Skip to content

بين عيد ميلاد… وعيد ميلاد

أبريل 24, 2017

قصة قصيرة – مع كل الحب لأولاد الحليصة…

(نُشرت هذه القصة من على صفحات جريدة المدينة الحيفاوية في 7 نيسان 2017)

تسكن مريم في هذه الحارة على طرف الجبل. هنا وُلدت وهنا تتعلّم، وجميع صاحباتها من بنات الحارة.

تعمل أمّ مريم في تنظيف بيوت “الخواجات”. والدها المريض يرقد أحيانًا أسابيع أو أشهر في المستشفى. يبقى، أحيانًا، في البيت أو يقضي نهاره مع أصدقاء له، ونادرًا ما يتمكّن من العمل بشكل متواصل.

عندما تتأخّر أمّ مريم في عملها تتّصل بمريم وتطلب منها أن تحضّر الطعام لأبيها ولأخيها الأصغر منها بسنتين… وعلى الرّغم من صغر سنّها، تفتخر مريم بمعرفتها بأسرار الطبخ وتشعر بالمسؤولية والأهمية عندما تقدّم الطعام لعائلتها.

خال مريم، أبو شادي، وُلد في الحارة أيضًا، لكنّه ناجح في أعماله، فتركها واشترى منزلا في “منطقة راقية” وسجّل ابنه شادي في “مدرسة منيحة” تضمن مستقبله.

لم ينس أبو شادي أخته، وهو يحبّ ابنتها مريم، ولذلك لم تتفاجأ مريم عندما زارهم خالها في بيتهم قبل عيد ميلادها الثالث عشر واقترح على أمّها أن يقوم باحتفال مشترك بمناسبة عيد ميلاد شادي ومريم. برنامج العيد الذي طرحه أبو شادي كان مُمَيَّزًا: أن يستأجر باصًا صغيرًا ليأخذ فيه الأولاد إلى مركز لألعاب “كرة الطِّلاء” في الأحراش خارج المدينة؛ ومن ثمّ، بعد انتهاء اللعبة، زيارة حديقة حيوان مشهورة. فوقد سمح أبو شادي لأخي مريم أن يرافقها في هذا المشوار العجيب.

* * *

في اليوم الموعود ارتدت مريم أفضل وأجمل ثيابها. جاء خالها في الصباح الباكر ليأخذها، هي وأخيها، في سيارته إلى بيته، حيث كان يتجمّع أصدقاء شادي بانتظار الباص.

في مركز “كُرة الطِّلاء” وزّع المرشدون البنادق والذخيرة الخاصّة على الأولاد، وشرحوالهم كيفيّة استعمال البندقية ومبادئ اللّعبة. تدرّب الأولاد قليلاً، ثم اصطحبهم المرشدون في جولة للتعرّف على المنطقة الوعرة، حيث تقام “المعارك” بين الشجر، في منطقة وضعوا فيها “ديكور” أطلال منطقة حروب وهمية.

جاء الآن “وقت الجَدّ”. انقسم المشاركون إلى مجموعتين، ولبست كلّ منهما أزياء خاصّة بها – فوق ملابسهم. غطّوا رؤوسهم بالأقنعة، واستعدّوا للمعركة.، في “الميدان” سوف تدور جولتان من المعارك، وستتبادل المجموعتان المواقع لتكون كلّ منهما مرّة في الهجوم ومرّة في الدفاع

في الجولة الأولى كانت مريم ضمن الفريق المهاجم، وشعرت بنوع من الفوضى في أداء الفريق. لم تعرف أحدًا من “المحاربين” الذين كانوا معها. كان الكلّ يتقدّم بمفرده نحو معقل المدافعين وتحوّلت المواجهة إلى مجموعة من المواجهات والملاحقات الفردية، وبعد أن “قتلتْ” مريم أحد المدافعين “قتلها” أخوها الذي لاحقها…

لم تكن مريم معجَبة بأداء فريقها، ولذلك أصرّت قبل بداية الجولة الثانية (الدّفاعيّة) أن تقود فريقها، وطرحت لأجل ذلك “حجّة” قويّة: “إنّه عيد ميلادي!”. . جمعت مريم الفريق لوضع “الخطّة القتاليّة”، واخترعت “خطّة جهنمية” يشكّل من خلالها بعض المدافعين “طُعمًا” للمهاجمين حيث يطلقون النار عليهم من بعيد ومن ثمّ يهربون بهدف استدراجهم نحو كمائن. هناك ستكون في انتظارهم فرق مختبئة، متأهّبة لتصفيتهم. وزّعت مريم “مقاتليها” على مواقعهم المحدّدة وهي تتجول بين المواقع لتتأكد أنّ الجميع يؤدّي دوره كما هو مخطّط له.

حاول مقاتلو الفريق المهاجم أن يتسلّلوا خفيةً نحو مواقع المدافعين… دار قتال حامي الوطيس، وارتفع صراخ الأولاد في الحرش… ومريم تصول وتجول في ساحة المعركة، وقدتمزّق زيّها “العسكري” بفعل أغصان الأشجار، دون أن تنتبه، أو ربّما انتبهت ولم تهتمّ…

قُتلت مريم لدى ملاحقة أحد مقاتلي الفريق المهاجم. ولكنّه لقي مصرعه على يد فرقة الكمين الذي قادته مريم إليه أثناء هروبها… وانتصر فريقها.

 

في طريقهم إلى حديقة الحيوان توقّف الباص عند مطعم… دخلت مريم الحمّام وانتبهت للمرّة الأولى أنّ ثيابها ممزّقة من أحد الأطراف، إضافة إلى كونها مبلّلة وعليها علامات حمراء من كرات الطِّلاء. لم تعلم ماذا تريد أن تطلب من قائمة الطعام، وعندما وصل الأكل شعرت بأنه غريب. جلست بين خالها أبو شادي وبين أخيها، وكانت تنظر إلى الأولاد وهم يتحدّثون ويضحكون…

في حديقة الحيوان قرّرت مريم أنها لن تبالي بالأولاد الذين لم يتوقّفوا عن الحديث والضحك، فقامت لتستغلّ الوقت في التعرف على الحيوانات التي لم ترَ مثلها من قبل. سارت لوحدها من قفص إلى قفص وهي تقرأ بعناية الشرح المكتوب على لوحات صغيرة على طرف كلّ قفص.  كانت تتوقّف عند كلّ قفص وتحدّق بالحيوان أو الحيوانات الساكنة فيه، وتفكّر: من أين أتوا بهذه الحيوانات، وكيف هي حياتها الطبيعية… كانت تتخيّل الطيور تحلّق في السماء، والقردة تقفز من شجرة إلى شجرة في الغابة. توقّفت طويلاً عند قفص الأسد، راقبت خطواته وهو يتمشّى من طرف إلى طرف داخل القفص.سمعت صوت أحد الأولاد:

– وينك يا مريم، الكل بِدوِّر عليك في كل الحديقة. بدنا نروّح…

* * *

رجعت مريم من الرحلة مسرورة ومنهكة، ولكنّها، وعندما سألتها أمها:

– كيّفتِ يُمّا حبيبتي؟ هذا أكيد كان أحلى عيد ميلاد مر عليكي بحياتك!

أجابت بمنتهى الجدية:

– كان اليوم حلو كتير. بسّ هادا مش عيد ميلادي. عيد ميلادي بدّي أحتفل فيه مع صاحباتي، حتى لو قعدنا هون نشرب شاي بساحة البيت…

* * *

وعدت أم مريم ابنتها بالاحتفال بعيد ميلادها في يوم السبت التالي، ولكن ليس في ساحة البيت بل في الوادي القريب من الحارة.

دعت مريم صديقاتها، ودعا أخوها أصدقاءه، كما قاما بدعوة بعض بنات وأولاد الحارة. اتصلت مريم بابن خالها شادي ودعته هو الآخر. أحضرت أمّ مريم كلّ اللوازم لكي تحضّر سلطة التبّولة للجميع، واستعارت مريم كرة قدم من أحد الجيران.

تجمّع الجميع صباح السبت لكي يسيروا معًا نحو الوادي. عاودت مريم الاتّصال بشادي، ولكنه لم يردّ على الهاتف. على الطريق النازل إلى الوادي التقوا بأحمد، ابن أبو أحمد، وهو أصغر من أخي مريم، لكنه لاعب كرة قدم ماهر وقادر على “تصميد” الكرة في الهواء وهو يركلها بقدمه لأكثر من عشرة مرّات… وقالوا له:

– البس بوتك وتعال، نازلين نلعب فوتبول في الواد… اليوم عيد ميلاد مريم.

فانضمّ إليهم.

* * *

تجاوزت مجموعة الأولاد آخر بيوت الحارة على مدخل الوادي، ومن ثم تقدّموا سيرًا على الأقدام ليدخلوا إلى الوادي، حيث يتحوّل الشارع إلى طريق ترابيّة تحيطها الأشجار من الجهتين. وصلوا إلى موقع اتّسعت فيه الطريق ووصلت إلى طرف الجبل. كأنّه محلّ لتخزين موادّ البناء لأحد المقاولين، ولكن الموقع كان شبه فارغ، وبدا لهم وكأنه ساحة ألعاب كبيرة خاصّة بهم.

جلست أم مريم في ظلّ الشجرة بالقرب من السّاحة، وجلب الأولاد أحجارًا  فوضعوا حجرين على كلّ من طرفي الساحة ليشيروا إلى منطقتي المرمى وبدأوا اللعب… لعبوا كرة القدم وألعاب أخرى، واخترعوا ألعابًا “من رؤوسهم” وهم يتنافسون ويتعاونون ويركضون ويجلسون، يصيحون ويضحكون.

بعد أن تعب الجميع من اللّعب، جلسوا حول أمّ مريم تحت الشجرة وأكلوا التبّولة من أطباق البلاستيك وشربوا العصير الحلو.

قالت لهم الأمّ:

– يا أولاد، هل تريدون أن تشاهدوا العصافير في الوادي؟ في هون ببغاوات خَضرا، فيش أحلى منها… بَسّ لازم تمشوا معي هاديين… ولا صوت!

على الطريق الصّاعد في محاذاة مجرى الوادي حدثت “معجزة”… خمسة عشر ولدًا، صبيانًا وبنات، ولا صوت! كلّهم يسيرون وراء أمّ مريم بهدوء تامّ… لربّما تعبوا لكثرة ما لعبوا، أو هو الفضول لرؤية الطيور. .

فجأة، وأثناء مشيهم على الطريق الترابية، وصلوا منعطفًا فرأوا أمامهم “واوي”، واقف في منتصف الطريق، لا يبعد عنهم أكثر من ثلاثين مترًا. جمد كلّ الأولاد في مواقعهم وأمّ مريم تشير لهم واضعة إصبعها على فمها: اصمتوا!

حدّق الأولاد في الواوي، وبدوره حدّق الواوي في الأولاد. بعد لحظة طويلة، ابتسم الواوي تجاههم واختفى مسرعًا بين الأعشاب على طرف الطريق من جهة الوادي.

* * *dream1

في الليل حلمت مريم أنّ الواوي جاء ليتكلّم معها… حكت للواوي عن الأسد الحزين الذي التقت به في حديقة الحيوان. اقترح أن يطلقا معًا سراح الأسد. ومشيا فعلًا إلى الحديقة، ففتح الواوي باب قفص الأسد. فجأة كانوا جميعًا في الوادي، وكان الواوي والأسد يضحكان بصوتٍ عالٍ. وبعدها اختفيا بين الأشجار.

* * *

في اليوم التالي اتّصل شادي بمريم:

– مريم، عم بتصل لأقولّك كلّ سنة وانتي سالمة! انت أحلى بنت عمّة. بتأمّل تكوني انبسطتي كتير في العيد امبارح. صدقيني، كنت بدّي أجي، بَسّ أبوي مسمحليش…

– ولا يهمّك، شادي. ماخسرتش إشي. بَسّ رُحنا عالواد. هالواد دائمًا موجود هناك، وكل واحد بنفع يروح عليه وقت ما بدّو.

رسومات – إيريس بار

The 2 birthdays in Al-Madina

القصة في جريدة المدينة

 

Advertisements
One Comment

  1. ملاحظة نسرين مرقص:
    لاقيتها بالانترنت وتأثرت كثيراً، أطفال الحليصة يغنون لحارتهم بالمخيم الصيفي قبل سنوات بعدما رسموا أحلامهم على حائط المدرسة، كم هم رائعون . شكراً على القصة الرائعة❤️❤️

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: