تخطى إلى المحتوى

حراك حيفا ينظم ندوة حول مستقبل الاشتراكية

نوفمبر 22, 2017

بمناسبة الذكرى المئوية لانتصار الثورة الاشتراكية في روسيا

مساء يوم الثلاثاء 7\11، وفي ظل البرد الخريفي الأوّل، اكتظ الزقاق الصغير في قلب وادي النسناس، المؤدي إلى المقرّ الجديد لـ”نادي حيفا الغد”، بعشرات الشابات والشبان الذين لبّوا دعوة حراك حيفا لحضور ندوة مميزة، بمناسبة مرور مائة عام على انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا وانطلاقة أول تجربة عصرية لقيام نظام خالٍ من الاستغلال، في 7\11\1917.

افتتح الميسر، الكاتب الشاب مجد كيال، الندوة موضحا بأن موضوع الندوة لن يتركز على الذكرى والأحداث التاريخية بل على مستقبل الاشتراكية، لأنّ نشاطنا كله مبني على الأمل في العثور على حلول لقضايا مجتمعنا ولبناء مجتمع أفضل، حيث ننظر إلى الاشتراكية والمواقف اليسارية باعتبارها مصادر للإلهام وللتحليل وللفكر لصناعة هذا المستقبل.

قدم المتحدث الأول، المناضل سلمان فخر الدين من الجولان السوري المحتل، رؤيا نقدية لمسار الاتحاد السوفياتي منذ المراحل الأولى لتأسيسه، ولتفضيل النمط السلطوي على الحركة الشعبية وتغييب الديمقراطية التي هي ضمان الحفاظ على مكاسب الجماهير ما بعد الثورة. فقد تطورت الأمور، كما شرحها، باتجاه بناء دولة قمعية (ومن طبيعة الدولة أنها قمعية في كل الأحوال) ومن ثم آلت الأمور إلى سيطرة النهج القومي-الروسي وسيطرة الجهاز المركزي على الحركة الثورية العالمية.Nadwat AlIshterakiya - Hudur filming

وشرح فخر الدين كيف وصل الحال بعد الحرب العالمية الثانية إلى تقسيم العالم بين معسكرين، وكيف تميز المعسكر الاشتراكي تحت قيادة الاتحاد السوفياتي بتغلب الطابع العسكري على الصراع، بدلا من التنافس على تلبية حاجات الجماهير، في الوقت الذي تبنت فيه العديد من الدول الرأسمالية مطالب أساسية من حقوق الإنسان وحقوق العمال كجزء من نظامها. وواصل سلمان الشرح حول مآل هذه الإخفاقات التي أودت بالاتحاد السوفياتي والدول المرتبطة به إلى الانهيار “من دون أن تُطلق رصاصة واحدة”.

أمّا القسم الأخير من مداخلته خصصه فخر الدين لتوجيه النقد الحاد إلى ما وصلنا إليه اليوم في ظل النظام الرأسمالي، وتعميق الفجوات بين القلة القليلة من الأغنياء وبين أغلبية سكان الأرض، وقد ألمح إلى أن الاشتراكية ما زالت مطلب الساعة، ولكن بوجه آخر، تحرري، ديمقراطي وإنساني.

بدأ المتحدث الثاني، عضو حراك حيفا يوآب حيفاوي، حديثه باستفتاء رأي الحضور حول “من هي الدولة التي تملك الاقتصاد الأكبر في العالم؟”. وقد فوجئ حين وجد أن إجابات الأغلبية كانت “الصين” لا “الولايات المتحدة”. تاليا، أكد المتحدث أن المعطيات الرسمية تفيد بأن الاقتصاد الصيني قد أصبح الاقتصاد الأكبر في العالم منذ العام 2014، ولكن، بالرغم من ذلك، لا تزال الصحافة الرأسمالية تصفه باعتباره الاقتصاد الثاني في العالم.Nadwat AlIshterakiya - Hudur entrance

وقال أن أهمية تجربة الثورة الروسية وإقامة الاتحاد السوفياتي كانت في انتقال نضال العمال من مرحلة المطالبة بحقوق ضمن النظام الرأسمالي إلى مرحلة خلق البديل له. وقد لحقت بتجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي تجارب أخرى منها من فشل ومنها من لا يزال مستمرا في البحث عن الطريق. كما أضاف أن النمو السريع لاقتصاد الصين قد يثبت أنه من الممكن إدارة اقتصاد من نوع آخر والنجاح في التوصل إلى تطور يتفوق على التطور الرأسمالي.

وركز يوآب على الصعوبات في بناء المجتمع الاشتراكي، وذكر من بين أسبابها كونها تجربة جديدة لتحويل الحكم إلى طبقة لا تملك وسائل الإنتاج قبل وصولها إلى الحكم السياسي، حيث تفتقر هذه الطبقة إلى التجربة المسبقة في إدارة الاقتصاد والدولة. وأنهى كلامه بالتأكيد أن صعود الصين الاشتراكية قد يغير قوانين اللعبة على مستوى العالم أجمع، كما أنّه سيوفر إمكانيات جديدة أمامنا في نضالنا نحو الحرية والعدالة الاجتماعية.

الكاتب والصحفي هشام نفاع تحدّث بدوره عن مركزية تأثير الاتحاد السوفياتي في تكوين هوية وفكر الأجيال القادمة من اليساريين في العالم العربي، كما تحدث عن الصدمة الكبرى التي تركها انهيار الأنظمة الاشتراكية على الأحزاب الشيوعية العربية والنشطاء التقدميين. ومن هنا انتقل لشرح التحدي القائم اليوم وصعوبة التعريف من هو اليساري. وقد شدد نفّاع على أن دعم وتبني حقوق الإنسان أو المواقف الليبرالية والديمقراطية، على الرغم من أهميتها، ليس كافيا لتوصيف حامليها باليساريين أو الاشتراكيين.Nadwat AlIshterakiya - Hudur

وأكد نفّاع أنه من غير الممكن، حتى اليوم، تطوير فكر يساري معزول عن تجربة الثورة الروسية ومحاولات إقامة الأنظمة الاشتراكية، على الرغم من الفشل الذي آلت إليه هذه التجربة. وشدد على أهمية الموقف الأممي في تكوين الفكر اليساري وفي صياغة المشروع الذي يجب على اليسار أن يجهد لتنفيذه، وأشار إلى الخطورة الكامنة في أن تتسبب “سياسة الهويات” بإبعادنا عن مبادئ الأممية. كما وأكد بأن الطرح اليساري لا يمكن أن يكتفى بمطالبة التحسينات والتعديلات على النظام الرأسمالي، بل إنه يتوجب على اليسار أن يطرح نفسه كمشروع حكم، وأن يسعي لبناء نظام بديل. جاء هذا، على الرغم من تأكيده على مقولة أن الدولة، أية دولة، هي جهاز قمعي، ولكنه أضاف بأن بناء دول اشتراكية هو شر لا بد منه.

هذا، وقد انتقد نفّاع مواقف العديد من الأحزاب الشيوعية والمفكرين العرب الذين لم يتعاطوا حتى اليوم مع تجربة الأنظمة الاشتراكية مستخدمين أساليب التفكيك والنقد العلمي للاستفادة من التجربة، واكتفائهم بتبني ما يشبه الفكر الغيبي في التعامل مع المعسكر الاشتراكي باعتباره الفردوس الأول الذي طُردنا منه، وحديثهم عن الحتمية التاريخية لانتصار اليسار بشكل منزوع عن رؤية وعمل ومشروع سياسي. بناء عليه، تساءل نفّاع: “هل يوجد اليوم يسار عربي أصلًا؟”

بعد الجولة الأولى، دعا ميسّر الندوة الجمهور إلى جولة من تبادل الملاحظات، حيث أشار يورام بار حاييم، معلقا على كلام نفاع بخصوص الأممية، مقتبسا “نائب القائد ماركوس”، المتحدث الرسمى باسم حركة زاباتيستا في المكسيك، الذي عرف نفسه أنه “مثلي في سان فرنسيسكو، أسود في جنوب أفريقيا، فلسطيني في إسرائيل ويهودي في ألمانيا، ألخ”. وأكد يورام أن تعزيز الهويات للمجموعات المستضعفة، بما فيها الدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية للنساء، على سبيل المثال، أو الوطنية الفلسطينية أو دعم الوحدة العربية، هي من مصلحة العمال والمضطهدين ولا تتناقض مع الأممية بل تكون تعبيرا ملموسا عنها.

وقد دعا مهند أبو غوش إلى توسيع تحليلنا لتجارب اليسار لكي يشمل تجارب الحركات الثورية حول العالم، وخصوصا على المستوى الفلسطيني والعربي، وهي تجارب في معظمها لم تصل إلى سدة الحكم. كما أشار إلى وجود العديد من التجارب اليسارية والماركسية الثورية الواقعة خارج هيمنة الاتحاد السوفياتي ومنها من لم يتبن مدرسة لينين. كما تكلم حول الطابع الفلسفي للماركسية الذي هو أعمق من ترجماته للشعارات السياسية المحدودة، وعلى الارتباط العضوي لهذه الفلسفة بالطبقة العاملة من جهة وصعوبة ترجمة هذه الفلسفة لنهج ملموس يفهمه العمال.Nadwat AlIshterakiya - Mutakalemin alone

وقد اعترض أحد المشاركين، الذي لم يعرّف عن اسمه، على توصيف الصين باعتبارها دولة اشتراكية مدعيا بأن الدولة الصينية تستغل العمال، حالها في ذلك كحال أصحاب العمل الرأسماليين. كما قال بأن العمال في الصين يعيشون ظروف مزرية وبأنهم معدومو الحقوق، ولذلك يجب اعتبارها دولة رأسمالية فاحشة. كما تساءل ما هو البديل للدولة القمعية التي نرفضها؟

وشاركت رلى خلايلة بلفت النظر إلى غياب الرؤيا النسوية أثناء استعراض المواضيع في الندوة، ملاحظة أن المرأة الوحيدة التي كان من المخطط مشاركتها في البرنامج، وهي الكاتبة رجاء زعبي-عمري، قد اعتذرت على الحضور. وأكدت أن من إخفاقات الحركات اليسارية على مدى السنين المائة، التي نتحدث عنها، كان تهميش دور المرأة في المجتمع، وعدم الاهتمام الكافي بحقوقها، بل إن بعض هذه الحركات، حتى حين التجأت في بعض الحالات، إلى تمجيد المرأة فهذا لم يغير من حالة تهميشها. كما أكدت خلايلة على ضرورة تفكيك ومعالجة مجمع علاقات القوة في المجتمع بما فيها الطبقية، ولأيضًا العلاقات الجندرية، مدعية أننا إن لم نعمل عليها بشكل واعي ومستديم، فقد تعود علاقات القوة القديمة لتعيد إنتاج نفسها وتعيدنا إلى الوضع القمعي التي ورثناه.

وذكرت إيريس بار أنه وعلى الرغم من الإخفاقات في التطبيق فإن الفكر اليساري قد طرح أمام الإنسانية مجموعة جديدة من القيَّم والأهداف السامية لم تكن موجودة في العقائد التي سبقته، منها المساواة التامة بين المرأة والرجل، ومنها الرفض المطلق لتقسيم العالم بين فقراء وأغنياء. ولذلك، فإن وجدنا فروقات طبقية أو زعماء يعيشون في حال أفضل من شعوبهم في الدول الاشتراكية مثل الاتحاد السوفياتي أو الصين أو كوبا، فهذه غلطة ننتقدها جميعًا. ولكن ، وفي المقابل، فإن الفجوات القائمة بين الفقراء والأغنياء في الدول الرأسمالية ليست أمرا شاذا بل إنها من أسس وطبيعة النظام.

وقد انتهى الحوار مع تأكيد الجميع على ضرورة الاستمرار بمثل هذه الحوارات لتكوين رؤية يسارية عصرية، مع استخلاص عبر الماضي دون تهاون، ولكن مع النظر إلى دورنا في بناء المستقبل الأفضل.

ملاحظة:

تم تسجيل فيديو للندوة ونشرها في حلقتين، الأولى والثانية.

كما نشر، تمهيدًا للندوة، مقال بعنوان “من انتصار الثورة الروسية إلى صعود الاشتراكية الصينية” في “حيفا الحرة” وفي “عرب 48“.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: