Skip to content

مقاطعة الكنيست – بين الثوابت والمتغيَّرات

ديسمبر 22, 2014
mukata3a_7ata_alawda_square

فاجأ توقيت إعلان الانتخابات المبكرة للكنيست الصهيوني العديد من المراقبين… فلماذا “تنتحر” هذه الحكومة قبل أن ينقضي نصف عمرها؟ ومن أين تأتي هذه الكراهية المفرطة بين مكوّنات هذه الحكومة وكلّهم يتنافسون أمام الجمهور من يتفوّق في التعبير عن الكراهية للعرب؟

أمّا الخلفية الموضوعية لفشل هذه الحكومة، وهي غائبة عن الأحاديث والخلافات بين الأحزاب الصهيونية ولم نقرأ عنها في الإعلام الإسرائيلي: لقد قرّرت الحكومة منذ مطلع العام الجاري إلغاء المرحلة الموعودة من تحرير قدامى الأسرى، وبهذا قضت على مسرحية “مفاوضات السلام” الوهمية واختارت “الهروب إلى الأمام” من خلال شنّ هجوم جديد على الشعب الفلسطيني تمثّل في العدوان على أهل الضفة الغربية أولاً، ثمّ في  حملة المجازر والدمّار ضدّ أهل قطاع غزة، وتضييق الخناق على أهل القدس، وتكثيف الاستيطان، وحملة القوانين العنصرية لتجريد العرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948 من آخر أوهام الحقوق المدنية.

ومثلما الاجتياح الأمريكي للعراق أدّى في نهاية الأمر إلى تغيير النظام في واشنطن (أو على الأقلّ رموز النظام)، فإنّ صمود الشعب الفلسطيني في وجه العدوان الصهيوني الأخير أوصل أودى بالحكومة الإسرائيلية إلى الفشل والطريق المسدود… وزادت تكاليف العدوان وميزانيات الحرب إلى مستوىً غير مسبوق بحيث لم تسمح للحكومة بشراء رضى الطبقة الوسطى كما جرت العادة من خلال توزيع الامتيازات، وأدّى الفشل العسكري والسياسي للعدوان إلى المسّ في موقع إسرائيل الاستراتيجي وإلى تعزيز حركة المقاطعة العالمية ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني…

مقاطعة الكنيست هي الردّ – وهذه المرّة أكثر من أيّة مرّة سابقة

الظروف نفسها التي سبق أن سبّبت سقوط الحكومة وحلّ الكنيست تُبرز في هذه المرّة أكثر من ذي قبل جوهر الكنيست كمركز التحريض العنصري ومصدر التشريع المعادي للديمقراطية وحقوق الإنسان ضدّ أبناء الشعب العربي الفلسطيني وضدّ كل من لا يتلاءم مع رؤية بناء الدولة اليهودية العنصرية – مثل أولئك المساكين الهاربين من الحروب الأهلية في إفريقيا ويطلبون اللجوء في “أرض الميعاد”. كما أظهرت الملاحقات والإهانات ضد أعضاء الكنيست العرب أن لا وجود ولا تأثير للصوت العربي على منصّة مسرح العنصرية، وإذا كنّا نتعاطف مع حنين زعبي أو محمد بركة أو غيرهما، فنحن لا نتمنى لهم أن يبقوا في هذا الوكر الموبوء عُرضة للملاحقة والمَهانة…

لا يوجد مثال على جوهر القضية أفضل من رقصة قوانين “يهودية الدولة” الذي قضت فيها الكنيست المشؤومة آخر أيامها… والنقاش كلّه بين فئة صريحة، وجريئة – إذا صحّ التعبير- تقول: “نحن عنصريّون، ودولتنا عنصريّة، وهي لليهود فقط لا غير”، وبين فئة أخرى تردّ قائلة: “نعم، نحن عنصريّون منذ ما قبل قيام الدولة، وقد طردنا العرب وسلبنا بيوتهم وأراضيهم، وعملنا كلّ هذا ونحن نتظاهر بالديمقراطية… ولكنّ الصراحة المفرطة قد تسبّب بفقدان الدعم العالمي لمشروعنا العنصري!”

يشكّل طرفا هذه المعادلة الدافع الأساسي لمقاطعة الكنيست الصهيوني، بحيث تجتمع الناحيتان المبدئية والعملية. فمن الناحية المبدئيّة هي دولة عنصرية، وغالبية أهل البلاد محرومون من أيّة مشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية، وذلك لأنّ العنصرية تكرّست من خلال التطهير العرقي والاحتلال العسكري. من الواضح إذن أنه لا يمكن أن ينتج عن هذه الانتخابات إلاّ المزيد من التشريعات العنصرية والإقصاء والتحريض. ومن الناحية العملية يَصْدُق قول “اليسار الصهيوني” إنّ “الستار الديمقراطي” خدم الحركة الصهيونية على أحسن وجه دون أيّ تنازل عن الطابع اليهودي العنصري للدولة، بل ساعدها على تمرير كافة السياسات العنصرية… ومن هنا فإنّ فضح زيف الديمقراطية الإسرائيلية يشكّل خطوة ضرورية أولى في أيّة استراتيجيّة للتغيير.

إنّ مقاطعة الكنيست الصهيوني هي، في آن واحد، تعبير عن الموقف المبدئي تجاه هذه المؤسّسة التي تجسّد وتمثّل شرعية كلّ المؤسّسات العنصرية وردّ فعل طبيعي على آخر تطوّرات المرحلة.

ولكن على حملة المقاطعة – قبل أن تتشكّل وتبدأ معركتها الجماهيرية لإقناع أصحاب حقّ الاقتراع من العرب الفلسطينيين ومن الديمقراطيين اليهود أن لا يمنحوا الشرعية للمؤسّسة العنصرية – عليها أن توضّح مواقفها من خلال اختيار الشعارات التي تظهر مبادئها وتتلاءم مع خصوصيات المرحلة، كما عليها أن تنظّم صفوفها من خلال تشكيل أوسع تحالف بين مختلف الشركاء في نداء المقاطعة، وأن تفتح الباب لديناميكية حركة الجماهير لكي تصير المقاطعة الصوت المؤثر والحاسم في هذه الانتخابات.

مضامين موقف المقاطعة

من الطبيعي أن نربط بين مقاطعة الكنيست وبين العديد من القضايا الكبيرة والصغيرة. الأفراد المقاطعون (مثلهم مثل الأفراد المصوّتين) لهم أسبابهم ودوافعهم وتبريراتهم، وكلّها شرعيّة ومهمّة؛ ويجب أن تندمج كلّها في بناء الحركة الواحدة… أمّا حملة المقاطعة فهي فعل سياسي جماعيّ يسعى إلى رفع الوعي وتطوير حركة الجماهير، ومن هنا عليها أن تبحث المضامين والشعارات المناسبة وأن تختار أولوياتها وأن تعمل على توضيح رؤية تخدم القضايا الملحّة والأهداف التاريخية…

أولاً، أشجّع صُنّاع حركة المقاطعة على مراجعة ودراسة تجربة حملات المقاطعة التي أقيمت في دورات انتخابات الكنيست السابقة، وقد نُشرت بعض بياناتها على صفحات حيفا الحرة من حملات 2013 و2009 و2006 و2003.

وبهذا أتطرق هنا لبعض القضايا والشعارات العينيّة:

  • مقاطعة حتى العودة – لا أخفي أنّ أكثر ما أعجبني من شعارات حملات المقاطعة السابقة كان شعار “مقاطعة حتى العودة” – ويحمل هذا الشعار جوهر موقف المقاطعة لأنه موقف معادٍ للعنصرية التي تجسّدها انتخابات يُغيّب عنها معظم سكّان البلاد واللاّجئون المهجّرون عنها… وهذا الشعار يوازي شعار “إنسان وحد – صوت وحد” الذي كان الشعار الناظم للنضال ضدّ نظام الأبرتهايد في جنوب إفريقيا؛ لأن النظام العنصري الصهيوني في فلسطين لا يكتفي باستغلال وبكتم صوت سكّان الأرض الأصليين بل يعمل على اقتلاعهم من أرض الوطن.
  • بين يهودية الدولة والدولة الديمقراطية الواحدة – اختيار الجهات الصهيونية وضع قضية “يهودية الدولة” على رأس أجندتها السياسية يشكّل فرصة ذهبية لتعميق النقد السياسي للمشروع الصهيوني وكشف وفضح جوهره العنصري، محليًا وعالميًا. والمهمّ هنا أن لا نقع في فخّ الصراع الشكلي المزيّف بين “اليمين المتطرّف” وبين “اليسار” الصهيوني، فكلاهما يتشارك في تقديس يهودية الدولة وفي صيانة نهجها العنصري ولا يستعمل الديمقراطية إلا للتعتيم الإعلامي على هذه الحقيقة. ومن هنا علينا تطوير رؤية البديل للنظام العنصري من خلال طرح خيار العودة والتخلّص من الاحتلال والقضاء على العنصرية والتمييز بكل أشكالهما وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة على كلّ أرض فلسطين من النهر إلى البحر، دولة مدنية لجميع مواطنيها.
  • عدم إمكانية التغيير من خلال الكنيست والموقف من “اليسار” الصهيوني – جزء مهمّ من خطاب حملة المقاطعة يتناول عدم إمكانية خلق تغيير جوهري من خلال الوجود في الكنيست، ونحن نعارض كلّ الأحزاب الصهيونية على قدم المساواة. هنا يوجد فرق أساسي بين موقف المقاطعة الذي يفضح جوهر المؤسسات العنصرية وبين موقف المشاركين في انتخابات الكنيست الذين لا بد لهم من الانجرار إلى تفضيل “اليسار الصهيوني” لبناء وهْم التغيير من خلال الكنيست ولتبرير المشاركة فيها… ونذكر انزلاق الأحزاب العربية مرّة تلو الأخرى إلى موقف دعم رؤساء حكومات إسرائيلية من رابين إلى بيرس إلى باراك – الذين لم يتوقفوا عن رفض مشاركة الأحزاب العربية في حكومتهم (ونشكرهم على ذلك لأنهم منعوا عن الناخب العربي عبء تحمّل مسؤولية جرائم الاحتلال) ولم يتراجعوا أمام قتل أبناء الجماهير العربية الفلسطينية من جهتَي “الخط الأخضر” مثلما فعلت حكومة رابين في يوم الأرض عام 1976 وحكومة باراك عام 2000.
  • وحدة الشعب الفلسطيني – تعمل المؤسّسة الصهيونية على تجزئة الشعب الفلسطيني إلى طوائف وقطاعات بينما اليهود في كلّ أنحاء البلاد (وفي الخارج) هم مواطنون كاملو الحقوق في الدولة اليهودية الواحدة من النهر إلى البحر، لا فرق بين المستوطن في قلب الخليل وبين المواطن الإسرائيلي في تل أبيب. ومن خلال الانتخابات تدعو الدولة أصحاب حق الاقتراع العرب إلى المشاركة مع مستوطني الخليل في إقرار مصير عرب الخليل معدومي الصوت “ديمقراطيًا”!!! أوّل خطوة لمناهضة نظام الظلم والقهر العنصري هي توحيد كلّ المتضرّرين منه – ومن هنا أن الصوت العربي الفلسطيني يُسمع ويُؤثر من خلال مؤسّسات حركة تحرر وطنية فلسطينية… وإذا كانت بالماضي منظمة التحرير الفلسطيني هي العنوان الطبيعي للتعبير عن طموحات الشعب الفلسطيني فنحن اليوم أمام عالم جديد يسمح باستخدام كلّ أساليب التواصل الحديثة للربط بين أبناء الشعب الواحد في كافة أماكن تواجده من فوق الحدود والجدار.
  • الأحزاب العربية – نحن نخوض معركة الانتخابات من خلال موقف المقاطعة و”نصارع” الأحزاب العربية المشاركة في الانتخابات على ثقة الناخب وعلى صوته. وبذلك يظهر وكأنّ معركة المقاطعة موجّهة ضدّ الأحزاب العربية – وهذا غير صحيح، ويجب أن نحافظ على الوضوح الكامل في هذا الشأن؛ إن معركتنا هي ضدّ المؤسّسة العنصرية، ونحن نعتبر الأحزاب العربية شريكتنا الطبيعية في معركة الوجود التي تخوضها الجماهير العربية الفلسطينية، ولذلك نعارض وجود هذه الأحزاب في الكنيست الصهيونية وندعوها لمقاطعتها. أمّا نضال الجماهير العربية فهو مستمرّ على مدار السنة في كلّ بلدة وحيّ وفي أماكن العمل وفي المدارس والجامعات، وهو نضال يخصّ كلّ مجالات الحياة التي نواجه فيها التمييز والغطرسة والقمع السلطوي. ومن هنا نعود وندعو للحفاظ على روح النقاش الرفاقي والحوار البنّاء بين كافّة الأحزاب والنُشطاء من المقاطعين والمشاركين لكي نضمن أن لا تنجح المؤسّسة في تحويل انتخابات الكنيست إلى عائق إضافي أمام وحدة الجماهير.
  • لجنة المتابعة – بين الشعارات التي تظهر في حملة المقاطعة نجد الدعوة لإعادة بناء لجنة المتابعة، وفي بعض الحالات طُرح انتخاب لجنة المتابعة بوصفه البديل العملي لانتخابات الكنيست… ومع إدراك الأهمية الملحّة لتطوير وتحسين أدوات النضال على كافّة المستويات، وأهمية لجنة المتابعة كعنوان لوحدة الجماهير العربية الفلسطينية في المناطق المحتلة منذ 1948، أرى أن طرح إصلاح لجنة المتابعة في صُلب مشروع المقاطعة قد يخفض السقف المبدئي لحملة المقاطعة، وذلك لسببين: (1) إنّ المشاركة في انتخابات الكنيست من شأنها إضفاء الشرعية على نظام عنصري يفرض حكمه على كلّ أرض فلسطين، وبذلك وجب أن يصدر الردّ على مستوى التحدّي، والبديل فهو شرعية وسيادة العودة والتحرر والدولة الديمقراطية الواحدة. (2) إنّ مشاركة قطاع من الجماهير العربية في انتخابات الكنيست يأتي ليُكرّس تجزئة الشعب الفلسطيني، والردّ لا يمكن أن يكون من خلال إطار تقيّده حدود هذا التقسيم… أمّا بالنسبة لانتخابات لجنة المتابعة أو إمكانيات أخرى لإصلاحها – فقد أتطرق لها في مقال آخر.

آمل أن يتجمّع جميع مؤيّدي موقف المقاطعة في أقرب وقت لبناء حملة انتخابية فعّالة تشكّل خطوة مهمّة أخرى على درب الحرّية والديمقراطية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: