Skip to content

شهداءٌ تحتَ الرمالِ ينتظرونُ العائدينَ

مايو 17, 2015
Tantura massacre victims - just before their execution

بقلم: محمود غنيم – الفريديس نت

لذكرى سقوط الطنطورة وقع خاص على نفسي، فالطنطورة كانت وما زالت جزءًا من القلب، لن أستطيع تفسير مدى تعلقي بهذا المكان، فالطنطورة ليست شاطئ فحسب، بل قرية مقاومة، قرية مناضلين اشاوس تهجرت عوائلهم ودمرت بيوتهم وارتقى أبناؤهم بين لاجئ وشهيد.

يروي الحاج رسلان حسن أيوب أعمر أحد الناجين من مجزرة الطنطورة: “أثناء وجودي بين الرجال أمرني أحد الجنود بانتشال جثة أحد الشهداء الملقاة بين أشواك الصبار فرفضت وعندها وجه فوهة البندقية إلى رأسي فرميت نفسي بين شجيرات الصبار وسحبت جثث الشهداء وجسدي يرشح دما جراء الأشواك. جمعنا نحو 70 جثة.”

ان تشبثي بهذا المكان منذ نعومة أظافري، لم يكن محض صدفة، فهذا المكان ساحرٌ حقًّا، اشرحوا لي كيف لمحمود البيتوتي، كثير الحركة، سريع الملل، أن يعشق مكانا هادئا خاليا من البشرية، هذا المكان الساحر بجماله والمميز بكل تفاصيله، له وقعٌ خاص على قلبي، أتأمل الأفق البعيد مراقبًا الشمس، ظانًّا انها لا تبرح مكانها، فهي تخرج من رحم البحر للعمل وتعود الى مكانها بعد انتهاء دوامها، فتضيع حائرا متسائلا، أيهما أجمل، شروق الشمس أم غروبها.

حكاية الطنطورة تبدأ من المدخل الرئيسي للشاطئ، من موقف السيارات تحديدًا، ففي تلك البقعة يتساوى المُستعمِر والمُستعمَر كليًّا، فكلٌّ له رقعته الخاصة، كلٌّ يعرف حدوده فيلزمها، بضع أمتارٍ تحتهم مقبرةُ جماعية لشهداء مجزرة الطنطورة، قبورا حفرها أهل الطنطورة بأيديهم مدركين مصيرهم.

ويستذكر الحاج اعمر كيف جاء جندي مصاب بيده واستأذن الضابط بإعدام اثنين منا انتقاما لجرحه من معركة الليلة الماضية فأشار للشخص الذي يقف جانبي بلا اكتراث وأضاف كان ذاك الرجل قد انتهى للتو من دفن جثتي شقيقيه فسار مسافة 100 متر وأطلق عليه النار وأرداه قتيلا.”

تهرول مسرعًا الى الشاطئ، فترى الفنادق وشققا فخمة ضخمة، لا يسكنها غير الأغنياء، تصب عيناك على بناية بعيدة قريبة تناديك من زمن آخر، بيت قديم كان ملكًا لآل يحيى، لا أدري كيف نجى، ولا أظن انه اراد النجاة، فمن يشهد مأساة كهذه سيأبى الاستمرار في الحياة، لكن البيت بقي صامدًا، شامخًا، مقاومًا، متمردًا على نهج من حوله، فهو لم ولن يستسلم مُذكرًا ايانا أن الصراع مستمرٌّ ولم ينتهي النضال، فمهما تغيرت الظروف والمعالم حوله سيبقى هو كما كان، طنطوريًّا!

ويتابع الحاج رسلان وقد تجهم وجهه وتصبب العرق من جبينه وهو يتابع “تقدم جندي آخر مني وصوب سلاحه نحوي واستنهضني من مكاني وهو يدفعني بأعقاب بندقيته بقوة فسقطت أرضاً.” ويضيف: “داخل المقبرة أجبرونا على حفر قبورنا بأيدينا ولولا تدخل بعض يهود زخرون يعقوب لكنت في عداد الموتى فقد اقترحوا على الجنود أخذنا للأسر بدلا من قتلنا فمكثت وآخرون ثماني ساعات في معتقل زمارين قبل نقلنا إلى سجن أم خالد ثم إلى إجليل حيث مكثت 11 شهرا.”

تسمع صوتًا قويًا يناديك، تتلفت حولك مستغربا من عساه يعرف مكانك، فيعود الصوت مرة أخرى لتكتشف انها الأمواج، حيث تناديك لتستكمل قصة البيت القديم، فهي أيضًا تقاوم، مقارعةً الصخور بلا كلل، غير آبهةٍ لحجم النقوش التي خلفتها في الصخور، فهي على يقينٍ أنها ستتغلب على الصخور يومًا، ناهجةً نهج الطنطوري الأصيل مرددة ما قاله الحاج رسلان:

“دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى يوم قيام الساعة.”

لنتذكر شهداءنا، قرانا، تاريخنا، نكبتنا ولا ننسى، فمن يهدم بيوتنا اليوم بحجة القانونية هو نفسه من قام بتشريدنا ونكبتنا في ماض ليس بالبعيد، لنحافظ على الأرض ولنتمسك بها أكثر فأكثر، فهي أساس الصراع، لن نتنازل ولن نهاجر، بل سنبقى، فلنا لغة مشتركة مع هذه الأرض، نفهمها وتفهمنا، تشاركنا تفاصيل حياتنا، فالمال يذهب والناس تذهب، لكن الأرض تبقى مخلصةَ لأهلها.

للطنطوريين المحرومين من هواء الطنطورة، أبشركم أنا ابن الفرديس، أن قريتكم كما هي لم تغير ثوبها يومًا وما زالت بانتظاركم لتعودوا إليها، محافظةً على عطرها العريق المميز، عذرا تميم، فانّ في الطنطورةِ من في الطنطورةِ ولكن الطنطورةَ لا ترى سوى أهلها.

*الفقرات المشددة عبارة عن شهادة أحد الناجين من مجزرة الطنطورة، نقلت هذه الشهادة عن صفحة جمعية فلسطينيات.

محمود غنيم

محمود غنيم

Tantura_massacre_dawn

Soldiers in Tantura - at the time of the massacre

Soldiers in Tantura – at the time of the massacre

Tantura view from the sea - 1935

Tantura view from the sea – 1935

Tantura_Families_1 Tantura_Families_2 Tantura_Families_3

Tanturam map

Tanturam map

Tantura Holy Tomb

Tantura Holy Tomb

From → النكبة

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: