Skip to content

تراكم أزمات النظام وتحديات تنظيم حركة الجماهير تقييم الوضع السياسي ورقة قدمت لمؤتمر حركة أبناء البلد – 2-12-2006

أغسطس 15, 2012

مقدمة

أيها الرفاق، أيتها الرفيقات
ينعقد مؤتمر حركة أبناء البلد في مرحلة تراكمت فيها تناقضات النظام الإمبريالي على الصعيدين العالمي والمنطقي. فقد أخفق جيش “الشيطان الأكبر” الذي توهم أنه قادر على أن يحكم العالم، في أن يفرض سيطرته على العراق وأفغانستان، حيث تمكنت المقاومة الشعبية من مقاومته وسد الفجوات في ميزان القوى والتكنولوجيا من خلال الشجاعة والتضحيات . إنجازات المقاومة في ساحة المعركة المركزية التي أختارها قادة الإمبريالية تفضح عجز هذا النظام وتوفر فرصة للتقّدم والتحرر لكل الشعوب المضطهدة والمستغلة من أميركا اللاتينية وحتى شرق أسيا.

لا يخفى على أحد أن غطرسة النظام العنصري الصهيوني تتغذى من مكانته كحارس أول في خدمة الهيمنة الإمبريالية على الوطن العربي. ومع زيادة التحديات لهذه الهيمنة الإمبريالية تقلص “التفوق الإستراتيجي” الذي تحاول أن تضمنه لخادمها وحليفها الإستراتيجي، حيث أُجبرت إسرائيل على سحب قوات احتلالها من قطاع غزة، كما فشلت فشلا ذريعًا في عدوانها الأخير على لبنان. يبدأ عجز هذا النظام مرحلة جديدة، تتطلب زيادة العمل على التغيير، وطرح البدائل، حيث ستكون هذه المرحلة مليئة بالمخاطر.

كان مؤتمرنا الأخير قد انعقد في آب 2000 عشية انطلاقة الانتفاضة الثانية، في مرحلة تحول من قمة الهيمنة الإمبريالية في تسعينيات القرن الماضي إلى تصاعد الصراع مع بداية الألفية الجديدة. في هذه الورقة نحاول تقييم التغييرات المركزية على المشهد السياسي التي حصلت خلال هذه الفترة، مع التطرق في بعض المواضع إلى جذورها في المراحل السابقة.

كانت حركة أبناء البلد وما زالت الضمير الناطق لحركة الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، ولكننا نسعى إلى تكامل هذا الدور المعنوي في اتخاذ دور فعال ومؤثر في تطوير حركة الجماهير وقيادتها، ولذلك على أبناء البلد أن تتغلب أولا على بعض التقصيرات في إدارة أمورها الذاتية. في هذه المرحلة المصيرية نتمنى مشاركتكم جميعًا في إنجاح أعمال المؤتمر لمواجهة كل التحديات.

أزمة النظام الإمبريالي العالمي

الإمبريالية كنظام رأسمالي استغلالي عالمي

نظام الاستغلال العالمي ليس ظاهرة جديدة، وهو ليس وليد التطور الرأسمالي في “المراكز” الأوروبية. لكن صعود القٌوة الأوروبية إلى مقدمة مسرح التاريخ في آخر “القرون الوسطى” اعتمد على غزوها لشعوب العالم في أطراف النظام العالمي مثل أفريقيا وأسيا واستعباد سكانها ونهب ثرواتها بشكل لم يسبق له مثيل. استغلت الأنظمة الإمبريالية هذه السيطرة المفروضة بقوة السلاح لمراكمة رأس المال لتطوير صناعاتها، ومن ثم حجز التطور الصناعي في البلدان الخاضعة في المحيط. لقد تم إنشاء وتقسيم أدوار اقتصادية على الصعيد العالمي يضمن لها المزيد من التفوق والاستغلال.

منذ آلاف السنين، ومنذ وجود القمع والاستغلال، والإنسانية تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. مع تطوير الصناعة وجمع الآلاف بل ملايين العمال في المصانع، وتنظيمهم في نقابات مهنية من خلال صراعاتهم لتحسين ظروف حياتهم، برزت الطبقة العاملة لتكون القوة البشرية المنظمة التي يمكن أن تخلق عملية التحرير، وظهر الطرح الاشتراكي – الذي يعتمد على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الرئيسية – كمشروع عملي يشكل الأساس لمجتمع تسوده العدالة الاجتماعية.

الاشتراكية بين الانهيار والنهوض

كان مصير العالم خلال معظم سنوات القرن العشرين موضوع صراع بين معسكر اشتراكي، قاده الاتحاد السوفيتي، وبين القوة الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. جاء انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة لتناقضاته الداخلية من فساد وعدم المشاركة الحقيقية للجماهير في الحكم، فكانت البيروقراطية المتنفذة فيه هي التي أقرت إلغاء النظام الاشتراكي لتفسح المجال لنهب ممتلكات الشعب وسلب حقوقه الاجتماعية.

استنتج الكثيرون أن انهيار الاتحاد السوفيتي وبعض الدوّل الاشتراكية المرتبطة به قد حسمت مرحلة الصراع بين نهجي الرأسمالية والاشتراكية، وسارع المنظرون المتحمسون للاحتفال بانتصار أسيادهم الرأسماليين، فسارعوا إلى إعلان “نهاية التاريخ”. ولكن، وكما ذكرنا فإن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن بفضل قوة المعسكر الإمبريالي، حيث أنه مع فقدان التوازن في السياسة العالمية زادت التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي من استغلال وسحق حقوق العمال وزيادة غير مسبوقة في تاريخ العالم في الفجوة بين الأقلية الغنية من المستغلين وبين الأغلبية الساحقة من الإنسانية التي تفتقد الماء والغذاء والتعليم والصحة والأمل.

وهنا برز الأمل الجديد ضمن اشتراكية العالم الثالث، اشتراكية الفقراء، الذين حرروا بلدانهم من خلال ثورات شعبية واختاروا الاشتراكية للحفاظ على مصلحة الجماهير الشعبية، ورفضوا التنازل عن إنجازاتهم الاقتصادية والاجتماعية وعن سيادة بلدانهم، وهي: الصين الشعبية وكوبا وفيتنام وكوريا الشمالية ولاوس. في سنة 1994، بعد بروز مظاهر الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي نتج عن تفكك النظام الاشتراكي، اختارت روسيا البيضاء (بيلاروس) ديمقراطيًا إعادة النظام الاشتراكي ورغم محاصرتها، ورغم المؤامرات الدائمة المحاكة ضدها لإسقاط نظامها، فقد أنجزت الكثير في معركة الصمود والتطوير.

الصين الشعبية، ومن بعدها فيتنام سلكتا طريق بعض الإصلاحات الاقتصادية من خلال إدخال مبادئ التنافس في السوق، وتقبل وجود محدود للملكية الخاصة وللمستثمرين المحليين والأجانب، وذلك مع الحفاظ على الدور المركزي لشركات القطاع العام في الاقتصاد وسيادة الأحزاب الشيوعية الحاكمة التي تواجه التطوير الاقتصادي والسياسي. هذه السياسة أنتجت مرحلة متميزة من التطور والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية السريعة التي شهدتها البشرية، حيث تحولت الصين إلى ورشة الصناعة العالمية المركزية. وأخذ صعود الصين يؤثر إيجابيًا على غيرها من دول العالم، حيث وُضعَ حد لقدرة الإمبريالية على فرض إملاءاتها ومحاصرة الدول التي لا تقبل الخضوع لها، وقد وفرت إمكانيات جديدة للتعاون والتطوير.

لا شك إن الإصلاحات الاقتصادية في البلدان الاشتراكية تحمل خطر الانقلاب وإعادة النظام الرأسمالي، في حال اجتمعت بعض العناصر البرجوازية والبيروقراطية لاستغلال نفوذها الاقتصادي لانتزاع السلطة السياسية. ولكن استخلاص العبر من مصير الدول التي تنازلت عن الاشتراكية وصارت لقمة سائغة للعصابات المحلية وللإمبريالية وبالمقابل إنجازات الدول التي احتفظت بالاشتراكية يضمن للمرحلة القادمة التمسك بالخيار الاشتراكي. الضمان الأقوى لمستقبل الاشتراكية في هذه البلدان يكمن في تنظيم الطبقة العاملة وبقية الجماهير الشعبية للحفاظ على مصالحها، وإعادة ترتيب الاقتصاد، بعد إنعاشه عبر دوافع السوق والربح، من أجل خدمة الجماهير والطبقات الشعبية، في مجالات الصحة والتعليم والتطور الاجتماعي – بحيث أن هذه الأجندة مطروحة اليوم من قبل الحزب الشيوعي الصيني.

احتدام الصراع

الساحة السياسية، كما غيرها، لا تحتمل الفراغ، وفي مرحلة ظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة برزت حركة المعارضة العالمية، ولو بشكل غير واضح وخجول، تحت شعار “مناهضة العولمة”. تحديد مرحلة العولمة كان خليطاً من الصفات التكنولوجية والاقتصادية، جاء ليخدم مصالح المنظرين للرأسمالية بهدف تبرير سيطرة الشركات عابرة القارات على السوق العالمي كجزء طبيعي من حركة “التقدم”. رغم محدودية رؤيتها وعدم طرح البدائل الواضحة، تمكنت حركة مناهضة العولمة، بفضل الوحدة الواسعة للتنظيمات والحركات التي شاركت فيها، من التأثير على الشارع السياسي ومن عرقلة عمل بعض مؤسسات العولمة كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وشجعت دول العالم الثالث المتضررة لتشكيل قطب مناهض للإملاءات الإمبريالية.

تحول مركز الصراع وعملية التغيير، منذ عقود، إلى “العالم الثالث”، حيث أجندة مناهضة الإمبريالية تشمل انتزاع الحقوق الديمقراطية والتحرر الوطني والقومي إلى جانب التطوير الاقتصادي والحصول على العدالة الاجتماعية.

في مرحلة التسعينيات شجعت الولايات المتحدة موجة من الإصلاحات والتغييرات السياسية في بعض دول العالم الثالث، لاعتقادها أن “خطر” البديل الاشتراكي غير وارد، وأن تبني التغييرات الشكلية من خلال الانتخابات قد يضمن استقرار الأنظمة في هذه البلدان. حصلت مثل هذه الإصلاحات في الكثير من دوّل أمريكا اللاتينية، أفريقيا وشرق أسيا، ولكن توقفت هذه السياسة عند أبواب الوطن العربي، حيث دعمت القوة الإمبريالية استمرار حكم الأنظمة الاستبدادية الراهنة في الوطن العربي. على سبيل المثال دعمت الإمبريالية المتخوفة من احتمال فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية، في انتخابات الجزائر عام 1991، قرار النظام بإلغاء الانتخابات وخوض حرب أهلية دموية لمنع التغيير الديمقراطي.

مع زيادة المعارضة الشعبية للهيمنة الإمبريالية في الوطن العربي، تبنّت الولايات المتحدة سياسة “الحرب على الإرهاب”، واختارت غزو العراق كخطوة مركزية في هجومها الذي لا يستهدف، كما نرى، “محاربة الإرهاب” بل يأتي لفرض السيطرة الأمريكية بقوة الإرهاب على الأمة العربية ومن خلالها على جميع شعوب الكون. بعد أكثر من ثلاث سنوات مرت على هذا الغزو الغاشم الذي أدى إلى قتل حوالي مليون عراقي، يمكن التأكد من أن الجيش الأميركي قد فشل فشلا تامًا في إنجاز مهمته في العراق وأن المقاومة الشعبية العراقية قد أثبتت للعدو قبل الصديق أن الشعب الذي أختار طريق الحرية لا يمكن إخضاعه. ونتوقع أن تكون لهذه المعركة المركزية التي أختارها عدو الشعوب أبعادًا منها قريبة ومنها بعيدة المدى في باقي الساحات.

الاشتراكية في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق أسيا

أُنتخبَ هوغو شافيز عام 1998 رئيسًا لفنزويلا، بناءًا على برنامج إصلاحي يدعو للمزيد من الديمقراطية وإعادة سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية واستخدام أرباحها لتحسين ظروف معيشة الفقراء (والجدير بالذكر أن فنزويلا من أكبر الدول المنتجة للنفط). رغم محدودية هذا البرنامج واجهت الإمبريالية هذا النظام الجديد في محاولة انقلاب عسكري وفي حملة إضرابات لأصحاب رؤوس الأموال، في محاولة لتدمير البنية التحتية الاقتصادية ومحاولة اغتيال، وغيرها من المؤامرات. وردًا على ذلك، تزايد تمسك شعب فنزويلا بالنظام، و حسم النظام نفسه موقفه، وأعلن هدفه بإنشاء الاشتراكية.

في الأرجنتين، بعد ما أدت سياسة “الليبرالية الجديدة” إلى انهيار اقتصادها في أواخر 2001، ظهرت حركة احتجاج شعبية أسقطت سلسلة من الرؤساء، وأوصلت إلى الحكم التيار اليساري في الحركة “البيرونية” القومية. واستطاع هذا النظام الجديد برئاسة كيرشنر إلغاء معظم الديون الخارجية، وإعادة تأميم ممتلكات الشعب التي بيعت في مرحلة الخصخصة، ومن هنا الانطلاق لتطوير الاقتصاد الوطني.

فشلت السياسات الليبرالية الجديدة بسبب زيادة الفقر ومعاناة الجماهير الشعبية، بشكل خاص في دول أميركا اللاتينية حيث شددت الإمبريالية الشمال أميركية سيطرتها عليها باعتبارها “حديقتها الخلفية”. وفي المقابل يظهر نجاح الثورة الكوبية والنظام الاشتراكي الذي خلقته منذ عام 1959 بتأمين حاجات الجماهير الشعبية من صحة وتعليم وسكن وغذاء وثقافة وأمان. وفي غالبية بلدان أميركا اللاتينية تنمو حركات جماهيرية تسعي لأحداث التغيير نحو الاشتراكية، وأخر انتصاراتها لهذه السنة كانت انتخاب ايفو موراليس من “الحركة نحو الاشتراكية” رئيسًا لبوليفيا وانتخاب زعيم “الجبهة الساندينية للتحرّر الوطني” دانيال أورتيغا رئيسًا لنيكاراغوا، والتجديد لشافيز في فنزويلا.

في جنوب شرق أسيا، التي بانت كمرحلة معينة وكمثال إمكانية التطور الاقتصادي في العالم الثالث تحت نظام الرأسمالية، أتت الأزمة المالية عام 1998 لتكشف محدودية هذا التطور وخضوعها للسيطرة الإمبريالية بالسوق العالمي. وفي أغلب بلدان المنطقة بقيت ثمار التطور الاقتصادي محصورة على الأقلية الحاكمة وطبقة من المثقفين وتدهور وضع الكثير من الفلاحين والطبقات الشعبية، وفي بعض الدول مثل الهند والفيليبين اندلعت حركات تمرد شعبية.

وفي نيبال، التي كانت تعاني من حكم ملكي إقطاعي يسوده الفساد والعنجهية والتمييز الطبقي والعرقي، تمكنت حركة تمرد شعبية بقيادة “الحزب الشيوعي النيبالي (مأوي)” من تحرير أغلب مناطق البلاد عن طريق حرب شعبية وتشكيل تعاونيات زراعية في المناطق المحررة. وفي هذا العام (2006) نجحت الحركة الشعبية في نيبال أن تتوسع وتقفز قفزة نوعية من حالة تمرد تعتمد بالأساس على الفلاحين إلى حركة احتجاج ومظاهرات شعبية عمّت المدن وفرضت على النظام الملكي التنازل عن معظم صلاحيته، وفتحت الطريق واسعًا أمام التطور الديمقراطي والاجتماعي للبلاد.

نهوض الحركات الإسلامية

إذا كانت مناهضة الإمبريالية في غالبية بلدان العالم تسير تحت راية الاشتراكية، فإنه في الوطن العربي وفي الكثير من البلدان والمجتمعات الإسلامية نشهد نهوض حركات إسلامية على رأس التيارات الشعبية المناضلة ضد الأنظمة الاستبدادية والهيمنة الإمبريالية.

هذا الانقلاب السياسي نابع جزئيًا من إخفاق الحركات القومية واليسارية التي لعبت دورًا مركزيًا على الساحة السياسية في العقود السابقة. تعد قضية فلسطين من بين القضايا المركزية التي أخفقت فيها البعض من حركات اليسار، حيث كان الكثير من اليساريين يدعون لـ”السلام الإسرائيلي الفلسطيني”، ويعاملون المعتدي والمعتدى عليه على قدم المساواة.

بالمقابل، أثبتت الحركات الإسلامية قدرتها على تطوير برامجها وأساليب عملها، وحافظت على إمكانيات التحرك في ظل كل أنواع القمع السلطوي، ووصلت إلى أعلى مستوى من الفاعلية والتأثير في أسوأ الظروف مثل المقاومة الإسلامية في فلسطين أو في ظل الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

زاد حكم الثورة الإسلامية في إيران من تأثير الإسلام السياسي، كونه أول نظام في التاريخ الحديث طبق الإسلام بروح السيادة الوطنية وبناء الاقتصاد الوطني. وشاهدنا داخل الثورة الإسلامية الإيرانية صراعًا سياسيًا بين تيارات تحمل أجندات مختلفة وتمثل مصالح طبقات مختلفة. وفي انتخابات 1997 فاز برئاسة الجمهورية الإسلامية محمد خاتمي، على رأس التيار الليبرالي البرجوازي الذي يحمل برنامج خصخصة الاقتصاد والتقارب مع الولايات المتحدة. وبعد تغيير المناخ العالمي نحو اليسار، عاد التوازن داخل الثورة الإسلامية لصالح التيار الراديكالي، وفي حزيران 2005 فاز ممثل هذا التيار، محمود أحمدي نجاد، برئاسة الجمهورية. برنامج أحمدي نجاد في إيران لا يختلف كثيرًا عن برنامج الأيام الأولى لشافيز في فنزويلا، ويرتكز على سيطرة الدولة على ثروات النفط وإخراجها من دائرة نفوذ الشركات الرأسمالية الكبرى، واستعمالها لتطوير الاقتصاد الوطني ولتحسين الظروف المعيشية للشعب، كما يعمل على مناهضة الإمبريالية على ساحة المنطقة والعالم.

توجد بين الحركات الإسلامية النشطة اليوم فوارق في الطرح الاجتماعي والسياسي، وعلينا أن نحدد توجهنا لكلٍ منها حسب مواقفها وأفعالها. ومن الحفاظ على مصلحة وسلامة المجتمع نرفض أي نوع من التكفير أو الفتنة الطائفية، ونرفض توجهات متخلفة كموقف حركة طالبان التي منعت النساء من التعليم والعمل، كما نرفض استعمال الدين على أيادي بعض الأنظمة الفاسدة لحماية مصالحها الذاتية. بالمقابل نقدر موقف وأعمال العديد من الحركات الإسلامية في مواجهة الإمبريالية والأنظمة الخادعة لها، كما نقدر الإنجازات الاجتماعية التي قامت بها، مثل توفير الخدمات الطبية وبناء المؤسسات التعليمية وتعزيز البنية التحتية الاقتصادية وغيرها.

ومن هنا نطرح تحالف القوى الاشتراكية والإسلامية المناهضة للإمبريالية، وندعو للحوار البناء بين هذه القوى. كما ندعو لتطوير إستراتيجية عمل تتركز على نصرة الطبقات الشعبية والعدالة الاجتماعية وصيانة الاقتصاد الوطني عن طريق ملكية الدولة للقطاعات المركزية للاقتصاد وضمان الأسس الصلبة لحماية السيادة الوطنية.

أزمة النظام العربي

عصر الجمود

في عصر التغييرات السريعة عالميًا، برز الوطن العربي منذ سبعينيات القرن الماضي كمعقل الجمود والتخلف. هذا الجمود لم يكن ناتجًا عن غياب الرغبة في التغيير، إنما كان نتيجة مؤقتة لقوة التحالف الذي يعمل على وقف مسيرة التاريخ. تقف على رأس هذا التحالف، المدعوم من القوى الإمبريالية الأوروبية، الولايات المتحدة الشمال أميركية، والتي عزمت، بعد هزيمة مشروعها الإمبريالي في فيتنام، على فرض سيطرتها على الشرق الأوسط ولو بقوة السلاح. الشريك الثاني في هذا التحالف هو الحركة الصهيونية وإفرازاتها، متسلحة على أيدي الإمبريالية بأحدث الأسلحة ومدعومة اقتصاديًا وسياسيًا لتكون قوة ردع ورأس حربة ضد أي محاولة للتخلص من الهيمنة الإمبريالية في الوطن العربي. ولكن لم يكن بمقدور هذا التحالف العدواني أن يفرض سيطرته على الوطن العربي، مهما كانت قوته العسكرية، لولا وجود شريك ثالث محلي ينفذ سياسة الهيمنة الأجنبية على الأرض. وتلعب الأنظمة الرجعية العربية هذا الدور الهزيل، ومقابل الدعم الأجنبي بالحفاظ على عروشها لتطبق تعليمات الإمبريالية وتسهل عملية نهب ثروات الوطن وقمع حركات التحرر الشعبية.

وجاء ارتفاع أسعار النفط منذ السبعينيات وأهمية النفط العربي في الاقتصاد العالمي ليزيد من عزم ونفوذ هذا التحالف الإمبريالي الرجعي ومن إمكانية شراء من يمكن شراؤه من قيادات وأنظمة، ولقمع من يعرقل مصالحهم.

حرب العراق ومشروع الشرق الأوسط الجديد

منذ انهيار الدولة العثمانية عملت القوة الإمبريالية الغربية على تقسيم الوطن العربي كوسيلة مركزية لضمان هيمنتها عليه. بـ”فضل” هذا التقسيم تحكمت زمرة صغيرة من الملوك والأمراء والمنتفعين على دول ودويلات التقسيم، وخوفًا على سلامة أنظمتها تتعاون مع الاستعمار في محاربة حركات التحرير، وتتقاسم مع الإمبريالية في محصول نهب الشعوب. ولا تستثمر الرأسمال التي تجمعه هذه الزمرة الحاكمة في تطوير اقتصاد الوطن العربي، بل تحتفظ به في البنوك الأميركية بعيدًا عن الجماهير الجائعة وعن الاقتصاد العربي المجمد.

ارتكزت السياسة الإمبريالية في الوطن العربي حتى أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 على الحفاظ على النظام الحاكم، فإن الهجوم على برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك وعلى وزارة الحرب الأميركية في واشنطن أثبت للحكام في القوة الإمبريالية العظمى والوحيدة أن تراكم التناقضات في الوطن العربي يمكن أن يشكل خطرًا على مصالحهم. ومن هنا دعا المحافظون الجدد، الذين سيطروا لمرحلة معينة على التفكير والتخطيط الاستراتيجي الأميركي، إلى إعادة ترتيب “الشرق الأوسط الكبير” حسب المصالح الأميركية.

كانت مرحلة الاستعداد لغزو العراق والمرحلة الأولى بعد احتلاله تتميز بقصر النظر والغباء عند الفريق الأميركي والبريطاني الحاكم، فقد كان يطبخ الأكاذيب لتبرير الحرب وهو الوحيد التي صدق أكاذيبه. كان يعتمد على عملائه المأجورين لتقييم الرأي العام العراقي ولم يتوقع المقاومة الشعبية التي واجهت احتلاله. وقد لعبت إسرائيل واللوبي الصهيوني دورًا مهمًا في جر الإمبريالية إلى المغامرة العراقية بهدف ضرب البنية التحتية والإمكانية الدفاعية العربية. وبعد فشل عملاء الإمبريالية في السيطرة على العراق بقدرة “ديمقراطية الاحتلال”، تبنى الاحتلال سياسة جديدة تعتمد على إشعال الفتنة الطائفية. ولا تزال قوات الاحتلال الأمريكية تخوض معركة إبادة ضد الشعب العراقي وتعمل على تجزئة العراق واغراقه في الحرب الأهلية. وتعمل أمريكا مع خُدّامها الأوروبيين على زعزعة النظام في سورية وإيران، ولا تتوقف عن خلق الحجج الوهمية والواهية للتدخل في شؤونهما. كما أصبح استعمال التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية محظورًا “دوليًا” على إيران، في الوقت الذي تزوّد نفس القوة “الدولية” حبيبة أمريكا في المنطقة بسلاح الدمار الشامل لتتمكن من القضاء على كل معالم الحياة فيها.

وأخيرًا، وبعد أن عانى الشعب العربي الصومالي 15 سنة من النهب والقتل والجوع وانعدام أبسط الخدمات الإنسانية، تحت إرهاب أمراء الحرب المدعومين من قبل المخابرات الأمريكية، وبعد أن استطاع التخلص من هذا الظلم، لم تتردد أمريكا عن فتح جبهة جديدة في حربها الشاملة ضد الأمّة العربية وإعطاء الضوء الأخضر للاجتياح الأثيوبي في الصومال.

وتعني سياسة “الشرق الأوسط الجديد”، في صيغتها الحديثة بعد فشل العدوان على العراق، خلق “الفوضى البناءة” من خلال منع استقرار أي نظام يخالف مصالح أمريكا وإسرائيل، وإشعال الخلافات القومية، الطائفية والمذهبية، وزيادة تقسيم الوطن العربي إلى دوليات ليس لديها مقومات الوجود المستقل، والقيام بحرب إبادة طويلة الأمد لمنع الحرية، الوحدة والتطوير.

حرب لبنان 2006

نشاهد في الساحة اللبنانية نفس مركّبات السياسة الإمبريالية، ولكن في سياق مختلف، وقد نتج عن انتخابات لبنان 2005، في ظلّ قانون الانتخابات الطائفي الظالم الموروث عن الاستعمار الفرنسي، أغلبية برلمانية مؤيدة للهيمنة الأمريكية. لكن هذا الانتصار الاستعماري لم يُرضِ رغبات المستعمر، الذي يطالب الحكومة اللبنانية بخوض الحرب الأهلية من أجل تجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها، وتنفيذ قرار “المجتمع الدولي” رقم 1559. وأصبح وجود أي قوة في لبنان على استعداد للدفاع عن أرض لبنان، يعتبر “إرهابًا”، يعتدي على حق إسرائيل بالاجتياح والقصف والاحتلال.

أتى العدوان الإسرائيلي على لبنانتنفيذاً لهذه السياسة نظرًا لتقصير الحكومة اللبنانية في أداء المطلوب منها. ولم تُخفِ إسرائيل أن ضرب المقاومة الإسلامية عسكريًا وضرب البنية التحتية اللبنانية، هدفهما السياسي هو تثبيت دور الحكومة اللبنانية المؤيد للمشروع الإمبريالي. كما لم يُخفِ الممثلون الرسميون للسياسة الأمريكية منذ بداية العدوان، ومن خلال جهودهم لضمان المناخ الدولي لاستمراره، أنه جزءٌ لا يتجزأ من مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

أفشل صمود المقاومة الإسلامية الأسطوري، والتحام كافّة فئات الشعب اللبناني حولها، مخطط ضرب لبنان وإخراجه عن انتمائه العربي وإغراقه في الحرب الأهلية. ولكن لا يزال لبنان مستهدفًا ضمن المشروع الإسرائيلي الأمريكي، ولم ينسحب الاحتلال من كافة الأراضي اللبنانية، كما تستمر إسرائيل في انتهاك السيادة اللبنانية. ويأتي قرار “مجلس الأمن” رقم 1701 ليمنح المعتدي، من خلال “الشرعية” والقوات الدولية، ما فشل في كسبه من خلال المعركة العسكرية.

الوضع الفلسطيني وتثبيت نهج المقاومة

العلاقة الجدلية بين القضايا الفلسطينية والعربية

من خصوصيات القضية الفلسطينية الربط العضوي بينها وبين مجمل القضية القومية العربية. الإمبريالية البريطانية ومن بعدها الشمال أميركية دعمتا الاستيطان الصهيوني وبناء قوته العسكرية وشجعتاه على التوسع والعدوانية ليس لهدف السيطرة على فلسطين واستغلال سكانها ومواردها الطبيعية فقط، بل لفرض السيطرة الاستعمارية على المنطقة العربية برمتها، وضمان المصالح الإمبريالية باستغلال موارد النفط العربي. وكان الشعب العربي الفلسطيني هو الضحية الأولى لهذا المشروع الاستعماري، حيث شُرد من وطنه لغرض بناء قاعدة صلبة على أنقاضه ينطلق منها ويهدد ويهاجم كل من يتحدى مصالح الإمبريالية في المنطقة.

منذ بدء الغزو الصهيوني قاوم الشعب الفلسطيني المؤامرة لاقتلاعه من وطنه، وقد وصل في هذه المقاومة إلى أعلى الدرجات من البطولة والتضحيات، ونذكر الإضراب العام سنة 1936 والذي استمر نصف سنة، وثورة 1936-1939 التي واجه فيها الثوار الجيش البريطاني والعصابات الصهيونية لمدة 3 سنوات. في 1948 كانت المحاولة العربية لإنقاذ الشعب الفلسطيني من نكبته غير مجدية بسبب ضعف الأنظمة العربية التقليدية الفاسدة وتبعيتها للإمبريالية. وبعد هزيمة الأنظمة العربية عام 1967 وقفت الثورة الفلسطينية مجددًا على رأس حركة النهضة القومية العربية وزاد الأمل بأن يكون هذا التلاحم العربي حول القضية الفلسطينية مفتاحًا لتغيير ميزان القوى في المنطقة – إلى أن صدمت في الهزائم والمذابح النكراء على يد الجيشين النظاميين الأردني في أيلول الأسود 1970 والسوري في الحرب الأهلية في لبنان عام 1976. مع التراجع في حركة الجماهير، انتقلت معالجة القضية الفلسطينية إلى ساحة “عملية السلام”. “عملية السلام” هذه، حسب مفاهيم الإمبريالية التي تتحكم فيها، وكما أثبتت عشرات السنين من مجراها، تعتمد على الحفاظ على التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي. من خلالها تضرب إسرائيل العرب الذين، من ناحيتهم، يتوجهون إلى الولايات المتحدة لتوقّف الضربات الإسرائيلية. ومقابل حمايتها تدفع الأنظمة العربية ثمنًا غاليًا من سيادة بلدانها وثروتها الطبيعية، ومن هذه الأرباح الهائلة تستثمر الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا في زيادة التفوق العسكري الإسرائيلي وفي تمويل العدوان التالي في هذا المسلسل الطويل.

وإذا كانت الإمبريالية معنية بإيجاد حل شكلي للقضية الفلسطينية، فإن هدفها من وراء هذا الحل هو إزالة الحاجز النفسي عند الجماهير العربية الذي يعرقل التعاون المكشوف بين إسرائيل وبين باقي عملاء الإمبريالية في المنطقة العربية ويمنع إسرائيل من بسط كامل لنفوذها الاقتصادي إضافة إلى نفوذها العسكري. ولذلك فالإمبريالية غير معنية بحل يخفض من تفوق إسرائيل الإستراتيجي أو من قدراتها على شن عدوان على كل قوة تطالب استقلال ووحدة الوطن العربي. ولذلك تطالب الإمبريالية من الطرف الفلسطيني تقديم كل التنازلات لإنجاح “عملية السلام”، ابتداءً من التنازل عن حق العودة حتى الاعتراف بالمستوطنات، الخ.

الصراع في فلسطين

الانتفاضة الأولى التي انطلقت في 9 كانون أول 1987 أعادت مركز النضال الفلسطيني إلى الأرض الفلسطينية. من خلال اعتمادها على العمل الجماهيري وعلى التنظيم الشعبي، تمكنت الانتفاضة من تحويل إدارة شؤون الاحتلال اليومية إلى المستحيل، وقد جاء الاعتراف الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية واتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة لهذا المأزق الإسرائيلي. لكن الفريق الفلسطيني المفاوض في اوسلو اعتمد على “حسن النية” عند الطرف الإسرائيلي-الأميركي لمواصلة “عملية السلام” وبالتالي تنازل عن حق المقاومة للشعب المحتل مع إن الاحتلال لم يتوقف، ولو ليوم واحد فقط، عن الاستيطان والتشريد واستعمال كافة أنوع العنف والقتل.

حاول التحالف الأميركي الإسرائيلي استعمال مأزق اتفاق اوسلو ومحاصرة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال لفرض تنازل نهائي عن الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة. ولكن قيادة فتح برئاسة الأخ ياسر عرفات – أبي عمار، التي قبلت باتفاق اوسلو، رفضت الخضوع للضغوطات الإمبريالية، وبالتالي انطلقت الانتفاضة الثانية في أيلول 2000. مما أدى إلى ملاحقة ابي عمار من قبل سلطات الاحتلال التي حاصرته في المقاطعة في رام الله ولم تتوقف عن ملاحقته حتى استشهاده.

شهدت الانتفاضة الثانية ارتفاع وتيرة الصراع، وزادت سلطات الاحتلال من جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، من محاصرة كل قرية ومدينة فلسطينية وتجويع المواطنين ومنع الإمدادات الطبية وسياسة القتل المتعمد للناشطين والقيادات والمذابح اليومية وتدمير المزارع والتجمعات السكانية، الخ، قائمة جرائم الاحتلال طويلة وكل يوم تُسجل فظاعات جديدة. ومن خلال الموقف العدائي تجاه العرب والمسلمين الذي تبنته القوى الإمبريالية تلقت إسرائيل دعم غربي كامل لكل سياستها الإجرامية، ولا نسمع دوليًا إلا مطالبة الضحايا بـ”التخلي عن العنف”.

رغم وحشية القمع الاحتلالي استمرت الانتفاضة الشعبية بمقاومة الاحتلال وأثبتت أنه لا توجد قوة عسكرية تقدر عن تثبت الاحتلال. ونتيجة هذا الصمود الأسطوري أجبر جيش الاحتلال على تفكيك المستوطنات في قطاع غزة وعلى الانسحاب منها عام 2005. ورغم أن الحصار المفروض على قطاع غزة ما هو إلى استمرار للاحتلال باوسلوب مختلف، ورغم استمرار المذابح الوحشية ضد سكان غزة من الجو والبر والبحر والغزوات العسكرية الإسرائيلية، فإنه ولأول مرة منذ اندلاع الصراع هنالك جزء من أرض فلسطين تحت سيادة فلسطينية.

في هذه الظروف خاض الشعب الفلسطيني أول تجربة ديمقراطية تمثلت بانتخابات المجلس التشريعي الأخيرة، التي أدت إلى تغيير الحكومة الفلسطينية، وأثبتت تمسك الشعب بخيار المقاومة، رغم وحشية الاحتلال. وأتى الرد الإسرائيلي الأمريكي المدعوم مما تبقّى من القوى الاستعمارية الأوروبية، بزيادة الحصار والتجويع، وتعريف مقاومة الاحتلال على أنها جريمة إرهابية، و إلى محاولات جديدة لفرض حرب أهلية على الشعب الفلسطيني الصامد.

الأوضاع في الأراضي المحتلة منذ عام 1948

سياسة النظام الداخلية
التطهير العرقي مستمر

منذ بداية الغزو الصهيوني الاستعماري لفلسطين، مرورًا إنشاء دولة إسرائيل وضمان “الأغلبية اليهودية” فيها بالمجازر وبالتطهير العرقي، وحتى هذه الأيام، كان وما يزال توجه المؤسسة الصهيونية توجهًا عدائيًا تجاه الجماهير العربية الفلسطينية. وفقًا للمشروع الصهيوني “أرض إسرائيل” موعودة لليهود، وكل أذرعها ومؤسساتها تعمل، علنًا وخفاءً، على اقتلاع أبناء هذا الوطن، ليكملوا، تدريجيًا، اقتلاع ما تبقى من العرب في ارض فلسطين.

لا يفسح المجال هنا لسرد أشكال وتفاصيل السياسة العنصرية، ونتكفي أن نذكر بان التمييز ممنهج في كافة مجالات الخدمات، بما فيها السلطات المحلية، الصحة، التعليم، والممارسة العنصرية لهيئات التخطيط التي تمنع البناء في أغلبية المناطق العربية وبالتالي تؤدي إلى سياسة هدم البيوت العربية وعلى رأسها مشروع ترحيل عرب النقب. نذكر أيضًا سياسة التمييز في التشغيل سواء في المؤسسة العامة أو الخاصة، وأساليب القمع الوحشية التي تمارسها أذرع النظام من شرطة ومخابرات وعلى رأسها عمليات القتل المتعمدة والممنهجة ضد أبناء شعبنا والتي تقابَل بالتشريع والتشجيع من كافة مؤسسات النظام السلطوية والقضائية، وما هي إلا مجزرة بالأقساط لدفع عملية التطهير العرقي التدريجي.

“الليبرالية الجديدة”

موقع إسرائيل الرائد في معسكر الرجعية العالمية ودورها كخادم أول للإمبريالية الشمال أمريكية ينعكسان على سياستها الداخلية. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفقدان التوازن في السياسة العالمية أخذت الأنظمة الرأسمالية في الهجوم على حقوق الجماهير الشعبية وخاصةً العمال تحت شعاري “الإصلاح” و”العولمة”. وكان النظام الإسرائيلي في طليعة المطبقين لهذه السياسات من خصخصة ممتلكات الدولة، تقليص الميزانيات للخدمات الاجتماعية، سحق حقوق العمال في القوانين واتفاقات العمل، وإنشاء العبودية الجديدة من خلال استغلال العمال الأجانب.

بما إن أغلبية العمال العرب كانوا وما زالوا على هامش الاقتصاد الإسرائيلي ولا يتمتعون بغالبية الإنجازات التي حصل عليها العمال في القطاعات الاقتصادية الرئيسية، فقد كانوا في نفس الوقت الضحية الأولى للسياسة “الليبرالية الجديدة” وهم أول من يُقذف بهم إلى جيش العاطلين عن العمل كما تكون الميزانيات والخدمات الاجتماعية للجماهير العربية الأولى في قائمة التقليصات.

حركة الجماهير

لا توجد خيارات سهلة لتنظيم الجماهير العربية الفلسطينية في داخل أراضي 1948. إذا كان النضال وطنيًا، قوميًا، مناهضًا للاحتلال والعنصرية، فإن النظام يلقاه بردة فعل عنيفة، ويتشدد في الحفاظ على قاعدته “الداخلية”.

إذا كان النضال نضالا مطلبيًا فان العرب لن يتواجدوا في مراكز القوة والتأثير، والنظام يعمل دؤوبا على مواصلة تهميشهم. وإذا كان النضال “ديمقراطيًا” و”سياسيًا” فإن هامش التحرك المتاح ضيق جدًا والسلطات العنصرية تتجاهل بل تحتكر الرأي العام العربي ولا تتعامل مع ممثلي الجماهير العربية إلا بالإهانات لكسب الرأي العام العنصري بين الجماهير اليهودية.

مرحلة أوسلو من الأوهام إلى خيبة الأمل

في مرحلة اتفاق أوسلو، في أواسط تسعينيات القرن الماضي، كان الكثيرون يتوقعون بأن القضية الفلسطينية على وشك حل سياسي لن يشمل اللاجئين ضحايا التطهير العرقي عام 1948، وأن الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل أُخرجت من دائرة هذا الحل، ويبقى مصيرها التاريخي الاندماج في الدولة اليهودية ومحاولة تخفيف وتيرة العنصرية التي تعاني منها. لكن زيف الحل السياسي المنشود قد ظهر منذ بداية مسيرته، فقد ركزت حكومة رابين-أوسلو على تكثيف الاستيطان وهدم البنية التحتية الفلسطينية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967.

ومع أن حكومة رابين كانت أول حكومة إسرائيلية اعتمدت على دعم نواب “الكنيست” العرب المسترشدين بأوهام “السلام”، فان الحكومة نفسها أثبتت رفض المؤسسة الصهيونية لأي مشاركة حقيقية للجماهير العربية الفلسطينية في الداخل وسد الطريق على التأثير “الديمقراطي” في القضايا السياسية أو المطلبية. مع خيبة الأمل من أوهام المشاركة السياسية وتخفيف حدة العنصرية، شهدت أواخر التسعينيات موجة عارمة من النضالات الشعبية المطلبية، كان من أبرزها معركة الدفاع عن بيوت أم السحالي قرب شفاعمرو ومعركة الدفاع عن أراضي الروحة قرب أم الفحم إضافة إلى مظاهرات يوم الأرض 2000 في سخنين التي تحوّلت إلى مواجهة ضد زرع معسكر للجيش على أراضي البلد، وأدت إلى استشهاد الحاجة شيخة أبو صالح.

أبعاد الانتفاضة الثانية

ميّزت هذه الروح النضالية والثقة بالنفس رد الفعل الجماهيري في الداخل على أثر الزيارة الاستفزازية للفاشي شارون وتدنيسه لمسجد الأقصى وللمجازر الجماعية التي قامت بها سلطات الاحتلال في أيلول وتشرين أول عام 2000.

مع اشتعال الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية وقطاع غزة التهبت الانتفاضة في الجليل والمثلث والنقب، فإذا كان إضراب “يوم فلسطين” 21/12/1987 قد جاء ردة فعل متأخرة، وبعد 12 يوم من انطلاقة الانتفاضة الأولى التحق فلسطيني الداخل بها ليوم واحد فقط،، فقد جاءت هبة القدس والأقصى في أكتوبر 2000 ردة فعل سريعة وقوية استمرت عشرة أيام وسقط فيها 13 شهيدًا ومئات الجرحى والمعتقلين. ولكن رغم كل عنفوانها العفوي افتقدت هبة القدس والأقصى في الداخل البنية التحتية الاجتماعية والهيكلية السياسية لتمكين استمرارها.

وبعد ما لجأت السلطات في “عيد الغفران” للتجنيد الفاشي للجماهير اليهودية للهجوم على مدينة الناصرة لقتل سكانها العرب، وبعد العمل الدؤوب من قبل القيادات التقليدية على تهدئة الخواطر وتسكين الأوضاع، عادت الأمور إلى مجراها غير الطبيعي، رغم التضحيات والمأزق السياسي، والهبة الجماهيرية في الداخل لم تنتهي بهزيمة، بل إنها تشكل محطة متقدمة في سلسلة المواجهات التاريخية بين جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل وبين الحقد العنصري، وقد جاءت هبة أكتوبر تتويجًا لسلسلة من الهبات والمحطات النضالية، كأول أيار 1958، يوم الأرض 1976، “يوم فلسطين” والعديد من الأيام والمناسبات الوطنية.

والدليل القاطع على الروح النضالية العالية التي تمتعت بها الجماهير بعد هبة أكتوبر نراه من خلال انتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية 6/2/2001، حيث سبقت حركة الجماهير كل القيادات وجاءت المقاطعة كانتفاضة سياسية لم يسبق لها مثيل ضد “التبعية للنظام” رافضة عقلية الدعم لأحد أطراف النظام الصهيوني بكونه ” أقل الشرين “.

استمر النضال الجماهيري السياسي والمطلبي بعد هبة أكتوبر 2000 على وتيرة مرتفعة، كما ظهر في عدد من الإضرابات العامة في بعض المناسبات الوطنية، وكثافة عشرات المظاهرات الشعبية خلال الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة والقطاع ومجزرة جنين في نيسان 2002، وبروز ذكرى هبة القدس والأقصى إلى جانب يوم الأرض الخالد كيوم وطني تحييه الجماهير، والمظاهرات الجماهيرية ضد العدوان الإمبريالي على العراق سنة 2003، والعشرات من النضالات الجماهيرية ضد هدم البيوت ومصادرة الأراضي وغيرها.

مرحلة التراجع

لا شك أننا نمرّ اليوم في مرحلة من التراجع في النضال الجماهيري، وبعد ست سنوات من انطلاقة الانتفاضة الثانية تقلص دور جماهير الداخل ورغم بشاعة جرائم الاحتلال غابت المظاهرات الجماهيرية والإضرابات، ورغم تشديد عنصرية السياسة الحكومية تجاه جماهيرنا يكون رد الفعل تحت المستوى المطلوب. ومن هنا نعود إلى ضعف البنية التحتية الاجتماعية وإلى عدم جاهزية الأطر السياسية لمستوى التحديات ونؤكد على ضرورة العمل على معالجة هذه الإخفاقات لنتمكن من الدفاع عن جماهيرنا ولنأخذ دورنا الكامل في العمل الوطني.

أشكال وإشكاليات تنظيم الجماهير

الأحزاب

رغم “الأزمة الحزبية”، ما زالت الأحزاب والحركات السياسية تشكل العمود الفقري لحركة الجماهير، وبعد مرحلة طويلة كان فيها الحزب الشيوعي هو صوت المعارضة المركزي في وجه الأحزاب الصهيونية، استقر تقسيم الشارع السياسي بينه وبين الحركة الإسلامية وتيار ليبرالي يمثله “التجمع” وتيار أبناء البلد.

رغم الفوارق الجوهرية في العقيدة والبرامج السياسية التي تتبناها هذه الأحزاب، فان في مواجهة السياسة العدوانية الإسرائيلية وحرب الإبادة التي تشنها ضد الشعب العربي الفلسطيني، كما في مواجهة السياسة العنصرية التدميرية ضد جماهيرنا في الداخل، من المفروض أن يشارك الجميع في نضال جماهيري موحد. الفشل في بناء وحدة الجماهير في هذه المعارك الدفاعية يؤثر سلبيًا على قدرة النشاط والتجنيد، والمسؤولية لهذا التقصير المستمر يعود بالأساس للطبيعة الخاصة لكل من الأحزاب والحركات: الحركة الإسلامية تتمتع بأكبر قاعدة جماهيرية، كما تثبت مهرجانات “الأقصى في خطر” التي أصبحت أكبر عمل جماهيري في الداخل، ولكن طابعها الديني لا يمكنها من قيادة الجماهير بمفردها، لتعددية المذاهب الدينية من جهة ولموقف الكثيرين الذين لا يأخذون من الدين مصدرًا لمواقفهم السياسية من الجهة الأخرى، وبالمقابل تتغيب الحركة الإسلامية أو تشارك جزئيا فقط في بعض المناسبات والأعمال الوطنية والتي من مفروض أن تكون جماعية.

عند الأحزاب “البرلمانية” – “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”التجمع الوطني الديمقراطي”- أصبحت المكاسب الانتخابية هي مقياس النجاح أو الفشل وهي الضمان لاستمرارية العمل الحزبي، خصوصًا في ظل مراهنة الجهاز الحزبي على التمويل الذي تحصل عليه القائمة من الكنيست، ومن هنا أصبح إبراز “الخصوصية الحزبية” ضرورة ملحة بغض النظر عن المبررات الموضوعية، وغالبًا يأتي التركيز على العمل الحزبي على حساب الوحدة المنشودة، وإذا تطرقنا لحركتنا (أبناء البلد)، فهي أيضًا أخفقت حتى الآن في أخذ دورها الذي نتمناه في صناعة وحدة العمل الجماهيري. إن موقف الحركة السياسي يمكنها أكثر من غيرها أن تكوّن علاقات ثقة وتعاون مع الأحزاب الأخرى، ولكن مجموعة من التقصيرات والثغرات في المجال التنظيمي وفي الأداء السياسي والجماهيري تعرقل تطبيق هذه المهمة.

الجمعيات

إلى جانب العمل والتنظيم الحزبي، وكجزء من ظاهرة عالمية، تطورت أطر “المجتمع المدني” من جمعيات ومؤسسات تتخصص في مجالات مختلفة، البعض منها يقدم خدمات اجتماعية والبعض يعمل على قضايا جماهيرية أو تربوية وغيرها.

مع تمُّلص الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية، والخصخصة ونقل مسؤوليات الدولة الاقتصادية إلى القطاع الخاص ضمن سياسة “الليبرالية الجديدة”، زاد دور الجمعيات أهمية. على خلفية الطابع العنصري للدولة الصهيونية، والتوجه العدواني لمؤسستها تجاه الجماهير العربية، توجدْ أهمية خاصة في مجتمعنا لتطوير وتوسيع نفوذ المجتمع المدني في كافة المجالات. ولكن أهمية هذه المؤسسات لن تخفى عن عين الأنظمة الرأسمالية والإمبريالية وقد شكلت شبكات مختلفة عالمية ومحلية تعمل على تمويل العديد من الجمعيات بهدف احتوائها سياسيًا لمصلحة النظام أو لمنع تطوير عملها الجماهيري لحد التهديد لأركان النظام. وقد تحولت مؤسسات المجتمع المدني إلى ساحة معركة بين طالبي التغيير وبين ضغوط بعض الممولين، وهذه المعركة لا مناص منها ولا تقلل من أهمية هذه المؤسسات، ولكنها تفرض المزيد من تطويرها والحفاظ على ولائها للجماهير.

اللجان الشعبية

في الكثير من الحالات النضالية تتغلب حركة الجماهير على الانقسامات الحزبية وعلى محدودية إمكانيات عمل الجمعيات بتشكيل لجان شعبية نضالية تتلاءَم مع ديناميكية النضال وتلبي حاجته التنظيمية في الوحدة ومشاركة أكبر قطاع من الناشطين في صنع القرار. أشكال هذه اللجان تتغير من موقع إلى موقع حسب الظروف العينية، وغالبًا تكون عضويتها تطوعية، وتشمل كل الأطراف المعنية، والأمثال كثيرة من اللجنة الشعبية للدفاع عن أراضي الروحة، مرورًا باللجان التي تمثل مجموعات من المهجرين أو من سكان القرى غير المعترف بها، وصولا إلى اللجنة الشعبية التي تتولى مظاهرات يوم الأرض في سخنين واللجنة التي نشطت ضد حرب لبنان الثانية في حيفا. ويمكن النظر إلى لجان الطلاب العرب في الجامعات كصيغة متقدمة من اللجنة الشعبية، لإستمراريتها ولاعتمادها على مبدأ الانتخابات. هذه اللجان الشعبية تشكل النواة لـ”سلطة المجالس الشعبية” التي تمكّن الجماهير من الدفاع عن مصالحها، ولذلك علينا دراسة التجارب المختلفة وتطويرها على أرض الوقع.

لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية

تجربة الحياة في ظل النظام العنصري تفرض على جماهيرنا العربية الفلسطينية أجندة كاملة من الدفاع عن النفس ضد مؤامرات الاقتلاع والترحيل ولمكافحة عنصرية وعدوانية النظام وللعمل على بناء مجتمعنا اقتصاديًا وثقافيًا ولمعارضة سياسة النظام التعسفية ضد شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية. كل هذه الأجندة تتطلب العمل الوحدوي، وقد أخذ بالعمل على إنشاء بعض المؤسسات القطرية التي تتناول قضايا مختلفة مثل اللجنة القطرية لمتابعة شؤون التعليم والجمعية للدفاع عن حقوق المهجرين ولجنة الأربعين والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب ولجنة متابعة شؤون أسرى الحرية، وبعض المؤسسات المهنية مثل مركز عدالة القانوني ومؤسسة الجليل، والمؤسسة العربية لحقوق الإنسان، وغيرها، وتشكلت “لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل” لتوحد هذا العمل الجماهيري تحت سقف واحد.

تجمع لجنة المتابعة بتركيبتها وبتجاربها الكثير من إشكاليات العمل الجماهيري في الداخل، وهي ليست مؤسسة “فوق حزبية” بل ملتقى للمؤسسات والحركات، تلعب فيها الأحزاب الدور الحاسم، وإذا اتفقت الأحزاب تصبح لجنة المتابعة هي العنوان الرسمي لاتخاذ القرار بالإضراب أو بالمظاهرة ومسؤولية التنفيذ ترجع للأحزاب ذاتها أو للجان الشعبية وللمؤسسة المختصة، وإذا اختلفت الأحزاب تظهر لجنة المتابعة مشلولة، وأحيانا تتفق الأحزاب على العمل المشترك ولكن تتنصل من تنفيذ ما وافقت عليه. رغم الالتزام العلني منذ عدة سنوات بإعادة بناء لجنة المتابعة، تحافظ اللجنة على بنيتها التقليدية التي تضمن التمثيل والتأثير لكل “ممثلي الجماهير العربية” في الكنيست وغيرها من المؤسسات الصهيونية (بما فيها ممثلي الأحزاب الصهيونية)، كما تزيد من وزن رؤساء المجالس المحلية، يمثلون، غالبًا، مصالح قطاعات خاصة، في اتخاذ القرار السياسي، وبالمقابل لا تتراجع قيادات الأحزاب المتنفذة في لجنة المتابعة عن استغلال الانشقاق الذي مرّت به حركتنا عام 1999 لسلبها التمثيل في سكرتارية لجنة المتابعة.

والمطلوب هو التغلب على نهج الخلافات الحزبية ومنح الأولوية للمصلحة العامة وللعمل النضالي الوحدوي، وإقامة جهاز تنفيذي عن طريق لجان شعبية وحدوية في كل موقع، وانتخاب القيادة ديمقراطيا.

المواقف السياسية

عن شرعنة العنصرية والتطهير العرقي

بعد المرحلة العاصفة من إنشائها بالحرب وبالتطهير العرقي، تعمل إسرائيل الكثير من أجل شرعنة ما حصلت عليه بالقوة والعنجهية. ولأنه في روح العصر الحديث يشكل الطابع الديمقراطي للنظام أهم أسس شرعنته، تعمل إسرائيل على تسويق نفسها دوليا كـ”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ما أعجب هذه الديمقراطية التي شكلت حكم “الأغلبية” اليهودية بطرد أغلبية سكان البلاد الأصليين، وتضم “ديمقراطيتها” “كريات أربع” و”أريئيل” وتغلق أكثر من ثلث سكان فلسطين في الجيتويات تحت القبضة الحديدية العسكرية وتثبت عنصريتها في تحديد هويتها كـ”دولة يهودية” وتهمش بل تعمل على اقتلاع ما تبقى من العرب الفلسطينيين في البلاد.

لابتزاز الاعترافات والشرعنة، تعمل إسرائيل وأسيادها الإمبرياليون على تجزئة الموقف الفلسطيني والعربي، وفي مؤتمر مدريد واتفاق اوسلو فرضت على الأطراف العربية والفلسطينية عدم التطرق لقضايا العرب في الأراضي المحتلة منذ 1948، كما اعتمد اتفاق اوسلو على فصل قضية احتلال 1967 عن قضية اللاجئين، وكما يشرط القانون الإسرائيلي المشاركة في انتخابات الكنيست في الاعتراف بشرعية الطابع اليهودي للدولة وبذلك شرعنة نتائج التطهير العرقي.

ردًا على ذلك كان موقفنا وما زال رفض تجزئة الشعب الفلسطيني ورفض منح أي صفة شرعية للتطهير العرقي أو للنتائج النابعة عنه، وعدم الدخول في لعبة الديمقراطية الإسرائيلية الزائفة وكشف الستار عن الطابع العنصري للنظام. وكانت مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني هي أقوى أسلوب سياسي للتعبير عن هذه المبادئ والمواقف.

توسيع نفوذ موقف المقاطعة

مع تراجع الحركة الجماهيرية عالميًا ومحليًا واتفاق اوسلو وأوهام الحل السلمي ومحاولات الأسرلة والاندماج شاهدت التسعينيات أخطر تراجع في فكر المقاطعة. وتراجعت حركة أبناء البلد في مرحلة مشاركتها في تشكيل “التجمع” عام 1996 تحت مجمل الضغوط الخارجية، من أصحاب الفكر الوطني البرجوازي الذين تمنوا الاندماج في الدولة عن طريق تحويلها إلى “دولة كل مواطنيها”، والضغوط الداخلية من بعض القادة التاريخيين للحركة الذين دعوا للتخلص من عبء الموقف الراديكالي وللاستفادة من المشاركة في اللعبة البرلمانية الصهيونية. وبعد أن وصل مسلسل التراجع والتنازلات إلى حد تهديد وجود حركة أبناء البلد، جاءت الحركة التصحيحية داخل الحركة. أدت هذه الحركة التصحيحية إلى خروج أبناء البلد من التجمع نهائيًا في بداية عام 1998، وأفشلت محاولة بعض القيادات على جرّ الحركة إلى المشاركة في انتخابات الكنيست عام 1999، وأخيرًا تثبت موقف الحركة في مؤتمر أب 2000 الذي تبنى الموقف المبدئي من مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيونية ضمن البرنامج السياسي للحركة.

التشبث بالموقف المبدئي مكن الحركة من أداء الدور الرائد إلى جانب أهالي شهداء هبة القدس والأقصى في حملة المقاطعة الجماهيرية لانتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية في شباط 2001، وكانت هذه المقاطعة أكبر عمل سياسي جماعي للجماهير الفلسطينية في الداخل حيث شارك فيها حوالي 85% من جماهيرنا. وكان موقف الأحزاب البرلمانية متردد تجاه هذا الموقف الجماهيري العارم، خوفًا من ترسيخ ثقافة المقاطعة لدى الجماهير، وكما نرى في الكثير من اللحظات الثورية وأن حركة الجماهير سبقت كل القيادات.

بعد النجاح في مقاطعة انتخابات الرئاسة، جاء الامتحان الأصعب لنهج المقاطعة في انتخابات الكنيست عامي 2003 و2006. وفي مثل هذه الانتخابات تجند الأحزاب كل إمكانياتها وتشغل كافة علاقتها الاجتماعية وتأثيرها، بالإضافة إلى استنفار كوادرها لضمان أكبر تمثيل لها. ولكن رغم كل ذلك شاهدنا ارتفاعًا ملحوظ لنسبة المقاطعة إلى حوالي 40% في 2003 وإلى 45% في 2006. هذه النسَب المتزايدة للمقاطعة لا تعبر بالكامل عن قوة الموقف على أرض الواقع، ورغم انعدام التمويل والضعف التنظيمي لحاملي حملتها تحولت المقاطعة إلى موضوع الحديث الأول في الشارع السياسي عشية الانتخابات.

قد تكون دوافع المقاطعين في الانتخابات متنوعة بين مقاطع مبدئي وبين الذي فقد الأمل في إمكانية التأثير من خلال انتخابات الكنيست، وبين المحتجون على سلوك الأحزاب المشاركة، فإن في 2006، ولأول مرّة، تشكلت لجنة شعبية لمقاطعة الانتخابات تعبر عن هذا التنوع. ولا يوجد تناقض موضوعي بين اسباب المقاطعة المختلفة لدى الجماهير، وإذا كان الدافع هو عدم جدوى المشاركة، فهذا يرجع لالطابع العنصري للنظام. وإذا كان السبب هو موقف الأحزاب وتغلب المصالح الذاتية على المصلحة العامة، وهذا أيضًا يرجع لنفس طابع النظام العنصري الذي يحدد الدور الهامشي للأحزاب العربية، وفي ظل هذه الظروف من المستحيل أن تحصل هذه الأحزاب في الكنيست على تحسين جدّي في وضع الجماهير أو تنفذ برامجها، وهي أصلاً تشارك في الانتخابات لضمان مصالحها الخاصة.لذلك تصوّب حركة المقاطعة الجماهيرية عفويًا في اتجاه المقاطعة المبدئية، وقد اعتمدت الحركة على هذه العفوية في بناء أوسع تحالف “انتخابي” حول برنامج المقاطعة في انتخابات الكنيست 2006. ولكن تصادم هذا التحالف في مصلحة بعض السياسيين الذين شاركوا في الحملة، والذين دعوا للمقاطعة تكتيكيًا فقط، بهدف فسح المجال لمشاركتهم في انتخابات قادمة، ولذلك تناقضت مصالحهم مع ترسيخ فكر المقاطعة، وعرقلت العمل المشترك على إنجاح المقاطعة.

الخطاب الناظم للنضال المطلبي

لا بد لأي إنسان ولأي مجموعة إنسانية أن يعملوا على تحسين ظروف حياتهم، مهما كانت الصعوبات، العامل يخرج يوميًا للصراع على لقمة العيش وصاحب العمل يواجه يوميًا المنافسة التناحرية في السوق الرأسمالي، وما أصعب هذا الصراع في ظل العنصرية الحاكمة، في دولة تعمل بكامل إمكانيتها على اقتلاع الفلاح العربي من أرضه، وأصحاب رؤوس أموال صهاينة من أعلى مستوى اقتصادي يعملون مع جهاز الدولة على تهميش أو طرد العامل العربي، وعلى كسر ظهر صاحب العمل العربي. والحال الوحيد لهذا الظلم والذل يوجد فقط في القضاء على العنصرية وتشكيل النظام الوطني الديمقراطي، وبعدها طرح الاشتراكية لتأسيس العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على أسس العدالة.

هذا هو الربط الصحيح والموضوعي بين النضال المطلبي وبين التغيير السياسي الجذري، ولكن إمكانية تغيير نظام الحكم ليست واردة في أغلب الأحيان واستمرار النضال المطلبي يتطلب مجموعة من الشعارات الناظمة التي تساعد علي تنظيم الجماهير وتطوير نضالها والحصول على إنجازات ملموسة. ومن خلال تطوير حركة الجماهير وزيادة الوعي والثقة في صفوفها، تعود هذه النضالات والإنجازات وتهيئ وتسهل عملية التغيير الجذري. كل شعار جزئي يحمل في طبيعته الإمكانية في أن يتحول إلى وهم في وجود حال إصلاحي يخفف من حدة الصراع ويمنع ضرورة التغيير الجذري. ولكن مراحل الصراع تتحكم فيها التناقضات الموضوعية، والضمان الأقوى لاستمرارية النضال هو توفير ميزان القوى الذي يسمح بذلك، والقيادة الحكيمة هي التي تربط بين كل أشكال النضال ومراحله المختلفة. ولذلك نرفض التنازل عن الشعارات والمهمات المرحلية، بل ندرس كلاً منها حسب فوائدها في بناء حركة الجماهير وفي توجيهها في الاتجاه الصحيح. ليس من الصعب الاتفاق على مجموعة هائلة من الشعارات المطلبية من “زيادة ميزانية التعليم”، و”بناء مستشفى” و”زيادة الأجور” الخ، وأيضًا على مجموعة مشابهة من الشعارات الرافضة من “لا لهدم البيوت” إلى “مكافحة العنصرية”.

لكن ما هي الشعارات الناظمة التي تربط بين كل الشعارات المطلبية العينية؟ رفعت الجبهة الديمقراطية شعار “المساواة”، ولكن هذا الشعار ناقض في الخلط بين الفوارق الاجتماعية “الطبيعية” في النظام الرأسمالي وبين نتائج التمييز العنصري وعدم إبراز الطابع غير الطبيعي للنظام الصهيوني ومن هنا أدى هذا النهج في بعض الأحيان إلى تحالفات مع “اليسار” الصهيوني وعدم الإدراك الكافي لأهمية وحدة الجماهير العربية.

وجاء التجمع ليظهر إشكالية “يهودية الدولة” وطرح “تحويل إسرائيل إلى دولة كل موطنيها”، ولكن تحت تهديد لجنة الانتخابات بإلغاء قائمته ورضوخًا للرأي العام الصهيوني تراجع والتزم بالاعتراف، وبل تبرير هذا الطابع العنصري. وفي غياب موقف واضح وحاسم يطالب بعودة كل اللاجئين الفلسطينيين إلى كل الأماكن التي طردوا منها، ومع اعتبار يهودية الدولة تحصيل حاصل، ويبقى شعار “دولة كل مواطنيها” مطالبة غير ناجعة للاندماج في الدولة دون تغيير جذري في طابعها، وهذا يتناقض مع تحديد الموقف الوطني والقومي الشمولي الذي ابتدعه التجمع.

محاولة أخرى تتقرر في خطاب العديد من الناطقين باسم جماهيرنا في الداخل تحدد وضعنا كـ”أقلية قومية” في محاولة الإستفادة من حقوق الأقليات حسب الشرعية الدولية. ومع إن كل حق من هذه الحقوق يعتبر إنجاز بالنسبة للوضع الراهن وإن الاستعانة بالمواثيق الدولية مطلوبة ومفيدة، ولكن ما لا توجد حاجة اليه هو تحريف التعريف العلمي، وإن العرب في فلسطين ليسوا أقلية مظلومة من قبل الأغلبية، بل أغلبية احتلت وهجرت وتخضع لنظام عنصري.

هذه الرؤية وفهمنا حقيقة طابع النظام دفعتنا لعدم الثقة المسبقة بلجنة أور، ونذكر هنا هذه التجربة لأن هذه اللجنة الهزيلة ظهرت عند البعض في مرحلة معينة كأنها الثمرة السياسية للهبة الجماهيرية العظيمة، وقد حذرنا منذ تشكيلها أنها أداة للنظام، وأنه من المستحيل أن يحقق النظام بشكل جدي بجرائم جهازه “الأمني” أو يتراجع عن نهجه العنصري.

في هذا السياق نرى الأهمية القصوى لتنظيم جماهيرنا، ليس فقط للدفاع عن النفس بوجه عدوانية النظام، بل لترتيب وتحسين ظروف معيشتها في ظل هذه العدوانية ومن هنا جاء برنامج “الادارة الذاتية” كشعار ناظم لهذا التوجه. ونوضح أننا لا نعتبر شعار الادارة الذاتية شعارًا سياسيًا يطرح حالة خاصة لجماهيرنا في ظل الحكم العنصري، لأن الحال السياسي الذي لا نتنازل عنه هو إلغاء العنصرية وعودة اللاجئين، وتشكيل الدولة العلمانية الديمقراطية في كل فلسطين التاريخية. ولكن في هذه الأثناء، وحتى تتوفر ظروف الحل الدائم، لا بد لهذا القطاع من الجماهير أن يأخذ زمام الأمور بإدارة شؤونه الذاتية.

نذكر أيضًا استعمال المقارنة بين الحالة الفلسطينية وبين أوضاع السود تحت نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) في جنوب أفريقيا. وقد يلاحظ بعض معارضي هذه المقارنة أن عدوانية الصهيونية لعرب فلسطين أخطر من نظام الفصل العنصري لان هدفها ليس استغلال العرب بل تدمير المجتمع العربي في فلسطين والتطهير العرقي لسكانها. من المهم إن نأخذ هذه الملاحظة الصادقة في اعتبارنا، ولكن مقارنة عنصرية إسرائيل مع العنصرية الأقل منها لنظام الأبرتهايد يمكن أن تخدم شرح القضية الفلسطينية، خصوصًا بفضل الموقف المبدئي لمناهضي الأبرتهايد الذين رفضوا منحه أي صفة شرعية. بالتالي تساعدنا هذه المقارنة على الطلب من المجتمع الدولي في رفض التعامل مع النظام العنصري وفي مقاطعته ومحاصرته.

التناقضات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي

منذ حرب 1973 وظهور محدودية قوتها، دخلت إسرائيل في أزمة سياسية مزمنة ليس لها علاج، المجتمع الإسرائيلي ينقسم بين الحركة الاستيطانية التوسعية التي ما زالت تسعي لزيادة مساحة السيطرة الإسرائيلية وبين غربة الكثير من المستفيدين من الاحتلال السابقة والمعنيين بتثبيت واستقرار ما حصلوا عليه. وكل خطوة نحو الحل السياسي تفسر عند حركة المستوطنين كخيانة، ما أدى إلى قتل رئيس حكومة اوسلو – رابين – على أيدي المتطرفين. بالمقابل فإن الجمود السياسي التي يفرضه التعنت والتمسك بالمستوطنات يُظهر عدم ثبات إنجازات الصهيونية السابقة ومسارها نحو حروب بلا نهاية حتى الانهيار.

لذلك فإن كل حكومة إسرائيلية تجد نفسها في عين الأزمة والمأزق السياسي ولا تطول أيامها قبل أن تحيط بها تحقيقات الفساد ومؤامرات الخيانة السياسية بين الحلفاء والشعور بفقدان الطريق. وحاولت بعض الحكومات، كما فعلت حكومة أولمرت – بيرتس أخيرًا، كسر “الجمود” عن طريق المبادرة لحرب جديدة. ولكن من حرب إلى حرب يثبت كل مرة من جديد رغم عظمة إسرائيل العسكرية فإنها غير قادرة على فرض شروطها على الشعوب العربية. وبالمقابل فإن كل “مبادرات السلام” لا تتجاوز عقلية فرض الشروط بالقوة، ولا تؤدي إلى نتيجة.

رغم الشعور بالأزمة فإن المجتمع الإسرائيلي غير قادر على خلق الحلول أو البدائل السياسية. وبسبب كونه مجتمع من المهاجرين، فإن البديل عند الكثير من الإسرائيليين هو الهجرة من جديد والانضمام إلى المجتمعات الغربية. حتى الآن، وبفضل الدعم المكثف من الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الصهيونية استطاعت ربط مصير الجماهير اليهودية في فلسطين بها. وإذا زاد الفقر والفجوات الطبقية في المجتمع الإسرائيلي فإن النضال المطلبي لتحسين ظروف المعيشة للجماهير لن يتجاوز حدود المطالبة بالجزء الأكبر من ثمر الاحتلال والحرب، لأن ظروف الجماهير العربية أسوأ بكثير، ومن هنا فإن الحفاظ على المصالح الاقتصادية المباشرة للجماهير اليهودية داخل قوانين المجتمع الصهيوني العنصري لا يؤدي إلى فك وحدة الصف الصهيونية. وخير دليل على ذلك حركة اليهود “الشرقيين” (من أصل عربي) والتي كانت أكبر إنجازاتها قرار المحكمة الإسرائيلية العليا الذي أقر حق اليهود في أحياء الفقر مشاركة المستوطنين في الاستفاضة من الأراضي العربية المصادرة.

في مرحلة اوسلو، ومع الوهم الصهيوني بالقضاء على القضية الفلسطينية وإخراج اللاجئين الفلسطينيين من دائرة الحل السياسي، ظهر تيار فكري يسمى “ما بعد الصهيونية”، دعى إلى تحويل دولة إسرائيل إلى دولة طبيعية والابتعاد عن مرحلة التوسع والاستيطان. ولكن هذه الحركة بأطروحتها التي تتجاهل الحق الفلسطيني ما هي إلاّ محاولة أخرى لتثبيت التطهير العرقي والاحتلال. كذلك الكثير من مجموعات ما يسمى بـ”اليسار الإسرائيلي” والتي تسعى لـ”حل القضية الفلسطينية” عن طريق إبعاد الفلسطينيين عن أرض فلسطين ليستطيعوا متابعة أجندتهم “التقدمية”.

بالمقابل، وعلى ضوء عظم النضال الفلسطيني في مرحلة الانتفاضة الثانية، نرى تطور نوع جديد من الحركات، على مثال “حركة تعايش” و”التحرريين ضد الجدران”، التي تتأثر من النضال الشعبي الفلسطيني وتسعى للالتحاق به. رغم محدودية تأثير هذه الحركات في المجتمع الإسرائيلي، ورغم وجود بعض التأثير لضغوط المجتمع الصهيوني على مواقفها، فإنها تحمل الأمل في أن يتخلص جزء من الجماهير اليهودية في فلسطين من المأزق الذي تؤدي إليه الصهيونية، غبر الابتعاد عن عقلية الجيتو المصالح والمعادي للشعوب العربية بخدمة الإمبريالية، وتفتح الطريق لدعم حركات التحرر الفلسطينية والعربية. وفي حرب لبنان الأخيرة قاد هذا التيار معارضة الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي في الوقت الذي انضم فيه “اليسار الصهيوني” المزيف إلى مؤيدي العدوان.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: