Skip to content

ملاحظات حول “نقاش مسألة اليهود” في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة

يونيو 29, 2016
Not-in-our-name-Jews for Palestine

أردت أن اكتب مقالاً تحت عنوان “مساهمة في نقاش مسألة اليهود في فلسطين”… ولكنّني، قبل أن أشارك في نقاش مسألة ما، فإن عليّ أن أعرف من يخوض النقاش وفي أي سياق يجري هذا النقاش.

بحسب اطّلاعي المحدود على الأمور، فإنني لا أجد اهتماماً كبيراً في نقاش “مسألة اليهود” في سياق حركة التحرّر الوطنيّة الفلسطينيّة. ولذلك، وقبل أن أدلي بدلوي في نقاش غائب، فقد رأيت بأنّه من الأفضل أن أتطرق إلى  السؤال حول سبب غياب هذا النقاش، فإذا لم يشعر أحد بضرورة طرح السؤال، فهل يعني هذا بأنه ما من حاجة لطرحه؟

لماذا أكره ان اشارك في نقاش مسألة اليهود؟

قبل الدخول في الموضوع نفسه، ولأجل الشفافيّة والوضوح، لا بد لي من الإدلاء بـ”اعتراف شخصي”… لقد ولدت، كابن لعائلة يهوديّة-صهيونيّة في واحدة من مستوطنات مرج بن عامر… ولا بد ان العلاقات العائليّة والاجتماعيّة والخلفيّة الثقافيّة والتاريخ الشخصي كلها لها تأثيراتها على المواقف في القضايا السياسيّة.

لحسن الحظ وبفضل الظروف وعيت لبعض جرائم الصهيونيّة خلال حرب حزيران 1967، فكان عمري في ذلك الوقت 12 سنة، ومع بلوغي من العمر 15 عامًا صرت معارضًا للمشروع الصهيونيّ جملة وتفصيلًا باعتباره، من جهة، ظلماّ، إلى جانب كونه، من الجانب الآخر، غير قابلٍ للاستمرار. وبذا، فقد قرّرت ان أُغادر البلاد وأبحث عن مستقبلي في أيّ بلد آخر.

ولكن، ولدى وصولي الى الجامعة، انخرطت في العمل السياسيّ المعادي للصهيونيّة وقد لعب هذا النشاط الدور المركزي في حياتي ، وعليه، فقد قمت بتغيير برنامجي مرة أخرى وقررت أبقى في فلسطين… وفي سنة 1984 انضمت بشكل رسمي لحركة التحرر الوطنيّة الفلسطينيّة المتجسدة في صيغة حركة أبناء البلد.

طوال مدة نشاطي في الحركة الوطنيّة، خضت وأخوض صراعًا مستمرًا لكي ينظر الرفاق إلى مشاركتي “كما هي” لا أن ينظروا إليها بالإنطلاق من خلفيّة أصلي كيهوديّ… وإن كنت قد نجحت، نوعًا ما، في هذا الصراع في بعض الأحيان، فإن هذا المجهود كلّه قد يسقط عندما يطرح موضوع “المسألة اليهوديّة” للنقاش.

مخاطر مناقشة المسألة

خلال الحديث حول مستقبل فلسطين بعد التحرير، عندمّا تُطرح المسألة “ما الذي نصنعه باليهود؟” نجد، احيان، نقاشًا حادًا وبوتيرةٍ انفعاليّة بين من يطرح دمج اليهود المعنيين بذلك كمواطنين كامليّ الحقوق في الدولة الفلسطينيّة المستقبليّة وبين من يرفض وجود اليهود في فلسطين، باعتبارهم نتيجة من نتائج الغزو الاستعماري…

إنني أرى في هذا النقاش خطورة مزدوجة.
فمن الممنوع، أولاً، ان ننسى ولو لدقيقة بأننا نعيش تحت احتلال يمارس العدوان ويقمع ويميز ضد كل انسان فلسطينيّ، بغضّ النظر عن اصله أو دينه أو مواقفه السياسيّة، كما ويسعى هذا النظام لاستكمال التطهير العرقي ولتشريد جميع الشعب الفلسطينيّ عن أرضه. وفي هذه الظروف فإن المعارك الفعليّة المطلوبة في هذه المرحلة، وحتى اشعار آخر،  يمكنها أن تكون بعيدة، هي كلها معارك التصدّي لغطرسة هذا النظام. وبذا، فإن وحدة الشعب الفلسطينيّ لمواجهة الاحتلال والتشريد تصبح شرطا أساسيا للنجاح في هذه المعركة ، وإن اختلفنا بسبب نقاش قضايا “مستقبليّة” وانقسم الصف الفلسطينيّ ونجحت الحركة الصهيونيّة في تمرير مشروعها الاستعماري فقد يحكم علينا التاريخ اننا ضّحينا بالواقع لأجل الخيال…
من طرف آخر فإنني أرى أن هذا النقاش، البعيد عن الواقع، يمكن له ان يُستعمل، وهو يستعمل فعلًا، من قبل أجهزة الدعاية الصهيونيّة لصرف النظر على الجرائم ضد الانسانيّة التي ترتكبها آلة الاحتلال والحرب بشكل يومي، وعلى معاناة الشعب الفلسطينيّ، وتطرح نقاشا عقيماً وعبثياً حول الجرائم المحتملة التي  قد يرتكبها الفلسطينيّون تجاههم والمعاناة المحتملة لليهود بعد سقوط الصهيونيّة. وهكذا، تقوم الصهيونيّة ، عبر هذه الدعاية، بتعزيز سيطرتها على اليهود في فلسطين وتضمن دعم القوى الإمبرياليّة وقسم مهم من الرأي العام العالمي لمشروعها الظالم.

بين سياق الهزيمة ورؤية النصر

المفكر عزمي بشارة قال ذات مرة  بأنه لا داعي لنقاش مسألة اليهود في فلسطين أو طرح الحلول المتعلقة بهم، لأنّه ليس مطلوبا من المستعمَّر أن يجد حلولا للمستعمِّرين. انه منطق سليم في سياق علاقة المستعمِّر والمستعمَّر… ولكن كل نضالنا  كلّه يتمثل في وضع حد حاسم لهذه العلاقة التي فرضتها علينا الصهيونيّة.

من الضروري أن ندرك بأن الأسئلة المطروحة تتغير بتغير السيناريوهات التاريخيّة… وقبل أن نتمكن من الإجابة على السؤال، فإن علينا أن نعي بكيفيّة تغيّر مفهومه مع تغيير السياق.

إن كنّا نتوقع انه لا مفرّ من استمرار الهيمنة الامبرياليّة-الصهيونيّة على المنطقة و قمنا، بشكل مسبق، بتحديد سقف آمالنا ونضالنا لـ”انقاذ ما يمكن انقاذه” أو لإيجاد بقعة أرض يمارس فيها الشعب الفلسطينيّ استقلاله و\أو لانتزاع بعض الحقوق المدنيّة للتخفيف من معاناته في ظل هذه الهيمنة القائمة – وفي هذا السياق فعلًا لا حاجة لدى حركة التحرر الفلسطينيّة في طرح حلول لـ”مسألة اليهود”… ولكن علينا ان لا نخفي عن أنفسنا ان مفهوم هذا الرؤية هو القبول بالهزيمة كأمر واقع.

سيناريو آخر، يمكن أن يبدو أكثر تفاؤلا، هو ان يتغيَّر النظام من موقع القوة، ويمنح الفلسطينيّين حقوقهم، تدريجيّاً. وهناك من يجري تعديلات على هذا السيناريو وينتظر الضغوط الخارجيّة – المتمثلة، بشكل أساسي، في القوى الامبرياليّة – التي من الممكن أن ان تفرض الاصلاح الديمقراطي وحتى تغيير أو “تحوُّل” النظام… الا ان هذا الرؤية ليس لها أسس ماديّة تضمن امكانيّة تجسيدها على أرض الواقع وهي تعتمد على “حسن نيَّة” النظام أو القوة الامبرياليّة…

أعود هنا،  واطرح الرؤية “التقليديّة” كما عبر عنها الأمير فيصل (وملايين من مناضلي الحريّة على مدة التاريخ) “أن الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى – حريّة الأمة بأيديها”، هذه الرسالة المنقوشة في الحجر على “عمود فيصل” قرب جامع الاستقلال في حيفا. فإن كان برنامجنا السياسي هو تحرير فلسطين من الاستعمار والاستعباد، وإن كنّا نؤمن بأنّ القوة الأساسيّة التي تعمل لأجل هذا التحرير هي حركة تحرر الجماهير الفلسطينيّة، وبأن باقي العوامل هي مجرد عوامل مساعدة، مهمة أو هامشيّة كما كانت، فإنه لا بدّ من هزيمة المشروع الصهيونيّ لتحقيق هذا النصر، وبالتالي فإن “أفق” نضالنا قد يكون إعادة بناء كل ما دمرَته الصهيونيّة، إلى جانب التخلص من كل مخلّفاتها…

بناء على هذه الرؤية وفي هذا السياق، فإن “حل المسألة اليهوديّة في فلسطين” هو جزء عضوي ولا بدّ منه في مشروع التحرير…

تفكيك القنبلة

تعلمنا، خلال دراسة “النمط التاريخي للاستعمار الاستيطاني”، بأن السعي للتطهير العرقي ولابادة الشعب الأصلاني لا يكون نتيجة لـ”تطرف” أو “انزلاق” في المشروع الصهيونيّ، ولكنه كامن في جوهر المشروع الذي يسعى إلى لبناء نفسه ككيان بديل على أنقاض المجتمع المحلي.

ولكن المشروع الصهيونيّ، وفي الوقت ذاته، يحمل في جوهره ايضًا مخاطرة بمستقبل المهاجرين اليهود الذين يستخدمهم لبناء كيانه. وفي سعيه الدائم للتوسع الجغرافي وللحفاظ على تفوُّق المجتمع الاستيطاني على السكان  الأصليين فإنه ينفي امكانيّة الاستقرار ويخلق صراعات دمويّة ويزيد من العداء لمشروعه. يقوم الكيان الصهيونيّ باستخدام المواطنين اليهود كرهائن لبناء مشروعه ويستخدم المخاطر، التي يخلقها هو، التي تتهدد أمنهم وسلامتهم،  لتبرير تزايد وتيرة عدوانيته.  فليست من الصدفة ان تقدس الصهيونيّة تجربة “مسعدة” (מצדה) التي انتهت بانتحار اليهود المحاصرين فيها…

إن دولة اسرائيل، بأكثر من كونها مشروعا استيطانيا على أرض فلسطين نفسهاهي كيان عسكري، وهذا الكيان يشكّل ركيزة من ركائز الهيمنة الامبرياليّة على المنطقة، وهو يشكّل خطرًا ملموسًا على سلامة واستقرار وإمكانيّات الحياة الكريمة في المنطقة ككل. فقد يكون مشروع تحرير فلسطين واقامة الدولة الديمقراطيّة الواحدة مشروعًا يكفل تفكيك هذه القنبلة النوويّة التي زُرعت على هذه الأرض الطيبة وبأقل أضرار ممكن. لذلك فلا بد لنا من دراسة دقيقة لكل مركّبات هذه القنبلة، الميكانيكيّة والبشريّة، والتعامل معها بكامل الجديّة والمسؤوليّة بهدف تفكيكها وبناء بديل عنها.

 

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: