا في المركز التجاري لهذا الحيّ، تحت حماية بوليسية مشددة، ونصبت الشرطة حواجز وفصلت  بين رجال كاهانا وبين مئات آخرين من سكان المدينة العرب واليهود الذين قدموا للتصدي له.

تبادلت المجموعتان الهتافات المضادة والشتائم، ولكن اشتباك لم يحصل آنذاك. هذا ما جعل الشرطة، التي لم ترغب أن تترك المكان ويدها فارغة، أو، لنقل بشكل أدق: وسيارات اعتقالها فارغة ، تعتقل شابًّا كان يحمل مكّبر صوت يدوي. تم اقتياد الشاب إلى دورية الاعتقال، لينتظر إلى أن ينتهي الحدث، وذلك حتى يتم التحقيق معه بتهمة التحريض.

تذكر الشاب تجربته المريرة مع مكبّر الصوت، حيث حاول أكثر من مرة وضع بطاريات جديدة فيه. هذا النوع من مكبرات الصوت يحتاج إلى ثمانية بطاريات، قسم منها ينبغي أن يتوجه رأسه إلى الأعلى، أما القسم الآخر فينبغي أن يوضع بشكل معاكس، إلى الأسفل. وعندما أخطأ الشاب في ترتيب البطاريات، لم يتمكن من تشغيل المكبر. وأثناء تواجده في دورية الاعتقال، بانتظار معتقلين جدد، استغل الشاب وجوده بمفرده مع مكبر الصوت، وقام بقلب بعض البطاريات، ليضعها بعكس النظام المطلوب.

بعد قليل رآى الشاب رجال الشرطة وهم محمّلون بصيد جديد، يتقدمون نحو سيارة الاعتقال، دافعين بشابّين أمامهم، وكان الشابان يصرخان

–          شو بدكم منا؟ ما عملناش إشي!

كان الشابّان من ذوي العضلات المفتولة، والرؤوس الحامية، شاب عربي من مناهضي الفاشية، وشاب يهودي من أنصار كاهانا المتحمسين، وأثناء حمأة تبادلهما للشتائم والدفعات والتهديدات، تحدّى أحدهما الآخر قائلا له:

–          إن كنت رجلا فتعال إلى هنا!

ردّ عليه الآخر:

–          لا تختبئ وتدّعي الرجولة خلف رجال الشرطة. إن كنت رجلا حقا فدعنا نلتقي خلف البناية!

كليهما كان رجلا، بلا شك، ولا يمكن لكلمة أحدهما أن “تنزل الأرض”… ولكن رجال الشرطة قد سبقوهما وانتظروهما خلف البناية، وحين وصلا إلى مكان تواعدهما،  نفّذت الشرطة الاعتقال، وقامت بجرّهما إلى الدورية.

جلس رجال الشرطة في مقدمة السيارة مقتادين صيدهم الثمين لذلك اليوم نحو محطة الشرطة ومن ثم إلى قسم التحقيقات.

هناك، اتضح بأن  المحقق ليس “أهبلا” فحين قال له صاحب مكبّر الصوت أنه لا يمكن اتهامه بالتحريض لأنه لم يقم باستخدام الجهاز الذي لا يعمل أصلا، قال له المحقق:

–          لا تحاول الضحك علي… فمن الممكن أن تكون أنت من قام بخلط البطاريات. سأفحص الآن.

وهكذا، فقد قضى الشاب الوقت المتبقي من جلسة التحقيق متأملا الضابط وهو يقوم بإخراج البطاريات من موقعها ويعيد إدخالها إلى الجهاز، ويعيد الكرّة المرة تلو الأخرى.. فيما التزم المكبر العنيد الصمت، رغم المحاولات العديدة للضابط. وهكذا انتهى التحقيق على هذه الصورة.

ما الذي حصل، إذا، مع الرجال الرجال؟ الرجلين الحقيقيين جدا؟

لقد تعلّم صاحبنا، الذي كان اعتقل وهو يحمل مكبّر الصوت، في الجامعة،  نظرية “معضلة السجينين” التي تثبت علميًّا، كيف يقوم كل سجين بالشهادة ضد زميله الآخر، وهكذا فإن كليهما يتورطان في نهاية المطاف… فقد قام رجال الشرطة بالفصل بينهما، وأخذوا كلا منهما إلى التحقيق على انفراد.

ما نسيه من صاغوا نظرية “معضلة السجينين” هو أن نظريتهم لا تشمل مرحلة نقل السجينين في سيارة شرطة واحدة، حيث اتفقا، كليهما، على إنكار أية نية لديهما في الشجار، ونفي قيامهما بتوعد بعضهما البعض…

وهكذا، خرج الثلاثة من محطة الشرطة في ذات الليلة، أحرارا. وقد عانقوا بعضهم بحرارة قبل أن يتوجه، كلّ إلى سبيله.

(تم نشر هذه القصة اليوم في جريدة المدينة الحيفاوية)

 

Advertisements
اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: