Skip to content

أمر اعتقال

فبراير 14, 2015
'The Good Soldier Švejk / Schweik' by Jaroslav Hašek, 1921-1922.Chapter entitled  Švejk at the Detention Barracks.n.  Illustration. Hasek, Svejk.

فيما إذا أتى اليوم وكان لي الحظ أن أكتب مذكراتي، فقد يكون للشرطة ولملاحقاتها دورٌ مهمٌ في هذه المذكرات… وأعترف من البداية أن دور ملاحقات الشرطة في مذكراتي أكبر ممّا تستحقها، وأنا لم ألاحق بصورة جديّة أبدًا، ولكن لديّ أسباب وتبريرات أخرى لذلك…

نشر الدعوات يضيء الغرف المظلمة

لقد صار من المعتاد أنه، مع وصول الدعوة للحضور عند الشرطة للمحادثة أو للتحقيق، يُصوّر المدعو ورقة الدعوة وينشرها على صفحته في موقع فيسبوك. وقد اعترض بعض الناشطين على هذه العادة الجديدة وادَّعوا أن الشباب “يبالغون في الأمر” ويريدون أن يظهروا أنفسهم كـ”أبطل”…

أمّا أنا فأؤيد وبشدة نشر دعوة الشرطة علنًا، وقد تبنيْت هذه العادة – وليس لأنني من الأبطال ولكن بالعكس. كلنا ضعفاء أمام جهاز القمع الذي يمكن له أن يقطع مسار حياتنا الطبيعي متى يشاء ويستطع أن يحجزنا في الغرف المغلقة المظلمة ويمكن أن يضغط علينا لكي نتنازل عن شيء أو نتراجع عن نشاطنا أو نوفر له بعض المعلومات…

في وقت التحقيق تلقى نفسك لوحدك أمام المحقق وهو يقرر متى تدخل غرفة التحقيق ومتى تخرج منها ومتى ترجع إلى البيت. ومن طبيعة الحال فإنَّك تريد أن يكون المحقق راضيًا عنك… ومصدر قوتك أمام المحقق هو الإيمان بعدالة القضية التي أعْتقلتُ بسببها، ويتعزَّزُ صمودك من خلال التزامك برفاق الدّرب، ومَهْمَا كنت تريد أن ترضي المحقق فإنك تريد أكثر بكثير أن ترضي رفاقك – وإن تأخرت بـ”العَوْدة” فقد تعود منتصرًا وتروي للرفاق كيف رفضت أن تتنازل أمام الضغوط… ومن هنا أرى الأهمية أن تنشر الدعوة وتخبّر الرفاق أنك ذاهب إلى التحقيق وتشعر دائمًا أن رفاقك معك في غرفة التحقيق.

ولكن، منعًا للضرر، أنبِّهُ إنّ هناك حالات خاصة لا أوصي بها على نشر أوراق الدعوة… إذ، على سبيل المثال، وصلت الدعوة في رسالة غير مسجّلة، أو استلمّ الدعوة أحد أفراد العائلة أو الجيران، وقررتَ أن لا تستجيب لها – فالمفضل أن لا تنشر الدعوة، وبحسب العادات والتقاليد اليوم فأن الدعوة التي لم تنشرْ  كأنها لم تصلك. وقد يعني نشر الدعوة في مثل هذه الحالة استفزازًا لمشاعر الشرطة، كأنك تشجعهم أن يضاعفوا من مجهودهم للانتقام منك.

لماذا نروي قصص الاعتقالات؟

بالإضافة لأسباب نشر الدعوات،  نذكر أنّ الإنسان من طبيعته يخاف من المجهول، وأنّ بثّ الخوف هو وسيلة القمع الأكثر تأثيرًا، فقد يكون نشر التجارب بالتفاصيل المملة والمضحكة نوعًا من التلقيح لصدّ هذا الخوف. كما أرى أنه من الممكن أن يستفيد البعض من تجارب الغير، وبالعادي يقرأ الشباب قصص بطولية لقياديين ثوريين أو لمقاتلين عانوا من التعذيب وواجهوا الموت أثناء التحقيق، وهذه التجارب بعيدة عن تجارب الاعتقالات الروتينية للناشطين السياسيين، ولذلك من المفيد أن تنشر أيضًا مثل هذه التجارب البسيطة ولكن المنتشرة أكثر.

هناك اعتبارات مبدئية تجعلنا، بالرغم من كراهيتنا لهذه اللحظات التي يلاحقنا فيها جهاز القمع، لكي نحبُّ أن نتذكر هذه التجارب… وذلك لأن ملاحقات الأجهزة لنا تحدد “العلاقة الصحيحة” بيننا وبين النظام. فالحقيقة أنه في أغلب الأيام لم أتفرّغ للنضال لأنني مشغول ويجب عليّ أن أبحث عن لقمة العيش لأولادي أو بسبب التزامات عائلية واجتماعية أو غيرها من الأسباب، منها مهمة ومنها تافهة. لكنني أريد دائمًا أن أؤكد أنني حاولت وناضلت وقد شعر النظام بأن نضالي يشكل الخطر عليه فاهتم بقمعي، وهذا خير إثبات إننا غير راضين عن هذا الظلم ولم يبقَ النظام إلا بقوة هذا القمع…

الحقيقة أن هناك أيضًا سبب من نوع آخر لماذا يروي العديد من المناضلين قصص الاعتقالات والمواجهة داخل غرف التحقيق… في العديد من حالات الاعتقال والتحقيق نجد الانتصارات الصغيرة أو أمثلة لتفوّق المعتقل على سجَّانيه، وليس فقط لان المناضلين هم ناس أصحاب وعي ومن خيرة المجتمع – بينما سجّانوهم قد يكونون، على الأغلب، من الأغبياء وعادة لا يفهمون أي شيئ عن الأمور السياسية. فقد يملك المعتقل في حالات التحقيق “الورقة الرابحة” – المعلومات الموجودة لديه – ويمكنه أن يمتنع عن تسليمها إلى خصومه وبهذا يربح المعركة (التحقيق) و”الحرب” (الملف)… وفي العديد من الحالات يروي أصحاب التجربة قصة الاعتقال والتحقيق وتظهر قصة مثيرة ومضحكة.

كيف أصبحت مطلوبًا للعدالة؟

بعد كل هذه المقدمات يسألني القارئ: ماذا صار معك؟ ولماذا تحتج كلّ هذه المبررات لكي تروي القصة؟

إنها قصة بسيطة، اعتقال آخر، وقد أعتقلوني أكثر من خمسين مرة قبل هذا، ولكن للمرة الأولى أصدر أمر من المحكمة باعتقالي، وأصبحتُ “مطلوبًا للعدالة”.

أساس البلاء في إشكالية الدعوات للتحقيق… وقد كتبت سابقًا عن الصعوبة التي تمرّ بها شرطة حيفا أمام مهمة توصيل الدعوات للناس.

قد وصلني اتصال قبل حوالي ثلاثة أشهر، ولم يظهر الرقم الذي تم الاتصال منه. سمعت صوت امرأة من الطرف الثاني وعرّفتْ نفسها كضابطة تحقيق من شرطة حيفا وقالت إنها تريد أن تنسّق موعد للتحقيق معي. أجبتُ أنني لا أنسقَ مثل هذه الأمور على الهاتف وأنها إذا أرادتْ عن تحقق معي فعليها عن ترسل دعوة خطية بواسطة البريد.First_invitation_came_late

بعد أسبوعين وجدتُ دعوة للتحقيق في صندوق البريد على باب البيت، ولكن الدعوة وصلتْ يوم الخميس والموعد المحدد للتحقيق كان يوم الأربعاء الذي سبقه. صورتُ الدعوة ونشرتها على صفحتي وكتبتُ: “هذه الرسالة من الشرطة وصلتني اليوم في البريد – أتمنى أن يكونوا أيضا أرفقوا آلة الزمن – حتى أتمكن من الاتصال بهم مسبقًا لأخبرهم أن الوقت غير مناسب”.

مرّت الأيام ووصلني اتصال هاتفي آخر وسألتني الإمرأة لماذا لم أحضر للتحقيق… فأفهمتها أن الدعوة وصلتْ متأخرة. حاولتْ مرة أحرة أن تنسّق معي لقاء وعُدتُ وطلبتُ أن تعيّن هي الموعد كما تشاء ولكن هذه المرة أن تبعثْ الورقة قبل بالوقت… وشكتْ أنّ مهمة إرسال الرسائل من الشرطة عن طريق البريد ليس من مسؤوليتها وإذا تريد أن تبعث رسالة فلا تستطع أن تتأكد متى ترْسَل فعلا. طال الحديث وهي تحاول عن تقنعني بتنسيق الموعد هاتفيًا وبالآخر مللتُ وقلتُ لها أنها تتكلم من رقم مخفي وأنا لا أستطيع أن أعلمَ من هي وبالتالي أعتبرها واحدة مجهولة تتحرش بي عن طريق الهاتف… فغضبتْ.

والظاهر أنه، كرد فعل على هذه المكالمة، توجهتْ ضابطة التحقيق إلى المحكمة وأصدرت أمر اعتقال بحقي… ولكنني لم أعلم بالموضوع إلا بعد تنفيذ الأمر.

لماذا سلمتُ نفسي للشرطة؟

في الشهر الأخير كثّف رجال الشرطة الاتصالات من أرقام مجهولة، وكان فيها نوعٌ من الإزعاج وانقطعت عن الاجابة، وزادت زياراتهم إلى بيتنا لكي يفحصوا إن كنت في البيت، ولكنّهم لم يجدوني فطلبوا أن اتصل بالمحققين. فأخذنا نغلق باب الحديد الذي على طرف الشارع لنخفف من الإزعاج.

كنتُ أتوقع أنها قضية بسيطة لا تستحق كل هذا “الضجيج”، وكنتُ أتمنى أن يبعثوا الدعوة وأنزل للتحقيق لأتخلص منه، لكنني ما زلتُ إنسانًا بسيطًا وخجولاً ولا أبادر للاتصال ليس بالصبايا وليس بالمحققات اللواتي لم أعرفهن (وطبعًا، ليس بالمحققين).Hand_made_invitation_to_police

وصلت الحالة وقفز اثنان من رجال الشرطة فوق باب الحديد ولقيا ابني نور في البيت، وصادف أنهما يعرفانه شخصيًا من تمارين الملاكمة. عرف نور “عُقدتي” مع دعوات التحقيق وأعطى رجُلي الشرطة ورقة وقلم وقال لهما: أكتبا! جرب أحد الرجال مرة، وطلب ورقة ثانية، وبالآخر سلمها لنور… الدعوة إلي والورقة على حسابي.

كان الأمر ظهر يوم الاثنين 19\1، عشية الإضراب العام ألذي أعلنته لجنة المتابعة للجماهير العربية احتجاجًا على قتل مواطنَيْن (سامي الجعار وسامي الزيادنة) من رهط بيد الشرطة…

عملت حسابي أنهم يمكن أن يعتقلوني في نفس الليلة في المظاهرة وأبقى محجوزًا لليوم الثاني حتى يصل المحققون… أو، في أسوأ الأحوال، إذا أنزل للتحقيق وأصروا أن أنام عندهم فقد يكون اليوم الثاني إضرابٌ ولم أخسر يوم عمل إضافي. كما من المعروف أنه لو أسلّم نفسي وأتوجه إلى عمارة الشرطة بمبادرتي فهذا قد يمنع عنهم “الحجة” لتمديد الاعتقال لضمان حضوري إلى التحقيق.

إتصلت على الرقم المسجل على الدعوة وقال لي إنه بانتظاري وطلب منّي أن اتصل به مع وصولي إلى الشرطة، ألا أنني لم احمل معي شيئًا إلى التحقيق غير بطاقة الهوية ومفتاح البيت.

نزلتُ إلى عمارة الشرطة وصعدتُ إلى قسم الـ”بيلوش” في الطابق الخامس، وانتظرتُ عند الباب المغلق (ولم يجيبوا على دقات الجرس) حتى أن وصل عن طريق الصدفة أحد رجال القسم وأدخلني. هناك أخبروني أنني مطلوب للتحقيق وقد صدر أمر اعتقال بحقي، ووضعوا القيود الحديدية بيدي، وصوروا أمر الاعتقال وأعطوني نسخة منه ووضعوني عند قسم التحقيقات.

كيف وقع التحقيق بين مظاهرتين

المحققة المسؤولة عن الملف لم تحضر للعمل في ذلك اليوم، وأوصلوني مع الملف عند محقق آخر لم يعرف شيئًا عن الموضوع، واطلع على المواد الموجودة في الملف واتصل بالمحققة ليسألها عن هدف التحقيق وحاول أن يحقق معي…

  • ماذا فعلته في يوم … في شهر … من سنة 2014؟
  • لا أتذكر.
  • هل شاركت في هذا اليوم في مظاهرة في “شديروت بن غوريون”؟

أثناء ثلاثة أشهر كانت الشرطة تلاحقني وكنت مقتنعًا أنهم يريدون أن يحققوا معي بالنسبة لمظاهرة أقيمت في وادي النسناس أيام الهجوم على غزة. وأخذوني من البيت في ساعات الليل بعد المظاهرة ولا أعلم حتى الآن إذا كان لديهم أي إثبات لمشاركتي في هذه المظاهرة. ورأيت أن المحقق لا يعرف حتى المنطقة التي جرتْ فيها المظاهرة… وفرحتُ

– كثرت المظاهرات هذا الصيف ولا أعلم عن أيّ منها تتكلم ولا أستطيع أن أؤكد لك إذا شاركت في مظاهرة في هذا اليوم أو في غيره…

طال الحديث دون أن يزيد أي طرف معلومة للملف والمحقق صار يشتم الشرطة ويتساءل لماذا عليه أن يضيع وقته في تحقيق من هذا النوع. بالآخر أردْتُ عن أشجعه وقلت له أنهم أعتقلوني من البيت وأنّه في كل الملف لا يجد أي ذكر لاسمي كمشارك في هذه المظاهرة…

فأخرج إفادة أحد رجال الشرطة من الملف ووجد فيها سرده للأحداث ومنها فهمت لأول مرة أنها مظاهرة أخرى أقيمت للتضامن مع المعتقلين الإداريين خلال إضرابهم عن الطعام، وفعلا كان موقع التظاهر في ساحة الأسير في الحي الألماني… وكانت الشرطة غضبانة “غير شكل” في هذا اليوم لأنه كان يوم كشف خبر اختطاف ثلاثة شبان من المستوطنين… وكان المتظاهرون حذرين جدًا وامتنعوا أن أي استفزاز أو خرق للقانون…   وأعْتقِلتُ هناك بعد أن انتهت التظاهرة – ولكن هذه المرّة أعتقلت فعلا من مكان الحدث…

  • أه، إنها مظاهرة أخرى – فعلا اعتقلوني من “بن غوريون”… وكانت يومها مباراة للمونديال وحضرت قسمًا منها وأنا أنتظر التحقيق…
  • الآن، هل تتذكر أكثر ما الذي حدث في هذه المظاهرة؟
  • لا، كل الذي أتذكره أنني كنت قاعدًا هادئًا على الجنب فأخذوني دون أي سبب كان…

(وتم إطلاق سراحي بعد ذلك بعدة ساعات، واستطعتُ أن أشارك في المظاهرة التي أقيمت نفس الليلة في وادي النسناس وفي نشاطات الإضراب العام يوم الثلاثاء 20\1\2014…)

Detention_order_status

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: