Skip to content

المؤرّخ إيلان بابه: الربيع العربيّ يضع إسرائيل بعكسِ مسار التاريخ

يناير 28, 2013

المؤرّخ إيلان بابه: الربيع العربيّ يضع إسرائيل بعكسِ مسار التاريخ

ترجمته (من النص العبري) إلى العربية رجاء زعبي عمري

 

المؤرخ إيلان بابه، في فلسطين في زيارة للوطن. وقد كان ضيفاً على “حَراك حيفا” يوم الخميس 3.1.2013 لأجل محاضرة وحوار حول “عاصفة الربيع العربيّ – كيف تؤثر على احتمالات حلّ القضية الفلسطينية؟”

 

نادي “حيفا الغد” في وادي النسناس كان يعجّ بالناشطين الذين جاءوا لاستماع المحاضرة.

لم يحضر إيلان بابه بيننا مؤرّخًا خلافيًّ، وإنما شريكًا لنا. وكلاعِبٍ، يمكن القول إنه كان في “الملعب البيتيّ”. جميع الحاضرين الذين أتوا كمهتمّين بالأحداث التي تعصف بمنطقتنا كانوا معنيّين في الاستماع إلى ما يستبصره كمؤرخ.

 

يقول المؤرّخ بابِه إنه في منظور تاريخيّ، تشكل السنتان الأخيرتان لحظة في الزمن، وإن المؤرخين الذين “يتكهّنون حول الماضي” لا يملكون بالتأكيد إنباءَ المستقبل. ولذلك فإن ما يبقى لنا هو التأمل في العمليات الصيرورات التي تحصل أمام ناظرَينا لنحاول أن نفهم من خلالها طابع المرحلة الجديدة التي نشهد بدايتَها.

وشدّد بابِه أن “الربيع العربيّ” ليس سلسلة أحداث منفردة في كل بلد وبلد، وإنما هو صيرورة تغيير شاملة بدأت لتوّها ويمكنها جلب تغييرات عميقة في بلدان أخرى في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن “الربيع العربيّ” هو جزء من صيرورة تغيير في الخريطة السياسية العالمية، حيث إنها تكشف عن أزمة الهيمنة “الغربية”، هيمنة أوروبا والولايات المتحدة. وتشمل هذه الأزمة أزمة داخلية بدأت مع الأزمة الاقتصادية عام 2008، والتي أصبح واضحًا خلالها للجميع أن أقطاب النظام الرأسمالي تصرّفوا معتمدين خداع الجمهور، بشكل ألحق ضررًا فادحًا للاقتصاد والمجتمع كلّه وبدون أن يُحاسَب على ذلك أحد. في الناحية الدوَلية تبرز الصين والهند ودول أخرى كقوى اقتصادية مركزية تستطيع التأثير أيضًا في علاقات القوى الجيوسياسية. هذه هي الحالة التي يبزغ على خلفيتها الربيع العربيّ، معتمدًا النضال الجماهيريَ المباشر، حيث أصبح “ميدان التحرير” رمزًا، ونموذجًا تصبو جماهير واسعة لمحاكاته في أوروبا والعالم أجمع.

تمحورت الندوة حول إسقاطات “الربيع العربي” على الحلبة الدولية وعلى مكانة إسرائيل. وكان واضحًا أن إيلان بابه الذي يعايش العالمين، يعرف عن كثب النخب الحاكمة في أوروبا كما يعرف دوائر اليسار. يتحدث من معرفة وثيقة عن الأبعاد النفسية المرافقة لأزمة الصهيونية داخل الجمهورا ليهودي ويجلب رياحًا جديدة من مصر، حيث شارك هناك مؤخرًا في مؤتمر حول “الربيع العربي” مع أصدقاء قدامى من اليسار وأصدقاء جدد من الحركات الإسلامية. وفي تحليقه فوق وتنقله بين هذه العوالم يرسم للجمهور كيف تبدو الصورة السياسية الشاملة الآن. نظرة من أعلى ولكن ليست من بعيد، مع “تقريب” فوتوغرافي لكل تفصيل وتفصيل.

التحولات في النظام العالمي

 

وصف إيلان بابه الهيمنة الغربية كنظام عالمي ” فيه 10% يستخدمون 40% من موارد العالم”. واليوم تزداد صعوبة الاحتفاظ بمثل هذا النظام، وهنالك خوف من محاولة استعمال مفرط القوة لوقف عملية تآكل هيمنة الغرب، وقد كانت الحرب على العراق نموذجًا لذلك.

ومع ذلك فإن المَيْل الرئيسي الملاحَظ اليوم هو ميل نحو التأزم السياسي العميق في أوروبا والولايات المتحدة، يرافق الأزمة الاقتصادية وتآكل الهيمنة العالمية. انعدام الثقة بالمؤسسة السياسية القائمة يولّد حركات شعبية من نوع جديد وطموحًا عامًّا للتحول الديمقراطي وللدفاع عن حقوق أولئك الذين طالما سحقتهم عجلات الجهاز. إنها “روح العصر” وهي تؤثر في كل حلبة وحلبة.

الروح الديمقراطية الجديدة متأثرة أيضًا بالتحولات التكنولوجية والأدوات الجديدة التي تتيح لجمهور واسع أن يلعب دورًا فعّالاً في نشر المعلومات ومناقشتها. وفعليًا لا تستطيع سلطة اليوم أن تغلق باب النقاش. والشباب يقومون بدور فعّال ومهم في إطارهذه التحوّلات. من الناحية الثقافية لا يختلف الجيل الشاب في الصين عن أترابه في الغرب. وعليه فالنزعة إلى الديمقراطية ليست خاصة بالغرب وإنما هي في كل مكان، بما في ذلك بورما وشمال كوريا.

 

الربيع العربي كحركة لأجل الديمقراطية بقيادة الشباب وبقوة حركة شعبية واسعة، يشكل جزءًا متقدمًا من “روح العصر”، روح التحول الديمقراطي، ونموذجًا للمحاكاة بالنسبة لآخرين. وفي المقابل تبرز إسرائيل سلبًا في العالم كدولة ومجتمع يتطوران باتجاه معادٍ للديمقراطية على نحوٍ صارخ.

زعزعة مكانة إسرائيل

 

طيلة زمن طويل استطاعت إسرائيل أن تناور لاكتساب دور مركزي بالنسبة إلى الأجندة العالمية والإقليمية. بعد الحرب العالمية الثانية كان هنالك حاجة أساسية لدى الغرب لإعادة ألمانيا الغربية إلى “عائلة الأمم” كجزء من الاستعدادات الجيوسياسية. وقد استطاع بن غوريون استخلاص الفائدة القصوى لإسرائيل بالمال والتأثير، عَبْرَ تقديمه الغفران باسم آخر ضحايا التاريخ إلى “ألمانيا الأخرى”. لاحقاً اندمجت إسرائيل كموقع أماميّ للغرب في الحرب الباردة. ومع انتهاء الحرب الباردة وإعلان “نهاية التاريخ” سوّقت إسرائيل نفسها كمجتمع حديث مفتوح تطور من عالم ثالث إلى عالم أول. ثمّ عندما أسقط الغرب عن أجندته “نهاية التاريخ” وانتقل إلى “الحرب على الإرهاب” والصراع ضد الإسلام، ومن الطبيعي أن مكانة إسرائيل كانت في ذروتها إذ عرضت نفسها في الغرب كمتخصّصة كبرى في هذا الموضوع.

الآن، حيث “الربيع العربيّ” يعرض نموذجًا جديدًا للديمقراطية في الشرق الأوسط، وحيث تنكشف إسرائيل أكثر وأكثر كلاديمقراطية، نحن نرى للمرة الأولى أن إسرائيل لا تعرف ماذا تقول ولا تستطيع ملاءمة نفسها للمرحلة الجديدة. وحتى وظيفة “المختصين بالشؤون العربية” أمام الغرب – وهي وظيفة تقوم على النهج الاستشراقي – لم تعد إسرائيل قادرة على أدائها في هذه المرحلة. الواقع الجديد الناتج في الدول العربية يفرض نفسه على الحلبة السياسية، والنخب الغربية آخذة في التعوّد على العمل مع السلطات الجديدة في الدولة العربية، حيث لا يوجد لإسرائيل أي دور تقوم به.

وحتى إزاء السيناريو المفضل على إسرائيل، ضمنَ تصوّر تحاول إنتاجه مدّعية بأن “الربيع العربي تحوّل إلى خريف إسلاميّ”، لو قبل الغرب هذا التصور وتبنّى نهجًا معاديًا للحكومات العربية الجديدة وللتغيير الديمقراطي في المنطقة – قد تجد إسرائيل نفسها عبئاً على الغرب وليس ركيزة تعزّز سيطرته. هنالك في مصر، على سبيل المثال، خلاف عميق بين الإخوان المسلمين والمعارضة العلمانية، ولكن رفض إسرائيل ودعم الفلسطينيين هما عامل يوحّدهما. في شرق أوسط يخطو نحو الديمقراطية، كجزء من عالم يناضل فيه الكثيرون لأجل مزيد من الديمقراطية، وحيث علم فلسطين يشكّل بالنسبة للجميع رمزَ النضال لأجل الحرية، فبالتأكيد تجد إسرائيل نفسها على تضادّ مع مسار تيار التاريخ.

 

هذه التحوّلات لن تكون ترجمتها الفورية وقف دعم إسرائيل. فعلى الصعيد العسكري وعلى صعيد المصالح ما زال هنالك الكثير من الدعم – وهنا لا تلعب القيم دورًا. كما أن هنالك اللوبي اليهودي وشراء دعم سياسيين محليين بالأموال – عن طريق التبرع للأحزاب على سبيل المثال. ولكن يبقى أنه بالقوة وبالفساد لا يمكن الحفاظ على مشروع سياسي لأمدٍ طويل. وقد كان دعم إسرائيل يعتمد في الماضي حججًا أخلاقية وقيميّة، ورأيًا عامًّا مؤيدًا، وهذا قد يبدو لنا مزيفًا ولكنه في الواقع كان عاملاً قويًا. أمّا اليوم فكل هذا يتغير.

 

في الماضي كان بإمكان الشباب اليهودي الصهيوني أن يرئسَ حركات طلابية تقدمية في أرجاء العالم، أمّا اليوم فإنهم منشغلون في الجامعات في الدفاع عن إسرائيل كنظام أبارتهايد. وبالنسبة إليهم هذه مهمة منتجة للخيبات وتعرّضهم للتآكل. في إسرائيل نفسها هنالك أغلبية تقول اليوم بصراحة “نريد دولة يهودية عنصرية”. وقد أصبح الكذب صعبًا ومتعبًا أكثر وأكثر لمن يريد الاستمرار في العيش تحت كنف كذبة أنه ليبرالي ومدافع عن إسرائيل من منطلق العدل.

 

ولا عجبَ أن إسرائيل اليوم تعرّف ما يسمى “نزع الشرعية” كتهديد استراتيجيّ. في الماضي عالجوا الموضوع بواسطة الـ”هَسْبَرا” الشرح، والدبلوماسية، والعلاقات الخارجية. أمّا اليوم فقد أصبح الموضوع في عُهدة أجهزة الأمن.

 

القوى العظمى الصاعدة، كالهند والصين، وإن لم تنتهج سياسة أكثر أخلاقية، ليس ملتزمة تجاه إسرائيل بنفس مدى التزام الغرب، وليست رهينة مشاعر الذنب بسبب الهولوكوست ولا تشكل فيها المسيانية المسيحية عاملاً سياسيًا. ومن هذه الناحية أيضًا تفقد إسرائيل مكانتها المركزية التي تمتعت بها حتى الآن.

 

إن زعزعة المكانة الجيوسياسية لإسرائيل يجعل السنوات القادمة خطيرة جدًا؛ هنالك خطر حقيقي أن تتخذ الحكومة خطوات عدوانية في محاولة يائسة لوقف تدهور القوة التي اعتادت عليها، كما يمكن أن يشتدّ القمع الداخلي، وتشكل القوانين المعادية للديمقراطية التي يجري سنّها في الكنيست مثالاً حيًا على ذلك.

 

من جهة أخرى يمكن لاشتداد الأزمة أن يحوّل مواقف كانت هامشية إلى حلّ واقعيّ يكون الناس على استعداد لسماعه. لأجل تحقيق هذه الإمكانية فالمطلوب هو تغير ذهني عند من اعتادوا أن يكونوا طيلة الوقت في موقف الأقلية الراديكالية التي أقصِيَ صوتها. ويجب إيجاد أنماط العمل الملائمة لطرح الحلول على الجمهور الواسع كبديل واقعي.

 

إنّ حلّ الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين آخذ في التحوّل إلى موضوع ساخن ومدار نقاش في دوائر أكاديمية وفي الإعلام في أرجاء العالم. وقد وصف بابه كيف أنه – كواحد من المحاضرين المطلوبين في هذا الموضوع – لا يستطيع اليوم الاستجابة لكل الدعوات الموجّهة إليه. ولكن ما هو المطلوب لكي يتمكن مؤيدو الحل من طرحه كبديل واقعيّ أمام الجمهور؟ التغلب على صعوبات العمل المشترك وبناء رؤية مشتركة للمركبين العربي-الفلسطيني واليهودي، هما جزء من الإجابة…

الربيع العربيّ

 

تمحورت الندوة، كما قلنا، حول تحليل تأثير الربيع العربي على أزمة لاصهيونية. لم نسمع الكثير عن “الغوريلا القابعة وسط الغرفة”، أي الربيع العربيّ نفسه؛ ولكن كان واضحًا التوجّه العام في كلام المؤرخ إيلان بابه في ما يخصّ جوهر الربيع العربي. الحديث يدور عن صيرورة ديمقراطية يشارك فيها فئات سياسية كثيرة ومتنوعة، وفي مركزها حركة جماهيرية تُحدِث التغيير.

 

وقد تحدث بابه عن الحاجة إلى العمل المشترك (الممكن في الواقع) بين اليسار العلماني – الذي ينتمي هو إليه ومعظم الجمهور الذي جاء لحضور الندوة – وبين الفئات الإسلامية الفاعلة لأجل الديمقراطية. وقد جلب مثالاً على ذلك التعاون المثمر القائم في إنجلترا بين يسار علمانيّ جدًا وليبرالي في القضايا الاجتماعية وبين الحركات الإسلامية.

 

الإجابات على أسئلة الجمهور

 

في سياق الإجابة على أسئلة الحضور، أوضح المؤرخ إيلان بابه بعض النقاط الإضافية:

 

** كلا. ما كان بمقدور للفلسطينيين أن يمنعوا ما فعلته بهم الصهيونية. مشكلة الصهيونية كانت مجرّد وجود السكان العرب الفلسطينيين في البلاد التي قررت أن تقيم فيها دولتها، ولم تكن المشكلة موقف سياسي كهذا أو ذاك يرفعه هؤلاء السكان.

 

** في ما يخصّ اندماج الفلسطينيين مواطني إسرائيل في الدولة – مع الوقت أصبح هذا الاندماج أقل إمكاناً بسبب عنصرية إسرائيل، ولذلك محاولة الاندماج أصبحت أقل جاذبية. وقد تساءل بابه لماذا ما زالت الأحزاب العربية تشارك في انتخابات الكنيست رغم انعدام قدرتها على التأثير الحقيقي عَبْرَ الكنيست، وعلى الرغم من الفائدة التي تجنيها إسرائيل من هذه المشاركة.

 

** في الربيع العربي تشارك فئات كثيرة ومختلفة، ولا توجد إمكانية حقيقية لتسلّط فئة واحدة. وعلى وجه الخصوص لا يوجد خطر تسلّط فئات إسلامية متطرفة على سوريا خلافاً لما يحاول النظام ترويجه بهدف تحصيل شرعية استمراره في الحكم.

 

** في الماضي، كان الشعار المركزي لليسار “دولة علمانية وديمقراطية”، أمّا اليوم فالشعار المركزي هو “دولة ديمقراطية واحدة”. نعم، هذا تنازل يقدّمه اليسار العلماني، وهو يعكس الحاجة – في ظروف الربيع العربيّ – إلى التعاون مع فئات إسلامية في النضال لاجل الديمقراطية. يجب على اليسار أن ينظر نظرة نقديّة إلى تاريخه وإلى تاريخ المنطقة، وعليه أن يرى كل ما جرى فعله باسم اليسار وباسم العلمانية، وأن يفهم الحاجة اليوم إلى المرونة ومركزية مسألة الديمقراطية على جدول الأعمال السياسي في المنطقة.

هذا التقرير نُشر أيضًا في اللغة الإنجليزيّة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: