Skip to content

أين توقف مشروع “الدولة الواحدة”؟

أغسطس 31, 2015
Speak_for_Palestine_Latuff _3

ثلاث ملاحظات في أعقاب اليوم الدراسي لـ”اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي”

أعتقد، منذ زمن، بأن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني لا يمكنه النهوض من خلال حركة أو حزب أو تنظيم واحد، بل إنه يتطلب إعادة النظر في (بل والثورة على) مجموع مفاهيم العمل السياسي في جميع أرجاء القوس السياسي الفلسطيني، ومن ثم إعادة الوحدة النضالية تحت سقف استراتيجي واحد قادر على تجميع كل قطاعات الشعب الفلسطيني الجغرافية والسياسية والعقائدية.

كما وأنني أعتقد بأن التجمع الوطني الديمقراطي هو من أوائل المرشحين للقفز خارج دائرة الغموض السياسي، وتبني هذا المشروع. لذلك قبلت، بكل سرور، دعوة أحد رفاق التجمع لحضور اليوم الدراسي الذي نظمه “اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي” تحت عنوان “أزمة المشروع الوطني وآفاق الدولة الواحدة” في مقر التجمع في الناصرة يوم السبت 15\8\2015.

لحسن الحظ، سبقني موقع “عرب 48” فقام  بنشر تقرير حول هذا اليوم الدراسي. وقد ضم التقريرمقاطع فيديو من المداخلات. ولذلك يمكنني أن أكتفي هنا بطرح بعض الملاحظات… وإن أظهرت ملاحظاتي بعض الاشكاليات والانتقادات، فإن المقصود هنا ليس التقليل من أهمية اليوم الدراسي، فأنا أثمّن مجهود القائمين على هذا العمل المبارك، بل هو شعوري بأن وراء مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة طاقة هائلة لم تخرج حتى الآن إلى حيز التنفيذ، وبأن محدوديات اليوم الدراسي قد تُعبر بشكل جيّد عن الاشكاليات التي تعترض كل الجهود لبناء حراك يخطو نحو هذا الهدف السامي. ومن ثم، فإنه لا بد لنا من الوقوف أمام هذه القضايا ومواجهتها.

جيل الثورة

تطرق الأستاذ هاني المصري، مدير مركز مسارات للأبحاث، في مداخلته (الأولى والأشمل في هذا اليوم الدراسي) إلى عدم قيام القيادة الفلسطينية بتجديد صفوفها كجزء من ظواهر وعوامل الطريق المسدود الذي وصلت إليه حركة التحرر الوطنية.

فإذا كان أحد العوامل التي دفعت بالشباب العربي إلى قيادة الحراك الجماهيري في بداية الربيع العربي هو غياب أطر سياسية منظمة على مدار العقود، فإن الساحة الفلسطينية لم تعرف أي “فراغ سياسي”، بل شهدت، على النقيض، كثافة التنظيمات والحركات والنشاط بحكم الحاجة الملحّة دائمًا لمواجهة الاستعمار الصهيوني. ومع إفساد وافلاس العديد من القيادات، لم تخلُ الساحة من قيادات قديمة مخلصة وصادقة. وإذ يمكن القول ان الثورة قد شابت،  فإن القيادات القديمة قد لا تستطيع خلق التجديد والتحديث الضروريان لنهوض الحركة الوطنية من جديد.

تظهر، الآن، الحاجة لتجديد صفوف القيادة الفلسطينية، وهي ملحة جدًا – ليست أقل إلحاحًا من حاجة الحركة الوطنية إلى تجديد برامجها السياسية والنضالية.

وفي اليوم ذاته، السبت 15\8،  وفي الساعة السادسة مساءًا، قام الشباب الراديكاليون بتنظيم مظاهرة (قامت لجنة المتابعة، لاحقا، بتبنيها) على مدخل قرية عرعرة في المثلث تضامنًا مع الأسير المضرب عن الطعام محمد علّان – وقادوها نحو إغلاق الشارع الرئيسي في وادي عارة. في اليوم التالي، الأحد 16\8، قاد الشباب مظاهرة جبارة على مدخل مدينة عسقلان (التي مُنعوا من دخولها للتضامن مع علّان في مستشفى بارزيلاي) واشتبكوا مع الشرطة مما أدى إلى إغلاق المدخل الرئيسي للمدينة… هاتان خطوتان أخريان في سلسلة من الخطوات النضالية التي تظهر الدور الريادي الذي يتخذه الشباب في قيادة العمل الجماهيري خلال السنوات الأخيرة.

لكن، في الحديث عن “السياسة الكبيرة” ، بما فيها الحديث عن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في هذا اليوم الدراسي وفي غيره من المناسبات، نرى ان معظم الكلام يبقى عند الجيل القديم… وحتى إن باب المساءلة لدى الشباب المشاركين بقي ضيّقاً.

ينبغي أن نقول هنا، بكل وضوح: بأن أي نهضة في الحركة الوطنية الفلسطيني، بأن إعادة صياغة المشروع الوطني واخراجه من الطريق المسدود الذي وصل اليه، لم ولن يتحققا إلا عندما يأخذ الجيل الجديد، جيل الشباب، زمام الأمور ويكون قادرا على طرح كل الأسئلة الظاهرة والمبطنة، ويقوم بإعطاء الإجابات الكاملة بجرأة وبوضوح… وإذا لم يستلم الشباب الراديكالي زمام المبادرة والقيادة في الأمور السياسية  فإن كل جهوده وتضحياته ستبقى مجرد وقود لاستثمار سياسي في يد القيادات التقليدية لأجل مشاريع سياسية مهزومة تؤدي إلى الضياع.

بين اليوتوبيا والعمل النضالي

شعار الدولة الديمقراطية الواحدة، من طبيعة تحديده، يوصلنا للحديث عن الحل، أو، حول الواقع الذي نريده بعد “الحل”.  لقد ذكر جميع المتحدثين في اليوم الدراسي أن الشرط الأساسي لقيام هذا “الحل” هو هزيمة المشروع الصهيوني الاستعماري… كما ذكر جميعهم أن الصهيونية غير معنية بأي تسوية، ولو غير عادلة، مع العرب الفلسطينيين، سكان هذه الأرض الأصليين، بل وإنها تسعى إلى الاستمرار في سياسة التطهير العرقي، وأن أي حل ينبغي أن يكون مشروطاً بتغيير موازين القوى.

ونسأل، بكل جدية، ما هي أهمية الحديث عن النظام المنشود في فلسطين بعد تحريرها، إذا لم نعرف كيف نحررها؟

ونعلم أن الهدف، هنا، ليس منفصلا عن الأساليب…

فإذا كانت الاستراتيجية الفلسطينية خلال مرحلة طويلة تعتمد على السعي لحل متفق عليه مع الدولة الصهيونية وبوساطة ورعاية امبريالية، وهذا يتطلب تصرفًا معيّنًا، يشمل تهميش حق العودة وتجنب الحقوق القومية للفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948 والجهود لاثبات حسن النية للاستعمار… فكل هذه التجزئة والتراجع والتنازلات دون مقابل هي ما قد أوصلنا إلى حالة اليأس الراهنة.

إن السعي إلى تغيير موازين القوى يبدأ بجمع كل طاقات وكل قطاعات الشعب المضطهَّد تحت سقف نضالي واحد. إن وحدة الوطن الحر تبدأ، من هنا، بوحدة النضال الشعبي، وهذا هو الدور الأول لحراك الدولة الواحدة.

فلا بد من الوقوف أمام التناقضات المادية، قبل الفكرية. تلك التناقضات التي تعيق اليوم قيام نهضة شاملة للشعب الفلسطيني خلف برنامج وحركة تحرر شاملة… إن قيام السلطة الفلسطينية في ظل الاحتلال له استحقاقاته. إن أسئلة على غرار “من أين تأتي الميزانيات” و”من يدفع أجور الموظفين والعمال؟” وكذلك، وبدرجة أقل من الخطورة، تأتي مهام السلطة المحلية تحت حكم دولة الأبارتهايد الصهيونية والبحث عن نعمة “المواطنة الكاملة” في الدولة اليهودية العنصرية.

إذا أردنا ان نكون وقعيين، فإننا لا نستطيع أن نطلب، في هذه المرحلة الأولية من إعادة بناء الحركة الوطنية، من السلطة الوطنية الفلسطينية ان تلغي نفسها، كما وأننا لا نستطيع أن نطلب من “القائمة المشتركة” أن تترك مقاعدها في الكنيست. إن بناء حركة التحرر يجب أن يكون في أطار آخر، إطار يقع خارج نفوذ اعتبارات الربح والخسارة في ظل النظام الظالم، ومن خلال رؤية وجغرافية أخرى توحد الشعب الفلسطيني.

مسألة اليهود

أعجبني تحليل الأستاذ هاني المصري، عندما سُئل عن حقوق اليهود في إطار الدولة الديمقراطية الواحدة، فقد أجَاب أن الحديث في هذا الموضوع اليوم سابق آوانه، وهو يؤدي اليوم لخلاف بين الفلسطينيين في المرحلة التي يُطلب فيها التوحد في وجه الاعتداءات الصهيونية. وقد ذكر أن قضية التعامل مع اليهود في فلسطين قد تكون ناتجة عن ظروف الانتصار على الصهيونية وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية ويجب أن تُدرس في هذا السياق.

لقد شكلت الجلسة الثانية لليوم الدراسي مثالًا للمتاهات التي يقع فيها العديد من مؤيدي حل الدولة الديمقراطية الواحدة من خلال التلاعب في المصطلحات مثل “دولة ثنائية القومية” و”دولة المواطنين” و”الاعتماد على الشرعية الدولية”. وكأنه بإمكان أي عملية إعادة صياغة من طرفنا لمعادلة الصراع أن تخفف من حدية التناقض بين المشروع الاستعماري الصهيوني وبين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وهنا أعود وأؤكد أن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة لا يمكن أن يتحقق من خلال القبول بموازين القوى باعتبارها “أمرا واقعا”. إن الخطر الأكبر الذي يواجه بناء هذه الحركة هو النظر إليها باعتبارها ناتجة عن “عدم إمكانية إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع” أو “تفشي الاستيطان وعدم إمكانية تفكيك المستوطنات”، أو “الحاجة إلى التأقلم مع الوضع”.

إن نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية تحت راية الدولة الديمقراطية الواحدة يعتمد على إعادة الروح الثورية والأمل بامكانية العودة وتحرير كامل الوطن. ومن هذه الرؤية وبهذه الروحية، يمكن أن تبنى شراكة حقيقية مع المناضلين اليهود المخلصين للقضية.

إن فقط من خلال الانتصار على الصهيونية وضمان الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني، ستتمكن حركة التحرر الفلسطيني من التعامل الإيجابي مع المواطنين اليهود في فلسطين أيضًا وطرح الحلول الديمقراطية عليهم.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: