Skip to content

جلال الطنطوري…

مايو 27, 2015
Tantura view from the sea - 1935

بقلم: محمد عمر كبها

إنّ من اكثر ذكريات طفولتي إيلاما هو ذلك اليوم الذي كنت ابن 7 سنوات حيث أخذونا الى مخيم صيفي الى شاطئ الطنطورة الساحلية الواقعة 25 كيلومترا جنوبي مدينة حيفا لغرض الاستجمام والترفيه، وقام احد المرشدين بالحديث عن تاريخ الطنطورة، فحكى عن مدينة كنعانية قديمة، واشار الى بقايا بيوت قال انها تعود الى العهد الروماني، واستدل بأقوال علماء آثار تواجدوا هناك صدفة كانوا يقومون بأعمال حفر وتنقيب. ولكنه لم يلمح ولو بكلمة  واحدة الى البلدة الوادعة المزدهرة التي كانت تشمخ هنا حتى زمن قريب، وكان فيها مدرسة ومقهى ومحطة قطار ومسجد، وحافلة تذهب وتجيء إلى حيفا كل يوم. كان اهلها آمنين في بيوتهم حتى هاجمتها كتيبة السفاحين الصهاينة التابعة للواء إسكندروني لتجعلها خرابا.

في عام 2008 وخلال تواجدي في ندوة قدمتها ناشطة ألمانية  في إحدى قرى الريف الألماني حول المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967، وقف رجل هرم وتحدث بلهجة المانية متقنة معرفا نفسه بأنه فلسطيني- ألماني.

أثار الأمر فضولي وتوجهت إليه  فورا مع انتهاء الندوة للتعرف اليه فبادر بالقول إنه طنطوري وأن اسمه الدكتور جلال يحيى، مضيفا أنه شهد المجزرة ثم التجأ بعدها الى ألمانيا عام 1951، وهو يقيم فيها منذ ذلك الحين.

تبادلنا أرقام الهواتف. وفي اليوم التالي قمت بالاتصال به باكرا، فقد استغرقت طويلا قبل أن أنام تلك الليلة، فنبرة صوته التي تغيرت وعيناه اللتان اغرورقتا بالدموع حين اخبرته  بأنني فلسطيني من الداخل أستطيع الذهاب إلى الطنطورة متى أشاء ظلت ترافقني ذلك المساء وانتظرت بفارغ الصبر الصباح لألقاه.

مررت بالمخبز وتناولت بعض الشطائر قبل أن أواصل طريقي اليه..

استأنس الطبيب الذي بلغ من العمر آنذاك 78 عاما بزيارتي، فقد كانت له زوجة المانية أصابها مرض الشيخوخة (الزهايمر) الذي جعلها تتصرف بشكل غير سوي ولم يعد بمقدوره تدبر أمرها، فتم تحويلها الى ملجأ للعجزة. وكان له ابن هو ايضا طبيب اسمه بلال، يسكن في مدينة تبعد أكثر من 500 كم، ولم يكن نصيبه من العروبة غير اسمه، فكان يزور أباه على فترات متباعدة. وتوجد له ابنة هاجرت إلى أمريكا منذ سنين.

بدى الطبيب العجوز حزينا بعد ان أجهزت الوحدة والغربة على شموخه وكبرياءه. كان يتلهف للحديث عن فلسطين وعن الطنطورة تحديدا، ومنذ ذلك اليوم نشأت بيننا صداقة وصرت أتردد عليه كثيرا.

لم أكن أتحدث تقريبا خلال ساعات طويلة كنا نقضيها سويا، فكنت بالنسبة اليه ملاكا هبط من السماء ليصغي اليه بكل جوارحه فيما هو يقص تفاصيل حكاياته المكبوتة  في صدره منذ سنين.

حدثني الدكتور جلال عن والده ذو الهيبة والوقار الذي كان تاجرا وكثيراً ما كان يسافر الى بيروت، حيث تزوج هناك وأحضر زوجته التي هي والدة الدكتور جلال إلى الطنطورة، ومن يومها اشتهر هو واخوانه بين أهالي الطنطورة والبلدات المجاورة، إجزم وعين غزال والفريدس وجسر الزرقاء وقيساريا بكنية “أولاد اللبنانية”، وكانت لهجتهم في الكلام خليطا من الطنطورية واللبنانية.

حدثني أيضاً عن طفولته وعن صباه وعن شجرة التين التي أشعل سيجارته الاولى تحتها وعن البحر. وعن تلك الليلة المشئومة  ما بين ال-22 وال- 23 من شهر أيار من عام النكبة التي هاجمت فيها العصابات الصهيونية القرية واحتلتها وجمعت أهلها عند البيدر وصلبتهم ساعات طوال حتى عصر اليوم التالي فيما جثث المقاومين كانت ملقاة في كل مكان، وشاهد والده واخوانا له يعدمون أمام عينيه، ودفنهم وهو ينتظر دوره ليلحق بهم، ولكنه وفي تلك اللحظة التي ما زال يتذكرها جيدا ويتردد كثيرا هل كانت سعيدة ً ام تعيسة، فلربما لقسوة المشهد الذي لن يغيب عن مخيلته أبدا، ربما كان الذين لقوا الموت أكثر حظا، فلم تطلق عليه تلك الرصاصة.

في تلك الليلة ارتكبت العصابات الصهيونية مجزرة اخرى من مجازرها البشعة، وهذه المرة  في الطنطورة، قال الدكتور. فقد قتلت بدم بارد ما يقدر عددهم ب 230- 250 من أبناء القرية جعلتهم يحفرون قبورهم الجماعية بأيديهم، وشردت من تبقى من الاهالي الذين بلغ عددهم في ذلك اليوم ما يقارب ال 1500 نسمة وحولت منازلهم إلى ركام. وسيق هو وبعض الصبيان ممن كتبت لهم الحياة الى السجن في مستوطنة زمرين القريبة ومن ثم الى سجن ام خالد ليمكث فيه قرابة سنة.

بعد خروجه التحق بوالدته التي كانت مع من نجى من اخوانه الثمانية  في بيروت التي وصلوها بعد عناء رحلة شاقة استغرقت أشهرا طويلة.

محمد عمر كبها

محمد عمر كبها

ومن شُح فرص العمل وضيق العيش قرر وصديقيه السفر إلى ألمانيا. كان الطريق مضنيا وخطيرا، وصلها في النهاية تهريبا عبر البحر في سفينة بضائع كانت قد رست في ميناء بيروت ومن هناك اتجهت الى مرسيليا الفرنسية، وعند وصوله فرنسا لم يكن بحوزته إلا مبلغا زهيدا من المال،  فقطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام، وركب القطار حينا مختفيا عن الأنظار، حتى وصل الى مدينة فرانكفورت.

منذ وصوله الى تلك المدينة  شرع يعمل ليلا ويتعلم اللغة الألمانية نهارا.  وسكن في بيت سيدة المانية عجوز عطفت عليه حينما علمت بأنه فلسطيني.

تعلم جلال الشاب المثابر الطموح الألمانية بسرعة، وذهب بعدها الى المدرسة لإنهاء امتحانات التوجيهي التي ستمكنه من دخول الجامعة، فتفوق فيها والتحق بالجامعة ليدرس الطب البشري فتبدأ حياته تأخذ مَنْحًى جديد.

لم يزر الدكتور جلال فلسطين منذ سنين طويلة حتى صيف عام 1991، حيث تمكن بعد غياب استمر 42 سنة أن يعود الى فلسطين بجواز سفر ألماني، ولكنه وعند وصول طنطورته لم يجدها!

فقد طمس المحتل معالمها ليخفي آثار جريمته النكراء ظنا منه بأن هذا سيضمن له بأن يكون من سيأتي بعدهم مثل ذلك المرشد، لكن هيهات.. إنه شعب يرشده قلبه النابض الذي يهديه الى طريق الحق آبياً التضليل والنسيان.

(تنويه: احداث القصة كلها حقيقية لكن أسماء شخصياتها مستعارة)

From → النكبة

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: