Skip to content

احتلال الحليصة للمرة الـ…

يناير 8, 2017

(على خلفية هجوم الشرطة الأخير على حي الحليصة في حيفا، تم نشر هذا المقال تحت عنوان “حيفا المخيّم” في موقع “فلسطين ultra”)

مقدمة الرفيق مهند

يسألك سائق التاكسي: “جنين البلد ولا المخيّم؟” ومثله، يسأل الناس في أماكن شتّى من فلسطين أسئلة كهذه: طولكرم المخيّم؟ شعفاط البلد؟  قلنديا الحاجز أم البلد أم المخيّم؟ هكذا صارت في المفردات الفلسطينية ثنائيات تشير إلى وجود حيّزات مدينية متوازية لا تختلف في التسميات فحسب، بل وفي تعامل المؤسسة الرسمية معها.

المفارقة التي قد لا يعرفها البعض هو أنك بإمكانك أن تسأل أيضا، شخصا آتيا من حيفا، إن كان آتيا من حيفا البلد أم حيفا المخيّم. مجازا طبعا. فنحن الفلسطينيين نعيش أيضا في هامش المجاز.

احتلال الحليصة للمرة الـ…

خلال الأيام الأخيرة، داهمت قوات كبيرة من الشرطة والوحدات الخاصة ورجال الشاباك والكلاب حي الحليصة الفقير المنكوب الواقع على منحدرات جبل الكرمل شرقي حيفا. حيث اقتحمت القوات بيوت المواطنين من دون أمر قضائي أو استئذان أو انتظار، وقامت بإلقاء النساء والأطفال الذين كانوا نائمين في أسرّتهم إلى برد الليل  أثناء عمليات تفتيش البيوت والعبث في محتوياتها.

police-plane-in-halisa

طائرة الشرطة فوق الحليصة

قامت الشرطة بكل ذلك بحجة البحث عن شاب من أبناء الحي، تقول أنها تشتبه بضلوعه في مقتل مواطن يهودي في حي الهادار المجاور صباح يوم الثلاثاء 3\1\2017. لكن عمليات المداهمة العشوائية البربرية لم تكن مجرد إجراءات تحقيق شرطي عادي بل كانت عملية انتقام وترهيب موجّهة ضد سكان الحي بشكل عام. فرجال الشرطة، حينما يقومون بتغطية وجوههم بالأقنعة السوداء، لا يكونون رجال قانون بل عصابة إجرامية تأتي لكي تنفذ جرائما بحق المواطنين من دون أن يتاح التعرف على هوية المنفذين.

اقتحم رجال الشرطة الحي وهم يحملون البنادق التي تستعمل في العمليات القتالية. وكانت تصرفاتهم جميعها تشهد بأنهم  لم يأتوا بهدف اعتقال المشتبه به بل بهدف قتله. بذا، يقوم هؤلاء بـ”إغلاق الملف” من  دون التحقيق فيه. بل إن بعض ضبّاطهم قد صرّح بهذه الغاية بشكل مكشوف، لوالد الشابّ المطلوب وقالوا له “قل ’الله يرحمه‘ وأحضر التمر…”hooded-police-in-halisa

بعد يومين من هذه الحملة المسعورة قام الشاب المطلوب بتسليم نفسه في مركز الشرطة في عكا ونُقل إلى زنازين المخابرات بهدف انتزاع الاعتراف منه.  ويبقى أمر التعتيم على حيثيات التحقيق ساري المفعول. ولكن، كما نُشر من اقرباء المعتقل، فهو ينفي أي علاقة بالمنسوب له.

أمَّا الاعتداء الصهيوني على حي الحليصة وسكانها فهو ليس أمرا جديدا، وقد اخترتُ، في هذه المناسبة أن اتذكر وأذكّر  ببعض سوابقه.

الاحتلال الأول – 1948

الحليصة حي جبلي صغير، بُنيّ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وقد كان في الحليصة مقر اتحاد لجان الأحياء العربية ـ على شارع صلاح الدين الرابط بين حي الهادار اليهودي وبين مدخل حيفا الشرقيّ.  تحوّل مركز لجان الاحياء لاحقًا إلى مقرّ لـ”حركة النجادة” التي اجتهدت للدفاع عن حيفا قبل سقوطها وتهجير سكانها في شهر نيسان 1948. وقد  كانت الحليصة ميدان المقاومة الأشدّ في حيفا، حيث كان القتال يتركّز هنالك من منزل إلى منزل. ولا أزال أذكر، حين تعرّفت على هذا الحي للمرة الأولى في سنوات الثمانينيات، مشاهدتي لآثار الرصاص، من آثار معركة الحليصة، على العديد من جدران منازل الحي.

بعد تهجير سكان الحي الأصليين استولت ’دولة إسرائيل‘ (وبعض السماسرة) على ممتلكات هؤلاء، وقامت بإسكان المهاجرين اليهود فيها. وقد ظل الحيّ على هذه الحال إلى أن عادت إليه هويته العربية الأصلية بعد عقود، حين تحول إلى أفقر أحياء المدينة. حيث تمكّن بعض لاجئي حيفا والقرى والمدن المهجرة الأخرى شراء حق السكن (“الأجر بالمفتاحية”) في منازل الحي. أتذكر بأن أحد سكان الحي قد روى لي بأنه حين حضر لكي يوقّع على اتفاقية الاستئجار مع شركة “عميدار” [وهي شركة الإسكان الحكومية] بأن  الموظف قد قال له “لقد كلّفنا احتلال الحليصة  الكثير من الدماء وها انتم تشترونها منّا”.

تحولت الحليصة إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين في وسط حيفا  بإمكان المرء فيه أن يجد العائلات الناجية من مجزرة بلد الشيخ أو مجزرة الطنطورة، إلى جانب مهجري أم الزينات وصفورية وسحماتا والياجور وغيرها.

ذكريات التهجير الثاني 1967

كنت ساكنا جديدا في الحي، عندما حلّ موعد انتخابات الكنيست في العام 1984. أصدرت حركة أبناء البلد التي انتمي لها، وقتذاك، بيانًا يدعو لمقاطعة الانتخابات. ولكنني وجدت بأن الأحزاب الصهيونية تقتحم الحي. في الوقت الذي كان فيه الحزب الشيوعي، الذي يملك جذورا في الحي، لا يجرؤ على توزيع بيانه الانتخابي هناك. ولذلك، فقد  تجاوبت مع مبادرة  “الكابتن”، وهو ناشط كان أهل الحي يطلقون عليه هذا اللقب لأنه كان مدرّبا لفريق كرة القدم الخاص بالحليصة، وخرجنا سويا لتوزيع بيان الجبهة الديمقراطية على منازل الحارة. وقد فوجئت عندما قال لنا العديد من المواطنين الذين زرنا بيوتهم بأنهم يخشون من التصويت للجبهة، ويخشون أكثر من المقاطعة، خوفًا من أن تقوم السلطات بقطع الماء والكهرباء عنهم.

علمت، فيما بعد، بأن هذه المخاوف لم تكن وهمية، بل نتاج لتجربة السكان المريرة، الذين تجمّعوا في غالبيتهم في مخيم للاجئين الفلسطينيين بعد الحرب على ساحل حيفا، في حي “البراكسات” وهو حي مكون من أكواخ تم بناؤها كيفما اتفق، في المنطقة الصناعية المجاورة “أرض الرمل” (خوف شيمن)، من دون أن يتلقوا أبسط الخدمات البلدية.

في العام 1967، استغلت بلدية حيفا الصهيونية أجواء الحرب، وأتت، من دون سابق إنذار في صباح يوم من أيامها لكي تسوي الحيّ الفقير بالبلدوزرات وتمسحه تماما من على وجه الأرض. وهكذا، فقد عاد لاجئي العام 1948 من جديد إلى اللجوء، وعادوا بعد “تمتعهم بميزة السكنى في بيوت الصفيح” إلى السكنى في الكهوف وبقايا المنازل المهدومة في وادي رشميا القريب، من دون ماء جار أو كهرباء. لقد كانت مجرد مسألة الحصول على منزل في حي الحليصة تعد إنجازا كبيرا لهم، بعد مرور عشرات السنوات من دون أن يكون لهؤلاء سقف ثابت فوق رؤوسهم ورؤوس أطفالهم.

منع تجول

لم تنتهِ معاناة السكان في نقطة تثبيت وجودهم في حي الحليصة. فلطالما اعتبرتهم بلدية حيفا “غرباء” رغم وجود أغلبيتهم في حيفا منذ 1948، ورغم أن العديد منهم كانوا يعيشون في حيفا قبل النكبة وقبل معظم السكان اليهود في حيفا. وقد مارست البلدية، والهيئات الحكومية سياسة التمييز والإهمال تجاه الحي، وذلك على أمل أن يتسببوا في نزوح السكان الفلسطينيين من المدينة. فكانت هذه المؤسسات حال تمكنها من إخلاء أحد المنازل من ساكنيه، تقوم بهدمه. وقد حدث أيضا أن الحكومة قد قامت بهدم أنصاف المنازل، قبل رحيل كل سكانها، وحولوها إلى مواقع غير صالحة للسكنى.we-will-not-be-quiet

تبنت شرطة حيفا، أيضا، سياسة مقصودة لتحويل حي الحليصة إلى مركز لتجارة المخدرات، وذلك بهدف ابعاد هذه التجارة عن الأحياء اليهودية. لقد تسبب هذا الأمر في ضياع جيل كامل من الشباب في سنوات السبعينيات والثمانينيات. وقد استمرّ الأمر إلى أن قام السكان بتنظيم أنفسهم لإبعاد هذا الوباء عن الحي. وقد كان الإجرام في الوقت ذاته يتفشى في الحي من دون أن تقوم الشرطة بأدنى مجهود لمنعه وبالمقابل تبنّت الشرطة سياسة “الغزوات الانتقامية” لمعاقبة الحي بأكمله. ولا زلت أذكر الأيام التي كانت فيها الشرطة تعتدي على الشباب وتهينهم في الشارع الرئيسي، شارع احمد شوقي الواصل إلى جامع الحج عبد الله، وتطور الأمور إلى مواجهات مفتوحة بين راشقي الحجارة  وقوات القمع، حيث كانت هذه المواجهات تستمر لساعات طويلة وتنتشر  في كل موقع من مواقع الحي.protesting-police-violence-in-halisa

في مرحلة متأخرة، أصابت مصيبة أخرى الحي، تتمثل في ظاهرة الصراعات الداخلية وانتشار السلاح وتنفيذ حالات قتل. وعلى الرغم من انتقال مقر الشرطة المركزي في حيفا إلى حي “الحليصة التحتى” فإن هذه الشرطة لم تتدخل  للكشف عن منفذي جرائم القتل، أو لمنع العنف طالما طال هذا العنف سكان الحي الفلسطينيين. وتحضرني في هذا السياق قصة حصلت في شهر حزيران 2008، حين أتت الشرطة في أحد الأيام التي شهدت فيها شوارع الحليصة اشتباكا بالسلاح الناري، وقد ادعى رجال الشرطة بأن بعض الشبّان قد قاموا بتصويب أسلحتهم نحو رجال الشرطة، علما أن أحدا من هؤلاء لم يصب.

قررت الشرطة معاقبة الحي بأكمله، لاستعادة هيبة الدولة، وعادت مساء اليوم ذاته إلى الحي بقوات معززة من الوحدات الخاصة وتلك التابعة لحرس الحدود، وأعلنت عن فرض حظر التجول في الحيّ بأكمله. وانشغلوا أثناء قيامهم بفرض الحظر بإيقاف ركاب السيارات العائدة إلى الحي، من دون علم أصحابها بأن هنالك حظر تجول مفروض، حيث كانوا يجرون الناس من السيارات في الشوارع ويقومون بضربهم ضربا مبرحا على جانب الشارع الرئيسي. فإذا ما حاول أحد السكان الخروج من منازلهم لوقف الاعتداء على أقاربهم أو ضيوفهم، تحول هو نفسه إلى ضحية لوحشية الميليشيات الشرطية.

الهدم والترحيل

لم تقتصر المواجهات بين الشرطة وسكان الحليصة على الكرامة فحسب وعلى الاحتلالات المتكررة، بل إن لدينا أيضا حصتنا من النضالات المطلبية.

قمة هذه النضالات كانت في عزّ برد الشتاء في مثل هذا الشهر، كانون ثاني 2005، عندما أصدرت المحكمة، بطلب من البلدية، أمر هدم لبعض الشرفات، كمقدمة لمشروع كبير لتوسيع الشوارع على حساب البيوت والساحات والحدائق.  قام سكّأن الحي بنصب خيمة اعتصام أمام المنازل المهددة ونظموا الحراسة ليلًا ونهارًا. لقد جهّز أهل الحي أنفسهم في هذه المرة جميعا لمجابهة القمع ولمنع احتلاله مرة أخرى. وقد أدى ذلك، في النتيجة، إلى امتناع الشرطة عن اقتحام الحي، وهذا ما أجبر البلدية على التنازل عن مشروع الهدم والمصادرة.demonstration-against-house-demolition-in-halisa

لم يتأخر، بعدذاك، انتقام الشرطة من انتصار السكان عليها. فقد اختارت البلدية هدفا آخرا للهدم، وهو منزل عائلة بشكار، على مدخل مدينة حيفا الرئيسي، وهو منزل منزو عن منازل الحي. قامت الشرطة بإغلاق مداخل حيفا الرئيسية طيلة ساعات وحاصرت المتمترسين في المنزل (الذين بلغ عددهم نحو مئة من النشطاء)، وقامت بالاعتداء عليهم بالضرب قبل أن تقوم بهدم المنزل. إلا أن السكّان قد قاموا بجمع التبرعات ووضع بيت نقّال جاهز، في موقع المنزل المهدوم.

إن حادثة هدم منزل عائلة بشكار، لم تروِ غليل الشرطة ورغبتها في الانتقام من سكان الحليصة، فقد استغلّت الشرطة، ثانية، أمر إخلاء ثان صدر ضد أحد سكان الحي، وفاجأت السكان صباح أحد الأيام بإغلاق جميع مداخل الحي، واقتحام الشوارع باستخدام مئات العناصر من بلطجية الوحدات الخاصة، واستخدام الطيران في سماء الحي.  وقامت قوات الكوماندو الشرطي باقتحام المنزل المستهدف من الشبابيك، وهو على الطابق الثالث، لكي تقوم باعتقال سكانه: رجل عجوز يعاني من أمراض القلب، مع زوجته وبناته اللواتي كنّ في الفراش. وانتصرت الشرطة مجددا باعتقال العائلة وتدمير كل محتويات منزلها.

إننا، إن قلنا بأن الحلّيصة محتلة  فهذا لا يعني كلاما مبدئيا مجردا أو حقيقة تاريخية فحسب. بل إن هذا الاحتلال عملية مستمرة، ويأتي على شكل سلسلة رعب متكررة يعيشها السكان جيلا وراء جيل.

Advertisements
اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: