Skip to content

المنظر من شارع الجبل

يوليو 27, 2012

عن موقع “أجراس العودة”

يبدأ شارع الجبل في حي وادي النسناس، القريب من ميناء حيفا، ويتسلق جبل الكرمل متوجّهًا نحو دير “ستيلا ماريس”، وقد يكون هذا الطرف من جبل الكرمل هو البقعة الوحيدة من فلسطين التي ترى منها البحر حين تنظر شَمالاً. ويمتد النظر ليشمل مدينة عكا القديمة ومستوطنة نهارية ومن بعدها جبال رأس الناقورة تناطح البحر وتستر الجنوب اللبناني…

عانى شارع الجبل الكثير على مدى السنين، فقد طُرد معظم سكانه العرب، مثلهم مثل أكثر من 70,000 من سكان حيفا العرب، أثناء التطهير العرقي الجماعي عام 1948. وقد حوّل الصهاينة اسم الشارع إلى “شارع الأمم المتحدة” – تقديراً منهم لقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين ومنحها مدينة حيفا العربية للدولة اليهودية ومن ثم شرعنة جرائم التطهير العرقي التي ارتكبوها. وبقى القليل من سكان حيفا العرب، حوالي ثلاث آلاف، في حي وادي النسناس الواقع في الطرف الأسفل من شارع الجبل. وانضم إلى العرب في حيفا خلال السنين الكثير من لاجئي القرى والمدن الشمالية الذي هدمت عام 1948، فسكنوا في شارع عباس الممتدّ إلى غربه، فزاد العرب وملأوا شارع “الصليبيين” القريب من قمة الكرمل ووصلوا حتى شارع  “الثاني من نوفمبر”، الذي أراد الصهاينة أن يخلّدوا من خلاله وعد بلفور المشئوم… وفي 1974 كانت الثورة الفلسطينية في أوجها وفرضت على العالم الاعتراف بالحق ونفي الباطل، فكان أن أدانت الأمم المتحدة الصهيونية كحركة عنصرية، مثلها مثل نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقية. غضب الصهاينة على الأمم المتحدة فعادوا وغيّروا اسم الشارع إلى “جادة الصهيونية”. ولكن شاءت المفارقة أن تصبح “جادة الصهيونية” هي المحور الرئيسي لحيفا العربية المتجددة. وتشكل هذه التسمية استفزازاً لمشاعر غالبية سكان الشارع، مما أدّى إلى مطالبات متزايدة بتغيير اسم الشارع وإعادة اسمه الأصلي – شارع الجبل.

بحسب سياسة “التعايش” المنشودة لبلدية حيفا، لا يوجد في حيفا مراكز عربية، وإنما مراكز “يهودية عربية”، أهمّها “بيت الكرمة” الموجود في شارع الجبل، عند مفرق شارع الكرمة، على ملتقي حي الواد مع حي الألمانية السياحي وحي الهدار مختلط الطوائف. في مناسبة الأعياد الشتوية تقيم بلدية حيفا مهرجان “عيد الأعياد” في وادي النسناس، الذي يرتاده عشرات الآلاف من الزائرين، معظمهم من اليهود الإسرائيليين، فوادي النسناس في حيفا هو البقعة الأخيرة في فلسطين العربية التي يشعرون براحة التجوّل فيها كسياح.

كان يوم 28.12.2008 آخر أيّام “عيد الأعياد”، وكان شباب نادي “حيفا الغد” منهمكين باستقبال زوّار معرض تضامن مع أهل غزة تحت الحصار عندما وصلت أخبار المجزرة الصهيونية الجديدة بحق أهل غزة. وسرعان ما تحوّل المعرض إلى مركز انطلقت منه الاتصالات مع كل القوى الوطنية والديمقراطية في حيفا والإعدادات للمظاهرة الوحدوية في شارع الجبل قرب بيت الكرمة، حيث رُفعت أعلام فلسطين والشعارات والهتافات المندّدة بجرائم الصهيونية والمناصرة لأهل غزة وصمودهم الأسطوري. ثم عادت المظاهرة لتتحوّل إلى مسيرة جماهيرية جابت شوارع حارة الواد…

اختيار موقع المظاهرة قرب بيت الكرمة ومقطع شارع الجبل الواقع بين شارع الكرمة وشارع عباس، كانت له عدّة أسباب، منها كثافة السكان العرب في المنطقة، ووجودها على مفترق طرق رئيسي يوصل رسالة المظاهرة الغاضبة إلى الجماهير العربية واليهودية، ومنها قرب الموقع من حيّ الواد، الذي يوفر الظروف للمتظاهرين فرصة الدفاع عن النفس في حالة الهجوم المعادي، لازدحامه وكثرة أزقّته… ومنذ هذا التاريخ واصلت القوى الوطنية في حيفا المظاهرات اليومية، وفي بعض الأيام نظمت أكثر من مظاهرة واحدة، معظمها توقّف أو انطلق أو مرّ في المقطع المذكور من شارع الجبل. وكان من الطبيعي أن طرحت اللجنة الشعبية، التي تقود حملة الاحتجاج والمظاهرات، تسمية هذه منطقة المظاهرات “ساحة غزة”.

لماذا غزة؟

عندما جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في أوائل 2006 شكّك الكثيرون في جدّية وجدوى المشاركة في هذه الانتخابات في ظل الاحتلال، ولكن لا بدّ أن نرى اليوم أهمية الفرصة التاريخية التي استغلها الشعب الفلسطيني – رغم كل محدودياتها – لسحب الشرعية من نهج التعاطي مع المشروع الإمبريالي الصهيوني الظالم وللتأكيد على نهج مقاومة الاحتلال ورفض شرعنة جرائم التطهير العرقي من عام 1948 والتمسك بالحقوق الوطنية. لا بد من الانتباه أن مهندسي السياسة الإمبريالية فوجئوا بانتصار حماس واعتبروه ضربة لمشروعهم، ومن ثم ألغوا كل إدعاءاتهم بالحاجة لدمقرطة العالم العربي. ولكن هذا الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني لم يتحقق على وجه الأرض إلاّ بعد فرض حماس سيطرتها على قطاع غزة بقوة سلاحها في حزيران 2007، وذلك بعد محاولات منهجية من القوى الإمبريالية لتسليح وتدريب قوىً فلسطينية متعاونة لخلق الفوضى والانفلات الأمني والحرب الأهلية في القطاع.

لأول مرة منذ احتلال فلسطين عام 1948 تمكنت حماس في غزة من السيطرة على قطعة من الأرض الفلسطينية تحت سيادة فلسطينية وتشكيل ميزان قوى يحميها ويضعها خارج نطاق التدخلات “الأمنية” الإسرائيلية. ولا عجب، فهي غزة الأبيّة التي قاومت الاحتلال في الستينات والسبعينيات، وأعلنت الانتفاضة الأولى وكان اتفاق أوسلو نتيجة رغبة الاحتلال في التخلص من عبئها أولاً (وأجهض اتفاق أوسلو حينئذ فرصة التحرير غير المشروط). وفرضت غزة انسحاب جيش الاحتلال والمستوطنين عام 2005، ورغم قسوة الظروف، يمكن القول أن قطاع غزة كان أوّل أرض فلسطينية شبه محرّرة. ولم يُخْفِ الصهاينة تمنّياتهم بأن تغرق غزة في مياه البحر، حسب تعبير “رجل السلام” الإسرائيلي رابين. وبالتالي لم نستغرب وحشية الحصار والمذابح من قبل نظام القهر العنصري تجاه أول بقعة من الأرض الفلسطينية المحررة، ولم يكن صمود غزة ومقاومة غزة من شأن أهل غزة فحسب، وإنما يشكّل صمودها ومقاومتها المحور الرئيسي للصراع التاريخي بين القوى الظالمة وبين آمال الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة كلها أن تعيش بسلام وأمان وازدهار.

لماذا أكتب؟

لم توقفْ صرختنا أية طائرة أو دبابة أو حتى رصاصة واحدة في حملة القهر العنصري المجنون الموجّه ضد أهل غزّة أطفالاً ونساءً وشيوخًا ورجالاً ومقاومين؛ ولم يَشفِ علم فلسطين المرفوع في حيفا جُرح طفلة واحدة من آلاف ضحايا العدوان. فلماذا نتظاهر؟ ولماذا أكتب عن تجاربنا النضالية البسيطة هذه، وهي تخلو من البطولة، واحتمال تأثيرها العمليّ معدوم، إذ لا يمكن أن تأخذ السلطات الإسرائيلية القمعية رأينا بحسبان ديمقراطيتها المزيفة، والعرب الفلسطينيون داخل الكيان الصهيوني العنصري هم من الكائنات المهدّدة بالانقراض ولا يمكن أن يشكلوا توازن قوة مع آلة الحرب المدمّرة، واليهود أصحاب الضمير هم قلّة منبوذة في المجتمع الإسرائيلي العنصري، فلماذا تشغل بالك أيها القارئ في تفاصيل ما يشبه زوبعة في مستنقع؟

شهدنا أكبر مظاهرات التنديد بالعدوان في تركيا، وهي عضو “حلف ناتو” الإمبريالي وتقيم تحالفاً عسكرياً مع إسرائيل، وتخوض معركة قمع وإرهاب ضد الشعب الكردي. ولكن ها هي تركيا موجودة في حالة صراع داخلي بين حركة إسلامية انتصرت في انتخابات ديمقراطية وشكلت حكومة، وبين المؤسسة العسكرية المعنيّة في تصعيد القمع الداخلي ومحاربة الأكراد والتحالف مع إسرائيل والإمبريالية. وقد يكون التحرّك لنصرة الشعب الفلسطيني جزءًا من تحرّك جماهير تركيا لكسب حرّيتهم وللتحرّر من رواسب الديكتاتورية والهيمنة الغربية.

كذلك الأمر في كل أنحاء المنطقة، وما إسرائيل إلا قلعة عسكرية متقدمة للإمبريالية ولضرب حركات التحرر في المنطقة، “مسمار جحا” مزروع في قلب الوطن العربي الممزّق، يتدخل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لفرض الهيمنة الأجنبية ويشكل الذريعة للضغط والعقوبات والتدخّلات العسكرية… ومع نموّ ثقافة المقاومة والرفض الشعبي للهيمنة الإمبريالية تزداد عدوانية وشراسة السياسة الإمبريالية الصهيونية ولكن يقلّ مفعولها وقدرتها على فرض إملاءاتها…

من هنا وجب أن نراجع أجندتنا لنحتلنها ونطوّرها. نلاحظ بعد فشل العدوان الأمريكي على العراق وفشل العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، أن مشروع الشرق الأوسط الجديد قد سقط من الأجندة الإمبريالية. مستقبل أفضل لهذه المنطقة، لا يمكن أن يبشّر به طرح ينساق مع المشروع الإمبريالي بل وينجم عنه، لذلك فالتصدّي للمشاريع الإمبريالية يجب أن يقترن مع صياغة وطرح البدائل، وتكون ورشة صياغة البدائل هي ساحة النضال ضد الهيمنة الإمبريالية وضد حروبها ومجازرها، بحيث تكون ساحة صياغة البدائل هي ساحة النضال ضد الهيمنة الإمبريالية وضد حروبها ومجازرها، ومن خلال بناء القوى والتحالفات والرؤية والأخلاق لشرق أوسط جديد – يضمّ فلسطين حرّة ديمقراطية وعالمًا عربيًّا حرًّا، موحَّداً، يُدار بأيدي شعوبه ولمصلحة جماهيره المقهورة.

من هذا المنظور يكون تحركنا الجماهيري البسيط جزءًا من تشكيل القاعدة الجماهيرية لعملية التغيير، وجزءًا من محاصرة الحصار وعزل النظام العنصري، ملتحمًا بذلك مع المقاومة البطولية لأهل غزة. وفي هذه الأوقات العصيبة أحاول أن أنقل انطباعات سريعة وجزئية من هذا القطاع في المعركة الكبيرة، آملاً أن نستفيد جميعاً من تبادل المعلومات والأفكار. لهذا نتحرّك ولهذا أكتب.
تراكم وتطوّر التجربة النضالية لفلسطينيي 48

العرب الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود الدولة اليهودية بعد جرائم التطهير العرقي عام 48 يشكّلون جزءًا حيًّا وفعّالاً من الشعب الفلسطيني، يَعُدّ أكثر من مليون نسمة، منهم حوالي الربع لاجئون في وطنهم، ويعانون جميعاً من العنصرية والقمع المنهجي في كل مجالات الحياة. صحيح أن الانقطاع والفرق في الظروف الموضوعية أدّى إلى نشوء أحزاب وحركات وحياة سياسية خاصة داخل منطقة فلسطين48؛ ولكن رغم ذلك، ما زالت تحركات “عرب الداخل” تدور حول الأجندة العربية والفلسطينية نفسها، مع تقلّباتها خلال مراحل التاريخ، من القومية العربية على النمط الناصري، والشيوعية الثورية والإصلاحية، ونموّ الثورة الفلسطينية المسلّحة والجماهيرية، والليبرالية الجديدة والحركات الإسلامية…

بعد اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية تحت هيمنة الاحتلال صدّق البعض أن حلّ القضية الفلسطينية سيكون من خلال دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت تيارات مركزية في مناطق 48 تعمل على تطوير أجندة نضالية لتحسين أوضاع العرب داخل الدولة اليهودية، ولكن هذا الأجندة وصلت إلى طريق مسدود نتيجة لعنصرية النظام.

كانت مشاركة عرب الداخل في الانتفاضة الأولى من خلال يوم غضب واحد، “يوم فلسطين” في 21121987، بعد مرور 12 يومًا على انطلاقة الانتفاضة. وقد شهدت السنوات الـ-13 ما بين انطلاقة الانتفاضة الأولى والثانية عملية تراكمية مستمرّة في تطوّر وعي الجماهير وطرق التنظيم، تجلّت في بناء مجتمع مدنيّ متطور يواجه العنصرية في المناطق والمجالات المختلفة، ووصلت ذروة التعبير عن نفسها في مرحلة النضالات الجماهيرية في أواخر التسعينيات مع مواجهات أراضي الروحة وأم السحالي. وعندما انطلقت انتفاضة القدس والأقصى في أواخر أيلول 2000 عمّت الانتفاضة الجماهير العربية الفلسطينية في النقب والمثلث والجليل والمدن المختلطة، وشارك عشرات الآلاف من الجماهير في مواجهة قوات القمع والقتل؛ وقد توحد التضامن الطبيعي مع معاناة الأخوة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ 1967 مع خيبة الأمل من لاجدوى الأساليب الإصلاحية في محاولات مواجهة العنصرية المتفشّية، كما ارتفعت وتيرة الغضب والرغبة في التحدي، أمام عنف الشرطة التي قتلت بدم بارد 13 من المتظاهرين وجرحت المئات. وقد استمرّت الانتفاضة في مناطق 48 عشرة أيام متتالية.

أما في أيام عدوان تموز 2006 على لبنان فقد شهدنا تجنّب الجماهير الفلسطينية التحرّك السياسي الواسع أثناء الحرب، خوفاً من ردّ فعل عنيف من قبل النظام. وكان المنفذ المفضَّل هو تحرّك مشترك مع مناهضي الحرب في الوسط اليهودي؛ ومن هنا الدور البارز للمظاهرات ضدّ الحرب في مدينة حيفا المختلطة، والتي لم تتوقف خلال كلّ أيام العدوان، كما من هنا المشاركة العربية المهمّة في مظاهرات تل أبيب مع القوى اليهودية غير الصهيونية.

فلسطينيو 48 وحصار غزة

حصار غزة وجد فلسطينيي 48 غير جاهزين لمواجهة الظرف التاريخي، خصوصًا بالنظر إلى الخلاف الفلسطيني الفلسطيني من خارج سياق الصراع الرئيسي مع الاحتلال، ومع تعوّد غالبية القيادات في مناطق 48 على الاكتفاء بدور الداعم لموقف حركة التحرر الفلسطينية دون محاولة التأثير والمشاركة في صياغة طريقها. العلاقات الهشّة والمتوترة أحيانًا، بين قيادات الأحزاب المحلية، والنابعة عن الصراعات على مراكز القوى، شكّلت عائقًا إضافياً أمام التحرك الجماهيري ومنعت في حالات كثيرة العمل المشترك وبالتالي تسبّبت بابتعاد غالبية الجماهير، وهي بالطبع غير حزبية، عن ساحة العمل النضالي.

بعد مرور نصف سنة على فرض الحصار المشدّد على قطاع غزة، تشكّل الائتلاف لكسر الحصار، وشارك في تشكيله الحركة الإسلامية على جناحيها الشمالي والجنوبي والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة أبناء البلد وأحزاب أخرى، مع غياب ملحوظ للحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية. وقام الائتلاف بأول مظاهرة جماهيرية مشتركة في مدينة الناصرة في 512008. ورغم أن قيادة الحزب الشيوعي كانت تتغزل في ذلك الحين بقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله وتطعن في شرعية سلطة حماس المنتخبة، رأينا من الممكن والضروري توحيد القوى الجماهيرية حول مطلب كسر الحصار، وقد تمّ ذلك في أهمّ مراحل التضامن مع أهل غزة خلال سنة 2008، وانطلقت فعاليات مثل مسيرة أم الفحم الوحدوية في الرابع من آذار ومحاولة الانطلاق في سفينة التضامن لفلسطينيي 48 من ميناء يافا في السابع من كانون أول.

وسجّل الانشداد نحو التضامن المباشر مع أهالي غزة في معاناتهم وصمودهم تطورًا ملحوظًا في الدور التاريخي لفلسطينيي 48 تجاه القضية الفلسطينية… في الماضي كان هنالك من راهن على “عرب الداخل” سينخرطون كجزء من النظام السياسي الإسرائيلي ويشكلوا وسيلة ضغط على هذا النظام العنصري نحو “الحل السلمي” للقضية الفلسطينية. وقد أثبت النظام مجدّدًا أنه غير قادر على الإصلاح إذ طالما رفض أي دور للعرب “المواطنين” في صياغة سياساته، وعلاوة على ذلك اشتدت عنصريته وعنجهيته في مناطق 48 و 67. وكان ردّ الفعل لفلسطينيي 48 تطوير رؤية للصمود والصراع طويل الأمد بدل الانخراط، ولأول مرّة تستثمر هذه الرؤية سياسياً في التضامن مع غزة تحت الحصار في تجاوز الموقف المتقوقع للفريق الفلسطيني الذي ما زال يراهن على “عملية السلام” الفارغة من أي مضمون.

لا أكتوبر ثانٍ

في سيناريوهات الحرب الإسرائيلية يشكّل الرجوع إلى ما يشبه انتفاضة أكتوبر 2000 في الداخل أحد عوامل الخطر، إلى جانب فتح جبهات عربية على الحدود. وكانت مواجهات انتفاضة القدس والأقصى في الداخل – خلافاً للوضع في المناطق المحتلة منذ 67 – ردّ فعل جماهيري عفويّ لم يقف وراءه أيّ تنظيم، وكان للقمع الدمويّ لحركة الاحتجاج السلمية في جوهرها، دور أساسي في ازدياد وتيرة المواجهات، صبّ كلّ ذلك في نشوء نوع من الردع المتبادَل بين الجماهير والنظام…

من يوم 28.12.2008، مع انطلاق النظام العنصري في حملة المذابح والإبادة ضد أهالي غزة المحاصرين، انطلق تحرّك جماهير 48 الفلسطينية متضامنين مع الأهل في غزة، مناشدين جماهير العالم العربي وكل أحرار العالم التحرّك لنجدة غزة. وعمّ التحرّك الجماهيري كل قرية وبلدة ومدينة، وفي الكثير من المواقع سُجلت أرقام قياسية من ناحية عدد المظاهرات وعدد المشاركين فيها؛ وقد شهدت مدينة سخنين الجليلية الصامدة في الثالث من كانون ثاني أكبر مظاهرة جماهيرية في مناطق 48 منذ الاحتلال، وهي مظاهرة دعت إليها لجنة المتابعة العربية التي تضمّ كلّ قيادات فلسطينيي48. وإذا كانت المظاهرات الجماهيرية في الداخل تتميّز في الماضي بتباين الفرَق والأجندات، بحيث يتظاهر كل تيار دينيّ أو حزبيّ تحت أعلامه وشعاراته، وكانت أبناء البلد تتميز في رفع أعلام فلسطين والشعارات الوطنية “الملتهبة”؛ فإن مظاهرة سخنين الجبارة، سارت هذه المرّة كلّها تحت رايات فلسطين – راية الحرية على أرض الوطن – والأعلام السوداء، ونادت كلّها بشعارات التمسك بالوطن والصمود والعزم على الثورة على طريق التحرير، مَثلُها في ذلك مَثلُ مظاهرات حاشدة أخرى في كلّ أنحاء البلاد.

في الأسبوع الثاني للعدوان، بعد أن بدأت قوات الاحتلال الاجتياح البري لأراضي قطاع غزة، أخذ جهاز الشرطة الصهيونية، بأمر من المستشار القضائي للحكومة، في محاولة قمع المظاهرات من خلال تفريق بعض المظاهرات بالقوة واعتقال مئات المتظاهرين، وشنّ حملة التحقيق والتهديد بحق الناشطين. وقد حاولت الشرطة إعادة توقيف المتظاهرين الذين أطلق سراحهم خلال الأسبوع الأول من العدوان وتمديد توقيفهم حتى انتهاء الإجراءات القانونية، الأمر الذي يعني البقاء في المعتقلات أشهرًا طويلة، وكلّ ذلك بهدف ردع الجماهير عن المشاركة في المظاهرات. ولغاية كتابات هذه السطور تستمرّ حركة المظاهرات الاحتجاجية، ونسمع عن مواجهات متفرّقة هنا وهناك، بعيدًا عن المواجهة الشاملة، ولكن نرى أنّ هنالك عملية تراكمية قوامها حركة الجماهير.

معارضتان” للحرب داخل المجتمع اليهودي في فلسطين

في المجتمع الإسرائيلي، تتميز المرحلة الأولى من كل حرب جديدة في انشداد الدعم الإعلامي والجماهيري حول النظام؛ وفقط بعد تراكم الخسائر بين الجنود واستمرار الحرب وفقدان آفاق المكسب السياسيّ تبدأ التساؤلات والشكوك والمعارضة… وهذا نمط تحرّك يميّز “مناهضي الحرب” من بين الصهاينة، الذين يرون مصلحتهم من خلال المشروع الاستعماري العنصري، ويدركون أنه لا يمكن لهذا المشروع التقدّم إلاّ عن طريق الحروب والمذابح وردع الفلسطينيين والعرب عن المطالبة بحقوقهم. ونحن لا نعتبر هؤلاء “مناهضي حرب” أو “دعاة سلام” بل “مناهضي فشل الحرب”، وفي أحسن الأحوال هم يحاولون تثبيت مكاسب الصهيونية من حروبها السابقة، عبْر التسويات السياسية.

تسبّب أزمة الصهيونية تلاشي “معسكر السلام” الإسرائيلي الذي كان يعتمد على إمكانية فرض شروط السلام على العرب من موقع القوة؛ وفي الوقت نفسه وعلى خلفية الأزمة نفسها، وبالتحديد مع انتفاضة القدس والأقصى، تشكل قطب جديد داخل المجتمع اليهودي من الناشطات والناشطين الديمقراطيين الذين لم يكونوا جزءًا من الإجماع الصهيوني بل اختاروا الانضمام إلى النضال التحرري الفلسطيني. ويشارك أنصار هذا التيار – من حركة “تعايش” وحركة “تحرّريون ضد الجدار” وغيرهم – في العديد من المظاهرات الشعبية ضد الاحتلال في الضفة الغربية، وكان له دور أساسي، إلى جانب الأحزاب العربية، في تنظيم الحركة المناهضة للحرب أيام الهجوم الصهيوني على لبنان عام 2006؛ كما كانت مظاهرة الألوف في تل أبيب ضد مجازر الصهيونية في غزة يوم السبت الثالث من كانون الثاني 2009 تجسيداً جديدًا للتحالف بين القوى المناهضة للصهيونية داخل المجتمع اليهودي وبين القوى الوطنية الفلسطينية.

تشكّل مدينتنا، حيفا، نموذجًا متقدّمًا لطرح البديل للصهيونية داخل المجتمع اليهودي، له ميزتان هامّتان، أولاهما أن الحركات الوطنية الفلسطينية هي العمود الفقري لأيّ تحرّك سياسيّ، وثانيهما أن التحرك الديمقراطي بين الناشطين اليهود مكمّل وليس منفصلاً عن التحرك الفلسطيني. وقد تجسّد هذا النموذج وارتقى إلى مستوى البديل السياسي من خلال مؤتمر حيفا لأجل حق العودة والدولة العلمانية الديمقراطية في فلسطين، الذي تم عقده 20-2162008 بمبادرة حركة أبناء البلد وبمشاركة واسعة من ناشطات وناشطين من حركات وأحزاب عديدة، ومن المجتمع المدني، ومن كل أنحاء العالم. ويستمر هذا التلاحم النضالي في المظاهرات ضدّ مجازر غزة في شارع الجبل، وفي جميع الفعاليات المناهضة للعدوان في حيفا.

لا شك أن بشاعة العدوان الصهيوني وصمود أهل غزة، يمنحان دفعة جديدة لكل مناهضي الصهيونية ويكشفان أمام الكثيرين إفلاس الصهيونية الأخلاقي والسياسي وضرورة الصراع للتخلص من هذا النظام الدمويّ.

بقلم: يوآف بار

(*) المقال نُشر في مجلة “الاداب”اللبنانية 10\1\2009

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: