Skip to content

كيف تحوّلتُ من معارض سياسيّ إلى إرهابيّ…

يونيو 5, 2013

كيف تحوّلتُ من معارض سياسيّ إلى إرهابيّ...

نُشر هذا المقطع في ملحق صحيفة “الاتحاد” يوم 31\5\2013

اللوحة من إهداء الفنانة إيريس

إنّها قصّة حقيقية مئة بالمئة، تحكي الكثير عن أسلوب عمل أجهزة الأمن… وليس بالضرورة في إسرائيل فقط.

كنت ناشطًا في سبعينيات القرن الماضي في تنظيم “اتحاد العمال” اليساري، وصدف أن مثّلتُ التنظيم في عدّة لقاءات ومؤتمرات في أوروبا.

في تلك الأيام شاركت أجهزة الأمن اليسار إيمانه بقيمة الكلمة، وأنّ العالم، كما خُلق من كلمة، فإنّه يمكن تغيّيره من خلال كلمات… فاهتمّت الأجهزة بمراقبة كلماتنا، وفي كلّ “زيارة” إلى مطار اللّد، سواء حين الخروج من البلاد أو في طريق العودة، كانوا عندما أقدّم جواز السفر للفحص يستدعونني إلى محطة الشرطة في المطار، مثلي مثل غيري من الناشطين المعارضين للنظام، ويفتّشون الحقائب والملابس ويبحثون عن كلّ قطعة من الورق تدلّ على اهتماماتي وإلى أين أسافر ومع من التقيتُ أو سألتقي.

الإنسان بطبيعته يتعلم من التجربة، وبعد المرّة الأولى التي وجدوا فيها معي “دفتر الهواتف” وصادروه منّي، ثمّ أرجعوه بعد عدّة أسابيع ممزقًا، قلتُ: أهوّن على نفسي وعليهم، وصرت قبل أن يفتّشوني أفتّش نفسي، لأتأكد أنّه لا توجد معي أيّة قطعة ورق “شخصية” تفسح المجال للأسئلة ولإطالة التفتيش.

كانت الأمور تسير على أحسن وجه، وانتهتْ أيام “اتحاد العمال” وانصهرتُ في “حركة أبناء البلد” ولم أعُد إلى السفر السياسي لمدّة طويلة… توظّفت في شركة تكنولوجية وصرت أسافر في نطاق العمل – ولكن مَن دخل القائمة السوداء مرة صعبٌ أن يخرج منها. فما زلت أفتش نفسي قبل الوصول إلى المطار، وظلّ “الجماعة” هناك يوقفونني كلمّا سلّمتهم جوازي، ويفتّشونني دون أن يجدوا أيّ شيء يستحق السؤال.

أنا بطبيعتي إنسان مسالم ولا أحبّ الشكاوى، وكنت راضيًا عن هذه الإجراءات الأمنيّة المتبادلة. ولكن علمت أن غيري من “الأسماء” في القائمة السوداء أصبحوا مديرين وأساتذة في الجامعات وكثرت أسفارهم، وصاروا يتعبون من ملل التفتيشات المتكرّرة ووصلت شكاواهم إلى الصحافة، ثم وصل بهم التعب حدّ تقديم التماس لـ”محكمة العدل العليا” من خلال “جمعية حقوق المواطن”.

لم أتابع التفاصيل ولم أهتمّ بالأمر، حتى يوم سفري مبعوثًا من الشركة إلى مؤتمر هامّ في شهر تشرين الثاني 1989.. عند وصولي إلى شرطة الحدود قدّمت جواز السفر للشرطيّة – وأنا أعرف أنّهم سيعتقلونني وسيفتشونني فأنا واثق أيضًا أنه لا توجد في حوزتي أيّة ورقة منسيّة… ولكن رغم استعدادي لكل غريب، فوجئت… راقبت وجه الشرطية يصفرّ من الرّعب وهي تحملق في الشاشة بعد أن كبست رقم جوازي. ولم تمض ثوانٍ حتى أحاط بي رجال الأمن وحملوا حقيبتي ورافقوني إلى غرفة تفتيش خاصّة لم أعرفها من قبل.

كنت أتابع خطواتهم ولا أفهم. إنهم لا يفتّشون عن أوراق. أخرجوا الملابس قطعة بعد الأخرى من الحقيبة ورشّوا عليها مسحوقًا غريبًا… فتّشوا كل شيء بدقّة وجديّة. حتى معجون الأسنان – أخرجوا معظمه من الأنبوب وأتلفوه. لا يوجد أيّ تفسير آخر: إنهم يفتّشون عن المتفجّرات!.

أخذت أسأل نفسي – ما هي المعلومات السريّة التي حوّلت وضعي عند المخابرات من “معارض سياسي” يخضع لتفيش تقليديّ في أوراقه إلى “خطر إرهابي” يخضع لأحدث أساليب التفتيش الكيميائيّ؟ هل أصبح “الجماعة” يعرفون عنّي أمورًا لا أعرفها عن نفسي؟ هل يمكن أنّ “قيادة الثورة العالمية” قرّرتْ تحويلي من الجناح السياسي إلى الجناح العسكري ونسيَت أن توصل إليّ الخبر ولكنه وصل إلى أجهزة الأمن؟!

* * *

كان بالإمكان أن تنتهي القصة هنا وأن أبقى غافلا يرافقني الشكّ، “من أين جاءت الوشاية”… ولكن لحُسن الحظ أنّني في نفس المرحلة تطوّعت في “جمعية حقوق المواطن”، وكان عليّ أن أرافق محامي الجمعية في سفر إلى القدس…

السفر من حيفا إلى القدس طويل، وبدا أنّ القضية الملّحة التي سافرنا بشأنها قضية بسيطة ولا تستحق الحديث طوال هذا السفر، وتنقّل حديثنا من موضوع إلى آخر، وخلال الحديث سألت المحامي:

– بالمناسبة، ماذا حصل مع التماسكم ضد القائمة السوداء؟ لقد أتعبوني كثيرًا في سفري الأخير.

فأجابني

– لا بأس بالنتيجة… لم نحصل على كلّ ما نريد، ولكننا وصلنا إلى اتفاق على حلّ وسط يرضينا… وافقت معنا المحكمة أنّه ليس من المقبول استعمال التفتيش على الحدود للمراقبة السياسية. بالطبع، نحن لا نستطيع معارضة قيامهم بوظيفتهم الأصليّة، وهي التفتيش للبحث عن المتفجّرات!

* * *

يبدو أنني، يومَ سفري ذاك، كنت بالصدفة من أوائل من وصلوا إلى المطار بعد “النظام الجديد” – حيث تحوّلنا بفضل “إنجازات” جمعية حقوق المواطن و”عجائب” الديمقراطية الإسرائيلية من “خطر سياسي” إلى “تهديد إرهابي” – ولذلك فإنّ الشرطية تملّكها الرّعب عندما ظهر التصنيف الجديد على الشاشة، وأخذ رجال الأمن مهمّة تفتيشي بمنتهى الجديّة.

بالطبع بعد التكرار هم تعوّدوا أن هذا التصنيف هو بالأساس “هَبَل”، (وربما عرف البعض منهم أنه تنكيل سياسيّ)، وصارت التفتيشات عن المتفجّرات المزعومة سريعة وغير مجدية، مثلها مثل تفتيش الأوراق من قبلها…

ولم يُشطب اسمي من القائمة السوداء إلا في سنة 2003 وبعد قصص عدّة مثيرة أخرى يمكن أن أعود وأرويها لاحقًا.

 (الكاتب محرر مدونة “حيفا الحرة”. حيفا، أيار 2013)

هذا النص تُرجم لاحقا للعبريّة والإنجليزيّة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: