Skip to content

دولة واحدة، دولتان، وقصة “تجريس” القط

ديسمبر 5, 2015
Belling_the_Cat

انطباعات عقب مناظرة في معهد إميل توما

عشيّة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وبمناسبة مرور 30 عاما على رحيل المؤرخ الشيوعي الفلسطيني إميل توما، أقام المعهد المسمى على اسمه مؤتمرًا… ولـ”حسن الحظ” قررت بلدية حيفا منع مسرح الميدان (الرهينة) من تأجير قاعته لهذا المؤتمر، وبذلك زادت حصة المؤتمر من الانتباه الإعلامي.

أما الذي أثار اهتمامي كان تخصيص مناظرة صباح السبت 28\11\2015  لموضوع “إميل توما، والشيوعيون، وقرار التقسيم – الحل في إطار دولتين أو دولة واحدة؟” بمشاركة البروفيسور أسعد غانم ورئيس المعهد عصام مخول.

آمل أن ينشر المعهد تقريرا شاملا عن مؤتمره وتفاصيل المداخلات التي احتوت على العديد من المعلومات التاريخية والمواقف، وأختصرُ الحديث هنا حول سؤال واحد لا أتوقف عن متابعته: أين نحن من مشروع تحرير فلسطين؟ هل اقتربنا من تحقيق هذا الحلم؟ وهل اتضحت أم تعكّرت رؤيتنا له؟

أسعد غانم يدعو إلى تغيير موقف الشيوعيين

كانت المحاضرة الأولى، الأطول والأشمل، هي مداخلة البروفيسور أسعد غانم، والذي عرّف نفسه كمؤيد لحل الدولة الواحدة “ثنائية القومية”. وقد أثارت هذه المداخلة اهتمام الحضور، وهم، في معظمهم، من أنصار وأصدقاء الحزب الشيوعي الاسرائيلي، كما تبيّن في فقرة أسئلة الجمهور، والتي وُجهت في غالبيتها الساحقة إلى غانم.

Asad_Ghanem

البروفيسور أسعد غانم

شدد غانم من خلال القسم التاريخي من مداخلته، كما ردد بعده مخول، بأن الموقف الأصلي للشيوعيين في فلسطين لم يكن مع التقسيم، بل على العكس تماما. فقد نادى الشيوعيون إلى تحرير فلسطين من الانتداب البريطاني وإلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة على كل أرض فلسطين لكل سكان هذه البلاد.

لم يتطرق غانم إلى أسباب تغيير موقف الشيوعيين من قرار التقسيم كما لم يذكر تفاصيل موقف إميل توما الذي برز بموقفه المعارض لقرار التقسيم حتى بعد دعم هذا القرار من قبل الاتحاد السوفياتي (عام 1947) وما تبعه من تغيير موقف “الحزب الشيوعي الفلسطيني” عقب ذلك. ولكنه شدد على أهمية دور الحزب الشيوعي في المجتمع الفلسطيني خلال مراحل ما بعد التقسيم ونكبة 1948.

وعندما وصل غانم إلى الوضع الراهن، قام بتحليل التطورات على الساحة الفلسطينية والأزمة العميقة التي تمر بها حركة التحرر، وعلى الساحة الاسرائيلية التي يرى بأن التطرف اليميني العنصري الذي يميز سياساتها ليس ظاهرة سطحية بل له جذور في المجتمع اليهودي الاسرائيلي. ومن ثم تطرق إلى أزمة العالم العربي واختتم بموقف القوى الامبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي، بحسب تقديره، يخطئ كل من يتوقع بأنها تنوي أو تستطيع أن تضغط على اسرائيل للقبول بحل عادل للقضية الفلسطينية، وذلك بسبب سياساتها الداخلية وقوة اللوبي الصهيوني فيها.

وفي معرض شرحه حول إمكانيات تحقق حل الدولة الواحدة، اعتمد غانم على سقوط أوهام حل “الدولتين” وعلى ضرورة إعادة صياغة استراتيجية حركة التحرر الفلسطينية للخروج من المأزق الذي تعيشه. وقد أكد بأن للشيوعيين الفلسطينيين، باعتبارهم قوة مهمة داخل المجتمع، دور مهم في التحول المطلوب. وأن عودتهم إلى الموقف الشيوعي الأصلي الذي يطالب بإقامة دولة ديمقراطية واحدة في كل فلسطين سيكون إسهاما مهما في بناء رؤية موحدة وجديدة قائمة على الحل الشامل الذي يجمع جميع قطاعات الشعب الفلسطيني في الوطن ولاشتات ويضمن حق العودة وتقرير المصير.

عصام مخول يشدد على الحق الفلسطيني

لم تغلق مداخلة عصام مخول الباب أمام أمل غانم بإعادة الشيوعيين الاعتبار لموقفهم بخصوص الدولة الواحدة. وقد أكد مخول بأن الدافع الأساسي من وراء موقف الشيوعيين لم يكن التمسك بصيغة الحل، سواء كان دولة أو دولتين، بل البحث عن أي سبيل ممكن لضمان الحقوق الفلسطينية التي لخصها بنقاط ثلاث: التحرر من الاحتلال وحق العودة والمساواة للفلسطينيين داخل اسرائيل.

Emil_Tuma

المأرخ إميل توما – عارض قرار التقسيم

كما وأضاف بأن تحصيل الحقوق الفلسطينية لا يعتمد على حسن نية المحتل ولا على السياسات الدولية، بل يتطلب نضالا شاقّا وعنيدا من قبل الفلسطينيين أنفسهم. وأشار إلى تصعيد النضال ضد الاحتلال كخطوة في الاتجاه الصحيح. وبرر مخول موقف الحزب الشيوعي الذي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كهدف أكثر واقعية وإمكانية للإنجاز، وذلك بسبب صعوبة النضال والخلل في موازين القوى لصالح إسرائيل.

كانت اللحظة الأكثر إثارة في كلام مخول في مداخلته الأخيرة بعد اختتام مرحلة الأسئلة، عندما قرأ على الحضور مقطعا من مقالة إميل توما في جريدة “الاتحاد” بعد نشر موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لقرار التقسيم. وقد شرح فيها توما موقفه المبدئي المتمسك بمشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة.

المأزق المشترك

تقارب الآراء بين غانم ومخول لم يكن دافعه الوحيد محاولتهما الالتزام بآداب الحوار وتشجيع بعضهما البعض. بل كوننا جميعا نعيش مأزقا واحدا – حتى لو كنا نعلم إلى أين نريد أن نصل ولم نعرف الطريق للوصول إلى هناك. لذلك يحاول الكل أن يصغر أحلامه… فيشدد مخول على صعوبة ظروف الصراع الذي لا بد منه ويصغر الهدف لكي لا تكون مهمتنا أصعب من الحد الأدنى الضروري. فيما يرى غانم تعنت اسرائيل ويطرح حلولا بعيدة الأمد ويتوقع الانتقال التدريجي إلى الدولة الواحدة “ثنائية القومية”.

هذا الحوار حول الحلول المطروحة يذكرني في القصة الشعبية الشهيرة عن مجموعة فئران عانت من اجتياح قط شرس غدار إلى موقع سكناهم. فاجتمع الفئران لكي يبحثوا عن حل لصد العدوان ولضمان سلامتهم. فاقترح أحدهم أن يقوموا بربط جرس حول رقبة القط لكي يصدر صوتا وينذرهم كلما اقترب الخطر. وافق الجميع على هذا الحل بفرح وابتهاج… ولكن سؤالا واحدا بقي معلّقا: “من يربط الجرس على رقبة القط؟

في ظل غياب رؤيا عملية لكيفية تغيير الوضع واجتياز الحواجز وصولا الى الحل المنشود، يقع أصحاب كل من الموقفين في فخ التناقض بين محاولة اعتماد حل “أكثر واقعية” وبين التأكيد على أن هذا الحل يلبي مطالب وحقوق الشعب الفلسطيني. فمخول يدعو للاكتفاء بدولة على 22% من الأرض الفلسطينية لأن حتى هذا الحل صعب التحقق، وفي ذات الوقت يؤكد على أنه لم ولن يتنازل عن حق العودة. وغانم يؤكد بأن إسرائيل لم تقبل بحل الدولتين وبأنه من شبه المستحيل إزالة المستوطنات، ويؤكد بأن حل الدولة الواحدة هو الحل الوحيد الممكن الذي يضمن وحدة الشعب الفلسطيني وحق العودة إلى كل مناطق الوطن.

إنها أزمة واحدة وسؤال واحد لا بد منه: من يفرض على اسرائيل القبول بالحق الفلسطيني؟ أو، بلغة أوضح، كيف نقوم بتغيير موازين القوى التي لا تسمح بالحل، أي حل؟

لحسن الحظ، فإن تاريخ البشر قابل للتغيير بأسرع مما هو عليه في عالم الحيوانات… فما من قدر يفرض على الفلسطينيين بأن يظلوا ملاحقين ومضطهدين حتى نهاية التاريخ.

في لحظة نادرة خلال هذه المناظرة ذكر غانم سيناريو من ضمن سيناريوهات المستقبل، وهو إمكانية أن تصبح فلسطين دولة إسلامية (ليس بمفهوم “داعش”) تحت وطء التغييرات الجارية في المنطقة العربية. وقد كانت هذه النافذة هي الوحيدة لرؤية تاريخية للصراع بسياقه الأشمل.

فقد تخصص إميل توما بتأريخ قضية فلسطين من منظور كونها جزءا من الصراع بين الشعوب العربية وبين القوى الامبريالية والرجعية، ولم يتردد من الحديث عن الحركات والحلول الثورية. فماذا إذا لو انتصرت الديمقراطية في دول المنطقة؟ هل بقاء العرب عبيدا خلال العقود القادمة هو حتمية تاريخية؟ وكيف سيؤثر سقوط الهيمنة الامبريالية علينا؟ أليس من الطبيعي أن يفرز هذا الوضع افرازاته المحلية؟ أليس من الطبيعي أن تنتصر الديمقراطية في فلسطين أيضا؟

Emil_Tuma_Invitation

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: