Skip to content

الثائر الصادق جورج حبش… وجدلية تحرير فلسطين والثورة العربية

ديسمبر 30, 2015
Georg_Habash_Book_Cover

مدرسة للأجيال

قبل عدة سنوات حضرتُ مؤتمرًا دوليًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني في إحدى المدن الأوروبية… وفي إحدى الليالي، بعد انتهاء الجلسات الرسمية، كان هناك لقاء تلقائي لنخبة من الناشطين المركزيين من الفلسطينيين ومن العرب الغير فلسطينيين ومن الأجانب، ويعمل كلّ منهم في بلدان مختلفة وفي مجالات متنوعة. وقد عرَّف المشاركون أنفسهم أمام بعضهم البعض، الواحد تلو الآخر: من أيْن أتى وكيف تكوَّنت شخصيته السياسية… وتبيَّن أن الكل قد تأثر، في مرحلة من المراحل، إما بحركة “القوميين العرب” ومشتقاتها أو بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد لخّص المشاركون جولة التعارف بالاستنتاج “أننا كلنا من خِرِّيجي نفس المدرسة!”

لقد كان لجورج حبش، مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية، دور مركزي في إنشاء هذا التيار اليساري العربي – أو المدرسة الفكرية والنضالية التي شكلها هذا التيار. فقد أصبح هذا التيار التيار اليساري الأبرز في العالم العربي، وقد انتشر تأثيره إلى دول المنطقة والعالم. ولم يحمل هذا التيار نظرية جديدة ولا يختلف في مبادئه عن تيارات يسارية أخرى، وسعى ليحافظ على علاقات التعاون والتفاهم مع تيارات يسارية وقومية وتحررية عديدة ومختلفة، ولكنَّه تميَّز باستقلاليته فلم يخضع لا لموسكو ولا لبكين ولا لعبد الناصر ولا للبعثيين. فما هي مميزات هذا التيار؟ وما هي الصفات التي مكنت هذا الرجل الثائر من انشاء وقيادة هذا التيار؟

قرأت كتاب ذكريات جورج حبش، “الثوريُّون لا يموتون أبدًا”، وأنا أبحث عن إجابات لهذه المسألة… (وترجع كل الاقتباسات أدناه من أقوال حبش لهذا الكتاب.)

القضية فرضت نفسها

يشرح جورج حبش ظروف انخراطه في العمل السياسي الثوري… ولم يكن هذا خياره “الطبيعي” – أو الأول.

لقد كان ابنًا لعائلة وطنية من مدينة اللّد، وفي طفولته تأثر كثيرًا بأحداث الاضراب العام ضد الاحتلال البريطاني ولمناهضة الاستيطان الصهيوني الذي استمرّ مدة نصف السنة عام 1936، كما تفاعل مع حالة الغليان الجماهيري في مرحلة الثورة الشعبية المسلحة ما بين 1936 وحتى 1939.

أمّا قبل حدوث النكبة عام 1948 فقد سافر حبش لدراسة الطّبّ في بيروت… ويروي حبش كيف أراد أن يتدرب على استعمال السلاح لكي يشارك في الدفاع عن فلسطين، ولكنه لم يتمكن من ذلك، وعاد إلى اللّد قبل بضعة أسابيع من سقوطها وتهجير أهلها. وبصفته طالب طبّ فقد كان هناك مساعدًا في أحد المستوصفات.

كانت النكبة وتهجير معظم سكان فلسطين كارثة غير متوقَّعة، واعتبر حبش أن الجماهير العربية كانت قادرة وعلى استعداد لمنع هذه الكارثة، ولكنه اتهم حكام الدول العربيّة، وبشكل خاص حكام مصر والأردن، بالتقاعس وتسهيل ضياع فلسطين. ومن هنا ظهرت ضرورة تشكيل حركة “القوميين العرب” التي نذرت  نفسها لتوحيد الأمة العربية كوسيلة لتحرير فلسطين ولإعادة أهلها إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم.

الالتزام بالقضية الفلسطينية حدد علاقة التيار الجديد بغيره من التيارات الفاعلة على الساحة – وقد كانت كلها حاضرة وناشطة في “الدفيئة السياسية” في الجامعة الأمريكية في بيروت في أوائل الخمسينات.

التأثير الأكبر على الطلاب الراديكاليين كان لحزب البعث، ولكن، من خلال نقاشاته مع قيادات هذا الحزب، استنتج حبش أنهم غير معنيين بوضع فلسطين على رأس أولوياتهم، وبالتالي فقد قرر عدم الالتحاق بهذا الحزب. ويروي كيف ترك العديد من النشطاء حزب البعث للانضمام إلى الحركة الجديدة الأكثر ثورية.

كما يذكر حبش الأحزاب الشيوعية “التقليدية” التي فقدت مصداقيتها في هذه المرحلة بسبب التزامها بموقف الاتحاد السوفياتي الذي دعم قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة وكان من أوائل المعترفين بدولة إسرائيل الناشئة.

بوصلة في متاهات الوحدة العربية

فَرَضَ التركيز على القضية الفلسطينية معادلة صعبة. فلا يمكن أن تتحرر فلسطين من دون حدوث تغيير جذري في العالم العربي من جهة، وبالتالي لا يمكن ان يرضى التيار الذي يعمل لأجل تحريرها بأنصاف الحلول، وقد أبقى مؤشره الدائم، بذا، تجاه الحلول الثورية. ولكن، ومن جهة ثانية، فإنه لا يمكن لمئات الملايين من العرب أن يقضوا حياتهم في سبيل القضية الفلسطينية، ولا يمكن لهم أن يحدثوا التغييرات الجذرية المطلوبة دون مواجهة كافة العقبات والقضايا التي تؤثر على حياتهم اليومية.

اصطدم حبش بهذا الواقع للمرة الأولى مع تجربة الوحدة المصرية السورية التي تأسست عام 1958 في إطار “الجمهورية العربية المتحدة” التي قادها رئيس مصر جمال عبد الناصر.

ويكتب حبش عن دور عبد الناصر: “كان عبد الناصر يجسّد، في أعين الناس، حلم الوحدة والانبعاث العربي الذي كان قد بدأ يتحقق. لم يعد الأمل بولادة دولة عربية واحدة مجرّد حلم. وكان الكثيرون يردّدون القول بأننا سنتمكّن قريبًا من إزالة إسرائيل من الوجود.” (ص 48)

وفي عز مرحلة التفاؤل من مشروع الوحدة مُورست ضغوط على حركة القوميين العرب لحل نفسها وللانضمام إلى الحزب الناصري، إلا أن حبش كان واعيًا لأخطاء في تطبيق الوحدة وبالتحديد لانعدام الديمقراطية ورأى من الضروري أن تستمر حركة القوميين العرب وتحافظ على استقلاليتها لكي تعمل على تصحيح المسار. وقد حدد حبش العلاقة بقوْله “إنّ عبد الناصر يمثّل القيادة الرسمية للثورة العربية، لكنّ حركتنا… يجب أن تبقى لتجسيد القيادة الشعبية لهذه الثورة.” (ص 49)

بالرغم من إدراكه للأخطاء على طريق الوحدة، فُوجئ حبش وفُوجئت حركة القوميين العرب بإعلان الانفصال من قبل القيادات السورية التي كان النظام الناصري يعمل على حل أحزابها… وفُوجئوا مرة أخرى بسبب عدم تحرك الجماهير السورية للدفاع عن هذه الوحدة. ويذكر حبش أن حركة القوميين العرب نظمت مظاهرة مناهضة لفك الوحدة ولكن الحضور فيها كان ضئيلاً.

بالمقابل يذكر أيضًا كيف أنه “عندما اجتمع البرلمان السوري، بعد عدّة أشهر، لإلغاء القوانين الاشتراكية، نُظّمت تظاهرات احتجاج أمام مبنى البرلمان امتدّت إلى سوق الحميدية، وقد شاركنا بقوّة في تلك المظاهرات.” وهكذا يمضي ويستنتج أن “الناس لا يتحرّكون إلا عندما تتعرّض مصالحهم للتهديد” ويؤكد “ضرورة اشراك الناس في الحياة السياسية… لتجنّب اخفاقات جديدة على مستوى الوحدة العربية”. (ص 53)

بين الإعجاب بشحصية جمال عبد الناصر والاصطدام بواقع نظامه

لا يوفّر حبش كلامًا لشرح اعجابه بشخصية القائد جمال عبد الناصر، وقد التقى به شخصيًا للمرة الأولى في 1964 وعاد والتقى به عدة مرات بعد ذلك، وهو يسرد ذكريات هذه اللقاءات بتفاصيلها أكثر من أي حدث آخر. ويلخص تقريره عن اللقاء الأول بالقول: “أمضيت أربع أو خمس ساعات مع الرئيس عبد الناصر… فقد كان يعتبرني صديقًا مقرّبًا… كنت شديد الإعجاب بذلك الرجل العظيم، الذي لا نظير له والمحاط بهالة غير عادية. كان يجمع بين القوة والبساطة والنزاهة وطهارة النفس، وتلك هي الصفات التي ميّزت ذلك الرمز الوطني. وبمرور الوقت، توثّقت علاقتنا وأصبحت حميمة جدّاً.” (ص 63)

فقد وصلت العلاقات بين حركة القوميين العرب وبين القيادة المصرية إلى مرحلة من الخلافات والتوتّر على خلفية تطوّر المقاومة للاحتلال البريطاني في منطقة جنوب اليمن. وقد كانت “الجبهة القومية”، أنصار القوميين العرب في جنوب اليمن، أول من أطلق الكفاح المسلح لطرد الاحتلال من هناك. أمّا النظام المصري، الذي كان منشغلًا في الحرب الأهلية في اليمن الشمالي، فقد دعم تيارًا آخر في جنوب اليمن، وهو “جبهة التحرير” بقيادة عبد ألله الأصنج، الذين اعتبرهم حبش “انتهازيين”.

ويسرد حبش كيف تدخّل جهاز الاستخبارات المصري ليفرض على “الجبهة القومية” الانضمام إلى “جبهة التحرير” من خلال الضغط على بعض العناصر الغير مخوَلة لاتخاذ هذا القرار، ومنعْ بعض القياديين في “الجبهة القومية”، منهم قحطان وفيصل الشعبي وآخرين، الذين صدف وكانوا موجودين في مصر، من العودة إلى بلادهم. وعندما حاول حبش، برفقة وفد من قيادة حركة القوميين العرب، العمل على معالجة هذا الخلاف، لم تحُل علاقة الصداقة بينه وبين الرئيس دون استمرار تعامل الاستخبارات مع الموضوع بأساليبها الخاصة…

يقول حبش: “أعربنا عن استنكارنا لتدخّل أجهزة المخابرات المصرية التي كانت بصدد تقويض التجربة الناصرية في اليمن. وكان ذلك وجهًا من أوجه التناقضات في النظام الناصري: فمن جهة هناك رصيده الشعبي، ومن جهة أخرى هناك البيروقراطية التي تعارض الإصلاحات. وفي تلك اللحظة أدركنا صعوبة التنسيق بين العمل الشعبي والأجهزة الأمنية.” (ص 66)

وبالرغم من رؤيتها السلبية للاندماج الذي فُرض على الجبهة القومية، أوصتْ قيادة “القوميين العرب” على القبول بهذا الاندماج كأمر واقع، لأن “القطيعة مع عبد الناصر لم تكن واردة لدينا” (ص 67)

إلا أن قيادة الجبهة القومية استمرت في فعلها المستقل وقادتْ الجماهير إلى التحرر من حكم بريطانية، وشكّلت جمهورية اشتراكية في اليمن الجنوبي بقيادتها، وقد كان قحطان الشعبي رئيسها الأول. ولا شك أن تحرير جنوب اليمن وقيادة التجربة الأكثر شعبية وأكثر اشتراكية في التاريخ العربي الحديث هي قمة انجازات مدرسة حركة القوميين العرب – وهي التجربة الوحيدة التي نجحت فيها قيادة من قياداتها القطرية أن تخرج من دور المُعارض أو المُصحح والمُساعد إلى فرض قوانين العمل السياسي في بلد ما.

وبعد أن قبل النظام المصري بقيادة القوميين العرب في اليمن الجنوبي كأمر واقع، عادت العلاقات إلى طبيعتها. إلا أنها عادت وتعكّرت من خلال خلاف حول فرع آخر للقوميين العرب – هذه المرّة في مصر نفسها. فقد شجعت قيادة القوميين العرب رفاقها في مصر على حل فرع الحركة محدود التأثير هناك، والانضمام إلى “الاتحاد الاشتراكي” الناصري.

ويروي حبش كيف وصل، ذات يوم، طلب عاجل من السفارة المصرية في بيروت لقيادة القوميين العرب للذهاب إلى القاهرة للقاء الرئيس عبد الناصر. ولما وصل الوفد إلى القاهرة أجبر على الانتظار أربعة أيام، و”كان اللقاء فاترًا، وطغت عليه الشكليات…” واشتكى عبد الناصر من ان “رفاقكم المصريين يثيرون المشاكل داخل الاتحاد الاشتراكي الذي انضمّوا إليه بناء على طلبكم. تلقّينا معلومات بهذا المعني. نحن نخشي أن يثيروا توتّرات داخلية، ونحن نشتبه فيكم من حيث التأثير عليهم… كنا نريد أن نتأكد من سلوككم خلال الأيام الأربعة التي أمضيتموها في القاهرة.” (ص 68)

أمّا الصدمة الحقيقية فقد أتت مع هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 واحتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية ولشبه جزيرة سيناء المصرية ولهضبة الجولان السورية خلال ستة أيام. ويقول حبش: “كنا قد وضعنا كل آمالنا في جمال عبد الناصر لاعتقادنا بأنه رجل التحرير. عندما طالب بانسحاب قوات الأمم المتحدة من سيناء لم أشعر بالقلق بوجه خاص إزاء نتائج قراره لأن ثقتي به كانت كبيرة جدًا.” (ص 72)

وبعد الهزيمة لم يبق مجال للاستمرار بهذا الإيمان بتحرير فلسطين من قبل (أو بقيادة) الأنظمة العربية الموجودة. “وقد اقترحتُ عقد اجتماع للحركة من أجل استخلاص دروس ذلك الإخفاق الكبير الذي مُني به النظام الرسمي العربي. أحد تلك الدروس مُفاده أن الشعوب وحدها يمكنها أن تتحكم في التاريخ. إني أكنّ احترامًا بالغًا لعبد الناصر القائد، لكن الشعوب، في نظري، هي التي يجب أن تشكّل المحرّك الأساسي للنضال ضد الامبريالية وإسرائيل.” (ص 73)

الكفاح المسلح الفلسطيني والنظام الأردني

وُوجهت هزيمة الأنظمة العربية برد فعل جماهيري ثوري من قبل الجماهير الفلسطينية، من خلال التركيز على الكفاح المسلّح ضد اسرائيل إما من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو عبر الحدود. وقد رافقت هذا التغيير في الأجندة النضالية إعادة صياغة الأطر التنظيمية مع إقامة “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” التي تم الاعلان عن انطلاقها في الـ11 من كانون أول – ديسمبر1967.

كانت الأنظمة في حالة من الضعف في المرحلة الأولى بعد حرب 67، وقد حصلت المقاومة الشعبية على تعاطف الجماهير العربية، الأمر الذي أجبر الانظمة على الاعتراف بشرعية المقاومة الشعبية المسلحة ومنحها مساحة من حرية التحرك. وفي هذه المرحلة كان الأردن أهم ساحة للتحرك الفلسطيني، فقد تأسست فيه قواعد عسكرية لمختلف التنظيمات الفلسطينية المسلحة. و”كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي التنظيم الرئيسي خلال فترة النضال في الأردن. وكان ينضمّ إليها المنتسبون الجدد بالآلاف.” (ص 112)

بين العمليات التي تميّزت بها الجبهة الشعبية في هذه المرحلة برزت عمليات خطف الطائرات، ونستطيع أن نقرأ كيف فسرها حبش على خلفية التطورات الموضوعية على ساحة المواجهة: “كانت معظم الفصائل الفلسطينية تعتمد الاستراتيجية العسكرية نفسها، في بداية العام 1969، وهي محاربة إسرائيل عن طريق عمليات تسلل عبر الحدود. لكن مواصلة هذا الخط أصبح صعبًا مع اتخاذ تدابير مضادة من قِبل الصهاينة. كنا نخسر أعدادًا أكثر مما ينبغي من الفدائيين، بينما كان العدو يخسر أعدادًا أقلّ. وهنا ركّزنا على خطف الطائرات وعلى ضرورة توجيه ضربات مؤلمة إلى المصالح الإسرائيلية والإمبريالية أينما كانت… كان هدفنا هو التعريف بالقضية الفلسطينية على الصعيد الدولي.” (ص 85-86) “لكن ينبغي التوضيح أن الهدف الوحيد لعمليات خطف الطائرات تلك كان مبادلة أسرى إسرائيليين بسجناء فلسطينيين في سجون العدوّ.” (ص 105)

ومنذ بداية تصاعد الثورة الفلسطينية في الأردن، حيث طغت عليها مسألة العلاقات مع النظام الملكي الأردني. فقد أرادت الثورة، من جهة، أن توجّه كل قواتها لمحاربة المحتل، ومن جهة ثانية، فقد كان من المتوقع أن يؤدي تصعيد النضال ضد اسرائيل إلى صدام مع النظام الأردني.

وكانت الجبهة الشعبية أكثر إدراكًا لتبعيَّة النظام الأردني للمحور الامبريالي-الصهيوني-الرجعي، ولاحتمالية سعيه إلى قمع الثورة: “ثم اجتمعت مختلف الفصائل الفلسطينية في غياب أبو عمار الذي كان مسافرًا خارج الأردنّ… وقد اتفقنا على خمس نقاط لتتمّ المصادقة عليها، بعد ذلك، من قِبل دورة خاصة للمجلس الوطني الفلسطيني. وبذلك تمكنا من صياغة موقف فلسطيني موحّد. وشكّل ذلك انتصارًا كبيرًا للجبهة ولخطها السياسي الوحدوي. وعندما عاد أبو عمّار رفض، ويا للأسف، إحدى تلك النقاط، وهي النقطة التي تعتبر القوى الرجعية والعدو الإسرائيلي شيئًا واحدًا.” (ص 91)

هذا الادراك لم يؤدي إلى تراجع عن وتيرة المواجهة العسكرية مع اسرائيل، ولا إلى محاولة تطوير خطة ثورية لقلب النظام الأردني، بل كانت محاولة لتجنّب هذه المخاطر من خلال الدفاع عن شرعية المقاومة مع التأكيد على أنها لا تمس بسيادة الأردن. ولم ينجح “خط الدفاع” هذا بأن يمنع الهجوم المتوقع من قبل الجيش الأردني، بأوامر من الملك حسين، في أيلول الأسود 1970، ومحاصرة قواعد المقاومة والمخيمات الفلسطينية وتنفيذ المذابح الفظيعة ضد الثوار والمدنيين على حد سواء.

ويقول حبش: “أن ما لم يكن متوقعًا تمثّل بموقف النظامين العراقي والسوري اللذين لم تتحرّك جيوشهما لدعم المقاومة خلال أيلول/سبتمبر الأسود. ومع ذلك، كانت بغداد تؤكد، قبل المذابح، أنها لن تسمح بأي شكل بتصفية المقاومة في الأردنّ، وأنها ستقف إلى جانبها إذا ما تعرّضت للتهديد. وعندما بدأت الصدامات لم يفعل الجيش العراقي، الذي كان مرابطًا على الأراضي الأردنية، غير التفرج على الأحداث.” (ص 101)

وفي مراحل متأخرة من وجود الثورة الفلسطينية في الأردن، تغيّر تحديد العلاقة مع النظام الأردني: “وقد أصبح من بين أهدافنا للمرّة الأولى، منذ انسحابنا إلى جرش، قلب النظام في الأردن لأنه كان متحالفًا مع أميركا وإسرائيل ومصمّمًا على وضع حدّ نهائي لوجود المقاومة الفلسطينية.” (ص 102) ولكن في هذه المرحلة كانت التنظيمات الفلسطينية محاصرة وغير قادرة على التحرك بين الجماهير ولم يبق لها مفرّ إلا التخلّي عن وجودها المسلح في الأردن.

على وشك الانتصار في لبنان

وقد انتقل مركز الثورة الفلسطينية المسلحة، بعد هزيمتها في الأردن، إلى لبنان. وأعتمدت التنظيمات الفلسطينية خطة مواجهة شبيهة من خلال وجود القواعد العسكرية وانطلاق العمليات أو تبادل النيران عبر الحدود. ويذكر حبش أنه “بالنسبة إلينا كانت مقاومة إسرائيل هي الأمر الوحيد الذي يهمّنا.” (ص 137) و”لم نكن نرى في الحركة الوطنية (اللبنانية) غير عنصر دعم لقضيتنا.” (ص 138)

إلا أن الأمور فرضت نفسها، وقد كانت الساحة الداخلية اللبنانية مُهيأة لحدوث تغيرات ثورية في لبنان نفسها.

“بصفتي رجلًا يساريًا، كنت ألاحظ الفوارق الصارخة بين حياة البرجوازية الكبيرة في لبنان وبؤس الطبقات المحرومة في الجنوب والبقاع والكثير من المناطق اللبنانية الأخرى بما فيها بيروت حيث كانت توصف المناطق الفقيرة المحيطة ببيروت بـ”حزام البؤس”… كان المجتمع اللبناني يعاني الكثير من مظاهر الخلل الفاضحة، حيث كان الشيعة مهمّشين.” (ص 137)

و”بالفعل، سمح التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية بأطرافها كالحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والتيار الناصري، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، بتعزيز مواقع الجانبين. فالفلسطينيون، شأنهم شأن مناصري جنبلاط ومجمل أطراف الحركة الوطنية اللبنانية، كانوا يشعرون بأنهم مهمشّون. لذا كان هؤلاء يدعمون مطالبنا الرئيسية، وكنا نفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى مطالبهم… وعندما كان كمال جنبلاط يقول: “نحن نستند إلى القوة التي يمكنها أن توصلنا إلى السلطة”، فإن ذلك كان يُظهر مقدار قوتنا.” (ص 138)

واندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 بسبب المذابح التي قامت فيها مليشيات الكتائب الفاشية بحق الفلسطينيين، وبالفعل أثبت تحالف الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية أنه الطرف الأقوى على الساحة وكان قريبًا من الانتصار وإلغاء النظام الطائفي (الذي أسسته الامبريالية الفرنسية) وإنشاء نظام ديمقراطي.

ولكن ميزان القوى قد تغيّر مرة أخرى مع تدخّل الجيش النظامي السوري (عام 1976) لمنع انتصار القوى الوطنية اللبنانية وللحفاظ على النظام القديم في لبنان. وقد فسر حبش هذا التدخّل بقوله: “وهكذا، دفع الأميركيون بالسوريين إلى التدخّل لدعم الانعزاليين. وكان السوريون يخشون، من جهتهم، من انتصار الفلسطينيين والحركة الوطنية. كما كان لا يثقون بجنبلاط، لأنهم كانوا يرون فيه قوة ديمقراطية تشكّل خطرًا عليهم. ولولا التدخل السوري لكنّا ربحنا المعركة، ولكان جنبلاط قد أصبح زعيم لبنان الأوحد… ثم تعقّد الوضع في العام التالي، أي بعد اغتيال كمال جنبلاط عام 1977. وعندها بدا واضحًا أن دخول الجيش السوري كان يهدف إلى منع لبنان من التحوّل إلى بلد ديمقراطي داعم للثورة الفلسطينية… ” (ص 142-143)

الاستفادة من التجربة وتحديات المستقبل

آمل أن يستفيد القارئ من هذا السرد لبعض التجارب التاريخية ومن الاقتباسات المختارة من كتاب “الثوريون لا يموتون أبدًا”، لأنها، في رأيي، ليست مجموعة من القضايا والمواقف التاريخية فقط، بل محاولات متنامية من قبل أحد أشد وأصدق القادة الثوريين لمواجهة المعادلة الصعبة التي ما زلنا نواجهها.

وإذا كانت ميول جورج حبش الأولى نحو الوحدة العربية “الغير مشروطة” كوسيلة لتحرير فلسطين، فقد اثبتت التجربة أن هناك شروط موضوعية كثيرة لتحقيق الوحدة فقد لا تتحقق دون توفيرها. وإذا ثار الفلسطينيون وفتحوا جبهات مواجهة غير مشروطة مع الصهاينة، دون محاولة تغيير الوضع العربي، فقد يفتقدون العمق الاستراتيجي بل ويُضربون من الخلف. وإذا تمكنوا من خلق تحالفٍ ثوريٍ يحتوى على ثقة الجماهير في إحدى بلدان العالم العربي فيمكن أن يُضرب هذا التحالف من خلال وحدة القوى الرجعية بالرغم من اختلاف أطيافها.

ونرى كيف يتميّز “الحكيم”، هذا الثائر الصادق، بالتمسك بأهداف الثورة مع البحث الدائم عن الأساليب الملائمة للحصول عليها. كما نرى إيمانه الكبير بالجماهير الشعبية كالمصدر الأول والأخير للتغيير الثوري ومن هنا تأكيده على الديمقراطية والإشراك الحقيقي للجماهير في العملية الثورية.

فقد شهدت هذه المعادلة الصعبة والغير محلولة مراحل تاريخية مختلفة فيما بعد. منها محاولات فلسطينية متزايدة لإيجاد “حل فلسطيني للقضية الفلسطينية” في الانتفاضتين الأولى والثانية وفي اتفاقيات أوسلو. ومنها انفجار انتفاضة شعبية عربية، سُمِّيت “الربيع العربي”، وهزّت أركان النظام العربي في كافة أنحاء المنطقة وما زالت موضوع صراع منطقي وعالمي شديد التناقضات وسريع التقلبات.

ولا بد من الاستنتاج أنَّ البديل الذي طرحه جورج حبش، وهو البديل الثوري اليساري المعادي للامبريالية وللصهيونية، والمسلح بروح الانسانية والديمقراطية والاشتراكية، القابل دائمًا للتعلم والتطوير ولكنه يتمسك دون تنازل بالإيمان بالجماهير والإخلاص لها، هذا البديل هو الغائب الكبير في المرحلة الراهنة، وكلنا ندفع ثمن غيابه.

 

 

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: