Skip to content

“الفراغُ مَفسَدَة” – ملابسات عدم استدعائي للتحقيق

مارس 15, 2014

كلّما وصلتْ إلى أحد الرفيقات أو الرفاق – دون سبب يُذكر – ورقة دعوة “للحضور إلى الشرطة” والتوجّه إلى “يَرْدِنة”، نعرف أن رجل المخابرات “المسؤول عن عرب حيفا” يدعو رفيقنا إلى مكالمة “تعارُف” وتهديد، وفي بعض الحالات محاولة للإسقاط. ويعود النقاش: “لماذا؟” و”كيف يتم اختيار المدعوين إلى المخابرات؟” و”ما سبب حملة التحقيقات في هذا التوقيت؟”

أخجل أنا من المشاركة في هذا النقاش بين الشباب… لأنني رغم مشاركتي المتواصلة في النضال منذ عام 1972، لم أُدعَ “للحديث مع المخابرات” ولو لمرّة واحدة! صحيح أنني اعتُقلت عشرات المرّات وضُربت عدّة مرات… ولكن هذه نتيجة طبيعية وردّ فعل مباشر على مشاركتي في المظاهرات. ولا يوجد مجال لمقارنة الاعتقال “عَ الحامي” في قلب المظاهرة مع الدعوة إلى المخابرات؛ فهناك في المخابرات يقعد خيرة المدافعين عن “دولة اليهود” ويُقيّمون مجمل التهديدات والمخاطر الذي يواجهها مشروعهم العنصري، ويجدون أنه في هذا الأسبوع بالذات أنت شخصيًا أبرز وأهمّ خطر وجب عليهم لجمه من خلال الدعوة للتحقيق.

بعض الشباب متحمّسون لتلقّيهم الدعوات إلى التحقيق؛ يقولون إنها إثبات على تأثير نشاطنا، وإنه حتى المخابرات صارت تعمل حسابنا. والبعض الآخر يستقبلها بقلق: هل تخطط قوى الظلام للتنكيل بنا ولمنعنا من الاستمرار في نشاطنا؟ هل يوجد بيننا فسّادون وُشاة ينقلون أخبارنا إلى المخابرات؟ ولكن المجرّبين منّا يأخذون الأمر بشكل طبيعي: دورنا هو أن نناضل، ودورهم هو أن يقمعونا، ومن المستحيل أن يثنونا عن طريق الحرية فقمعهم يزيدنا عزمًا وعُنفهم يزيدُنا عُنفوانا.

أمّا أنا – إذا سُئلت، فلي رأيٌ قد يكون مغايرًا. فعندما نتساءل لماذا قام رجال المخابرات باستدعاء رفيقنا إلى التحقيق، علينا أن نرى الأمر من طرفه هو، من زاوية نظره هو… لأنه لو كان هنالك أمرٌ جدّي وخطير، لا تنتظر المخابرات حضورنا طوعًا إلى مكاتبها وبناءً على دعوة مهذبة… بينما، إذا “لا يوجد شيء” فهناك مشكلة. زلمة المخابرات مثله مثل كل الناس، “بدو يعيش”؛ ومعيشته على حسابنا، فراتبه الشهري يتلقاه مقابل مراقبتنا وقمعنا. ولكن ما الحاجة إليه إذا كان “لا يوجد شيء” ولا خطر يحدّق بأمن الدولة، وآخر الشهر يقترب، وعليه أن يقدّم التقرير لأسياده الذين سيسألونه: “أرِنا، ماذا فعلت؟”. ووقت الملل لا يلقَ حلاًّ له إلاّ باستدعائنا إلى التحقيق…

الدعوة

منذ ساعات الصباح اتّصل بي رجل من هاتف “مجهول” الرقم، وعرّف نفسه بأنه “رامي من شرطة حيفا”. قال إنّ عليه أنْ يوصل إليّ دعوة للحضور إلى الشرطة. لا أحبّ الشرطة، ولكنّي لا أريد أن أتسبّب في غضبهم عليّ، فأجبته قائلاً إنني لست في البيت، وإنني مشغول ولن أتمكّن من اللقاء به. وطلبت منه أن يضع الدعوة في صندوق البريد. أصرّ “رامي” أنّ عليه أن يسلّم الدعوة إليّ شخصيًا وأنّ واجبه أن يتسلّم توقيعي في المقابل. رفضت أن أقول له أين أنا موجود أو متي سأكون في البيت، ولمّا حاول أن يضغط عليّ بكلامه أجبت أنني لا أعرفه ولا أدرى إذا كان هو فعلاً من الشرطة. في آخر الأمر، تعب “رامي” وقطع المحادثة.

بعد الظهر عاد واتصل بي شخص آخر، ولم يظهر أيّ رقم… وقد عرّف نفسه بأنه “إلياس”. وعاد الحديث على نفسه… ولما قلت له إنني لا أعرفه ولا أعلم هل إنه فعلاً من الشرطة أخذ الأمر بمنتهى الجدّ وأعطاني اسمه الكامل وطلب منّي أن أتصل في شرطة حيفا وأتأكد من شغله هناك ومن وجوده اليوم في ساعات الدوام، وأنه سوف يرجع إليّ بعد قليل…

قرأت ذاتَ مرّة للكاتب الفرنسي الوجودي “ألبير كامو” وهو يسرد أفكار رجل ينتظر الإعدام كيف كانت أمنيته في النتيجة أن يكون نصْل سكّين المقصلة حادًا، لكي لا تزيد معاناته في اللحظات الأخيرة…

وفي المهلة التي منحني ايّاها “إلياس”، لكي أختبر صدقه، لم أتصل بالشرطة وإنما اتصلت بالبيت وأخبرت الموجودين أنني سأدعو الشرطة إلى بيتنا في تمام الساعة الثامنة من هذا المساء لتسلّم رسالة الدعوة… ولم يتأخر “إلياس” عن الاتصال مجددًا وأخبرته بذلك.

وأخذت أفكّر… سأنشر الدعوة للتحقيق على صفحتي في الفيسبوك، وسأدعو المسمّى “يردنة” إلى تقديم الأسئلة مسبقًا من خلال صندوق التعقيبات هناك، وسوف أجري استفتاءً بين المتابعين: هل الأفضل أن أحضُر أو أمتنع عن الحضور… وعادت “عنادَتي” القديمة فقلت: مستحيل أنزل بإرادتي عند المخابرات فلا يوجد سبب للتحقيق… أمّا إذا لم أحضر فكيف سأثبت للجميع أنني فعلاً دُعيت إلى المخابرات للتحقيق وليس لمجرد التساؤل عن قضايا الأحوال الجويّة أو حول مخالفات السير؟

المهزلة

ولمّا “دقّت” الساعة الثامنة وصل “إلياس” ومعه شرطية أخرى وسلّموا الرسالة. رفضت إدخالهم ولو حتى إلى ساحة البيت. تسلّمت الدعوة ورفضت التوقيع عليها، بالرغم من احتجاجهم وتهديدهم إنني “أغلط بحق نفسي”…

ومع دخولي إلى البيت بدأت في قراءة الدعوة. ولكن… إنها ليست على اسمي. يتّضح أن الدعوة موجّهة إلى أبي.

وهذا ليس خطأ بالضرورة، وليس غريبًا على المخابرات، فقبل عدّة أسابيع استدعوا إلى “المحادثة” والد أحد الرفاق وطلبوا منه أن “يدير باله” على ابنه ويبعده عن الشر وعن رفقة الأشرار، ومن بينهم رفقتي أنا.

ولكن، بهذا بقي موقفي محرجًا وهزيلاً… فما الشطارة إذا أنا تجاهلت الدعوة وهي أصلاً موجّهة إلى أبي، وأبي توفي قبل سنين… ماذا أفعل؟ ونشرت الدعوة على صفحات الفيسبوك مع الملاحظة التالية:

“قد وصلتني قبل قليل دعوة من شرطة حيفا على اسم أبي، لكي يحضر إلى مكتب الشرطة في حيفا؛ والظاهر أنه مطلوب للحديث مع رجال المخابرات (“الشباك”). أبي، الله يرحمه، توفي عام 2007، ولذلك تهديد الشرطة أنه في حال عدم حضوره سيتمّ اعتقاله ربّما فارغ من أي مضمون… لا أظن أن حتى اليد الطويلة للمخابرات الإسرائيلية تصل إلى هذه الأبعاد”.

وفي صندوق التعقيبات جاء هذا السؤال من إحدى المحاميات: “وماذا مع رقم الهوية؟”.

أنا لا أظنّ أن من واجبي القانوني أو الاخلاقي ملاحقة دعوات التحقيق التي تصل إلى الناس لكي أفحص – هل بالغلط يظهر رقم هويتي على أيّ منها؟؟!!

حيفا، 13\3\2014

(*) العنوان من معلمتي رجاء زعبي-عمري، على أثَر قولِ عمر بن الخطاب “إذا كان الشغلُ مَجهَدّة، فإنّ الفَراغَ مَفْسَدَة”

One Comment

Trackbacks & Pingbacks

  1. أمر اعتقال | حيفا الحرة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: