Skip to content

فلسطين بانتظار الربيع العربي

فبراير 9, 2013

تمهيد

تنطلق المجادلة المركزية في هذا المقال من قاعدة أن فلسطين ليست غائبة عن الربيع الديمقراطي العربي، بل إنها أول أمكنة بزوغ هذا الربيع، إضافة لافتراض أن فلسطين هي الأكثر استفادة من  تقدُم هذا الربيع بالاتجاه الديمقراطي والشعبي.

 أما ما يظهر من خلال تحليل تعقيدات القضية الفلسطينية، ومستلزمات حلّها، وطابع الحراك التاريخي الذي قاد إلى الربيع العربي، فيحاول المقال أن يحدد معالم  المنظور الفلسطيني للربيع العربي، في ظلال توقع أن يكون هناك حالة من الحسم بالنسبة لمهام الربيع العربي، سيُفضي إلى إتمام العودة ودخول فلسطين عهد الحرية المرتقب.

الربيع العربي وُلد في فلسطين

قبل الدخول في تحليل منهجي للربيع العربي يتوجب ملاحظة أهم ما يتصف به هذا الحدث أو سلسلة الأحداث. فالربيع العربي هو، أوّلاً، عبارة عن كسر حاجز الخوف، ونقطة انطلاق لخروج الجماهير الشعبية إلى الشوارع والميادين بغرض تحدّي آلة القمع بصدور عارية؛ ومن ثم الإصرار على المطلب الجماهيري المتمحور حول إسقاط الأنظمة القمعية، والاستمرار في العودة إلى ساحات النضال يومًا بعد يوم رغم كل أساليب وأدوات القمع الوحشية التي واجهتها الجماهير المنتفضة.

لا يغيب عن الذهن، أن الانتفاضتين الفلسطينيتين 1987 – 1993 و 2000 – 2005  قد سبقتا كلاً من انتفاضات تونس ومصر 2011. فلا شك أن النضال الفلسطيني، رغم عدم مقدرته على حسم الصراع وتحقيق النصر حتى الآن، وهذا يعزى  لعوامل القوة المادية لدى العدوّ وشراسته، شكّل نموذجًا فريدًا لأجيال من الشباب العربي في قيم الجرأة والتحدي، تثقفوا عليه وتعاطفوا معه قبل أن يُطبّقوا المنهج في أقطارهم. يمكن القول أن الشعب الفلسطيني قد تمتع بأسبقية على إخوته في الأقطار العربية في النضال الجماهيري، ونجد أن الانتفاضة الثانية قد أنجزت فعلياً الانسحاب الإسرائيلي أحاديّ الجانب من قطاع غزة عام 2005، كما وأجبرت إسرائيل على اقتلاع وهدم جميع مستعمراتها في هذه المنطقة، وأصبح القطاع الصامد، بفضل النضال الجماهيري ومقاومة الشعب الفلسطيني فيه، أول قطعة من أرض فلسطين منذ نكبة 1948 أُجبِرت إسرائيل على الانسحاب منها، وأصبحت تحت سيادة فلسطينية، مع عدم نسيان الحصار الإجرامي المستمر جوًا وبحرًا وبرًا.

بعد هذا الانتصار الجزئي، خاضت فلسطين تجربة الانتخابات شبه الحرة في الـخامس والعشرين من كانون الثاني من العام 2006. وقد شهدنا آنذاك انتصار حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، الامتداد المحلي لحركة الإخوان المسلمين، في هذه الانتخابات. وكان هذا الانتصار أول سابقة للمنهج الذي اُتبع لاحقا في باقي بلدان الربيع العربي، ولذلك من المهم أن نتعلم منه، وأن نحاول فهم العوامل القائمة وراء انتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية. وهنا لا نفترض ضرورة دعم غالبية الناخبين لعقيدة الإسلام السياسي، بل إن الجماهير التي منحت ثقتها الانتخابية لحماس آنذاك، قامت بذلك تقديرًا لدورها الرائد في مقاومة الاحتلال خلال العقدين الأخيرين، ورفضًا لنهج أوسلو، وتعبيرًا عن الإرادة الجماهيرية القائلة بقطع أجنحة الفساد وتشكيل سلطة نزيهة تخدم الجماهير الشعبية والمشروع الوطني.

وقد أثبتت تجربة النضال الفلسطيني، وخاصة الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وانتصار المقاومة في غزة بصمودها، أن الانتخابات وتشكيل حكومة يعبّران عن اختيار الشعب وليسا حلاًّ سحريًا يقدم خلاصًا من المشاكل التي سببت اندلاع الثورة، بل أنه ظرف جديد بمعطيات جديدة لاستمرار الصراع.

تعقيدات القضية الفلسطينية

إذن، بعد 64 سنة من النكبة والتهجير والتطهير العرقي لغالبية سكان فلسطين، لم يعد اللاجئون ولم نرَ نهاية للاحتلال وللتمييز وللقمع بَعدُ، أو حتى أيَّ أفق لحل عادل للقضية الفلسطينية. وليس السبب قلة المحاولات أو الجهود والتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني على مدى العقود، وإنما اختلال ميزان القوى لصالح أعداء الشعب الفلسطيني، فإسرائيل هي قلعة متقدمة للإمبريالية في رحم الوطن العربي، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي لم تستغلّها الإمبريالية اقتصاديًا، بل إنها تصرف عليها موازنات هائلة بهدف ضمان تفوّقها العسكري ضد أي تحالف محتمل لدول المنطقة، وكأداة لمنع أي استقلال حقيقي للشعوب العربية.

تختلف إسرائيل عن “شقيقتها التوأم” لنظام الأبارتهايد، جنوب أفريقيا سابقًا، في أن الهدف الإستراتيجي في حالة إسرائيل ليس استغلال السكان الأصليين، العرب الفلسطينيين، بل اقتلاعهم من البلاد بشكل كليّ. وعلى سبيل المثال، نلحظ ما يتعرض له الفلسطينيون داخل الخط الأخضر من تهميش، بل إقصاء في الاقتصاد الإسرائيلي. أما المنطق الاقتصادي من وراء استعمال القوى الإمبريالية لإسرائيل، فهو أن الامبريالية تكسب أرباحًا هائلة، مئات مليارات الدولارات سنويًا، عبر فرض هيمنتها على العالم العربي واستغلال النفط واحتكار الأسواق، وهرولة رأسمال النخبة الحاكمة إلى “الملاجئ الآمنة” في البنوك الإمبريالية عوضًا عن استثماره في تطوير المنطقة. وتدفع أمريكا قسمًا بسيطًا من أرباحها في المنطقة للـ”حارس” الإسرائيلي ليشكل قوة الردع ضد أي تهديد لمصالحها. وقمع وتهجير الشعب الفلسطيني، من ضمن هذا المشروع، ليس إلا “تفصيلة ضرورية” لضمان المساحة الجغرافية لإنشاء هذه القاعدة.

بسبب هذه المعادلة أصبح مصير الشعب الفلسطيني رهينة نظام الهيمنة الإمبريالية والصهيونية في المنطقة. منذ انطلاق الثورة الفلسطينية، شكل نضال الشعب الفلسطيني رمزًا للنضال الشعبي لأجل الحرية، وضمير حركة التحرر العربية، ولكنه علق في مأزق ما بين جوهره الفلسطيني المحلي وبين طابعه وأبعاده العربية. فقد نحى  الفلسطينيون أحيانًا على “فلسطنة” القضية، ولم يستطيعوا الانتصار  في ظل ميزان القوى المحلي على أرض فلسطين. كما حاولوا أحيانًا أن يدمجوا قضية فلسطين في القضية العربية العامة، وهم متّهمون من قبل الأنظمة والمعنيين في الحفاظ على أركان النظام القائم بـ”سوء استغلال حسن الضيافة”، وأصبح التحريض ضدّهم وملاحقتهم كـ”غرباء” سلاحًا بأيدي حُماة النظام وذريعة لضرب الحركة الجماهيرية في هذه البلدان.

أزمة العالم العربي

ولكن لنعد قليلاُ بشريط الزمن، وننظر إلى مرحلة ما بعد الانتصار التاريخي لشعب فيتنام في ثورته وانسحاب أمريكا من عدة دول في جنوب شرق آسيا، منتصفَ سبعينيات القرن الماضي. قامت القيادة الإمبريالية في هذه المرحلة بتجديد استراتجيتها، وفي هذا الإطار أعلنت سيطرتها على الشرق العربي خطاً أحمر لا يُمَسّ، وصرّحت باستعدادها لخوض الحروب فضلاً عن التنازل عنها. من أسباب هذا التمسك الامبريالي بالمنطقة الأرباح الباهرة التي تحصل عليها، كما أشرنا أعلاه، إضافة إلى أهمية المنطقة استراتيجيًا، ولا شكّ في أن الربط الخاص بين أمريكا وإسرائيل، ومن ضمنها اللوبي الصهيوني في أمريكا، يشكل عاملاً إضافيًا من عوامل هذا الاهتمام.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، صارت الإمبريالية معنية بإصلاحات ديمقراطية في العديد من مناطق العالم، بهدف ضمان مناخ أفضل لاستقرار الاقتصاد الرأسمالي. وكان العالم العربيّ الاستثناء الأبرز من مناخ “الدمقرطة” في ذلك الوقت، فقد كانت الأفضلية (عند الإمبريالية) للاستقرار المطلق الذي تضمنه الأنظمة الاستبدادية. والتقت مصالح الامبريالية مع مصلحة الفئات الصغيرة المتمسكة بالحكم في الدول العربية، التي تمكنت من خلال الطابع الاستبدادي للأنظمة استغلال موقعها في مراكز الإدارة والقرار لحشد الثروة وإغناء مجموعة صغيرة من الأقرباء والمقربين إليها.

عادةً تكون الطبقة الحاكمة المحلية في دول العالم الثالث المستعمَر ضعيفة أمام الطبقات الشعبية المحلية، نظرًا إلى طبيعة وجودها كوكيلة للاستعمار وإلى موقعها الضريبي في كسب حصّتها من القيمة الإضافية المُنتجة في بلدانها. ولكن اقتصاد الدول المنتجة للنفط يختلف، فالقوة العاملة الضرورية للإنتاج ضئيلة، ومن هنا فمصدر الدخل الرئيسي للدولة ناتج عن “السيادة” والسيطرة على إنتاج النفط وليس نتاج مجهود الكادحين المحليين. وهكذا بدل أن تصبح الجماهير الشعبية مصدر ثروة وجبَ الحفاظ عليها وتطويرها، تصبح “عبء” على الدولة وخطرًا على الفئة الحاكمة ممّا يستدعي تهميشها وإبعادها عن مراكز القرار.

منذ السبعينيات، مع ازدياد التأثير السياسي لأموال النفط، استطاعت، فعلا، جميع الأنظمة المحلية أن تثبّت سيطرتها، وأدخلت المنطقة مرحلةً من الجمود السياسي. ولكن الاستعدادات الإمبريالية لحرب الدفاع عن مصالحها والتي أعلنتها في السبعينيات، أنشأت حالة تشبه حالة “بندقية تشيخوف” فزادت من احتمالات الحرب؛ وقد اندلعت الحرب فعلاً في مطلع القرن الـ21. ولتبرير خطواتها العدوانية، خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة، تبنّت الامبريالية الـ”إسلاموفوبيا”، أي التلويح بـ”شبح” الخطر الإسلامي؛ وتلاءم هذه التوجّه نحو طموحات الأمة العربية للحرية والتنمية عن طريق المنظور “الأمني” مع دور إسرائيل، وهي ترتزق من وراء “ردع” هذه “المخاطر”، وقد تكون معنية في تنامي العداء للعرب والخوف منهم بين الأنظمة والشعوب في الدول الإمبريالية. وخدمت هذه التوجهات أيضا مصالحُ الحكام الاستبداديين بتوفيرها التبريرات، وعلى رأسها “الخطر الإسلامي”، لتشديد القمع تجاه شعوبها.

في غياب أية عملية تغيير للسلطة، ومع تهميش الشعوب، عاشت المنطقة مرحلة طويلة من تراكم التناقضات دون أيّ حلول. ومن أبرز هذه التناقضات التي بيّنت خلال العقد الأول لهذا القرن:

من الجهة الأولى نظام الهيمنة الامبريالية – الصهيونية، باعتماده على القمع والعدوانية دون أيّة مرونة سياسية، سبّب ردود فعل سلبية راكمت ارتفاعًا في تكلفة القمع حتى باتت تهدد أهداف هذا النظام نفسها:

  1. أثبتت عملية اختطاف الطائرات وتدمير مبنى وزارة الحرب الأمريكية وبرجي مركز التجارة العالمية في 11 أيلول 2011، أن الغضب العربي، الناتج عن القمع والظلم وغياب آفاق التغيير، ليس أقلّ خطرًا على أمريكا من الخطر الذي يدّعون محاولة منعه من خلال السياسات الغاشمة ضد الشعوب.
  2. أمريكا تدعم إسرائيل لتكون أداة ردع ضد حركة التحرر العربية، ولكن في حرب العراق 2003 عمل اللوبي الصهيوني على توريط أمريكا في الحرب لأجل منع العرب من امتلاك “أسلحة الدمّار الشامل”، ومن ثم الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. ومن هنا بدل أن تحارب إسرائيل حروب أمريكا أصبحت أمريكا تحارب حروب إسرائيل، وكما قال المثل الشعبي “صار الذيل يلوّح بالكلب…”
  3. كان من المتوقع أن توفر الهيمنة الإمبريالية مصادر نفط رخيصة لصالح الاقتصادات الرأسمالية. ولكن التوترات العسكرية الناجمة عن أسلوب السيطرة، ومنها غطرسة وعدوانية إسرائيل، تسببت بعدم الاستقرار وارتفاع أسعار النفط.
  4. حسابات أمريكا قبل حرب 2003، أقنعتها أن احتلال العراق يضمن لها السيطرة على مصادر النفط وتحقيق أرباح خياليّة. ولكن بسبب المقاومة التي تبعت الاحتلال والديناميكيات السياسية الداخلية في العراق، كلفت الحرب مبالغ لا نبالغ إن قلنا، يصعب إحصائها. وفوق ذلك، شركات صينيّة وليس أمريكيّة هي التي عقدت أول اتفاقية لإنتاج النفط في العراق، وعملياً سرّعت “المغامرة في العراق” انفجارَ أعمق أزمة اقتصادية شهدتها الدول الامبريالية منذ 70 عامًا وتراجُعَ هيبة أمريكا في أنحاء العالم.

من الجهة المكمّلة، ولا نقول الثانية أو الأخرى، تراكمت أزمات الأنظمة الاستبدادية المحلية، في غياب توازنات داخلية ومع تقليص النخبة المتمسكة بالحكم وانعزالها، إضافة لغياب أيّة ميكانيكية داخلية للإصلاح والتأقلم مع المستجدّات ومتطلبات المرحلة. وأصبحت هذه الأنظمة بعيدة عن احتياجات التطور الاقتصادي والسياسي وبعيدة في الوقت نفسه عن المجتمع والثقافة الذين لم يتوقفا عن التغير والتطور:

  1. الأنظمة الاستبدادية، لأنها تعتبر شعوبَها الخطرَ الأول والأشدّ على وجودها، لا تستطيع إنجاز أي إصلاحات سياسية باتجاه الديمقراطية، فاتّبعت سياسة تركيز كل مفاتيح القوة بأيدي حفنة صغيرة من المقربين والمستفيدين من النظام الاستبدادي شكلِه وبنيتِه؛ وفي موازاة ذلك تعمّقت حدّة  الاغتراب في أوساط الطبقات الشعبية والوُسطى.
  2. مع ارتفاع مستوى التعليم والثقافة وتشكُّل الوعي عند الجماهير، بفضل تطورها الاقتصادي والتكنولوجي وتقدّمها الاجتماعي السياسي، ارتفعت حدّة التناقض بين ديناميكيّة المجتمعات العربية وبين جمود الأنظمة.
  3. اتّساع الحيّز الطبقيّ المهمّش الذي يرى أمام عينيه جميع التطورات الاقتصادية والتكنولوجية ولكنه يعاني الحرمان من ثمارها. وشريحة واسعة منه في المُدُن ومن المثقفين وذوي القدرات الذين أخذوا ينظرون إلى النظام كعائق مركزي أمام أي تقدم لهم ولمجتمعهم.
  4. مع تطور وسائل الإعلام الحديثة، من الفضائيات والشبكة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، فقدت الدولة إمكانية احتكار المعلومات واكتسب الناس معرفة بالتطورات وفُرصًا للمشاركة في صناعة ونشر الخبر بشكل أوسع نسبياً.
  5. بدلاً من اكتساب الشرعية الشعبية من خلال انتخابات نزيهة، لجأت الطغمة الحاكمة في مصر وليبيا وسورية إلى التوريث كأسلوب للاحتفاظ بالسلطة. بهذا كشفت الستار عن تحويل الجمهوريات إلى عقارات إقطاعية وقوّضت شرعية الأنظمة الركيكة أصلاً.
  6. 10.  النضال الفلسطيني المستمر، والمقاومة الشعبية ضد احتلال العراق، وانتصار حزب الله في وجه العدوان الإسرائيلي في صيف 2006، كلّها شكلت حاضنة وحافظة لروح النضال بين الجماهير العربية، وأثبتت محدودية قوّة الامبريالية والصهيونية أمام إرادة الشعوب، وعرّت عجز وتخاذل الأنظمة العربية اتجاه قضايا تؤرّق شعوبها.

وفي هذا الصدد يمكن القول أن تراكم هذه التناقضات وتفاعلها، دون أي حلول، أدى فيما أدى إلى انفجار الجماهير في انتفاضات في بعض من الأقطار العربية، وهو ما بات يطلق عليه “الربيع العربي”.

الربيع العربي – ثورة ديمقراطية ومرحلة جديدة من تطور الاقتصاد والمجتمع!

تشخيص جوهر الربيع العربي يتطلب تحديد وتوضيح مفاهيمي واصطلاحي، وبشكل خاص في ظل الضخّ الإعلامي لأشكال معيّنة من الخطاب تهدف إلى الهيمنة على عملية تشكيل الوعي.

بالتالي نتساءل، ما هي الثورة؟

منذ الثورة الفرنسية 1789 – 1799، ومرورًا بربيع الشعوب الأوروبية 1848، وكومونة باريس 1871، والثورتين الروسيتين 1905 و1917، والثورة الصينية 1911، وصولاً إلى عشرات بل مئات الثورات التي اندلعت في البلدان المستعمَرة وبلدان “الجنوب” في القرن العشرين، نرى أن الصفة الأساسية للثورة هي الحَراك الشعبي ليس فقط لإسقاط النظام، وإنما لإنشاء نظام سياسي اجتماعي جديد يحلّ محلّ القديم.

من هذا المنطلق اكتسب الربيع العربي بحقّ مرتبته في تاريخ البشرية كواحدة من الثورات العظيمة. الربيع العربي ليس فقط كسر القيود وفتح أفق الحرية أمام أكثر من ثلاثمائة مليون عربي، فهو فوق ذلك استقطب اهتمامًا وأصبح مثالاً ونموذجًا في اللحظة الثورية، ولا أقصد هنا تقييم نتائج هذا الحراك وإنما الإضاءة على أبعاد الحراك في وعي العالم، لدى جميع الشعوب المقموعة والمستغلة والمهمشة تحت وطأة النظام الرأسمالي… وهذه التأثيرات بحد ذاتها، وكوْن الربيع العربي أول ثورة جماهيرية في ظروف المجتمع التكنولوجي الحديث، لا مجال لتفصيلها في هذا المقال ولكنها تستحق كلّ الإهتمام في فُرصة أخرى.

الحراك الجماهيري في مرحلة الثورة يتخذ طابع تحدٍّ صِداميّ في مواجهة نظام لا يقبل الاستماع والتجاوب مع صوت الشعب. ولأن الثورة خطيرة ومُكلفة، فالناس تختارها مضطرّة، بعد الاقتناع بانعدام إمكانيات التغيير، الأقل كلفة للجماهير، من خلال المؤسسات والبُنى القائمة. لهذا السبب، كل الثورات بمضمونها الأول هي ثورات ديمقراطية، أتت لتحقيق رغبة الجماهير الشعبية في التأثير على ظروف حياتها من خلال إسقاط الأنظمة التي لا تستجيب لمطالبها.

ولا بد أن تأخذ قضايا الديمقراطية السياسية وحرية التعبير والتنظيم والتظاهر، والدفاع عن المعتقلين والسجناء السياسيين، وملاحقة القتلة والمجرمين في خدمة النظام، حيزًا كبيرًا من اهتمام الجماهير والحركة الثورية في أثناء الصّدام مع النظام القمعي. وهذه القضايا بالإمكان حلّها من خلال إسقاط النظام الاستبدادي وتشكيل نظام ديمقراطي، وبهذا تُستثمر الثورة في إقامة نظام جديد يتيح للجماهير التحرّك والحصول على مطالبهم من خلال عملية ديمقراطية. ولكنّ النظر إلى الثورة بمنظور الديمقراطية المجرّد والإجراءات الديمقراطية الشكلية فقط، يأتي على حساب النظرة الشاملة. فمن من وراء أساليب الحكم الدكتاتورية أيضًا مصالح طبقية أو فئوية ظاهرة أو مستترة تأتي هذه الأساليب والآليات لخدمتها؛ ومن وراء مطالبة الجماهير بحرية الرأي والتحرك يظهر الرأي الذي يريدون التعبير عنه ومجموعة من القضايا والمطالب والتقلبات الاقتصادية والمجتمعية الضرورية لحل مشاكل الناس.

نجد في عمق ثورة الربيع العربي جميع احتياجات المجتمع التي منعت الأنظمة الاستبدادية التعبير عنها كما أخفقت في إنجازها، ومنها تحقيق التطوير الاقتصادي الحقيقي لبناء مجتمع منتج حديث، والعدالة الاجتماعية، وإخراج الجماهير الشعبية من دائرة الفقر والتهميش، وتطوير وتحديث التعليم والثقافة والبنية الاجتماعية، والتحرر من الهيمنة الامبريالية وكسب السيادة الوطنية بمضمونها وليس شكليًا فحسب؛ ومن جملة هذه القضايا تأتي الوحدة العربية وحقوق الأقليات القومية والدينية، إضافة إلى الصداقة والتحالف بين شعوب المنطقة، ومنها قضية فلسطين وحقوق شعبها المسلوبة، والتخلص من الاحتلال والتهديد العسكري، بما فيه النووي، من طرف الصهيونية التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها منذ نشأة دولتها.

وإذا كان السبب المباشر للحراك الثوري هو الاستبداد وانعدام أية إمكانية للتغيير بأساليب “هادئة”، فإن الثورة تشكل حالة خاصة من المشاركة والوعي والاهتمام الجماهيري في شؤون المجتمع والسياسة. وفي هذه الحالة الخاصة من “حالات المادّة” الإنسانية يمكن خلق التغييرات السريعة ومواجهة العديد من القضايا وبناء الحركات والمؤسسات وكتابة الدساتير وسن قوانين جديدة تحدّد وُجهة العهد الجديد.

براعم الربيع في فلسطين

منذ اندلاع حركة الاحتجاجات الجماهيرية في تونس ومصر، استقبل الناس في فلسطين حركة الربيع العربي بأمل كبير. والفلسطينيون هم قطعاً الضحايا لنظام الهيمنة والجمود المفروضين في المنطقة.  ولكن المرحلة الجديدة أثارت أيضًا قلقًا معيّنًا: هل تُنسى أو تضيع قضية فلسطين بين مجمل قضايا المنطقة؟

رغم الاحتلال والقمع الوحشي ووجود آلاف المناضلين وراء القضبان، لم تشهد فلسطين الفراغ السياسي الذي ميّز جوارها العربي والذي خلفته الأنظمة الاستبدادية. ومن خلال عقود من الثورة الفلسطينية ومقاومة الاحتلال والانتفاضات الشعبية والنضال الجماهيري وبناء مؤسسات المجتمع المدني، أصبح الفلسطينيون شعبًا مُسيّسًا ومُنظّمًا ومُحزّبًا بامتياز. (هذه الظاهرة تشاركها مع فلسطين لبنان، التي شاركتها تجارب الاحتلال والمقاومة، بالإضافة لعدة أسباب محلية للتسييس المستمر).

ولكن، رغم النضال والتسْييس والتضحيات، ساد شعور بنوع من الجمود والفراغ السياسي في الساحة الفلسطينية أيضاً مع إحباط أوهام “التسوية السياسية” وتقسيم الساحة بين سلطة أوسلو في رام الله والحكومة المنتخبة في غزة، وانعدام أفق واضح للانتصار أو لتحريك الساحة. ومنذ بداية الربيع العربي شهدت الساحة الفلسطينية عدّة مبادرات وتحركات شبابية وجماهيرية حاولت أن تستغلّ المناخ الإيجابي الذي عمّ المنطقة لخلق حراك جماهيري نحو التغيير في الساحة الفلسطينية أيضاً. نذكر هنا البعض منها:

  1. مبادرة “الشعب يريد إسقاط الانقسام”.
  2. “الزحف إلى فلسطين” في ذكرى النكبة، 15 آيار 2011.
  3. إضرابات الأسرى وحركة التضامن معها.
  4. الدعوة لانتخابات فلسطينية جامعة للمجلس الوطني.
  5. “الزحف العالمي إلى القدس” يوم الأرض 30 آذار 2012.
  6. الاحتجاجات ضد الغلاء.
  7. الحراكات والمظاهرات الشبابية ضد سلطة أوسلو.
  8. النقد المتصاعد داخل “الخط الأخضر” لأداء لجنة المتابعة والأحزاب العربية، والذي اتّخذ في جزء منه شكل حركة مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني.
  9. تصاعد نقد التسوية السياسية “على أساس حل الدولتين” وظهور توصيف النظام الصهيوني كنظام أبارتهايد.
  10. 10.   بزوغ أشكال من التعاون النضاليّ بين شباب على جانبي “الخط الأخضر”.

لكل واحدة من هذه المبادرات أهمية وسياق خاصّين، وهي تُعبر عن تجربة نضالية وتضحيات في سياق متصل ومنفصل في الوقت نفسه، ولكل منها انجازاته وكذلك شوائبه. يتوجب دراسة هذه التجارب والاستفادة منها وذلك من خلال التواصل وتبادل الخبرة والرؤية بين المبادرين والمشاركين في مختلف التجارب. لكن رغم أهميتها وارتباطها بمستجدّات الربيع العربي ورغم تناوُلها قضايا أساسية وضرورية، لم تلقَ “براعم الربيع” في فلسطين حتى الآن إلا نجاحًا محدودًا. بالإضافة إلى الصعوبات الموضوعية في أي تحرّك والعديد من الإشكاليات العيّنيّة التي لا أدرك معظم تفاصيلها، من المفيد هنا التطرّق إلى بعض العواقب الجوهرية التي لا يمكن أن يتجاهلها أي حراك ثوري في فلسطين:

  1. استحالة الديمقراطية في ظل الاحتلال – ليس هناك من داعٍ للتذكير أن القضية المركزية أمام الفلسطينيين ليست التناقضات الـداخلية في المجتمع الفلسطيني، بل وجود الاستعمار والاحتلال ومنع اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة والتمتع بحقوقهم كاملة. مركزيّة الصراع مع الاحتلال تفرض أجندة سياسية تختلف عن المطروح في باقي البلدان العربية، وتجسيد الديمقراطية في ظل هذا الوضع هو تحقيق العودة والتحرير. ولا يمكن أن تكون هناك حياة ديمقراطية سليمة في ظل الاحتلال، والضرورة الأكثر إلحاحًا في ترتيب البيت الداخلي هي الوحدة النضالية وليس تشكيل نظام داخلي شبه ديمقراطي.
  2. أسباب الانقسام – السبب الرئيسي من وراء الانقسام الفلسطيني ليس خلافًا حزبيًا أو سياسيًا بين أطراف فلسطينية، بل هو ناتج اختلاف الظروف الموضوعية بين الضفة الغربية وقطاع غزة بالنسبة لشكل التناقض المركزي مع الاحتلال. يأتي التدخل الإسرائيلي في قطاع غزة من الخارج من خلال الحصار والقصف والاغتيالات، ولكن نظام الحكم فيها يَصنعه الفلسطينيون من خارج إرادة الاحتلال وبالرغم عنها. بالمقابل فإن السلطة الحقيقية في الضفة الغربية، كما في مناطق الـ48، هي جيش الاحتلال.
  3. الضغوط الامبريالية والصهيونية – تستعمل الامبريالية والصهيونية الحاجات المعيشية للجماهير الفلسطينية للضغط عليها بهدف منع أي مقاومة للاحتلال. ويحتجز الاحتلال سلطة “الحكم الذاتي” الفلسطينية وباقي المؤسسات الناشطة محليًا كرهائن، ولضمان مصالحه يهدّد كوادرها ورموزها وأموالها ومستلزمات نشاطها بل ومجرّد وجودها. وما اغتيال أبرز زعيم فلسطيني تاريخي، ياسر عرفات، إلا دليل على ذلك.
  4. منطق المقاومة السلمية –  كل نظام قمعي يمكن أن يردّ على النضال الجماهيري بالمزيد من الوحشية. وفي المحصلة نجد الجماهير مستعدة لبذل التضحيات، وتطوير القدرة على الاستمرار، إذا ما رأت أملاً يَعد بالانتصار أو على الأقل تحسين ظروف حياتها كنتيجة لهذه التضحيات. والخروج بالصدور العارية أمام بنادق الشرطة والجيش له منطق سياسي يقول بإحدى إمكانيتين: إما أن يرفض الجيش ارتكاب المجازر بحق المتظاهرين كما حدث بعد الاشتباكات الأولى في تونس ومصر، أو أن يرتكب المجازر فيُحدث انشقاقات في الجيش وانضمام بعض عناصره للقوى الثورية كما كان الأمر في سوريا. ولكن، في فلسطين الواقعة تحت احتلال استعماري عنصري لا ترفُض أوامر إطلاق النار على المتظاهرين السلميّين إلا قلة قليلة من الجنود، ولا مجال للحديث عن انشقاقات في الجيش؛ فان مواجهة الاحتلال تتطلب رؤية إستراتجية أوسع، ولا يمكن أن يختصر دور القوى الثورية في التحريض على تصعيد النضال…
  5. النضال المطلبي – بناء النسيج الاجتماعي السليم، ومن ضمنه مكافحة الفساد وتعزيز التكافل الاجتماعي وتطوير البنية التحتية الاقتصادية الإنتاجية وتعزيز العدالة الاجتماعية وتطوير التعليم والثقافة ومناهضة الجهل والقمع – كلها من أهم مستلزمات الصمود ومقاومة الاحتلال. ولكن آفاق النضال المطلبي تحت الاحتلال محدودة ومنطق التطور الطبيعي من نضال مطلبي إلى نضال سياسي وتحدّي النظام لا يسري في هذه الظروف. وفي الدوّل “الطبيعية” يناضل العامل ليحصل على لقمة العيش وإذا وقفت الحكومة في طريقه، فإنها تعرّض شرعيتها لجروح بالغة الخطورة، ويمكن أن تكون النتيجة صدامًا بين الجماهير الشعبية والنظام، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام. ولكن عندنا كل عامل وفلاّح يعلم أن النظام غير شرعي، وهذا النظام لا يدّعي أصلاً أنه جاء ليخدم مصالح الجماهير الفلسطينية، فهو يعتمد على القوة وليس على شرعية الجماهير.

من هنا، فإن تطوير الحراك الجماهيري يجب أن يكون من خلال وعي لقواعد النظام السياسي وللتناقضات التي يمكن أن تسبب التغيير، ورؤية لخلق التغيير المطلوب.

العودة والدولة الديمقراطية الواحدة، عنوان ربيع فلسطين

عند بحث السياسة الفلسطينية المطلوبة في حقبة “الربيع العربي”، علينا أن نحدّد مساحة توقعاتنا وما هي التطورات التي يمكن أن تنشأ في المنطقة، وكيف يمكن أن يؤثر طرحنا ونشاطنا على تطور مجريات الأمور. كما علينا أن نتذكر أننا نعيش مرحلة التغييرات الكبرى وأن القوى التي تحركت، وفي مقدمتها قوة الجماهير العربية، لم تهدأ بعد، ولا نعلم لأي مدّة زمنية سيستمر الحراك، وأي من الأنظمة يمكن أن تسقُط أو تُجبر على التماشي مع تطلعات شعوبها، وعند أي جدول من التغيير السياسي والاجتماعي قد تُوصلنا هذه العاصفة.

كما علينا أن نتذكر أن الربيع العربي يتزامن مع أكبر أزمة اقتصادية تمرّ بها الإمبريالية منذ الحرب العالمية الثانية، ويتزامن مع أهم تغيير في ميزان القوى العالمي، أي صعود الصين كأكبر اقتصاد عالمي، فلأول مرة في التاريخ الحديث ينتقل المركز إلى “الهوامش”. ولذلك علينا أن نأخذ بالحسبان أننا في بداية عملية تغيير تاريخي وبداية حركة نحو مرحلة جديدة، ما يعني أننا تمامًا على عتبة اكتشاف عصر جديد يزيد المجهول فيه عن المعروف.

وبأخذ جملة الأسباب السابقة كمعطيات تحليلية، يتبدّى أن علينا تحديد الأهداف الجدّية التي نرغب في الوصول إليها وأن نسأل أنفسنا: هل يمكن أن يؤدّي بنا الربيع العربي إلى تحقيق هذه الأهداف؟ وليس لهذا السؤال من جواب علمي يمكن أن يحسبه أحد من خلال المعطيات الموجودة، ولكن إرادتنا وعزيمتنا وفعلنا المدروس والموضوعي من شأنه أن يتحول إلى أحد عوامل التغيير الأساسية في تأثيرها، ويمكن أن يؤثر على صياغة صورة المنطقة من جديد في مرحلة هزّت كل أركان السيطرة والهيمنة القديمة.

إذن، نحن نتكلم عن الربيع العربي كحركة جماهيرية ثورية تطرح من جديد قضية الديمقراطية في البلدان العربية، وإن كان لا وجود لحاجة ملحّة في أي بلد عربي للتغييرات الثورية وللديمقراطية بقدر ضرورتها لفلسطين، فلا مفهوم للديمقراطية في فلسطين إلاّ بعودة اللاجئين وإسقاط نظام الأبارتهايد العنصري الصهيوني وتشكيل دولة ديمقراطية واحدة في كل فلسطين، يكون الأساس في تشكيلها استعادة الحقوق من قبل مستحقيها بشكلها التاريخي والمتكامل.

لقد بدا في بعض دول الربيع العربي، وكأن مطالب الحراك وبرنامج الثورة يقتصر على “إسقاط النظام”، وهذا أمر طبيعي إلى حدّ مع­يّن في ظروف دولة طبيعية، شعبها معروف وموجود فيها ولا يوجد شيء يمنعه من ممارسة حياته الطبيعية ونيل حقوقه إلا النظام القمعي… ومع ذلك، حتى في هذه الحالة هو منظور يبسّط الأمور ولا يُعبّر بالكامل عن الجوهر، فالقمع النظامي آت ليخدم مصالح معيّنة وطبقة معيّنة، والبرنامج الحقيقي للثورة لا يمكن أن يتوقف أمام هذه المصالح، وحركة الجماهير صعدت لنيل الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية، وإذا توقفت قبل أن تحقق أهدافها فهذا يعني تغيير رموز النظام وليس مضمونه.

إن خصوصية الوضع الفلسطيني تتطلب منا تحديد برنامج التغيير بوضوح أكثر، وعدم الاكتفاء في الدعوة لـ”إسقاط النظام”، أو حتى للعودة والتحرير. وأحد الأسباب لذلك، أنه لا يوجد فراغ سياسي في القضية الفلسطينية، بل إن الساحة السياسية مليئة إلى حدّ خطر الاختناق ببرامج سياسية مصطنعة أتت لتحرف القضية الفلسطينية وتحيد بها في اتجاه المصلحة الإمبريالية، على حساب الحقوق القومية المشروعة للفلسطينيين. والهدف الأول من طرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة، هو إعادة المضمون الثوري الحقيقي لحركة التحرر الفلسطينية وإعادة حق العودة واللاجئين إلى مركز الحراك السياسي، وإعادة وحدة الشعب الفلسطيني في حراك واحد نحو مصير واحد ومستقبل حرّ.

خصوصية القضية الفلسطينية لا تتوقف عند محاولات الاحتلال الفصل بين اللاجئين والمُقيمين وبين مناطق الـ48 والـ67. كما ذكرنا سابقا، إن القضية الفلسطينية ناجمة عن تناقضات نظام الهيمنة الإمبريالية الذي ينتهك الحقوق الفلسطينية، وحل هذا القضية يتطلب تعاضد شعوب المنطقة على فك شيفرات هذه الهيمنة. هذا الطابع الإقليمي للقضية الفلسطينية يحوّل الحراك السياسي المدروس إلى ضرورة مُلحّة. والتشديد على البُعد الديمقراطي للنضال الفلسطيني، في مقابل الطابع العنصري للنظام الصهيوني، قد يشكل سلاحًا قيميًا وسياسيًا قويًا في محاربة التأثير الصهيوني في العديد من دول العالم، وكذلك في بناء جبهة عالمية قوية داعمة للحق الفلسطيني،  وليست داعمة فقط للحلول الوهمية التي مُنتهاها شرعنة التهجير والاحتلال.

أخيراً، تفكيك القلعة العدوانية الإسرائيلية قد يكون أسرع وأهون وأقل تكلفة بالأرواح والمواد من خلال طرح البديل الإيجابي للجمهور اليهودي في فلسطين. ومع تغيير ميزان القوى في المنطقة تتقلص قدرة الصهيونية على ضمان الامتيازات لليهود في فلسطين ومنها “الامتياز” في خوض الحرب على الفلسطينيين دون تعريض أنفسهم للخطر. ومع احتدام الأزمة، وعلى الصعيد السياسي، تتفاقم عنصرية النظام الصهيوني إلى درجة الهيستيريا، وهي تؤسس سيطرتها على دعم الجمهور اليهودي لها عبْرَ التجهيل وتنمية الخوف والكراهية العمياء. وهنا، أيضًا، يأتي دور مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة الذي يضمن للجمهور اليهودي أحسن فرصة للتخلص من الصهيونية والاندماج في فلسطين كمواطنين متساوي الحقوق.

إن الربيع العربي فتح أبواب عهد جديد على العالم العربي. هذا العهد تصنعه الجماهير في حراكها الثوري. نكبة فلسطين والتطهير العرقي والاحتلال الصهيوني كانت وما زالت رموز الهيمنة الإمبريالية واغتصاب حقوق الأمة العربية، ونفي مفهوم التمتع بحقوق الإنسان عن الإنسان العربي. طوال عصر الظلام كان النضال الفلسطيني شعلة الحرية التي تشيع الأمل في مستقبل حرّ. ولن يتمّم الربيع العربي قطافه، دونما تشييد عصر الحق والحرية في فلسطين.

حيفا، كانون أول 2012

(*) هذا المقال نُشر في جريدة “حق العودة” العدد 51 –  الصادرة عن “مركز بديل”

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: