Skip to content

دم أهلك حلب لن يذهب هدرًا

ديسمبر 15, 2016

بطولة الشّعب السوريّ نموذجٌ للنضال لأجل مستقبل شعوب المنطقة والبشريّة

ما اّلذي يستطيع الكاتب أن يكتبه حينما يتمّ ذبح الأطفال بالآلاف، حينما تُقصف المستشفيات قبل البيوت لكي لا يبقى ملجأ آمن؟ ماذا يمكن للمواطن في “دول الجوار” أن يفعله عندما تجتمع روسيا العظمى وإيران المدفوعة بشكل محموم بدوافع طائفية والميليشيات التابعة لها من أجل سفك دماء السوريّين واستئصال روح الحرّيّة التي ملأت النفوس أملاً وهزّت أركان الأنظمة في المنطقة منذ سنة 2011؟ ومع تكرار هذه المذابح الجماعيّة لأكثر من خمسة سنوات، يومًا بعد يوم، دون هوادة؟

وكيف يمكن أن نستمر في حياتنا اليوميّة وأن نرى أمام عيوننا معاناة الشّعب السوريّ الذي دفع بأرواح أكثر من نصف مليون شهيد ويتعرّض لأبشع جرائم الحرب في تاريخ البشريّة المليء بالفظائع، في الوقت الذي لم نقم نحن فيه بالتحرّك قيد أنملة من أجل وقف هذه الجرائم؟ كيف يمكن لنا أن نتحدث عن حقوقنا ومعاناتنا ونحن نتجاهل ما يجري في سوريّا الآن؟ إنّ التفكير بأحداث سوريّا يترك جرحاً مفتوحاً في قلب كلّ واحد منّا، إلا أن تجاهل هذه الأحداث له معنىً واحد: هو موت الرّوح الانسانيّة في الجسم الحيّ…

لن نتمنّى لكم إلا الحياة الكريمة

لا معنى للكلام أمام بطولة شعبٍ يواجه آليّات الموت والدمّار بجسده وروحه وإرادته للحياة والحرّيّة… إنّ هذه البطولة لا تقتصر على المقاتلين فقط بل إنّ بطولة الدفاع المدني والأطباء وكل أم أو أب يعمل المستحيل لكي ينقذ حياة اطفاله وكل من يخاطر بحياته ليفتش عن قطعة من الخبز ليعيش فصول هذه المأساة يوما إضافيا، لا تقل عن بطولة المقاتلين.

نعرف بأنه ما من قانون تاريخي يضمن انتصار الحق على الباطل أو يقضي أن تتحرر الشعوب وبإزالة الظلم عن المقهورين. لقد عانت الانسانيّة من قرون من التخلف وقرون من الاستعمار وابادة الشعوب المستَعمَرة وحروب احتلاليّة دمويّة راح ضحيتها عشرات الملايين… ولكن لا بد للانسان أن يستمر في البحث عن حياة أفضل ويسعى إلى الحرّيّة والعدالة. ولا بدّ للإنسانيّة أن تكمل مشوار التاريخ وأن تخلق تجاربا تنتج نوعا آخرا من الأنظمة يخدمها بشكل أفضل.

منذ أن كسر الشّعب السوريّ حواجز الخوف والترهيب وطالب بحريته، اعتمد النظام اسلوباً واحداً وهو التّصعيد الدائم في مستوى القمع والقتل لكي يثبت بأنه لا إمكانيّة للحياة خارج سيطرته. إنّني أعتقد بأنّ النظام السوريّ هو أكثر نظام، في التاريخ، استخدم جميع وسائل الحرب والتدمير لهدم بلده على رأس أبناء شعبه. وكلّما تصاعد عنف النظام صار الخضوع له مكروهاً وأكثر مرارة.

الصراع بين الآلة والانسان

حمل ربيع الشّعوب العربيّة في طيّاته أملاً كبيراً، بعد عقودٍ من القمع والغرق في مستنقعات الفساد وانتشار الظّلم والقهر في منطقتنا، بل وتعميمهما. فكان ملخّص هذا الأمل واضحاً جدًا للجميع: إنّ الروح الانسانيّة لا تقبل بالقيود، وأن إرادة الحرّيّة أقوى من آليّات القمع… لقد انتشرت هذه الرسالة وشكّلت حركات احتجاجٍ شبيهةٍ في أوروبا، بل إنّ حركة “أوكيوباي” التي احتلت ميادين المدن المركزيّة في الولايات والمتحدة قد استلهمت روح هذا الرّبيع وانتفاضاته…

ليس غريباً أن يحاول أصحاب السلطة والامتيازات قمع روح التغيير والحرّيّة… فقد اعتاد هؤلاء على استغلال الشّعب وعلى اعتبار خيرات البلد ملكًا لهم. وهكذا، فقد اندلعت الحرب المفتوحة بين آليات القمع وبين إرادة الشّعب السّاعي نحو الحرّيّة على كلّ الجبهات، بدءاً من تدخّل جيوش ملوك وأمراء الخليج لقمع الثّورة في البحرين، وانقلاب السيسي في مصر، و”كرامة” جنرال الـCIA حفتّر في ليبيا، والقصف السعودي-الإماراتي على اليمن الفقير الجائع.aleppoboy-large_trans

إلا أنّ الموقع الأول في هجمة الثورة المضادة محفوظٌ لجيش الأسد في سوريّا، هذا النظام الذي لا يأنف عن ارتكاب أيّة جريمة للحفاظ على سلطته… أما النموذج الأعلى من البطولة الثورية، بالمقابل، فهو كامنٌ في مقاومة الشّعب السّوريّ البطل خلال السنوات الستّ الأخيرة، حيث واجه الجيش بجسده ولم يتراجع عن مطالبه بالحرّيّة والكرامة الانسانيّة. فقبل سنة، بعد تحرير إدلب وتقدّم المعارضة على كلّ الجبهات، كان من المحتمل أن ينتصر هذا الشّعب ويثبت للعالم أجمع بأن إرادة الشّعب أقوى من جيش نظامي يستعمل كلّ الامكانيات العسكريّة…

ومن ثم أتى التدخل الروسي، ممثلاً بثاني أعظم قوّة عسكريّة في العالم، ليغيِّر ميزان القوى لصالح النّظام.

لكم المستقبل

انها مرحلةٌ سوداءٌ في تاريخ البشريّة… فكما بثّ الرّبيع العربيّ الأمل في انحاء العالم، فإن العبث والتّخلف والعنصريّة ينتشران عندما نرى ردود الفعل في دول الغرب على أزمة الاقتصاد الرأسماليّ باتهام “الأجانب” واللاجئين والتّركيز على “الحرب ضد الارهاب” التي تحوَّلت الى حربٍ ضد المسلمين. فيا للعجب! عندما يصبح رجل عصابات مثل “بوتين”، الذي نهبت جماعته ثروات الشّعب الموروثة من الاتّحاد السوفياتيّ وحولوها الى ممتلكاتهم الخاصة، هذا البوتين صار هو المنقذ والنموذج  الذي يُحتذى به، لدى بعض الضعفاء في اليمين و”اليسار” على حد سواء.

لا أقول هذا من باب النقد، بل من باب النّظر نحو المستقبل، إنّ علينا أن نذكر أن الطاقة الثوريّة عند الشعوب، وعند الشّعب السوريّ بشكل خاص، قد كانت أكثر بكثير ممّا تم استغلاله لصالح الثورة، وقد تمّ استنزاف قسم كبير منها في الخلافات الداخليّة، كما قد تحوَّل قسم آخر من الطاقات الثوريّة ومن قدرات الشّعب من خلال جنون “داعش” الى قوة معادية للثورة وهدامة للانسانيّة.

إننا نرى محاولة القوى الكرديّة التقدميّة لخلق نموذجٍ آخرٍ من التّعاون من خلال تجربة “سوريّة الديمقراطيّة” في أقليم “روجافا” – ونتعلم أن انعدام الوحدة بين القوى الرئيسيّة للثورة السوريّة وبين القوى الكرديّة ليس قدرا تاريخيّاّ بل هو نتاجٌ لقصر النظر، وغياب برنامجٍ ديمقراطيٍّ شاملٍ يضمن حقوق الجميع.

طالما بقي انسانٌ واحدٌ يطالب بالحرّيّة ويرفض أن يخضع للبطش والقمع فإننا سنظل معه – وسنحلم بأن يتغيَّر الظرف السّيء فتعود الثورة السوريّة منتصرة. ولكن، وحتّى لو انتصرت قوى الظلم، فإن انتصارها هذا يظل انتصاراً مؤقّتاً وملغوماً، لأنّ الحكم الذي الذي ينبنى على انقاض شعبٍ وتدمير وطنه لا يدوم. أمّا بطولة الشّعب السوريّ في نضاله من أجل الحرّيّة فهي محفوظٌة في تاريخ البشريّة لتبقى الشّعلة التي تضيء الطّريق الى أيامٍ أفضل.

 

 

Advertisements
اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: