Skip to content

لقاءات في منتصف الطريق – 2

نوفمبر 1, 2016
sukat-shalom

قصة قصيرة – الجزء الثاني والأخير – لقراءة الجزء الأول

(نُشرت في ملحق الجمعة 21\10\2016 في جريدة الاتحاد)

في بداية الجزء الأوّل رأينا عمر وهو يوصل ابنته مروة الى مكان عملها الجديد في مقهى “أروما” في المجمّع التجاري الحديث وينبّهها أن لا تدخل مطعم أبو حِلمي المجاور.

ويتذكّر عمر قصّة محاولات مصادرة التلة الواقعة بين قريته الصغيرة وبين الكيبوتس المجاور قبل أكثر من عشرين سنة تحت ذريعة الحاجة إلى اقامة محميّة طبيعية… فقد أقام شباب البلد خيمة اعتصام على أرض التلّة وتعرّف عمر هناك على “هيلة”، بنت الكيبوتس، التي جاءت لتعبّر عن تضامنها مع نضالهم. وفي نهاية الجزء الأوّل تركْنا عمر ورفاقه وهم يخطّطون مظاهرة في القرية ضدّ المصادرة وكانت “هيلة” تفكّر كيف تجنّد الكيبوتس لمساندة قضيتهم العادلة.

* * *

كانت المظاهرة عاصفة أكثر ممّا توقّع عمر.

تجمّع الشباب منذ ساعات الصّباح في خيمة الاعتصام وأتت وفود من القرى المجاورة… وخطّط الشباب أن يطوفوا شوارع البلدة في البداية، لكي ينضمّ إليهم الأهالي المتردّدون، ومن ثمّ يتوجّهون إلى مدخل البلدة لكي ينتشروا على طرف الشارع الرئيسي.demo-in-village

لم تصدّق الشرطة أنّه بالإمكان تنظيم مظاهرة جماهيريّة في هذه القرية الصغيرة، وهي التي قد تعوّدت على التعامل مع سكان البلدة من خلال الحديث مع “الكبار”، وبشكل خاصّ مع “حلمي”، مختار البلدة، دافعة إيّاهم إلى تحذير الشباب وكبح جماحهم.

حضرت الشرطة، هي الأخرى، منذ ساعات الصباح بعدّة سيّارات واحتلّت مكانًا في مركز البلدة، وتحدّث قائد المنطقة مع المختار وقال له أنّه لن يسمح بخروج المظاهرة إلى الشارع الرئيسي. وعندما رأى أحد رجال الشرطة ولدًا يحمل علم فلسطين في طريقه إلى خيمة الاعتصام على التلّة، أمسكه ومزّق العلم من بين يديه وضربه. فأخذ بعض الأولاد يرشقون الحجارة من بعيد نحو تمركُز الشرطة، ومن ثمّ فرّوا من المنطقة.

محاولة الشرطة وقف المسيرة وهي ما زالت داخل البلدة أشعلت مواجهة شاملة بين المتظاهرين وبين رجال الشرطة… وعندما ترك بعض رجال الشرطة سيارتهم كي يلاحقوا راشقي الحجارة، استغلّ الآخرون الموقف وأضرموا النّار في سيارة الشرطة. انتشر خبر المواجهات في القرى المجاورة وأتت مجموعات أخرى من الشباب لمساعدة أهل البلدة، ولجأ قائد الشرطة إلى المختار ليضمن لقواته انسحابًا آمنًا من ساحة المعركة. ولم يظهر أيّ رجل دولة في القرية حتى ساعات اللّيل، عندما أتت الشرطة بقوّة كبيرة معزّزة بالوحدات الخاصة وحرس الحدود وبدأت باعتقال الشباب.

* * *

بعد عدّة أسابيع قضاها رهن الاعتقال، أُطلق سراح عمر إلى الاعتقال المنزلي في بيت أهله…arresting-kids

في اليوم الثاني جاءت هيلة مع مجموعة من شباب الكيبوتس لزيارة تضامن إلى بيته. شربوا القهوة وتناولوا الفاكهة والحلويات الشرقية، واستمعوا إلى عمر وهو يروي قصص المظاهرة والاعتقال. كان يبتسم ويضحك وهو يذكر تفاصيل أصعب اللّحظات: كيف جمعوهم في ليلة المظاهرة في ساحة محطّة الشرطة، وكيف كان رجال الشرطة الذين شعروا بالاهانة من انسحابهم أمام الشباب يقتصّون منهم بالضرب والإهانات… تحدّث عن الفتى، حمّودي، ابن أبي مرزوق، الذي انكسرت قدمه في المواجهات، والذي قاموا بسحبه من البيت وواصلوا ضربه عمدًا على قدمه المكسورة…

بعد الاستماع لعمر قالت هيلة أنّ عندها أيضًا أخبار مهمّة يجب أن توصلها:

  • لازم تعرفوا إنّه هذه المظاهرة عملت اللّي عليها… بالرّغم من كلّ المشاكل والاعتقالات، ويمكن بفضل كلّ هاي الفوضى، صار في أمل كبير إنّه المصادرة تُلغى. كان في قبل عدّة أيام اجتماع عامّ لسكان الكيبوتس، هذا الاجتماع الذي تحدّثت عنه مع عمر قبل الاعتقال. أنا ومجموعة من الشباب طرحنا في هذا الاجتماع أن الكيبوتس لازم يتّخذ موقف ضدّ مصادرة التلّة. إذا بقي الأمر علينا، “محبّي العرب”، كان ممكن يتجاهلونا بكلّ سهولة. بس إسّى فهموا أن الموضوع يمكن يسبّب مشاكل لكلّ المنطقة. كنتوا لازم تشوفو “جادي” – والكلّ بيعرف إنه بيشتغل ضابط مخابرات في الضفة – وهو يتّهم إفراييم: “إنت عم تلعب بالنار. دواوينك بالآخر رح تكلّفنا كلّنا غالي!”… وإفراييم، لمّا شعر لوين الريح بيتهبّ، عمل نفسه كأنه مإلوش أي صلة بالموضوع، وهو بدّه يهدي الأمور أكثر منّا… ووعد أنه يتّصل في أقرب وقت بمختار القرية وإنهن يتوجهوا مع بعض للسّلطات المسؤولة ويطلبوا إعادة النظر في المشروع. هذا الملوَّن، بالآخر قال إنه كان من الممكن حلّ كل هذه القضية منذ زمان وأنه مستغرب ليش صديقه المختار لم يتوجّه له من قبل هيك بطلب المساعدة…

* * *

حلمي، “مختار” القرية، ليس عجوزًا، وليس رجلاً تقليديًا… فهو صاحب شركة مواصلات، ومن خلال عمله لديه علاقات مع الكيبوتس ومع العديد من المؤسّسات في المنطقة. ويعمل العديد من سكان القرية أجيرين لديه. إنه إنسان عملي ويحبّ مساعدة الجميع، لكنه ليس ذي تجربة أو علاقات في المواضيع السياسية الكبيرة عليه. عندما انفجرت قضيّة المحميّة الطبيعية ومصادرة التلّة شعر أنّها مشكلة أكبر من قدرته. كان يرأس اجتماعات اللجنة الشعبية ويسمع الجميع، ولكن دون أيّ إيمان في نجاعة اقتراحاتهم. كان يراقب بقلق تحرّكات الشباب وخاف أن يفاقموا المشكلة ويزيدوها تعقيدًا، وفكّر في الثمن الباهظ الذي من الممكن أن يدفعوه…

لذلك، عندما طرح عليه إفراييم، سكرتير الكيبوتس، أن يتوجّها سويًّا إلى الجهات المسؤولة، اعتبر الأمر هديّة من السماء. فـ”إفراييم” يعرف المسؤولين في الكثير من المكاتب الحكومية؛ منهم من يعرفه منذ أيّام خدمته في الجيش، ومنهم من هو معه في “الحزب”، إضافة إلى آخرين جلبهم اهتمامه في بناء العلاقات وجلب الميزانيّات للكيبوتس.

رتّب إفراييم جلسة خاصّة مع مسؤولين من وزارة الداخلية وسُلطة التخطيط وحماية الطبيعة، وسافر بصُحبة حلمي في سيّارته لحضور الجلسة في القدس.

* * *

بعد قيامه بإيصال إفراييم إلى الكيبوتس، عاد حلمي إلى البلدة مسرورًا، وأخذ ينفخ في بوق السيارة كالمشجّعين العائدين من لعبة كرة القدم بعد الانتصار. كان يتوقّف عند كل شخص يراه في الشارع من سكان القرية  ويصيح:

  • الحمد لله، لقينا حلّ لمشكلة التلّة.

وتوسّع حلمي المختار في الشرح، عندما تجمّع النّاس في ديوانه في ذلك المساء:

  • ما في حاجة كلّ التلّة تكون جزء من المحميّة الطبيعية. خبراء الطبيعة اللّي قعدنا معهم اعترفوا إنّه بالنسبة للحيوانات المحميّة بيكفي محميّة تمتدّ 200 متر من طرف الوادي. هاي المحميّة بيديرها الكيبوتس، بسّ إحنا رح نكون شركاء فيها. مصادرة باقي التلّة راح تُلغى بالاتّفاق مع الجميع.

لم يعتدْ عمر أن يتكلّم في لقاءات من هذا النوع، لكنّه شعر بأنّ ما يحدث هو خيانة لكلّ ما ناضل الناس من أجله:

  • يعني، نوافق على مصادرة مساحة 200 متر من أراضينا؟ التلّة مش رح تبقى تلّة من دون طرف الوادي…
  • ما هي الأرض هيك هيك مصادرة، أحسن ما تروح كلّها… ونسيت إشي مهمّ. اتفقت مع إفراييم نتوجّه مع بعض لقيادة الشرطة ونطلب مع توقيع الاتفاق تسكير الملفات ضدّ الشباب. وإفراييم وعدني شخصيًا إنّه طول ما الكيبوتس بيدير المحميّة الطبيعية مش رح يمنعوا أبو عمر يسقي غنماته من الوادي.
  • يعني، لازم نشكر الكيبوتس اللّي سمح لنا ندخل أراضينا ونشرّب غنماتنا من ميّة وادينا؟

* * *

الخيمة التي كانت على رأس التلّة، فكّوها وأعادوا تركيبها عند الوادي.. حيث سيُقام الاحتفال بالاتّفاق…

أتت هيلة مع العديد من الضّيوف من سكّان الكيبوتس. وجدت عمر وجلست إلى جانبه. هي كانت تريد أن تحتفل ولكنّها شعرت أنّ عمر في حالة من الاكتئاب. صمتت وهي تستمع إلى ملاحظاته…neighbors-for-peace

في مقدّمة خطبته شكر المختار الجميع على مشاركتهم في إفشال مخطّط مصادرة التلّة، ووجّه الشكر الخاصّ للجيران من الكيبوتس فذكر منهم بالاسم “الرّفيق الأمين إيفراييم”.

عندما قال المختار إنّ “هذا الاتّفاق هو إثبات على تشبّثنا بالأرض، قريةً وكيبوتسًا، جنبًا إلى جنْب” سمعت هيلة عمر يشتم المختار بالعربيّة وبالعبريّة، وشكرت ربّها أنّه لم يرفع الصّوت ليسمعه الجميع.

عندما انتشر الجميع بين طاولات الأكل والحلويات، أمسكت هيلة بإفراييم جانبًا وحاولت أن تقنعه بتغيير الاتفاق:

  • إذا كان ضروري هالمحميّة الطبيعية تكون على أرض القرية، ليش ما تكون تابعة للقرية نفسها… أو، على الأقل، ليش ما تكون مشتركة للقرية وللكيبوتس؟
  • صيانة المحميّة الطبيعية بدها استثمار مش قليل، وهاي القرية بالكاد عندها مصاري تزيد غرف صفوف للمدرسة، ومش راح يقدروا يشاركوا بتكلفة المحميّة. والأهمّ من هيك، بصراحة، من دون ما نجرح بمشاعر أيّ حدا، هون العرب مبيهتمّوش بالطبيعة. الإشي مش موجود بثقافتهم… يمكن، مع السنين، مع الاختلاط معنا، هالإشي رح يتغيّر كمان…

* * *

في شهر أيلول، مع اقتراب “عيد العُرش” اليهودي، بادر الكيبوتس لإقامة “عريشة السّلام” في أرض المحميّة الطبيعية، لتعزيز العلاقات مع الجيران العرب.

اتّصلت هيلة بعمر، وقال لها إنّه غير معنيّ بالمشاركة.

  • عرفت إنّك زعلان، والحق معك فعلاً. بسّ هاي فرصة. في كتير شباب من الكيبوتس راح يشاركوا وهم جايّين بنوايا طيّبة، بسّ ما بعرفوش ولا إشي. كان بيهمّني يلتقوا بشاب مثلك، بيقدر يحكي معهم دون خجل وبصراحة…
  • لا، يا هالة. تعزمونا على عريشة سلام فوق أرضنا اللّي أخذتوها منّا؟…. خلّي شباب الكيبوتس يكيّفوا مع المختار وأشكاله.

* * *

بعد ذلك بسنة أو بسنتين اتّصلت هيلة بعمر مرّة أخرى. شعر بخجل:

  • عرفتي إنّي راح أتجوّز عن قريب؟
  • سمعت، وبدّي أبارك لك بالعُرس… أنا مبسوطة كتير لإلك. ولأ، ما فيه حاجة تعزمني على العُرس، بفهمك. بس، المزبوط، أنا عم بتّصل معك لسبب. بالنسبة للأرض. عندي خبر مهمّ، وفكّرت إنّك يمكن بيهمّك تسمعه. هاي القضية بعدها بتخصّك وتخصّني.

اتّفقا أن يلتقيا في أحد المقاهي الهادئة في مدينة قريبة.

  • كلّه من إفراييم! ضحك علينا كلّنا من البداية. القضيّة مَكانتش قضية محميّة طبيعية. في مخطّط لشارع جديد يمرّ في الوادي، شارع سريع، أربع مسارات. كل قصّة المحميّة الطبيعية كانت مفتعلة من الأوّل عشان يسجّل مسار الشارع على إسم الكيبوتس. إسّى مقابل التنازل عن هالأرض، الكيبوتس راح ياخذ تعويضات بالملايين من الشركة اللّي بتبني الشارع. والأكثر من هيك، راح يبنوا مركز تجاري في الموقع اللّي فيه بستان أبوك، والكيبوتس هو صاحب هذا المركز.
  • أنا أرضي سلبوها، وما بيهمّني إذا صارت محميّة طبيعية أو مركز تجاري… إسّى دوركم… أنصبوا خيمة اعتصام للدّفاع عن المحميّة ونحنا بنيجي نتضامن معكم.
  • لا. تمزحش. هاي سرقة وعنصرية بنفس الوقت. حكيت مع إفراييم وقلتلّه رأيي، وهو زيّ العادة بيجاوبني بنفس التبريرات الفاضية العنصرية. بيقول إذا كان بدهن يصادروا الأرض من القرية بهدف بناء الشارع كانت رح تكون هناك مظاهرات أكثر ويمكن يسقط فيها قتلى. وبيقول إنّه لو كانت الأرض بإيد العرب الحكومة مَكانتش رح تعطيهم رخصة لبناء مركز تجاري ولا بأيّ بشكل. بس هيك، لمّا الكيبوتس هو اللّي يبني المركز التجاري، كمان العرب راح يستفيدوا. وحكالي بالآخر إنهن سمحوا لإبن المختار يفتح مطعم حمّص في المركز التجاري وإنهن هيك بيدعموا الاقتصاد العربي المستقل!aroma

* * *

تنظر مروة من شبّاك “أروما” وترى جدّها أبو عمر وهو يرعي الأغنام على رأس التلّة. جدار عالٍ يفصل بين ما تبقّى من أرض التلة اليابسة وبين المركز التجاري الجديد.

مروة تحبّ عملها في “أروما” – المحلّ هادئ ومكيَّف. لا يوجد ضغط كثير والعمّال والمدراء يتصرّفون بلطف.

لكنّ مروة لا تحبّ أكل “أروما”، وعندما تريد أن تأكل “طعامًا حقيقيًا” تبعث “جاي”، ابن الكيبوتس الذي يعمل معها، لكي يجلب لها من عند أبو حلمي مجدّرة أو بامية أو، بكلّ بساطة، ساندويتش حمّص.

(انتهت)

meeting-half-way-in-al-ittahad-2nd-part

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: