Skip to content

لقاءات في منتصف الطريق

أكتوبر 20, 2016
meeting_village_vs_kibutz

الجزء الأوّل

قصة قصيرة – نُشرت في ملحق الجمعة 14\10\2016 في جريدة الاتحاد

رسومات: إيريس بار

يحبّ عمر ابنته مروة كثيرًا ويريد لها أن تكبر كإنسانة مستقلّة واثقة بنفسها. لم يعترض عندما أنهت دراستها الثانوية، وبرغم علاماتها العالية أعلنت قرارها أنّها سوف تشتغل لفترة قبل استكمال دراستها. وجدت مروة لنفسها عملاً في مقهى “أروما” الجديد الذي فُتِح على طرف الشارع الرئيسي، وها هو أبوها يوصلها بسيارته إلى مكان عملها في يومها الأوّل.

عندما أوقف السيارة في المركز التجاري، رأى أمامه مطعم أبو حِلمي، مع لافتة باللّغة العبريّة فقط: “החומוסיה של אבו חילמי”. وتذكّر، وقال لمروة:

  • لا تنسي أنّنا أبدًا لن ندخل محلّ أبو حلمي…

* * *

كانت بداية القصّة قبل أكثر من عشرين سنة…

كان عُمر شابًّا في العشرينات، من أنشط الشباب في هذه القرية الصغيرة، وهو يعمل في البناء ويتعلّم ويجهّز نفسه ليبني حياته.

ذات يوم كان أبو عمر يرعي الغنم على “التلّة” – الأرض المرتفعة المليئة بالأحجار خلف بيته – ورجع إلى البيت منفعلاً:

  • أولاد الكلب… أجو بالجيب على التلّة… شكلهم مسّاحين. بلّشوا يدقّوا في الأرض عُصيّ… قلت لهم إنّ الأرض إلنا من جدّ الجدّ… قِمت العُصي وطردتهم… قلت لهم إذا بتبقوا هون بحرق الجيب… مين اللّي فوّتكو على هاي الأرض؟… وراحوا.

بعد عدّة أيّام، عاد المسّاحون مدعّمين بسيارتي شرطة. دقّوا الأعمدة، وقاموا بتصوير الأرض وسجّلوا ملاحظات في دفاترهم. في النهاية تركوا إعلانًا لجميع المعنيّين، يُعلمهم أنّ هذه الأرض قد صودرت بهدف إنشاء محميّة طبيعية. وحين احتجّ أبو عمر هدّدوه بالاعتقال.

في الأيام التالية اقتلع أبو عمر العمدان وواصل رعاية الغنم على التلّة… لكن هذا، في كلّ الأحوال، ليس حلاًّ، ولا هو يمنع المصادرة.

اجتمع سكّان البلدة واستنجدوا بكلّ من يمكن أن يساعدهم من سياسيّين ومحامين… لكن المهمّات الأكبر تحمّلها الشباب على عاتقهم فنصبوا خيمة على رأس التلة لحماية الأرض ولإثبات وجودهم عليها، تذكيرًا للجميع أنّهم في معركة مفتوحة للدفاع عن هذه الأرض.meeting_omars_father

في الأيام التي كان عمر يعمل فيها خارج البلدة، كان يعود من عمله ويصعد التلة ليسهر في الخيمة مع أصحابه إلى ما بعد منتصف الليل… وفي أيام العطلة كان يتواجد في الخيمة منذ ساعات الصباح الباكر… ومن خلال وجوده في الخيمة أخذ يساعد أباه في رعي الأغنام، وهو العمل الذي كان يرفض أيّة مشاركة فيه في السابق.

* * *

تمتدّ أرض “التلّة” من آخر بيوت القرية وتصعد حوالي خمسين مترًا ومن ثم تنحدر نحو الوادي… أرض التلّة خضراء في موسم الشتاء والربيع، وتجفّ في آخر الربيع ليتحوّل لونها إلى الأصفر. لكنّ المياه تبقى متدفّقة في مجرى الوادي على مدار أيّام السنة مبقية على حزام أخضر اللّون حولها… على طرف الوادي استصلح أبو عمر مساحة من الأرض فأزال منها الحجارة وصار يزرع فيها الخضروات وبعض الأشجار وشجيرات العنب؛ وكان يسقي مزروعاته من مياه الوادي.

أمّا الطرف الثاني للوادي وهو أرض الكيبوتس… فقد امتدّت فيه من أنابيب الريّ التي تصل كلّ الحقول بالمياه، حيث يقوم أعضاء الكيبوتس بزراعة ما يشتهون، فتبقى حقولهم خضراء طيلة فصل الصيف الحارّ…

كان عمر وأصدقاؤه يجتمعون في الخيمة على رأس التلّة وهم يخطّطون خطواتهم القادمة. كان من المقترح أن يقيموا مظاهرة في البلدة… ولم يكن الأمر بسيطًا، فلم تكن هذه القرية الصغيرة قد شهدت أيّة مظاهرة من قبل. وقد تراكمت الضغوط على الشباب منذ اللحظة الأولى التي طُرحت فيها فكرة المظاهرة. فمن جهة، قال بعض الأهالي لهم إنّ المظاهرة يمكن أن تتسبب بالمشاكل، معلّلين بأنّه “حرام تخرّبوا مستقبلكم”. ومن الجهة الأخرى بدأت الشرطة، التي وصلها الحديث عن المظاهرة، باستدعاء بعض الشباب للتحقيق معهم ولتهديدهم.

كان ذلك صباح السبت، حين وصل إلى الخيمة ثلاثة من الشباب اليهود، يصعدون التلّة من جهة الوادي. الصبيّة التي كانت تقودهم تحدّثت باسمهم، باللغة العبرية طبعًا:

  • نحنا من الكيبوتس، بسّ جينا نتضامن معكم. نحنا جيران وْوَلا مرّة كانت مشاكل بيننا.

دعاهم الشباب للجلوس وشرب القهوة في الخيمة. سأل الضيوف عن تفاصيل القضية وروى لهم عمر عن المسّاحين والشرطة وإعلان المحميّة الطبيعية، وعن الخطوات التي قام بها سكان القرية وعن المضايقات والتهديدات من قبل الشرطة.

عرّفت الصبية نفسها باسم “هيلة” وقالت:

  • الموضوع مش صُدفة. من شي سنة وأكتر نشروا بحث عن الطبيعة بهالمنطقة… بحسب هالبحث في هون أنواع خاصّة من الحيونات والنباتات، صعب تلاقي أمثالها في مناطق أخرى. إذا بدكوا تعارضوا إقامة المحميّة الطبيعية لازم المعارضة تعتمد كمان على بحث علمي.

كانت ردود فعل الشباب مختلفة. منهم من اعترض على الفكرة من أساسها، وشدّد على كون الأرض تابعة للقرية منذ الأزل ولا يحقّ لأحد أن يمدّ يده إليها، ومنهم من تساءل من أين وكيف باستطاعتهم جلب خبراء لإجراء بحث ينقض البحث الأوّل المسيء.

في نهاية الحديث، وعدت “هيلة” أن تحاول فحص الموضوع من خلال علاقاتها مع بعض خبراء الطبيعة، وقام الضيوف الثلاثة وعادو مشيًا إلى الكيبوتس.

* * *

كان عمر يقتاد أغنامه إلى الوادي لكي يوصلها إلى الماء عندما التقى بـ”هيلة” للمرّة الثانية – وكانت تحمل في يدها مجلّة.

  • أنا تعلّمت شويّة عن الطبيعة… بدل ما أخدم في الجيش، كنت مرشدة في مركز ينظّم جولات في الطبيعة… هاد هو البحث اللّي حكينا عنه واللّي بسببه أعلنوا المحميّة الطبيعية.. البحث من جامعة تل أبيب، اللّي موقّع عليه بروفسور مهمّ، ولكن الظاهر إنّ اللّي عمل البحث نفسه هُم عدد من الطلاب. عم بحاول أن أفحص بنفسي، يمكن وقعت أغلاط في النتائج…

أخذ عمر منها المجلّة وشرع في قراءتها.

  • عن جدّ هالضفادع وهالسّحلية كل هلقدّي مهمّات؟meeting_in_the_vally
  • إذا بتحبّ الأرض لازم تحبّ كل إللّي عليها… هاي المخلوقات كانت هون قبلنا… بنقدرش نيجي على هاي الأرض ونزرع فيها الخراب عشان نستهلك حاجتنا ونتركها بلا شي. وشو مع الأجيال الجاي؟
  • إذا كانت هاي الحيونات بعدها موجودة هون لليوم، يعني مفيشّ عليها خطر منّا ومن غنماتنا. غنماتنا بتشرب من هالوادي من آلاف السنين. هنّي بسّ بدهن يغلّبونا لأننا عرب.

ضحكت هيلة:

  • إذا كانت غنماتكم موجودة هون من آلاف السنين فهي بالأصل يهودية…
  • لا يا ستّي… كان هنا ألف شعب قبل أن يأتي اليهود من مصر، وحتى قبل أن يأتي سيدنا ابراهيم من العراق، ونحن وغنماتنا منهم.

ساعدها عمر في البحث عن أنواع الضفادع في الوادي ودعاها لتتناول الفواكه من بستان أبيه…

  • لمّا بحبشت ورا المقال، وصلت لكمان معلومة خطيرة… إنّه مش بالصدفة البحث انكتب. اللّي بادر له هو سكرتير الكيبوتس تبعنا، إفراييم. وهو اللّي سارع بعدين لاستغلال المقال وضغط على الهيئات المسؤولة منشان تعلن المحميّة الطبيعية. فقد يكون الكيبوتس هو المسؤول عن إنشاء وصيانة المحميّة…
  • مش غريبة. مْنعرف إنّ الكيبوتس هو أساس البلا. إنتي عارفة إنّ الكيبوتس تبعكووو مبني على أراضينا؟
  • كنت لازم أعرف… ولكن، بصراحة، ما فكّرت فيها.
  • الكيبوتس بعد فيه بناية من حجر، موجودة من قبل الثماني وأربعين. هاي البناية بناها سيدي في الثلاثينات، وأخذني هناك مرّة لمّا كنت ولد. بعد فيه على مدخل البيت حجر عليه اسم سيدي وتاريخ العمار. بفكّر هاي البناية تُستعمَل اليوم مُلتقى لشباب الكيبوتس…

ضحكت هيلة مرة أخرى:

  • “الزّولة” – هيك إحنا بنسميها…أكتر من نُصّها خربان. لازم تيجي وتفرجيني الحجر… بحياتي ما شفته.

* * *

قبل غروب الشمس كان عمر قد وصل إلى ما تبقّى من بيت جدّه، حيث كانت هيلة تنتظره. وقد وجد الخراب قد تفشّى في البيت منذ أن زاره مع جدّه المرحوم…  سقط سقف غرفة “اللّيوان”، والحيطان قد تصدّعت بفعل الأشجار التي كانت تنمو في كلّ زاوية في البيت. الغرفة الوحيدة التي بقيت صالحة للاستعمال هي غرفة النوم الداخلية، وقد كانت مفروشة بالفرشات وفيها بقايا الأكل والشراب… وتشهد الرسومات الملوّنة على حوائطها أنها تُستعمَل للحفلات والسهرات.

بحث عن الحجر الذي وضعه جدّه فوق مدخل البيت فوجده ملقىً بين الأعشاب، بالقرب من المدخل الرئيسي النصف متهدّم.

  • هذا اسم سيدي، الحاج ابراهيم عبد الله… وهون التاريخ اللّي انبنت فيه العمارة… السنة الهجرية… بسّ هي 1935.
  • مليح اللّي لقيته… أحسن تاخده معك. بعرفش إذا بتبقى هون وهي مرميّة، ومفيشّ حدا هون بيهتمّ بهاي الذكريات.
  • عارفة إنّنا عيّنّا المظاهرة ليوم السبت؟ دوريّات الشرطة بتحوم في البلد ليل نهار. رح يكون هاليوم يوم الأرض الخاصّ ببلدنا.
  • بدّي أجي أشارك في المظاهرة… راح تراجدوا عليّ؟
  • لا، بنحمّلك علم فلسطين…

صمتت هيلة كأنّها تزن كلامه. وتحدّثت، في نهاية الأمر، ببطء وبصوت خفيض:

  • هذا العلم لا يمثلني… بس أنا بفهم إنّه يعبّر عن نضالكم لأجل حقوقكم… لأجل الحرّية.
  • يا هيلة، يمكن اسمّيكي “هالة”، حلو الإسم؟ بتعرفي شو معناه؟ دائرة الضوّ التي ترسم حول رؤوس القدّيسين…
  • إنه نفس الشيء بالعبرية، “هيلة”، “هالة”، ببقى أنا نفسي…
  • أهلاً وسهلاً يا هالة، تعالي يوم السبت وشاركينا في المظاهرة، هاليوم مش رح ينتسى.
  • بس، يمكن “هيلة” راح تفيدكم أكثر. قلتلّك إنّ اللّي بيدفع الأمور ورا كلّ المشكلة هو سكرتير الكيبوتس، إفراييم هذا. بسّ يمكن نقدر نخلق معارضة إلو في الكيبوتس نفسه. هو مش محبوب كثير، وحوّل الكيبوتس كله لشركة تجارية هدفها الربح، وداس على ناس كثير في طريقه…

أشعلا النار وحضّرا العشاء وجلسا بالقرب من النّار وهما يتحدّثان عن الأيّام المصيرية التي تنتظرهم. كان عمر يتحدّث عن التحضيرات للمظاهرة، وعن التوتّر في البلدة، وعن كل التحوّلات والتطوّرات التي يمرّ فيها أهل البلدة خلال هذا الامتحان العصيب… وكانت هيلة تخطط كيف تحرّض أهل الكيبوتس على السكرتير اللّئيم، وكيف تُفهمهم خطورة الوضع الذي قد يقود إليه مشروع المصادرة، وكيف يمكن أن تجعلهم يحسّون بأنّ التصرّف غير الإنساني الذي يمارسه إفراييم والذي يتسبّب في المشاكل الاجتماعية في الكيبوتس، هو نفسه الذي يهدّد علاقتهم بالجيران.

وشعرا بأنّهما طاقم واحد قادر على إلغاء المصادرة وعلى تغيير الكثير في مجتمعيهما – وشعرا أنّ المشترك بينهما في نضالهما أكثر وأهمّ مما يفصل بينهما من تاريخ ولغة وثقافة… وقرّرا في نهاية الأمر أن يناما في غرفة “الزولة” لكي يستقبلا شروق الشمس من فوق أرض التلّة. فأخمدا النّار ودخلا في العتمة إلى الغرفة المفروشة… ولكنّ أحدًا منهما لم يغلق عينيه في تلك الليلة…

* * *

هل استطاع شباب البلد الخروج في مظاهرة عارمة؟ وماذا كان ردّ فعل السلطات؟ وهل استطاعت هيلة التأثير على موقف الكيبوتس لكي يدعم مطالب القرية المجاورة؟ وماذا سيكون مصير التلّة؟ تابعوا قراءة الجزء الثاني والأخير في العدد القادم.

meeting-half-way-in-al-ittahad

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: