Skip to content

ذاتَ يومٍ… في شي مؤتمر حزبي

ديسمبر 21, 2012

(مقطع أدبيّ، ليس له أيّة صلة بالمشهد السياسي)

لا أخفي عنكم أن العمل السياسي صار يتعبني جدًا في هذه الأيام… وكأنه لا يكفي الركض وراءَ لقمة العيش وقسوة المديرين والضغط والصعوبة في تنفيذ المهمات والخوف من الإقالة والبطالة… فنحن السياسيين، عندما نتخلص من صراع الوجود اليومي، بدل الرّواح إلى بيوتنا لنرتاح، نرمي أنفسنا في ألف ساحة صراع مفروضة علينا تاريخيًا، ولكن علينا أن نختار يوميًا أن نزجّ أنفسنا فيها.

ولا تستغربوا أنني أفتّش عن النوم في آخر النهار الطويل كالشخص التائه في الصحراء يبحث عن نبعة ماء… وذات ليل وأنا في السرير، دهمني الكابوس التالي…

بعد مرحلة طويلة من قلة الاتصال، دعتنا قيادة الحزب إلى مؤتمر حزبيّ… وقد تجمّعنا، الرفيقات والرفاق من عشرين قرية ومدينة، تاركين من ورائنا أشغالنا وعِيالنا. والرفاق كثر ومنهم الكبار والصغار، والرفيقات قلّة ولكن “مش قليلات” وإنما نوعيات فريدة، الواحدة منهن تساوي دزّينة. وكنا جميعًا مسرورين في هذا اللقاء ونسأل الأحباء الذين قليلاً ما نلتقي بهم عن أخبار البلد وعن “المستجدّات” الشخصية وإلى آخره.

وبعد ما إلتم الشمل في القاعة، طرحت علينا قيادة الحزب مشروع قرار تاريخي، أن يقرر الجموع الكرام إننا موجودين في مطلع عام 2011… والأمور صارت، إذا ذاكرتي لم تغدرني، في أواخر 2012.

وقبل أن يبدأ البحث في مشروع القرار، قفز أحد الرفاق، وهو طالب شعره طويل يضع النظارات، وقال: “أكيد وقع خطأ في الصياغة أو غلطة مطبعية. لا يمكن ان يطرح علينا أحد مشروعا من هذا القبيل”. ولكن إدارة المؤتمر لم تسمح للشاب “قليل الأدب” أن يشكك في جدية اقتراح القيادة، وأكدت أن لجنة الصياغة لم تطرح أي مشروع قبل دراسته في منتهى المسؤولية، ولم تستغنِ عن استشارة الخبراء والمختصّين، وكلّها واقفة وقفة رجل واحد من وراء هذا المشروع.

وبالطبع سلّمت إدارة المؤتمر المنصة لبعض القادة الذين ساهموا في صياغة المشروع، وأكد هؤلاء بدورهم على أهمية متابعة مشوارنا النضالي والحفاظ على وحدة الصف والاعتماد على التحليل العلمي وعدم التراخي بوجه العدو والتفاف الكوادر من وراء قيادة الحزب وخطّها… وعادوا ووعدوا أن نتابع نهجًا ديمقراطيًا في اتخاذ القرارات وأن النقاش سوف يكون مفتوحًا لسماع أيّ موقف مغاير أو ملاحظات، وكلّها ستُسَجّل وتؤخذ بالحسبان… وفي آخر الكلام، أكّدوا أن الانطلاقة في مشروعنا الجديد لا تحتمل التأخير، وأن الكوادر جاهزة للسير إلى الأمام، وأن أيّة مماطلة من أطراف غير معنيّة في نجاح المشروع لم ولن توقف مشوار الحزب وإرادته الفولاذية.

وبعد الشرح فتحوا الباب لمدخلات الرفيقات والرفاق، ورُفعت الايادي وسُجلت قائمة المتكلمين وهي طويلة والكل يحب أن يشارك الحوار وصياغة الموقف. ولم أطيل عليكم في سرد المداخلات والكثير منها حلوة ومفيدة ويا ريت كانت لدي الفرصة أن أستمع لها واشارك نقاشها واحدة واحدة وليست في سياق هذا الكابوس.

ولكن البعض شعر بخطر وشيك بأنه توجد معارضة للمشروع المقترح… وعبّر بعض المتكلمين عن استياءهم الشديد من نهج المعارضة التي لا تزال تشغل الحزب في نقاشات وخلافات لها أول وليس لها آخر… فقد تعب الرفاق من سماع المعارضين الذين يعتقدون أنه لا يوجد أحد يفهم غيرهم… وتساءل رفيق آخر: “كيف يمكن أن نشكّ في اقتراح القيادة، أليست قيادتنا مخلصة لهموم الشعب؟ إذن يستحيل أن يصبّ اقتراحها إلاّ في مصلحة الجماهير…”.

طال الحديث، وبعض الرفيقات والرفاق كانت عليهم التزامات سابقة، فاضطروا إلى مغادرة القاعة، وبعض الآخرين أصابهم وجع الرأس فانسحبوا لكي يرتاحوا قليلاً… وأشك أن البعض شعر بعدم الارتياح للحديث نفسه فخرج من القاعة لأخذ النفس وشرب فنجان قهوة في الكافيتريا… ولكنهم عادوا فوجدوا الحديث يرجع ويتكرّر. وفي الآخر أجبروا على، أو اختاروا، الانهزام.

ولمّا جاء دوري لأتكلم، كانت القاعة خالية من الرفيقات والرفاق، وأمامي صفوف من الكراسي المرتبة المضبّطة… وقد حاولت أن أختار كلماتي بحذر وتواضع فنبّهت إلى أهمية الموضوع وإلى ضرورة الرؤية النقدية والموضوعية وللانتباه لآراء الآخرين من الأحزاب الأخرى والمثقفين، وحتى ليس من العيب أن نتعلم من الناس الذي تعوّدنا أن نسميها “الجماهير”… ولكن صوتي المتواضع صارت نغمته تتغيّر ويظهر فيها نوع من التعالي، وأحياناً ظهر كأنه صوت شاذّ ومنفّر، ولم يلقَ أيّ تجاوب…

استيقظت وجسدي كلّه يرتجف ومغطّىً بالعرَق البارد… مرّ بعض الوقت وأنا أحاول الاستراحة من الكابوس، ولكنه لم يفارقني… وبالتالي قمت وكتبت تفاصيله على الورقة وها أنا أرسلها لكم، لكي تطمئنوني أنه مستحيل حصول أي شيئ من مثل هذا الكابوس في أيّ من أحزابنا وحركاتنا الوطنية والديمقراطية.

From → الساتيرا

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: