Skip to content

ندوة في خيمة الاعتصام في رمية مع عالم الاقتصاد الدكتور سامي ميعاري عن الأبارتهايد الاقتصادي وسُبل مقاومته

أكتوبر 2, 2014
Economist_Dr_Sami_Miaari

نُشر هذا التقرير في صحيفة كل العرب يوم 24\9\2014

إن حالة أهل قرية رمية الجليليّة هي التجسيد الأوضح لنظام الأبارتهايد الذي يعاني منه العرب الفلسطينيون: فهم يعيشون في أكواخ، بلا كهرباء، بلا طرق معبّدة، وهم محاطون من كلّ الجهات بالعمارات الحديثة لمدينة كرميئل اليهودية المرفّهة… ولا يملكُ سكان رمية حتى أرض أجدادهم التي يسكنون فوقها حيث صودرت منذ 1976 بحجة “احتياجات الجمهور” – أو الحاجة لبناء أحياء جديدة للأغراب على أراضيهم.

في هذه الأيام تخوض بلدية كرميئل حربًا اقتصادية لاقتلاع أهالي رمية المرابطين على أرضهم، وتضع قوانين خاصة تمنع إدخال الماعز والأغنام إلى أرض البلد، وتبعث المفتشين لمراقبة أهل البلد ومخالفتهم ومحاكمتهم على كلّ كبيرة وصغيرة.

فرضت هذه الظروف الصعبة على أهالي رمية الصمود والنضال، وقد التفّت حولهم نخبة من الناشطات والناشطين من سكان المنطقة، ليحوّلوا رمية إلى رمز لمقاومة الأبارتهايد في الجليل، وليبحثوا عن كلّ السبل لفكّ الحصار الخانق المفروض على الأهالي ولمنع ترحيلهم.

في هذا السياق بادرت “مجموعة أصدقاء رمية” إلى إقامة ندوة مع عالم الاقتصاد الدكتور سامي ميعاري حول الأبارتهايد الاقتصادي وسُبل مقاومته، وذلك مساء الأحد 25\5 في خيمة الاعتصام. ونظرًا لأهمية الموضوع أقدّم فيما يلي ملخّصًا يشمل التحليل الذي عرضه د. سامي وبعض الأفكار التي ناقشها الحاضرون في الندوة.

مفهوم “الاقتصاد الثانوي”

بدأ د. سامي تحليله للاقتصاد العربي داخل الخط الأخضر بتعريفه كـ”اقتصاد ثانوي” يرتبط كليًا بالمركز الاقتصادي الصهيوني، ويفتقد كلّ مقوّمات النموّ والتطور. فمن ناحية الموقع يتميّز الاقتصاد العربي في إسرائيل بأنه بعيد عن فروع الاقتصاد الأساسية، ومن ناحية الدور هو يقدّم خدمات للاقتصاد الرئيسي المتمركز في تل أبيب، وفي فترات النموّ الاقتصادي حيث تزداد الحاجة إلى الأيدي العاملة يأتي العامل العربي ليسدّ الفراغ، ولكن في فترات الانكماش الاقتصادي يكون هو أوّل من يخسر مكان عمله. نتيجة لهذه الهامشيّة والتبعيّة فإن الاقتصاد العربي في الوضع الحالي عاجز عن توفير الحدّ الأدنى من الرفاهية والاستقرار للمواطنين. وبالمقارنة، نوّه د. ميعاري إلى نمط اقتصاديّ شبيه في ثانويّته، هو اقتصاد السّود في الولايات المتحدة قبل عقود؛ لكن في مجتمعنا العربي لا نرى حتى اليوم البوادر أو الخطة لخلاص الاقتصاد العربي من هذا الموقع المهمّش…

التمييز المنهجي

لا شك أن السبب الرئيسي لضعف الاقتصاد العربي هو سياسة التمييز العنصري المنهجي الذي تتبعه دولة إسرائيل بكلّ حكوماتها المتعاقبة. أهم عناصر هذه السياسة هو مصادرة الأراضي العربية- المستمرّة حتى اليوم- حتى أصبح العرب الفلسطينيون داخل “الخط الأخضر” يملكون 2.7% فقط من الأراضي بالرغم من كون هذه لأراضي كلّها أرض عربية وبالرغم من كونهم أكثر من 20% من السكان داخل الخط الأخضر.

ويمتدّ التمييز العنصري إلى كلّ أشكال الاقتصاد: توزيع ميزانية الدولة، إلى رسم السياسات الضريبية، وتصنيف مناطق أولويّة التطوير الاقتصادي، وتحديد مناطق نفوذ اللسلطات المحلية والتي تنشأ عنها مشكلة إسكان حادّة إذ لا تكفي المسطّحات الحالية لتلبية احتياجات النموّ السكاني العربي، والتمييز في مجال التعليم ومحلات العمل والبنية التحتية، والخدمات مثل الصحة والمواصلات العامّة وقروض الإسكان، بل في الرواتب حيث يتقاضى العربي أجرًا أقلّ من اليهودي لقاء العمل نفسه، وغير ذلك… وممّا يجب التشديد عليه، أنّ سياسة التمييز العنصري لا تعني فقط أن الأفضلية في المجالات المذكورة هي لليهود، وإنما هي تعني في الواقع أن المتاح للعرب هو أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى المطلوب لتلبية احتياجات الحياة بكرامة.

العمل الذاتي

ورغم صعوبة الوضع وإلقاء اللّوم الرئيسي على النظام، ركّز د. ميعاري في محاضرته على أهمية العامل الذاتيّ وعلى فرص التغيير والتأثير على أوضاعنا الاقتصادية من خلال الوعي والمبادرة والمهنية والتعاون بين كل الأطراف الفاعلة في المجتمع لأجل المصلحة العامّة – مشدّدًا على أنَّ الخطوة الأولى في كلّ مخطط اقتصادي تبدأ بالإدراك والتحكّم بالمصاريف، لأن التوفير في مصاريف الاستهلاك يفتح الباب للاستثمار الاقتصادي المنتج الذي يمكنه أن يرجع بالفائدة أضعاف تكلفته. وللتدليل على لوجود القدرة ولكن في الوقت نفسه غياب الوعي والتوجيه نحو الاستثمار، ذكر ظاهرة الهدْر المالي المتجسّدة في المبالغة في الإنفاق على الأعراس، وخلال شهر رمضان الذي تنفق فيه العائلات أربع أضعاف الإنفاق في الشهر العادي.

وأكّد أن أهمّ المؤسسات التي يمكنها أن تبادر وتقود العمل لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمجتمع العربي هي السلطات المحلية، لأنها منتخبة من قبل الجمهور العربي ولأنه توجد تحت تصرفها مؤسسات مهمة ومركزية. ولكن المشكلة تكمن في أنه غالبًا لا تتوفر لديها الكفاءات المهنية، وأحيانًا يكون انتخابها لاعتبارات ليس لها علاقة بالكفاءة  والقدرة على إدارة المجالس ووضع وتنفيذ المشاريع التطويرية.

وذكر د. ميعاري مثال مشروع بناء مراكز رعاية صحّة الأمهات والأطفال، الذي رصدَت له حكومة إسرائيل ميزانية 300 مليون ش.ج. ولا تقدّم معظم السلطات المحلية العربية الخطط المطلوبة للاستفادة من هذا المشروع؛ وكانت النتيجة أن الميزانية أعيدت إلى خزانة الحكومة… كما انتقد ظاهرة الرواتب المبالغ فيها للعديد من “كبار الموظفين” في السلطات المحلية مقابل أداء هذه السلطات الذي لا يتجاوز في العديد من الحالات تصريف الأعمال.

المبادرات المطلوبة

أوضح د. ميعاري في محاضرته أنهُ رغم استحالة الاستقلال الاقتصادي الكامل في ظلّ سيطرة النظام العنصري والاختلال البنيوي في ميزان القوى السياسي لصالح “الأغلبية اليهودية” (ومن المهمّ التشديد أنها هي المقصودة عندما تتحدّث دولة إسرائيل عن “الصالح العامّ” – وذلك حتى رغم اتّساع الفجوة الاقتصادية في المجتمع اليهودي نفسه حيث السياسات النيوليبرالية تضرّ بقطاعات آخذة بالاتساع هناك)، فإنه باستطاعة كلّ مواطن أن يؤثر سلبيًا أو إيجابيًا من خلال قراراته اليومية. وتبدأ هذه من قرارات بسيطة، مثل أيّة بضاعة يشتري أو من أيّ دكان يشتري. وذكر، على سبيل المثال أنهُ عندما يشتري المواطن العربي احتياجاته في كرميئل ترجع فائدة الضرائب لبلدية كرميئل ولخدمة سكانها، بينما عندما يشتري احتياجاته في سخنين أو البعنة فإن نسبة أكبر من الربح ترجع للاقتصاد المحلّي.

وذكر أن المبادرات الإنتاجية هي الأهمّ لتحقيق نموّ اقتصاديّ محليّ ولتوفير فرص العمل. وفي هذا الصدد نوّه د. ميعاري ان مثل هذه المبادرات بحاجة إلى استباقها بالبحث العلمي للاحتياجات والقدرات وفرص التسويق، كما أنها بحاجة إلى التشجيع من قِبَل المؤسسات. كما ذكر الحاجة إلى توفير المناطق الصناعية وإلى مبادرة أصحاب رؤوس الأموال، أو بناء تعاونيات أو لتوظيف الأموال العامّة مثل أموال الزكاة وغيرها. ولا تقتصر المبادرات الاقتصادية المطلوبة على الاستهلاك والإنتاج، فهناك حاجة لتطوير اقتصادي كامل يتطلب أيضًا المؤسّسات المالية؛ وفي هذا الصدد وطرحَ د. ميعاري إمكانية بناء بنك عربي أو شركة تأمين عربية، وباعتقاده أنّ هذه مشاريع جديّة ويمكن تنفيذها إذا توفرت الإرادة والتوجّه المهني للموضوع.

ولتمكين المبادرات الاقتصادية طرحَ د. سامي التعاون الثلاثي بين السلطات المحلية العربية ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الدولية المعنية بتشجيع الاقتصاد العربي لمواجهة الفقر والتمييز.

كما اقترح الاستعانة بالمساجد كمنبر لزيادة الوعي لقضايا الاقتصاد والتكافل المجتمعي وأن يستعمل جزء من أموال الزكاة لتطوير مشاريع إنتاجية ترجع بالفائدة على الجمهور لفترة طويلة…

مناقشة التجارب والاقتراحات

شارك جميع الحضور في بحث ومناقشة سبل تحريك وتطوير الاقتصاد العربي، مع التطرق ومحاولة الاستفادة من تجارب مختلفة. وفي سياق النقاش ذُكرت أهمية “فارق الأسعار” كسبب مركزي لاختيار العديد من العائلات العربية لشراء احتياجاتهم في المجمّعات التجارية الكبيرة مثل مجمّع “بيج” في كرميئل. وذُكر أن بعض هذه المجمّعات موجودة أيضًا في المناطق العربيّة وأن بعض أصحاب الدكاكين العرب استطاعوا أن ينافسوا بأسعارهم الشبكات القطرية الكبيرة.

ذكر أحد المتحدثين تجربة مقاطعة أصحاب الدكاكين في سخنين لشركة “كوكا كولا” بسبب الأسعار العالية التي طلبت منهم، والتي تفوق الأسعار للمستهلك في بعض الدكاكين الكبيرة – وفشلت هذه التجربة بسبب ضعف تنظيم أصحاب الدكاكين.

وبحث المجتمعون إمكانيات معاقبة بلدية كرميئل على سياستها العنصرية والضغط عليها لوقف مشروع اقتلاع وتهجير أهالي رمية، وذلك من خلال مقاطعة اقتصادية عربية لمناطقها التجارية. وذُكر أن كرميئل مستفيدة من علاقتها الاقتصادية في محيطها العربي أكثر ممّا تفيد، وأن علاقة التبعِيّة تديم الفقر وضعف الاقتصاد العربي. وقد جرى بحث اقتراحات عملية تربط مناهضة واقع “التبادل غير المتكافئ” مع اقتصاد كرميئل بإنشاء وتطوير مشاريع اقتصادية عربية. ومن بين المبادرات التي يمكن تنفيذها لتكون رافعة لإنعاش الاقتصاد المحلي، إقامة “سوق رمضان” في كل القرى العربية المجاورة لكرمئيل – علة نمط “أسواق كريسماس” التقليدية.

invitation_picture_with_titles_aboveRamiya_Protest_Tent

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: