Skip to content

القليل من الكهرباء

يوليو 1, 2016
electricity_dark_stairs

(تم نشر هذه القصة القصيرة على صفحات جريدة “المدينة” الحيفاوية اليوم)

فرح يوسف كثيرًا بدارهِ الجديدة…

هي عمارة قديمة وليست بأفضل حال، ولكن شقّته موجودة على سطح البناية، ولا يوجد حوله الكثير من الجيران. الحارة هادئة، والجيران الذين التقى بهم هم من أصحاب العائلات، وبالـتأكيد بعيدون كلّ البعد عن المشاكل، وقد رحّبوا به بحميميّة.

بعد انتهائه من نقل أغراضه القليلة، وارتياحه إلى المسكن الجديد، انتبه يوسف أنّ هناك مشكلة صغيرة: لا توجد كهرباء في بيت الدرج.

غياب الكهرباء ليس مشكلة جدّية؛ فبيت الدرج نفسه عبارة عن طابقين لا أكثر، ويوسف بطبيعته لا يخاف من العتمة. ولكنّه يشعر أنّ هذا الغياب يعبّر عن الإهمال نوعًا ما. وتمنّى أن يرجع إلى البيت في اليوم التالي ليجد أن الجيران قد قاموا بإصلاح الكهرباء…

مرّ اليوم التالي، والأيام التي تلته، ولم يتمّ إصلاح الكهرباء. وتوجّه يوسف لأحد الجيران وسأله من هم أعضاء “لجنة البناية” فأجابه بأنه لا توجد لجنة في هذه البناية .

* * *

قرّر يوسف أن يبادر ويدعو الجيران لاجتماع بهدف بحث مشكلة الكهرباء، فهي قضية بسيطة، لا أبسط منها، بإمكان أي واحد أن يحلّها وحده، ولكن من الأفضل أن يتعاون الجيران على حلّها، ومن ثمّ يمكن تنظيم لجنة تمثّل سكّان البناية كي تعمل على تحسين الأمور في مجالات أخرى أيضا.

أين يمكن أن يلتقي الجيران؟ غرفة يوسف على السطح صغيرة وليس فيها إلاّ كرسيّين… قرّر يوسف أن يتحدّث مع “أبو سامي”… داره موجودة إلى يسار الدرج، وكثيرًا ما تصادَف، حين يصعد يوسف الدرج، أن يرى باب بيت أبي سامي مفتوحًا فانتبه إلى الصالون الكبير والأرائك المريحة، وارتسم لديه انطباع بأنّ أبا سامي إنسان مضياف…

سأل يوسف أبا سامي: ما رأيك أن ندعو الجيران إلى منزلك لنبحث معًا أوضاع البناية؟

ضحك أبو سامي وقال: “شو بدنا نبحث تنبحث؟ على كلّ حال، بدّيش أفشّلك، ولكن مش أكيد الكلّ بدّو ييجي لعندي…”

أحسّ أبو سامي أنّ يوسف لم يفهمه، فأمسكه من يده وجرّه من باب المدخل إلى الصالون، وأغلق الباب قائلاً: “هذا جاري، أبو رامي، بفكّر حاله ربّ البناية. وإحنا ناس بُسَطا، صارله سنين ما فاتش ع بيتي.”

* * *

باب بيت “أبو رامي” على الجهة اليمنى من بيت الدرج، مقابل باب “أبو سامي”. يتوقّع يوسف أنه موظّف في مؤسّسة تهتم بقضايا الجمهور. أحيانًا، حين كان يوسف يرجع إلى البيت في ساعات المساء، كان يرى أبا رامي عائدًا من عمله من دون أن يدخل البيت، فبعد أن يوقف سيارته، يخرج منها وهو يتحدّث إلى الهاتف، ويتمشّى على الرصيف أمام مدخل البناية محاولاً أن يحلّ مشاكل الناس… وقد يستغرق الأمر ساعة قبل أن يدخل بيته.

دقّ يوسف باب أبي رامي وطرح أمامه فكرته بجمع سكان البناية.

  • السكّان هنا مِش واعْيين. ولا حدا منهم بيهتمّ بالقضايا العامة. حرام أن تضيّع وقتك بمحاولة جمعهم. وإذا اجتمعوا راح يتخانقوا. وإذا اتفقوا ما في حدا ينفّذ القرارات. وفي هون ناس ما عندهن احترام لحدا، وبُكرا بيصيروا يحكوا عليك كمان…

* * *

بعد عدّة أيام عاد يوسف ليدقّ باب أبي رامي، ويقول له:

  • إنها قضية بسيطة. فهمت أنّك قد يئست من الجيران. يمكن أن يكون الحقّ معك. بسّ أنا بفكر أننا نقدر نتفق على الأقلّ على تصليح الكهرباء في مطلع الدرج…

التفت أبو رامي وأضاء وجهه كمن حلّ لغزًا كان يشغل باله:

  • إنت عن جدّ شابّ طيّب وبسيط، لكن هذا أبو سامي بيلعب برأسك… أكيد هالاقتراح جاي منُّه. شوف كيف سيطر على الساحة الورّانية للعمارة وحوّلها لكراج يصلّح فيه السيارات بآخر الأسبوع… واحنا لا عارفين نتريّح ولا مسترجيين نحكي. وإسّا بدو يشغّل ماكيناته على حسابنا من كهربة الدرج…

* * *

لم يُصَبْ يوسف باليأس. عاد ليتكلّم مع أبي سامي ويقترح عليه فكرته.

  • لا، يا ولد. عن جدّ حقير جارنا… قلتلك! هذا أبو رامي بيفكّر حالُه صاحب البناية كلّها وبدو يتملّكنا نحن كمان. هو ببعتك عشان تخلّينا نمضي على كهربة الدرج، وفي الآخر رَحْ هو يمسك حساباتنا وكلّنا ندفع دوبل وهو مش راح يدفع إشي…

* * *

قرّر يوسف أن يعزّز علاقاته مع الجيران، آملاً أن تصبح لديه الفرصة لتحسين الأجواء وتصفية القلوب. وجد  باب أبي سامي مفتوحًا وعزم نفسه وجلس ليشرب القهوة.

دار الحديث من موضوع لموضوع – أين تعمل، وماذا تتعلم، ومن أين أصل العائلة… وتمكن الاثنان من العثور على  بعض المعارف المشترَكين… وأعطى يوسف النصائح بالنسبة لتربية الأولاد وتعليمهم…

وبعدما شعر أنّ الجوّ مريح، وأنه قد نشأ بينهما نوع من الثقة، حاول يوسف أن يتطرق من جديد لأوضاع البناية المزرية. ولم يكمل جملة واحدة حول هذا الموضوع إلاّ وقد اشتعلت من جديد مشاعر أبي سامي الذي أخذ زمام الكلام، وكان صوته أقرب إلى الصّراخ:

  • بعدُه هذا جارنا لا يتعب ولا يملّ. بعده عم يدزّك لتشكّل “لجنة البناية”. صدّقني، إذا سجّلنا هاي اللجنة راح يبعث عنها تقارير على بلاد برّة، وراح يجيب على إسِمنا دولارات… أصلاً، لولا كان موعود بالدولارات، ليش كان يلحق فينا بهاي اللجنة، وهو بالأصل لا بتهمّه البناية ولا الكهربا ولا الجنينة أو الجيران…

واستمرّ “أبو سامي” شارحًا عن تاريخ “أبو رامي” والمؤسّسة التي يعمل فيها، ومفصّلاً السرقات التي سمع عنها… ولم يتوقّف إلى أن اعتذر يوسف قائلاً أنّ لديه امتحانًا، وأنّه – لذلك – مضطرّ للصّعود إلى شقته كي يستعدّ له.

* * *

الدخول إلى بيت أبي رامي كان أصعب، وقد خطّط له يوسف من خلال تفكيره بقضية شخصية يمكنه أن يستشير أبا رامي بخصوصها. وعندما طرح قضيته ظهَرت علامات الرِّضى على وجه أبي رامي فدعاه للجلوس في مطبخ البيت بينما يعدّ القهوة ويتداولان في القضية…

واصلا إلى الصالون الصغير، وسأل يوسف أبا رامي عن المؤسسة التي يعمل فيها، مُظهرًا اهتمامه بإنجازاتها، ومستفسرًا عن أفق نشاطها…

ولكن، عندما عاد يوسف وأظهر ضيقه من صعوبة حلّ مشاكل بسيطة كالاتفاق على تصليح كهرباء البناية التي يقطنان فيها، تعكّر وجه أبي رامي واصفرّ، وصار صوته جافًّا وخافتًا إلى حدّ الهمس:

  • لا تفكّرني إنسان ضعيف أو جبان يمكن أيّ حدا يفرض عليّي شو ما بدّه. إحنا زهقنا حُكْم “القبَاضيات”. إنت ما بتعرف أبو سامي، بسّ أنا بعرفه وبعرف تاريخه وبعرف من وين جايين.. إذا هم بيفكّروا كُلْشي بيطلع بإيدهم، إحكيلهم إنّو هاي الأيّام انتهت ومِش رَحْ ترجع. وإذا أبو سامي بيفكّر إنّو إله ظهر، هالحكي بِمْشيش علينا اليوم…

واصلَ أبو رامي متحدّثًا عن أبي سامي، وعائلة أبي سامي، وقصص ناس عاشت وماتت قبل أن يولد يوسف. في النهاية، اعتذر يوسف وانسحب صاعدًا درجَ دارِهِ، والعتمة ترافقه درجة درجة.

* * *

على ضوء إخفاق محاولات خَلق إطار تعاوُنيّ، قرّر يوسف أن يهتمّ بإرجاع الكهرباء بنفسه إلى بيت الدرج. عليه أن يأخذ بالحسبان أنّه هو من يسكن على السطح، وأنه هو الأكثر استفادة من إضاءة الدرج. وما هي، في نهاية الأمر، كلفة تشغيل مصباحين كهربائيّين؟

طلب من صديق له أن يفحص الأسلاك والتوصيلات والمصابيح، وعيّن موعدًا مع شركة الكهرباء لإعادة التيار…

ولكن لسوء الحظ… ظهرت هنا مشكلة جديّة!

خبراء شركة الكهرباء، الذين أتوا لإعادة ربط بيت الدرج بالشبكة، أصّروا على فحص اللوحة المركزية وأسلوب ربط البناية بشبكة الكهرباء؛ وبالنتيجة، قرّروا أنّ اللّوحة القديمة مركّبة بطريقة خطيرة ومخالفة للقانون. وبدلاً من أن يقوموا بربط بيت الدرج بالكهرباء، كما كان متفقًا، أرسلوا إنذارات إلى كلّ سكان البناية يبلغونهم فيها ضرورة تغيير اللّوحة المركزية وإجراء فحص شامل لشبكة الكهرباء في البناية، وإلاّ فسوف يتمّ قطع الكهرباء عن البناية خلال سبعة أيّام!

حصلت هذه الزيارة ذات النتائج المأساوية في ساعات الصباح، حيث سكّان البناية في أعمالهم، وهكذا – لحسن حظّ يوسف – لم يعرف أحد منهم ما هو ولا مَن هو سبب الهجوم المفاجئ لشركة الكهرباء على عمارتهم…

* * *

يوسف ساكن على سطح العمارة… داره الصغيرة فيها غرفة واحدة فيها زاوية مطبخ وأمامَها ساحة سطح واسعة… ولكنّه لا يستطيع أن يستغلّ غالبية المساحة، فقد وضع عليها جاره أبو رامي ألواح الطاقة الشمسية ليتمكّن من توفير  الكهرباء لبيته. كذلك يصعب على يوسف أن يركّز  في دروسه أو أن ينام في اللّيل، بسبب صوت مولّدات الكهرباء التي يشغّلها جاره الثاني، أبو سامي، في الساحة الخلفية.

يضع يوسف النفط في المصباح ويحاول أن “يُذاكِر” دروسه…

ولكن، عندما يأتي إليه بعض الصديقات أو الأصدقاء، فإنه يستمتع بالأجواء الرومانسية على ضوء الشموع والنجوم.

* * *

الصور اهداء من الفنانة إيريس

تصحيح خطأ: لسبب ما نسبت الجريدة القصة لواحد اسمه “يوآف بار” – وكان من الأصح ان تكتب “يوآب حيفاوي”

electricity_romantic_roof

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: