Skip to content

مسرح العبث في محاكمة دارين طاطور بين اثبان الفيسبوك وإشهار الشاعرة

يوليو 20, 2016
image after the court with victory sign

تقرير حول جلسة الإثبات الثالثة نشر اليوم (19\7\2016) في موقع “عرب 48”

الإضراب العامّ الذي أعلنه موظفو الجهاز القضائي كان محسوسًا في البناية الفخمة حيث محكمة الصلح في الناصرة. لقد بدا لي أننا كنّا “الزبائن” الوحيدين في المبنى. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر هي موعد جلسة استكمال محاكمة الشاعرة دارين طاطور.

رجال أمن البناية المجتهدون استغلّوا المبنى الفارغ لإجراء تدريبات طوارئ، والقاضية بمبيليا التي انشغلت بطباعة محضر الجلسة بنفسها، اضطرت فوق ذلك إلى ترك غرفتها في الطابق الثاني والنزول معنا إلى “البدروم” في الطابق (-3)، لكي لا تزعج تدريبات رجال الأمن.

مجرى المحاكمة

نتحدّث هنا عن جلسة الإثبات الثالثة في هذه المحاكمة الغريبة، التي تحاكّم فيها شاعرة بتهمة “التحريض” في أعقاب نشر قصيدة واحدة و”ستاتوسين” على الفيسبوك وصورة إسراء عابد التي رُمِيَت بالرّصاص في محطة الباصات المركزية في العفولة.

في الجلسة الأولى استمعنا إلى تأويلات بوليسيّة للقصيدة؛ وفي الجلسة الثانية استمعنا إلى رجال شرطة مختصّين بالحوسَبة، فتعلّمنا أنّه يمكن للشرطة استخراج أيّ معلومة من حواسيبنا وهواتفنا المحميّة، وذلك دون حاجتهم إلى استخدام “الباسوورد” (لديهم برمجيّة خاصّة تخترق مباشرة القرص الصلب والذاكرة).Dareen waiting for the court in Nazareth, July 17 2016

جلسة اليوم كان يُفترَض أنّها الأصعب بالنسبة إلينا. لا أدري إن كنتم تدركون الحالة الفظيعة التي تنتاب أصدقاء المتّهم الذين اعترفوا عليه، حين تستدعيهم النيابة ليشهدوا ضدّه. هذا أمر قد يحطّم أشخاصًا ويدمّر صداقات، بل وعائلات. ولكن هذه التراجيديا قد تحوّلت هي أيضًا إلى كوميديا على منصّة مسرح العبث حيث توجَّه التهم الهذيانيّة ضدّ دارين طاطور.

إثباتات الفيسبوك

لأنّ ركيزة الدعوى هي منشورات على الفيسبوك، ولأنّ دارين قالت إنّ حساب الفيسبوك الخاصّ بها قد سُرق، باشرت شرطة الناصرة بتحقيق مكثّف لإثبات العلاقة بين حسابات فيسبوك مختلفة يظهر فيها اسم دارين طاطور وبين المعتقلة التي قبضوا عليها.

توجّهت الشرطة إلى فيسبوك بهذا الشأن ولكنها لم تتلقّ إجابة – من يعرف مستوى الخدمة في الاحتكارات الإعلامية لن يستغرب ذلك. المحقّقون المتحفّزون لحلّ أسرار الملفّ عادوا إلى طرق التحقيق القديمة، التي تعتمد ضعف العامل الإنساني.

أحمد، البالغ من العمر 18 عامًا، وهو الأخ الأصغر لدارين، كان قد دُعي مرّتين للتحقيق معه. عرضوا أمامه صور صفحات الفيسبوك المسمّاة “دارين طاطور”، وسألوه لمن تعود هذه الصفحات؟ أحمد قال لهم إنّ بعض هذه الصفحات لا تبدو أنها من حساب دارين؛ وقال عن الجزء الآخر: يبدو وكأنه لدارين – في حال لم يسرق أحدهم حسابها.

لدى استجواب الدفاع أوضح أحمد أنّه عرف الصفحات من اسم دارين المكتوب عليها. ولو كان عليها اسم آخر لافترض أنها لشخص آخر.

اعتبرت النيابة شهادة أحمد حلقة مهمّة في سلسلة إجراءات الإثبات؛ ومن هنا فقد بررت النيابة طلبها بإبعاد دارين عن بيتها/بيته، بين باقي الأسباب، بحجّة أنها قد تؤثر عليه فيغيّر أقواله.

لدى استجوابها الشاهد، عرضت النيابة أمامه صور صفحات الفيسبوك، وسألت: “ما هو المكتوب هنا؟”. أجاب: “دارين طاطور”. “وهنا؟” أجاب: “دارين طاطور”. حضور المحكمة تساءلوا إن كانت النيابة تسعى لإثبات أن أحمد يعرف قراءة اللغة العربية.

لا شكّ أن العالَم الافتراضي يضع أجهزة القضاء أمام تحدّيات جديدة. شرطة الناصرة وجدت أنّ “إثبات الفيسبوك” هو حلّ بسيط، بل ويقترب من العبقريّة (يشبه، إلى حدّ ما، حرق الساحرات في نهج محاكم التفتيش) – ولكن يصعب عليّ أن أصدّق أنّ “إثبات الفيسبوك” هذا يصمد أمام اختبار المصداقية القضائية (أو المعقولية) المشترطة في البيّنة الصحيحة. إذا كانت شهادة الاستماع لا تُقبل في المحكمة فكيف يمكن قبول شهادة من رأى صورة لصفحة فيسبوك؟ إنّه تحدّ نضعه أمام حقوقيّينا لمرحلة جلسات المرافعة.

قضايا حياة وموت

لأجل أثبات الفيسبوك قد جرى التحقيق أيضًا مع سميرة جُمعات، وهي صديقة مقرّبة لدارين. تعرّفت إليها في دورة تعرّف على القرى المهجّرة، وجمعهما حبّهما للتصوير. دُعيت سميرة إلى التحقيق في شرطة الناصرة – مبنى المسكوبية، حيث طُلبت منها التعرّف على صفحات فيسبوك عُرضت أمامها. بدا لسميرة أنّ بعض هذه الصفحات هو لدارين.Dareen with friends and family before the court hearing Nazareth 17 July 2016

لدى استجواب الدفاع، ذكرت سميرة أنّ دارين كانت قد حدّثتها عن “سرقة” حساب الفيسبوك الخاص بها. حتّى إنّ سميرة ذكرت بالتفصيل كيف أبلغت أمر السرقة لصديقات أخريات، بناءً على طلب دارين. سألها محامي الدفاع لماذا لم تخبر المحقق يوسف قبلان عن هذا الأمر، أجابت أنّها كانت مضغوطة ومتوتّرة جدًا – لقد كانت والدتها في المستشفى، وهي كانت إلى جانبها عندما اتصل المحقق بها عدّة مرّات، ورغم أنها شرحت له الوضع ألحّ عليها أن تأتي للتحقيق. في النهاية، تركت سميرة والدتها وذهبت للتحقيق، ولكنها كانت في وضع نفسيّ صعب. ولو سُئلت – أثناء التحقيق – حول ادّعاء دارين بأنّ حسابها قد اختُرق، لكانت أكّدت صدق كلام دارين.

لدى استجواب النيابة حاول الادّعاء الدفاع عن المحقق يوسف. من قال إنه هو الذي اتّصل؟ فالشاهدة تعترف بنفسها أنّ جزءًا من الاتصالات جاء من رقم سرّي… من المؤسف أنّ هذه المسألة لم تأخذ حقّها في المداولة (والضغط على سميرة لكي تترك والدتها في المستشفى هو، برأي، أمر خطير ينبغي التوقّف عنده).

بفضلهم – اشتهرت الشاعرة دارين طاطور

الشاهد الثالث هو رامي عامر، من منظّمي أنشطة إحياء ذكرى ضحايا مجزرة كفر قاسم (29.10.1956). دعا رامي الفنانة سلام أبو آمنة لتغنّي في مراسيم إحياء الذكرى، وطلب منها أن تقترح عليه شاعرة لتلقي قصيدة في هذه المناسبة، فطرحت اسم صديقتها المقرّبة دارين طاطور. لم يخطر في بال سلام أبو آمنة أن توصيتها هذه سوف تصبح حجّة هامّة ضمن حُجج اعتقال ومحاكمة صديقتها. الدعوة إلى نشاط إحياء الذكرى، وصورة سلام ودارين لدى وصولهما إلى كفر قاسم – يجري التعامل معهما كوثائق تقدّمها النيابة في المحكمة.

في الجلسة السابقة شرح المحقق مع دارين أنّ مجرّد ظهورها في نشاط إحياء ذكرى ضحايا المجزرة هو أمر سلبيّ لأنه “سياسي” و”ضدّ أمن الدولة”. أمّا في هذه الجلسة فيرتكز الادعاء إلى حجّة أنّ دعوة دارين لقراءة شعريّة في مراسيم إحياء الذكرى كإثبات على أنها شاعرة مشهورة وذات تأثير على الجمهور. هذه الأقوال لم تنجح في التشويش على رامي، فهو قد أوضح منذ التحقيق معه في الشرطة أنّ درين “معروفة كشاعرة”؛ أي أنّه يعرف أنّها تكتب الشعر – ولكن هذا لا يعني أنها “شاعرة معروفة”.

في هذه النقطة بالذات، يمكن القول إنّ ادّعاء النيابة أنّ دارين شاعرة معروفة عمل كنبوءة حققت ذاتها؛ فبعد اعتقالها ومحاكمتها المستمرّة تحوّلت دارين إلى رمز للنضال ضدّ انتهاكات إسرائيل لحرّية الفن وحرّية التعبير لدى عموم الفلسطينيين. وبالذات في أعقاب اعتقال دارين، تُرجمت أشعار دارين إلى العبرية والانجليزية ولغات أخرى. وهنالك آلاف، ومن بينهم شعراء وأدباء ومثقفون من كلّ العالم وقّعوا عرائض تطالب بالإفراج عن دارين وإلغاء محاكمتها، كما نُشرت مقالات كثيرة تسرد المظالم التي تحتجّ عليها دارين.

بروح طيّبة

في نهاية الجلسة خرجنا جميعًا ومزاجنا طيّب. انتهى فصل الاستماع إلى شهود النيابة، وفي الجلسة القادمة سوف يبدأ فصل مرافعة الدفاع – (عُيّنت الجلسة ليوم 6.9.2016).

الاحتلال والعنصرية والاضطهاد قد تبدو كلّها لنا مثل كوارث الطبيعة نحن ضحاياها. المعاناة، الاعتقال، التحقيق، والملاحقات – كلّها حقائق محسوسة في أرض الواقع؛ ومع ذلك، يهون الأمر قليلاً عندما يظهر للعيان كم هو غبيّ وكاذب جهاز القمع.

الشاعرة المعتقلة، والذين استدعتهم النيابة ليشهدوا ضدّها، والعائلة والأصدقاء – كلّنا ضحايا الاضطهاد نفسه، ولكننا لا نخضع أمامه ولا نستسلم له. ولكي نُبرز هذا الأمر، قمنا لدى خروجنا من المحكمة بالتقاط صور جماعية والابتسامة تعلو وجوهنا.

(ترجمت من النص العبري رجاء زعبي عمري – مشكورة)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: