Skip to content

عن نجاح القائمة المشتركة وعن فشل رؤيتها والبحث عن البديل

مارس 27, 2015
after_election_comes_headache

قراءة سريعة في انتخابات الكنيست الصهيوني عام 2015

انتهى “موسم المرحبا“، وانقطع الحديث بالسياسة الكبيرة في المقاهي والشوارع، وجاءت اليقظة المؤلمة من حلم التأثير على مصيرنا من خلال الإدلاء بأصواتنا في صناديق الاقتراع (أو الامتناع عن ذلك)، ونخرج إلى نهار متعب جديد من العمل والنضال تحت حكم الصهيونية والاحتلال والرأسمالية والفساد.

وبالرغم من أننا تركنا من ورائنا موسم الوعود، فأريد أن أقدم لكم بهذا وعدًا انتخابيًا أخيرًا: أن هذا المقال سيكون آخر مقال أكتبه حول هذه الانتخابات.

زرنا يوم السبت (21\3) كفر مندا للترحيب بأسيرها المحرر إبراهيم عبد الحميد، ورأينا ناشطي “القائمة المشتركة” يملؤون الشوارع وهم يوزعون مناشير الشكر للناخبين… وسألنا أنفسنا أين هي كلمة الشكر والتقدير من قبل معسكر المقاطعة؟ يستحق كل مقاطع لهذه الانتخابات وسام شرف على تمسكه بمبادئه بالرغم من الزحف الشعبي نحو تأييد “القائمة المشتركة” وجميع الضغوطات والإغراءات وغسيل الدماغ التي مُورست على أي مواطن أو مواطنة بهدف انتزاع صوته أو صوتها.

ولكن الأهم من “سداد دين” الشكر لجماهير المقاطعين، هو واجب “حركة المقاطعة”، أمام مستقبلها ومستقبل الحركة الوطنية ككل، على أن تقيِّم نفسها وتجربتها، وأن تجتهد وتنتج تحليلًا موضوعيًا وعلميًا لعملية الانتخابات من جميع أطرافها وظواهرها. فقد كان القيام بالتقييم الموضوعي شبه مستحيل في عزّ السباق الانتخابي، ولذلك من الضروري أن تقوم حركة المقاطعة الآن بهذا التقييم، بعيدًا عن الإرادة لتبرير الذات أو المبالغة بانجازاتها.

إنجازات القائمة المشتركة

إنّنا نكذب على أنفسنا لو قلنا أننا نعمل لأجل المقاطعة كمبدأ ولا تهمنا نسبة المقاطعين. إن المقاطعة، بالنسبة لنا، خطوة سياسية نضالية نطرحها أمام الناس ليتبنوها كجزءٍ من مشروع سياسي شامل، ومستقبل هذا المشروع مربوط، بل مشروط، بارتفاع نسبة المقاطعات والمقاطعين. وقد شهدنا مثل هذا الارتفاع على مدار جولات الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ولكن في هذه الجولة زادت نسبة التصويت بشكل ملحوظ، وهذا يُعتبر تراجُعًا لمشروع المقاطعة.

هذا لا ينفي انجازات أخرى حققتها حملة المقاطعة في هذه الجولة، من التعاون بين “أبناء البلد” و”حركة كفاح” وتوسيع دائرة الناشطين في الحملة، والدور المبادر والبارز للناشطات والناشطين الشباب (ومنهم نشطاء “حراك حيفا“)، واستعمال وسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي، وإيصال كلمة المقاطعة لأوساط عديدة وتحويلها إلى موضوع أساسي في الحوار بين الناس. وبرأي فإن أهم انجاز لحملة المقاطعة كان التنسيق بين ناشطين ومجموعات فلسطينية من مختلف مناطق الوطن ومن مخيمات اللجوء.

ولكن المتغير الأساسي عند العرب الفلسطينيين في هذه الانتخابات، والذي سبب ارتفاع نسبة التصويت، هو ظهور القائمة المشتركة. فقد رحبتُ باحتمال تشكيل هذه الوحدة حتى قبل حدوثها، ولكن من خلال المنافسة السياسية بين موْقفي المشاركة والمقاطعة قللنا من إيجابية هذه الوحدة وشددنا على ظروف الحصول عليها من خلال فرضها على الأحزاب بسبب ارتفاع نسبة الحسم ومن خلال مفاوضات بين قيادات الأحزاب دارت كلها حول توزيع الكراسي.

إلا أن جماهيرنا تشتاق إلى الوحدة وتقدر النتيجة النهائية أكثر من ما تهتم بتفاصيل الحصول عليها، وارتاحت لتشكيل “القائمة المشتركة” فقد منحتْ لها “مكافأة” بزيادة نسبة التصويت والتمثيل. فقد أثبت الناس من خلال موقفهم هذا أنهم يدركون ضرورة التصرُّف أمام السلطة الصهيونية ككتلة واحدة، وأنه في سياق الصراع الوجودي أمام عنصرية السلطة ومخططات الترحيل لا يوجد فرق كبير بين مختلف التيارات الفلسطينية.

ونتمنى أن يكون لهذه الوحدة تأثير إيجابي خلال مسارات الصراع المختلفة الأكثر أهمية من الكنيست من على مستوى التنظيم الشعبي في كل حي وقرية ومدينة وحتى لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية… كما نتمنى أن تكمل الوحدة النضالية لتضم المصوتين والمقاطعين على حد سواء وان لا تحاول قيادة “المشتركة” استثمار انتصارها الانتخابي لإقصاء باقي التيارات المناضلة في مؤسسات الجماهير العربية.

ونذكر أن مؤتمر الجبهة الأخير فرز قيادة جديدة، من ضمنها تم اختيار الرفيق أيمن عودة لرئاسة القائمة، كما حل المؤتمر (جزئيًا) عقدة غياب التمثيل النسائي، فقد عادت هذه الانجازات أيضًا بالخير على ظهور القائمة المشتركة بروح التجديد.

فشل رؤية “إسقاط اليمين”

لو كانت السياسة لعبة كرة قدم، لِكنّا نعلن أن “المشتركة” قد “ارتفعت ليجا” وانتهى الأمر بذلك. ولكن الأمور السياسية معقدة أكثر بكثير، فقد خاضت “المشتركة” حملتها الانتخابية من خلال رؤية شاملة كيف تحصل على التغيير والتأثير. ولا يختلف معنا أحد (إذا كان يهمه مصير الجماهير العربية الفلسطينية) أن الانتخابات انتهت بانتصار قوة الشر، وهذا ما توقعناه وحذّرنا منه مرارًا وتكرارًا. وإذا حللنا نجاح “المشتركة” بوحدتها فمن أين يأتي فشل رؤيتها؟

تعتمد رؤية “إسقاط اليمين” على فرضية أساسية خاطئة، وهي تقسيم الشارع السياسي الإسرائيلي بين معسكري يمين و”يسار”، يتنافسان على نهج هذه الدولة. والصحيح أنه لا يُوجد فرق جوهري، بالنسبة لكل القضايا المهمة، بين مختلف الأحزاب الصهيونية، وكلها شريكة في الاحتلال والاستيطان ودعمت جميع الحروب العدوانية وتعتمد التفرقة العنصرية تجاه الجماهير العربية. وقد شاركت كل الأحزاب الصهيونية في حكومات إسرائيلية مختلفة على مدار السنين. لا ننسى كيف كانتْ لفني وزيرة في حكومة نتنياهو إلى أن أقالها قبل عدة أشهر وكيف كان هرتسوغ سكرتير حكومة “براك” التي قمعت الانتفاضة سنة 2000 بالمذابح المروعة، كما كان وزيرًا في حكومة نتنياهو إلى سنة 2011.

لا نستطيع أن نقول إن “المعسكر الصهيوني” كذب أو ضحك علينا… ومن منّا الذي صدَّق أن “المعسكر الصهيوني” ينوي تغيير السياسة الإسرائيلية فقد خدع نفسه. لقد انتقد “المعسكر الصهيوني” نتنياهو، من خلال معركته الانتخابية، واتهمه بالتراجع وعدم القضاء على حكم حماس في قطاع غزة، ووعد بتصحيح العلاقة مع… الإدارة الأمريكية، ولكن كلمة “سلام” لا تذكر بدعاياته. ومن خلال مساعيه لبناء شخصية قائده هرتسوغ نشر “الصهيوني” شريط فيديو يمتدح فيه زملاء هرتسوغ من وحدة 8200 للمخابرات العسكرية دوره بتنفيذ سياسة التصفيات ضد الفلسطينيين مفتخرين أنه “يعرف العرب” وقد “رأهم من خلال المهداف” (مهداف الصاروخ).

يشارك “المعسكر الصهيوني” الليكود وباقي الأحزاب الصهيونية بنفي شرعية الصوت العربي في الكنيست ولا يريد أن تعتمد حكومته المفترضة على هذا الصوت. فقد أبعد نفسه، من الناحية العملية، عن أي إمكانية لتشكيل حكومة بقيادته من خلال استبعاده للعرب عن مركز القرار. ونقول هذا من منطلق الحسابات الرقمية في الكنيست، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية (نرفضها مبدئيًا) أن تكون الأحزاب العربية مستعدة لدعم حكومة بقيادة هؤلاء المجرمين.

من هنا نرى أهمية حضور صوت المقاطعة خلال المعركة الانتخابية. فقد سارت الجماهير وراء القائمة المشتركة ومنحتها النجاح الانتخابي ولكنها وصلت إلى طريق سياسي مسدود وكشفت النتيجة انعدام تأثير الصوت العربي في الكنيست على الأمور السياسية والحياتية. ولِيعلم الجميع أن الفشل ليس الناخب العربي بل الكنيست الصهيوني وأنّ هناك مسارات أخرى للحصول على حقوقنا.

المقاطعة وغياب البديل

في كل حواراتنا مع الجمهور خلال المعركة الانتخابية برز سؤال واحد استصعبنا الإجابة عنه: “مع صدق انتقاداتكم للكنيست ولدور الأحزاب العربية فيه، فأين هو البديل؟”

وكان جوابنا أن الكنيست شيء سلبي ومضر ونريد أن نتخلص منه ولا حاجة لإيجاد بديل له.

أراجع نفسي وأرى أننا أخطأنا بفهم السؤال وبصياغة الجواب. وكان علينا، إذا تكرر السؤال، أن نتعامل مع جوهره وليس شكله، ونفهم ما هي الحاجة الحقيقية التي يعبر عنها، وكيف يمكن أن نأتي بأجوبة ليس بهدف “الانتصار في النقاش” بل لخلق حل عملي للحاجة الحقيقية المطروحة.

تعتمد المشاركة في الكنيست وانتخاباتها على الاعتقاد أن الدولة اليهودية موجودة وهي التي تصنع قوانين اللعبة السياسية، ونحن لا نقدر، مهما كانت هذه القوانين غير عادلة، على فرض تغيير جذري فيها ولذلك علينا أن نبحث عن أي إمكانية لتحسين ظروفنا من خلال المشاركة في اللعبة الموجودة.

من هنا فإن البديل لهذه الرؤية هي استراتيجيا تحررية تطرح نهجًا نضاليًا يوصلنا إلى استرجاع الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني وإنشاء ديمقراطية حقيقية في أرض فلسطين.

فقد طرحت الثورة الفلسطينية في مراحل سابقة بديلاً من هذا النوع، وكان شعارنا أن “منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” – وكان من الممكن النظر للمنظمة وللثورة كبديل عملي وجوهري. أمّا اليوم فقد لا تدعي قيادة منظمة التحرير أنها تمثل كافة جماهير الشعب الفلسطيني ولا تحمل مشروعًا يضمن خلاص “فلسطينيي 48” من النظام العنصري… ولذلك يُطرح السؤال عن البديل ولا بد من العمل على صناعته.

وجد معسكر المقاطعة نفسه اليوم بموقع الأقلية، ولكن تحمل هذه الأقلية الرؤية الموضوعية وبعيدة الأمد. ويمكن للأقلية أن تكون طليعة المجتمع بأكمله، وذلك من خلال صياغة وبناء بوادر التغيير والبديل لكل ما هو موجود، لكنه غير ناجع.

إذا كان جوهر موقف المقاطعة أن التغيير لا يأتي من خلال التقيُّد بتجزئة الشعب الفلسطيني وأن مساحة حراكنا ليس ناخبي الكنيست بل حركة وطنية تحررية تجمع كل أبناء الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، فإن صناعة البديل يمكن أن تبدأ اليوم من خلال المبادرة لبناء حركة نضال جماهيرية عابرة الحدود والجدار.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: