Skip to content

الجلسة الأولى في محاكمة الشاعرة الفلسطينية الجليلية دارين طاطور المتهمة بـ”التحريض”

أبريل 30, 2016
Darin_v

المترجم/الشرطي، يُقسِم أنه لا يفهم في الشعر ولا في الترجمة

ترجمة التقرير من العبرية رجاء زعبي-عمري

أنا أيضًا لا أفهم كثيرًا في الشعر، ولكن من القليل الذي أعرفه، أظنّ أن مهمّة الشعراء هي انتقاء كلمات قليلة بليغة، وشحنها بحمولة عاطفية ثقيلة، ليطلقوا في فضاء العالم نصًّا فيه طبقات من المعاني تثير فينا تداعيات لا حدود لها.

في 13 نيسان 2016، عُقدت في محكمة الصلح في الناصرة الجلسة الأولى لمحاكمة الشاعرة دارين طاطور، التي تتّهمها “دولة إسرائيل” بالتحريض. من الناحية القضائية كانت الجلسة حدثًا خافتًا قليل المضامين، يندرج ضمن الروتين اليومي للقمع الذي يتعرّض له الفلسطينيون في كلّ أنحاء الوطن المحتلّ. ولكنّنا، من جهة أخرى، حظينا بـ”حدَث أدبيّ” لافت. العرض الذي شاهدناه اليوم في قاعة المحكمة، بلغ ذروات عليا من الدراماتيكيّة المطعّمة بمقاطع شعرية ونثرية، فأتحفنا بلوحة من فسيفساء أدبيّ متعدّد الأساليب، تختلط فيها الواقعية بالعبث والسريالية.

الشاعرة الماثلة أمام المحكمة – بعد ستّة أشهر من الملاحقات والاعتقال والتنكيل – كانت تطلق ابتساماتها ويبدو عليها الرضى، وهي تشاهد الممثلين الهُواة منهمكين في تأويل أبيات الشعر.

شرطي وهاوي شِعر

افتتحت النيابة معركتها بعرض “الورقة الرّابحة” التي في يدها، أي القصيدة التي تتمحور حولها لائحة الاتّهام. كلّ شيء، تقريبًا، موجود في عنوان القصيدة: “قاوِمْ يا شَعبي، قاومْهم“. وقبل تقديم إثبات حول مصدر القصيدة، أو نصّها الأصلي باللغة العربية، عرضت النيابة القصيدة مترجمة إلى اللغة العبرية. قدّم لنا العرض شرطي من محطّة شرطة الناصرة، شاء حظّه أن تلقى عليه مهمّة ترجمة القصيدة. كيف لا، وهو يتمتّع بخبرة 30 سنة… شرطة؟ كان يبدو عليه أنّه قام بمهمّة الترجمة بإخلاص تامّ، ضمن حدود قدراته.Darin_reading_poem

وقف الشرطي على منصّة الشهود، وأشار بلا تردّد ومن تلقاء نفسه إلى الأخطاء التي ارتكبها في الترجمة. هنا سطر سقط سهوًا، وهناك حرف استُبدل بحرف آخر “يقرب له”. ما الذي يمكن أن نتوقّعه من شاهد يعترف أن معرفته بالشعر تقتصر على ما تعلّمه في “درس الأدب” في المدرسة الثانوية… ويعلن أنه (مِن يومْها وهو بيحبّ اللّغة).

الشاهد الشرطي – المترجم – الناقد الأدبي، سحَبَنا معه إلى أعماق القصيدة، لنفهم (أو لا نفهم) مغازيها الكامنة هناك، وذلك من خلال أبيات قليلة اختارها لنا. ولكن، يا خسارة… خسارة كبيرة أنّه ليس مسموحًا تصوير الجلسة لإظهار التفاصيل الصغيرة الدقيقة في رحلة المترجم عبرَ النصّ، والتي “راحَت ضياعة” لأنّ المحضر يوثّق جلسة المحكمة باللغة العبرية فقط.

بحسب رأي الشرطي، في القصيدة بيت “لا تخشَ ألسنَ مركافاه”؛ والمقصود بها – حسب رأيه – الدبّابة الإسرائيلية التي تحمل هذا الاسم؛ أمّا الألسن فهي ألسنة النار المنبعثة من فوهة الدبّابة.

 

في بيت آخر ترد في القصيدة كلمة “نَدّ” (بالفتحة) يؤكّد الشرطي، وتعني في اللغة العربية (الخطوط المتوازية) – يفسّر الشرطي. ولكنّ الخطوط المتوازية لا تلتقي أبدًا – يشرح لنا الشرطي. هنا يتعمّق الشرطي في التأويل قائلاً: ولذلك، فالندّ هو الخصم، بل يمكن القول إنه الخصم القويّ. حنين زعبي، التي ضمن الحضور في القاعة، لم تتمالك نفسَها وتدخّلت قائلة إنّ الكلمة باللغة العربية هي نِدّ – بالكسرة. فطلبت منها القاضية ألاّ تعرقل سير المحاكمة.Darin_writing

وفي مكان آخر، يشرح الشرطي أنّ القصيدة تتحدث عن “غزوات” لن تقلّ. والغزو، يعلّمنا الشرطي، هو من عادات القبائل العربية ما قبل الإسلام، حيث يهاجمون جيرانهم ويسلبون ممتلكاتهم ويستعبدون نساءهم وأطفالهم.

هنا، نكون قد وصلنا إلى واحدة من ذروات عالم الشعر. جمهور الحاضرين في القاعة كان مأخوذًا، يتلوّى بين الذهول والضحكات المكتومة. ولكنّ الندوة الأدبية في نهايتها أبقتنا مع طعم المرارة.

لم تجد “دولة إسرائيل”، في سعيها إلى سلب حرّية الشاعرة، لم تكلّف نفسها حتى الاهتمام بترجمة مهنية للقصيدة التي هي محور لائحة الاتّهام؛ علمًا أنّ القصيدة، حتى بالترجمة المريعة التي قدّمها الشرطي، لم تحتو على أي بيّنة تستدعي الاعتقال. القبض على دارين، واعتقالها المنزلي الذي ما زال مستمرًّا، وإجراءات المحاكمة بحقّها – كلّها تستند إلى بيّنة أساسيّة تعتبَر بحدّ ذاتها جريمة في الديمقراطية اليهودية: إنّ دارين عربية فلسطينية.

ومن الشعر.. إلى النثر

شاهد آخر، يُدعى رامي، كان أوّل من حقّق مع دارين في محطة شرطة الناصرة، صباح اعتقالها. وهو يذكر في محاضره أنه دخل للتفتيش في صفحات الفيسبوك الخاصّة بدارين، بواسطة هاتفها المصادَر – بعد أن استأذنها وسمحت له بذلك. كل، لم يكن في يده أمر تفتيش، ولم يُبلغ دارين أنّ من حقّها الاعتراض على تفتيش هاتفها. حتى إنّه أعدّ صورًا من صفحات دارين، وعرضها في المحكمة. وبالطبع، قدّم هو أيضًا ما تيسّر من الترجمات لصالح “القضيّة”.

في أثناء عرض الصور اهتمّ المحقّق الشاهد بأن يكشف أمام المحكمة الـ”ستاتوس” التالي: “جنود الاحتلال أطلقوا النار على إسراء عابد في العفولة. وضعها مستقرّ. الحمد لله على سلامتها”.  يا لَلهَوْل!!! المسألة واضحة؛ هنالك مواطنة فلسطينية أطلق جنود الاحتلال النيران عليها دون ذنب جنته، وإذا كنت لا تتمنّى لها الموت فأنت إذن تقوّض أسس الدولة الصهيونية.

لدى التحقيق في الشرطة، اتّهم المحقق المذكور دارين بكتابة “ستاتوس” آخر، أكثر “حربجيّة”. هو لم يرَ ذلك “الستاتوس”، ولكنه يتّهمها بناءً على “إخباريّة”. هذه الإخبارية السرّية ليست جزءًا من موادّ ملف التحقيق الذي تسلّمه المحامي، ولن يتمّ عرضها في المحكمة.  معنى ذلك، أنّ أحدهم قال أنّ إحداهنّ كتبت شيئًا ما في صفحة الفيسبوك خاصّتها؛ ومن هنا تدحرجت كرة الثلج وكبُرت حتى دفعت دارين لتُسحق تحتَ عجلات طاحونة “العدالة” الصهيونية.

دراما ليليّة

قاسِم، هو شرطي كبير في العمر، ملامح وجهه جدّية وحزينة. يقف قاسم أمام المحكمة ليصف بصوت هادئ ورزين الدراما التي حدثت حين وصلت إلى شرطة الناصرة “الإخباريّة” عن ستاتوسات نثر وقصائد تنشرها دارين. ثلاث دوريّات على الأقلّ وصلت إلى قرية الرينة في عتم الليل، واقتحمت البيت الذي تسكن فيه دارين مع والدَيها. في إحدى الدوريّات كان قاسم نفسه مع ضابط مناوب يُدعى “زيلبرشطاين” وضابط مخابرات؛ وفي دورية أخرى كانت قوّة حماية خاصّة من حرس الحدود، حوّطت البيت وشاركت في عملية اقتحام “جريئة” لبيت الشاعرة الخطيرة. لا يعرف قاسم كم عدد أفراد القوّة التي اقتحمت البيت في الساعة 04:00 صباحًا، أقلقت نوم أصحاب البيت واعتقلت دارين في الساعة 04:20 – حسب ما هو مسجّل في تقرير الاعتقال، الموقع بيد الشرطي قاسِم.

قاسم شرطي عليه مسؤوليّات؛ وهو لا يتهرّب من المسؤولية – “قرّرنا” اعتقال دارين، يقول.Darin_in_demo

كلاّ كلاَ، لم يكن في يدهم أمر اعتقال. وماذا كانت مبرّرات الاعتقال؟ الجواب: “إخباريّة”. قاسم لم يرَ الإخبارية، ولكنه سمع عنها من “زيلبرشطاين” ومن ضابط المخابرات. ولكن لا يوجد توقيع “زيلبرشطاين” على مذكّرة أو أمر اعتقال ولا هو سجّل تقرير عملية. يعني: لو قال قاسم “قرّرنا اختطاف دارين” لكان أصدق بكثير.

محامي الدفاع، عبد فاهوم، يحاول أن يشرح القانون لقاسم. هناك حالات يُسمح فيها تنفيذ اعتقال دون مبرّرات. يجب أن يكون هنالك سبب محسوس، جناية ارتُكبت لتوّها أو الشروع في جناية. يدّعي المحامي أنّ اعتقال دارين جرى بصورة غير قانونية. ولكن قاسم لا يفهم ما هو الخطأ هنا – “زيلبرشطاين” قال… ونحن “قرّرنا”.

في النهاية تتصدّى القاضية لإنقاذ قاسم، فتقول لمحامي الدّفاع إن هذه المسألة يمكنه عرضها في مرحلة التلخيصات.

محامية الادّعاء الطّموحَة

في حوالي الساعة الثانية، يطلب محامي الدفاع الخروج مبكرًا، لأسباب شخصية. ولكنّ محامية الادّعاء تعترض، فالجلسة يفترض أن تستمرّ حتى الساعة الرّابعة، وهناك شهود كثيرون تمّ استدعاؤهم، ومازالوا يننتظرون دورهم. يقترب محامي الدفاع من منصّة القاضية ليشرح لها أسبابه – أسراره. نحن رأينا القاضية تبتسم، وتوافق على وقف المداولات وإنهاء الجلسة.Darin_as_detainee_in_Nazareh_court

محامية الادّعاء تتنازل، ولكنها تريد شيئًا مقابل تضحيتها السامية؛ تشرح للمحكمة أنّ محامي الدفاع سيكون منذ الآن هو المسؤول إذا تأجّلت المحاكمة؛ ولهذا فإنّ دارين لا يمكنها أن تطلب تسهيل شروط اعتقالها الصعبة استنادًا إلى أنّ المحاكمة قد طالت. أمّا شروط اعتقال دارين فهي: حبس منزلي تامّ، مع كلبشة وحارسين، في بيت شقيقها في تل أبيب. فالمحكمة ترى أن وجودها في منزلها يشكّل خطرًا على الناصرة والمنطقة. هذا إضافة إلى منع استخدام الإنترنت من قَبل أيٍّ كان، في البيت الذي تقبع فيه دارين معتقلة.

هذه فقط حلقة واحدة من سلسة حلقات التنكيل بدارين، بعد أن بذلت النيابة أقصى جهدها لتمديد اعتقالها (أكثر من ثلاثة أشهر لحين إخراجها إلى الحبس المنزلي) ولوضع مزيد من الشروط على حبسها المنزلي. طيلة شهور واصلت النيابة تقديم الاعتراضات على كلّ قرار للمحكمة إذا احتوى تسهيلاً بسيطًا.

هنالك ما يمكننا أن نفعله

الحقيقة التي أمامنا هي أنّ شاعرة يجري اعتقالها ومحاكمتها بهذه الشروط، بناءً على تُهم لا أساس لها. سبب ذلك ليس فقط عنصرية النظام بكلّ أجهزته، ومنها جهازه القضائي (شرطة، نيابة، محاكم)، وإنّما أيضًا لامبالاة الجمهور والرأي العامّ.

أين هم الشعراء والأدباء الذين يدافعون عن حرية التعبير؟

هنالك موضوع يمكننا جميعًا أن نساهم فيه: في مقدّمة الجلسة، وضمن خطته الدفاعية، رفع محامي الدفاع مسألة التمييز في تطبيق القانون. حسب خط الدفاع هذا، فإن الملاحقة التي تعرّضت لها دارين طاطور مبالغ فيها جدًا، إذا قورنت منشوراتها على الفيسبوك بمنشورات آخرين، وبالأخص التحريض السافر والدعوات لقتل العرب التي ينشرها الصهاينة،  لا تهتمّ الشرطة بهم ولا تنوي فعل أي شيء ضدّهم.

بطبيعته، موضوع التمييز في تطبيق القانون هو موضوع عامّ يخصّ الجمهور، وليس موضوعًا خاصًّا بفرد بعينه. إنّه يتطلّب تجميع الموادّ، والتنديد بالتحريض والعنصرية ضدّ الجماهير العربية. إذا تجنّدنا للدفاع عن دارين طاطور فهذه ستكون – من الجانب العامّ – فرصة لكشف الممارسات العنصرية التي تمسّنا جميعًا، والنضال ضدّها.

14 نيسان 2016

 

بامكانكم قراءة المزيد حول قضية دارين طاطور (في اللغة الانجليزية) في هذا المقال في Free Haifa وفي تقرير  بدور حسن في موقع Electronic Intifada.

زوروا صفحة “الحرية لدارين طاطور Free Dareen Tatour” على الفيسبوك وادعموها.

الجلسة القادمة لمحكمة دارين طاطور يوم الأحد 8\5 الساعة الواحدة في محكمة الناصرة، فقد تكون هناك تظاهرة تضامن مع دارين قبل ذلك.

حراك حيفا يدعو الجميع لحضور أمسية شعرية تضامنًا مع دارين يوم الخميس 5\5 الساعة الثامنة مساء في نادي حيفا الغد.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: