Skip to content

فرحة الفقراء

أكتوبر 12, 2014
Kubani_defenders

أكتب هذه السطور مع اشتداد معارك الدفاع عن مدينة كوباني – عين العرب – حيث تتحصّن المدافعات والمدافعون الأكراد والعرب للتصدي لهجوم القتَلة الجهَلة الذين يسمّون أنفسهم “الدولة الاسلامية”. أمَلي هو ألاّ تسقط كوباني، وألاّ تُرتكَب هناك مجازر، وأن يعود مئات آلاف المهجّرين بسلامة من حياة اللجوء إلى الحياة الآمنة في بيوتهم، في المدينة وقراها… كما أرجو للمقاتلات والمقاتلين، من يستشهد منهم ومن يبقى على قيد الحياة، أن يكون انتصارهم نقطة تحوّل لصدّ حملة القتل والاحتلال والمجازر الجنونية التي راح ضحيّتها أكثر من مائتي ألف سوري من جميع الفئات والمناطق.

معركة الدفاع عن كوباني ضرورية ومصيرية – ولكنها جزء من معركة أكبر منها بكثير، هي معركة الدفاع عن مستقبل منطقتنا.

إن تركيز أضواء الإعلام في كل وقت وزمان على زاوية واحدة من هذا الصراع التاريخي – لا يمكنه أن يُخفي حقيقة أنها معركة واحدة ومستمرّة في كلّ الساحات والميادين وفي مختلف بلدان المنطقة. وفي كل ساحة من ساحات هذه المعركة نجد أطرافًا مختلفة وتحالفات متغايرة… ويسأل المتفرّج نفسه (وكلّنا متفرّجون على هذه المعركة، مع أن موضوع هذا الصراع يتعلق بمصيرنا وبمستقبلنا) أين الحق؟ وهل فعلاً بقى طرف على حقّ في كلّ هذه المعادلة.

أومن أن التغيير ضروري، وواثق أنّ دولة الظلم ساعة، وأن الحرية والاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لن تتحقّق إلاّ بفضل نضال وتضحيات الجماهير الشعبية – كما أومن أن المحرّك الرئيسي للحراك الشعبي الثوري ليس الفقر واليأس وإنما هو الأمل والإيمان بإمكانية التغيير. ومن هذا المنطلق، أريد أن الفت نظركم من هذه الصفحات إلى بعض صور الفرح التي شهدناها في هذه الأيام العصيبة… وقد تكون إشارة إلى مرحلة قادمة من الانتصارات والسلم والمستقبل المشرّف.

صورة من فجر ليبيا

الصورة المفرحة الأولى التي أحب أن أشاركها معكم، هي بالأحرى فيلم، إنها فيديو شاهدته على البي.بي.سي. (من 31 آب 2014)، يبيّن سيطرة ميليشيات “فجر ليبيا” على عمارة السفارة الأمريكية في طرابلس – ليست المشاهد مشاهد العنف أو الغضب وإنما هي مشاهد تُظهر فرحة الفقراء وبسطاء الناس يقتحمون القلعة المحصّنة ويدوسون بأقدامِهم عظمَتها – إنهم يسبحون في “بركة العظماء”:

Tripoli_Swimming_Pool_Jump

Tripoli_Swimming_Pool_Jump_Splash

أرى لهذه المَشاهد قيمة رمزية بالنسبة للربيع العربي، قيمة لا تقّل أهمية عن رمزية سقوط الباستيل في الثورة الفرنسية، أولاً لأنّ سفارات أمريكا كانت وما زالت معاقل القوة الحقيقية في منطقتنا؛ وثانيًا، وهذا أيضًا مهمّ، لأن نرى الشعب “طاير من الفرح” ويثبت قدرته ويخلق أمواجًا لا يُستهان بها في حوض سباحة “العظَماء” …

لقد سيطرت ميليشيات “فجر ليبيا” خلال شهر آب على العاصمة طرابلس بالرغم من قصفها من قبل طائرات أجنبية “مجهولة” وبالرغم من تعاون البرلمان المنتخب ودعوته إلى التدخل الأجنبي لقمع شعبه…

أفكار الفقراء

يعلم الجميع أن الدولة العربية الأكثر فكرًا هي اليمن، ويُحتمل أيضًا أن شعب اليمن هو أكثر الشعوب العربية تسليحًا… ولذلك تميّزت ثورة اليمن بالحذر الشديد من كل الأطراف – لأن كلّ طرف يستعمل القوة مدركًا أنه سيأتي الردّ من خصومه… لقد كانت ثورة اليمن عام 2011 في غالبيتها سلميّة، وعندما حاول الرئيس علي عبد الله صالح قصف مواقع المعارضين له قُصف بيته وأجبر على الرحيل.

لهذا السبب ظهر وكأنّ ثورة اليمن انتهت بـ”التعادل السلبي” وتسلم نائب الرئيس، عبد ربّه منصور هادي، الرئاسة لمرحلة انتقالية دون حلّ أيّة مشكلة من مشاكل البلد؛ ولكننا في شهر أيلول فوجئنا بخبر سيطرة حركة الحوثيين (“انصار الله”) على العاصمة صنعاء من خلال حركة احتجاج جماهيرية وميليشيات مسلحة. وفي الصور نراهم يحتفلون بالانتصار فوق مدرّعات الجيش… كأولاد فقراء من القرى أتوا في يوم العيد إلى المدينة ليمرحوا ويسرحوا فيها:

Huthiyin_in_Sanaa_KidsHuthiyin_in_Sanaa_Tank

أعترف أنني لا أعلم الكثير عن الحوثيين وعن حركتهم، ومنذ سنين يظهر “تمرّدهم” في نشرات الأخبار وكأنه قضية محلية في منطقة بعيدة في شمال اليمن، وشاهدناهم محاصرين وملاحقين من قبل جيش اليمن.

لذلك فوجئت كيف أصبحوا بين عشية وضحاها سادة العاصمة. لقد رأينا كيف وقّع الرئيس الهادي على “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” معهم. ونرى بأمل كيف من خلال هذا الاتفاق فرض تمرّد الحوثيين على الفئات الحاكمة في اليمن ليس فقط مشاركتهم في الحكم وأخذ مطالبهم بالحسبان، وإنما أيضًا فرض إشراك الحراك الجنوبي ومعالجة قضايا جنوب اليمن.

ديمقراطية الشعب المسلَّح

لستُ من محبّي التسلّح والعنف، ولكن إذا رجعنا إلى أغنية زياد الرحباني “الله ينجّينا من الآت“، فإننا نتذكّر مصير هذا المسكين “بو سعيد” –

قالوا لي عن بو سعيد – حكمو كريزة نهار العيد
صْريخو كان يعلى ويزيد – ما فتحوا باب الحديد
وعَ باب المستشفى مات – ألله ألله ألله…

ألله ينجّينا من الآت

إنّ عُنف الباب المغلق الصامت هو في نظري أشدّ وأشرس من عُنف اليد الذي “تدقّه” لكي يفتح …

جنون السلاح الذي تشهده الولايات المتحدة يعود تاريخه إلى أيام “حرب التحرير” التي خاضها المستوطنون هناك ضد حكم بريطانيا. لقد آمنوا أن الشعب المسلّح يستحيل قمعُه…

الأفضل هو أن تقوم دولة المؤسّسات وتحمي مصالح الشعب من خلال دستور يعبّر عن سيادة الشعب، يحترم حقوق الإنسان ويكفل حرية التعبير والتنظيم والانتخابات الديمقراطية؛ ولكن النخبة الحاكمة لن تسمح بذلك، وهي مستعدة لاستخدام العنف إلى أقصى الدرجات لكي تحمي مصالحها الذاتية وتقمع الشعب الذي تحتقره ولا ترى به إلاّ خطرًا يهدّد امتيازاتها.

لذلك، ومن أجل إحداث التغيير الديمقراطي، لا بدّ أن يتغيّر ميزان القوى بين النخبة الحاكمة وبين عامّة الشعب، وأن تفقد الفئة الحاكمة قدرتها على احتكار العنف والسلاح لكي تتفوّق قوة الشعب المسلح على قوة حكامه… لقد حصل هذا في ليبيا، وحصل في اليمن، ولم يحصل – حتى الآن – في بقيّة البلدان العربية.

الحد الأدنى من برنامج الثورة

يمكن أن يسألني سائل: مع من أنت في هذه الحرب، و”فجر ليبيا” محسوب على “الإسلاميين” السنّة، أمّا الحوثيّون فهم من “الشيعة” و”أتباع إيران”؟ وما لك أنت، كيساري، تفرح بفرحة أيّ منهما؟

أجيب: إنني كيساري أفرح مع الناس وأكره الظلم في كل مكان من أي طرف جاء… والثورة لا تأتي لكي تحقق أحلامي أو تطبق نظرياتي، بل هي انفجار الغضب الشعبي بوجه الظالمين. وأجيب: أنه يمكن للإنسان المتديّن أن يثور ضد ظلمه في إطار سياسي-ديني ويطالب بالحق وبالعدالة – كما يمكن لشخص آخر (متديّن أو غير متديّن) أن يقاوم الظلم من خلال إطار قومي أو طبقي أو ديمقراطي – والحرية التي نطالب بها هي حرية واحدة وللجميع.

الحد الأدنى المطلوب اليوم هو أن يعمل الجميع من كل الفئات ومن حاملي كافة العقائد على خلق وضع سياسي جديد يتّسع للجميع دون إقصاء – وهنا الفرق الفاصل بين الذين يثورون لنيل حريتهم وبين الذين يقاتلون لإقصاء الآخرين.

نرى ميليشيات شعبية مثل فجر ليبيا أو الحوثيين وهي تسيطر على مدينة فلا نسمع عن إعدامات ولا عن اعتقالات جماعية ولا نرى بالتالي حركة نزوح لمئات الآلاف من الموطنين… وهذا لا يعني أن كل شيء تمام وأنه لم تُرتكب أخطاء أو حتى جرائم من قبل أي منهما أو من قبل أفراد منهما، وأي خطء لازم أن يصحح وأي جريمة واجب عقاب منفذيها.

وفي ختام كلامي أعود وأقول، إن الشعوب العربية وغيرها من شعوب المنطقة تثور لأجل حريتها ولا يوجد ضمان لهذه الحرية إلاّ بفرحة وقوة وشجاعة وحكمة هذه الجماهير الشعبية.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: