Skip to content

مع أسرى الخبز في معتقل الجلمة

يونيو 25, 2014

مع أسرى الخبز في معتقل الجلمة

مساء الجمعة 14\6 شاركت في تظاهرة تضامن مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، أقيمت في “ساحة الأسير” في جادة الكرمل، الحي الألماني، حيفا. في اليوم نفسه أعلنَ عن عملية اختطاف ثلاث شبّان من المستوطنين… كانت الأجواء متوترة والشرطة جهّزت قوىً معزّزة لقمع التظاهرة، بما فيها الخيل وحرس الحدود والوحدات الخاصة “اليَسام”. وفي غياب أيّ حدث يُذكر يبرّر تدخّل الشرطة، وبعد ما تفرّق المتظاهرون بمبادرتهم، جرى اعتقالي من موقع التظاهرة… وقضَيتُ اللّيل في التحقيق في مركز شرطة حيفا، ومن بعدها وصلتُ الساعة الثالثة ليلاً إلى معتقل الجلمة، وبقيت هناك خلال نهار السبت إلى أن تمّ الإفراج عني ليلة السبت في محكمة حيفا.

ومع أنّ اعتقالي جرى على خلفية التضامن مع نضال الأسرى الإداريين، ولا شكّ أن نضالهم حقّ وأن ظلمًا كبيرًا يقع عليهم، أريد أن أخصص هذه المقالة لأسرى من نوع آخر – أسرى الخبز المعتقلين بتهمة التسلّل من وراء الجدران ليفتشوا عن لقمة العيش. أعتقد أنّ وضع هؤلاء الأسرى يُجسّد جوهر القضية وأقصى حدود الظلم، ولكن ما يجري معهم يبقى بعيدًا أن أنظار العالم ولا يشكل محورًا لأيّ نضال كان…

ربّما عليّ أن أشكر شرطة حيفا على الفرصة التي منحتها لي للالتقاء ببعض أسرى الخبز ولقضاء نهار السبت مع ثلاث منهم في غرفة 13، قسم 1، في معتقل الجلمة…

محمود

محمود بالكاد قطع عامه العشرين. جسمه الضعيف وابتسامته الخجولة يجعلك تحسّ أنه ولد…

وقد اعتُقل محمود من جادة الكرمل في حيفا، حيثما اعتقلوني. ولكن بينما جئت أنا إلى “الشارع” لأتظاهر، أتى محمود ليجلي الكؤوس والصحون في مطاعم الشارع. وبالطبع فإن تهمته أخطر من تهمتي. وقد أمرت محكمة حيفا بالإفراج عني ليلة السبت، أمّا محمود فقُدمت بحقّه لائحة اتّهام، وكان ينتظر جلسة محكمته يوم الأربعاء.

ولماذا “اختار” محمود أن يشتغل في مطاعم حيفا؟ إنه من سكان جنين، وقد تخرّج من المدرسة الثانوية، وبعدها تعلّم في كلّية التمريض، ويمكنه أن يشتغل في مهنته… ولكن في الضفة الغربية، من وراء الجدار، لا يوجد شغل، وإذا اشتغل فسوف يكون راتبه الشهري أقلّ من ألف وخمسمائة شاقل. ويتابع محمود كلامه بابتسامة: “وإذا دفعوا شهر، يغيب المعاش بعده شهرين…”

مشكلة محمود أنه لا يعرف اللغة العبرية… وجده رجال الشرطة خارج مكان عمله. توجّهوا إليه بالعبرية فلم يعرف كيف يجيبهم… طلبوا منه بطاقة الهوية، ولم تكن بحوزته بطاقة هوية… طلبوا منه التصريح، وليس لديه تصريح… فلمّوه وحملوه إلى معتقل الجلمة. هذه هي المرّة الثالثة الذي يُعتقل فيها محمود على خلفية التهمة نفسها، وفي الاعتقالين الأول والثاني أبعدوه إلى ماوراء الجدار، ولكن مع الاعتقال الثالث يختلف الوضع. وتمّ تقديم لائحة اتهام بحقّ محمود، وها هو ينتظر المحاكمة والعقاب…

حسن وهشام

يكفي أن تجيل نظرك في أنحاء الساحة في وقت “الفورة”، أو أن تراقب السجناء المزدحمين في أقفاص القضبان للنقل إلى المحكمة، لتنتبه أن نسبة أسرى الخبز من بين المعتقلين في الجلمة هي في حدود النّصف… وهذا ما كنت قد تنبّهت إليه أيضًا أيام اعتقالي في سجن “هاشارون” عام 2011.

وإذا كان معظم المعتقلين الآخرين هم من “أصحاب المشاكل”، أو محترفين في عالم الإجرام، أو خالفوا القانون بقيادة سيارة دون رخصة، أو شاركوا في شجار، أو بالغوا في شرب الكحول… فإن أسرى الخبز هم أهدأ وأبسط وأطيب ناس. وهم يحاولون تجنّب المشاكل ولكن المشاكل تلاحقهم. تهمتهم أنهم يريدون العيش، وجوع أولادهم يؤدي بهم إلى قطع الجدار ومخالفة قوانين النظام العنصري، ومن ثم إلى السجن…

الأكبر بين زملائي في غرفة 13 كان حسن. متزوّج وله أربع أولاد. تمّت محاكمته وأُدين وحُكم عليه بالسجن عشرة أيام. يقول حسن أن القُضاة يتفهّمون وضع العمال الذين كلّ “جريمتهم” هي البحث على العمل، ولذلك يمتنعون عن فرض غرامة مالية. ولا يعرف حسن إذا ما سيتمّ نقله إلى سجن الدامون، كما هو المعتاد مع أسرى الخبز، أم أنه سيبقى في معتقل الجلمة إلى حين انتهاء مدّة الحُكم. بحسب قوانين السجن يُسمح للمعتقل الذي قُدمت ضدّه لائحة اتهام أن يتّصل بأهله، ولكن في حالة حسن قد قُدمت لائحة الاتهام وصدر الحُكم فالسجانون لم يسمحوا له بعدُ بالاتصال…

حسن يعمل في “العَمار” وفي ترميم البيوت… قبضت عليه شرطة إسرائيل في أمّ الفحم، وهو في طريقه إلى عمله… إنه يجيد معرفة “قوانين اللعبة”. يروي حسن أنه في هذه الأيام هناك فرص للحصول على تصريح للعمل إذا طلبك “مقاول مسجّل”… ويشكو أن بعض المقاولين يستغلون ضائقة العمال ويطلبون من العامل أكثر من ألفي شاقل ثمن التصريح. “وماذا يبقى للعامل من معاش الشهر؟” وقد يحصل عامل العَمار على راتب يومي بين 150 و 350 شاقل، حسب الظروف وحسب قدرته المهنية.

أمّا هشام من قضاء نابلس، فهو شاب كبير الجسد، عمره قريب الثلاثين، متزوج وينتظر ميلاد ابنته الأولى. هشام “شريك في الجريمة” مع حسن: جريمة الشغل في العمار وترميم البيوت. ولكن حالته أصعب فقد أدين سابقَا بالتهمة نفسها وعليه حكم بالسجن الفعلي مع وقف التنفيذ لمدة شهرين. وعلى الأغلب سيحكمون عليه بتنفيذ هذا العقاب المبيّت. وليس مُستبعدًا أن تضاف إلى الشهرين أشهر أخرى.

إلى متى؟

نتحدّث عن الأوضاع… السلطة الفلسطينية خيّبت أمل الذين علّقوا عليها الأمل. الانتعاش الاقتصادي، بقدر ما هو ظاهر، يقتصر على مدينة رام الله، وبقيت جنين مدينة أشباح. هل تعتقد أن يأتي يوم وإسرائيل تسمح للفلسطيني أن يعيش حياة طبيعية؟ أن يذهب للعمل دون أن يكون ملاحقًا؟

لا نتوقع الخير من إسرائيل. وهي تزيد عنصرية يومًا بعد يوم، وتلاحق الفلسطيني لأنه فلسطيني لكي تقتلعه من أرض الوطن.

ولكن لا توجد قوة تظلّ تتحكّم بالعالم إلى الأبد… كلّ قوة عظيمة تصل القمة وتتوقف، أو تنهار… بالقوّة فرضت التوسّعية الإمبريالية حكم الاستعمار على كلّ أنحاء العالم، قبل مائة عام. ولكن معظم شعوب العالم تحرّرت، وتبقى إسرائيل من آخر معاقل الاستعمار القديم… وإذا كان الغرب يدعمها لأجل مصالحه و”لتعاطفه” مع عنصريتها، فهو يعرف أن هذا نمط نظام قديم لا ينفع للمستقبل…

وقد يكون مفتاح الحلّ هو بتحرر العالم العربي من الهيمنة الاستعمارية-الصهيونية ومن الأنظمة الاستبدادية الذي تقمع وتنهب شعوبها… الإنسان العربي كان مغيّبًا عن أيّ تأثير على مصيره منذ عقود، وانكسر الصمت وانتهى الركود مع انطلاق الربيع العربي عام 2011. وقد استطاع الحراك الشعبي أن يهزّ أركان الأنظمة القديمة، ولكن لا توجد الآلية لبناء المجتمع الديمقراطي الحديث لكل الناس… إنه صراع مستمرّ ولا يمكن أن يدوم عهد الظلام إلى الأبد…

الأمل هو شريان الحياة… هم لا يرون الكثير منه في مسار حياتهم بين العمل الشاقّ وملاحقة سلطة إسرائيل… والحديث في زنازين الجلمة عن تغيير سياسي يظهر مثل الكلام عن يوم القيامة…

أذكُر في حديثي مع محمود وحسن وهشام مدوّنة “حيفا الحرة”، فيطلبون: “اكتبْ عنّا” – وها أنا كتبت. آمل أن يرى أحدهم هذه المقالة ويعلم أنني وفيت بالوعد.

عن هذه الأيام ، تمّت حكايتي هنا ….

بقي أن نصل إلى الأيام التي نلتقي فيها دون “معروفية” الشرطة والسجانين. عندها سنكتب حكايات بنكهة “غير شكل”.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: