Skip to content

الشاعرة دارين طاطور تروي قصة اعتقالها

dareen_tatour

الملاحقات السياسية والاعتقالات وتقييد حرّية التعبير هي من أعراض الأزمة التي تعاني منها إسرائيل، فكلّما زادت السلطات الصهيونية من القمع وصعّدت من حملات التحريض ضد الفلسطينيين كلما أحست أكثر بالضعف وقلّة الحيلة. مقابلة مع الشاعرة المعتقلة دارين طاطور.

بن نورتون

دارين طاطور، فلسطينية من مواطني إسرائيل، اعتقلت بسبب كتابات شاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. في شهر اكتوبر اقتحمت الشرطة بيتها بمنتصف الليل، كبلت يدي الشاعرة ابنة ال-35 عام وأخذتها. “منظرك يوحي بأنك استشهادية”، قال لها أحد المحقيين. حكومة اسرائيل اتهمت طاطور بالتحريض للعنف بواسطة قصائد ومشاركات على “الفيسبوك”.

المحاكمة ما زالت مستمرة حيث ستعقد الجلسة القادمة في 6 سبتمبر. اذا ما تمت ادانتها بكافة التهم الموجهة لها فمن الممكن بأن تحاكم بالسجن لثماني سنوات. طاطور قضت حتى الآن ثلاثة أشهر في السجون الإسرائيلية وستة أشهر أخرى بالاعتقال المنزلي في شقة بتل أبيب كان على عائلتها ان تتحمل تكاليفها.

بنهاية شهر يوليو قرر القاضي في الناصرة بان بإمكانها متابعة السجن المنزلي ببيت عائلتها في الرينة. وقد جاء هذا القرار بعد ان قامت 250 شخصية، بينها ادباء معروفين، فنانين وشخصيات ثقافية أخرى، بنشر رسالة مفتوحة تطالب بإطلاق سراح طاطور: بين الموقعين على الرسالة نذكر نوعم تشومسكي، نعومي كلاين، دايف ايجرز، كلوديا رانكين وعشرة من الحائزين على جائزة “بوليتزر” وبينهم الاديبة المعروفة اليس ووكر والصحافية كاترين شولتس. أكثر من 7000 شخص وقعوا على الرسالة منذ ذلك الحين كما قام نشطاء بإطلاق حملة تضامن عالمية لدعم الشاعرة الشابة.

قصة طاطور هي واحدة من بين قصص كثيرة. منذ اكتوبر 2015 وحتى يوليو 2016، اعتقلت حكومة اسرائيل حوالي 400 فلسطيني بسبب كتابات على الشبكات الاجتماعية، ذلك بحسب منظمات حقوقية محلية. مع ذلك فقد اثارت قضيتها اهتماماً دولياً خاصاً مع الاخذ بعين الاعتبار انعكاساتها المخيفة على حقوق المواطن للفلسطينيين في إسرائيل، الحليفة الأقرب لحكومة الولايات المتحدة. “الصوت اليهودي للسلام”، مجموعة تعمل في الولايات المتحدة من أجل العدل الاجتماعي، نشرت مؤخراً مقابلة مصورة مع طاطور من سجنها المنزلي. “صالون.كوم” قام بإجراء مقابلة شخصية معها تمت بالعربية وترجمت للانجليزية بمساعدة الناشط يوآف حيفاوي الذي يتابع القضية عبر مدونته “حيفا الحرة”.

س:  حدثينا ماذا حدث منذ اعتقالك

ما زلت معتقلة رهنَ المحاكمة. كل شيء بدأ منذ جاءوا في الساعة 3:30 فجرًا بيوم 11.10.2015. قوّات كبيرة من الشرطة داهمت بيتنا، وطلبوا من أهلي أن ينادوني، لأنهم جاءوا ليأخذوني. لم يكن معهم أمر اعتقال مما يخالف أبسط القوانين. بعد التحقيق معي، قرّروا محاكمتي، وسَجني لحين انتهاء الاجراءات. أستطيع القول أنّ التحقيق ومجريات المحاكمة كانت مهزلة تُخجل أيّ نظام يدّعي الديمقراطية.

في البداية سُجنت لمدّة 3 شهور، نقلوني خلالها بين ثلاثة سجون: الجلمة، الشارون والدامون. لاحقًا، فرضت عليّ المحكمة الإعتقال المنزلي في منطقة تل أبيب. عمليًا تمّ نفيي بعيدًا عن بلدتي. مكثت هناك طيلة 6 شهور، منعوني خلالها من الخروج ومن التواصل عبر الإنترنت طيلة ساعات الليل والنهار. بعد ذلك، وفي أعقاب تصاعد حملة التضامن واستنكار الممارسات غير الديمقراطية بحقّي، حوّلوني للاعتقال المنزلي في بلدتي (الرينة). أيضاً هنا لا يُسمح لي بالخروج سوى 6 ساعات في الأسبوع كما أنهم ثبّتوا في رجلي حلقة إلكترونية لرصْد تحركاتي.

س: كيف كانت ظروف اعتقالك؟ حدّثينا عن تجربتك وعن الأسرى الفلسطينيين عمومًا

أولاً، هناك آلاف الأسرى الفلسطينيين يقضون محكوميّات في سجون إسرائيل، من ضمنهم نساء وأطفال، ذلك بالإضافة إلى المعتقلين الإدرايّين، الذين تحتجزهم إسرائيل دون توجيه التهم لهم وبالطبع دون محاكمة، لمدّة غير معروفة، فبحسب قوانين الطوارئ يمكن تمديد الاعتقال الإداري مرارًا وتكرارًا.

فترة السجن الفعلي قضيتها مع الأسيرات الفلسطينيات، وعايشت خلالها معاناة الأسرى الفلسطينيين من كل النواحي الإنسانية. شهدت الإهمال الذي يعانونه في السجون الإسرائيلية، من ناحية الظروف البيئية والصحية والمعاملة القاسية. فالأسرى عمومًا، والأسيرات خصوصًا، محرومون من أبسط حقوق الإنسان، وأقصد على وجه الخصوص الحصول على العلاج الطبي اللائق. السجون الإسرائيلية مليئة بالظلم، ومهما وصفت لن أستطيع نقل ما يعيشه الأسرى الفلسطينيون هناك.

التقيت هناك بأسيرات بريئات لم يرتكبن أيّ جُرْم. فأنا مثلاً اعتقلوني بسبب قصيدة. شابة أخرى التقيتها بالسجن اعتقلت بسبب رسالة خاصة كتبتها إلى أختها تحكي فيها عن همومها الشخصية والعائلية، ولأنها ذكرت كلمة “انتحار” زجّوها في السجن لمدّة 3 شهور.

س: لماذا، برأيك، تلاحق إسرائيل الشعراء والفنانين، وتعتقل الفلسطينيين بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

إنّ الملاحقات السياسية والاعتقالات وتقييد حرّية التعبير هي برأيي من أعراض الأزمة التي تعاني منها إسرائيل. فكلّما زادت السلطات الصهيونية من القمع وصعّدت من حملات التحريض ضد الفلسطينيين كلما أحست أكثر بالضعف وقلّة الحيلة؛ فمن جهة، يشتد الفلسطينيون في رفضهم لممارساتها الاستعمارية وللاضطهاد العنصري؛ ومن جهة أخرى، كردة فعل على بثّ ثقافة الكراهية على المستوى الشعبي، نرى بأن هناك تياراً معادياً للفاشية بدأ يتبلور بالمجتمع الإسرائيلي. وهذا يضع إسرائيل في مأزق يضطرّها لتصعيد القمع، ويكشف بالتالي عن جوهر النظام الإسرائيلي المعادي للديمقراطية.

س: أليس من النفاق من جهة إسرائيل، أن تصرّ على أنها ديمقراطية، وفي الوقت نفسه ان تقوم باعتقال من ينتقدونها؟

بالطبع، فإسرائيل ليست دولة ديمقراطية، وإن كانت كذلك فإن ديمقراطيتها تنطبق فقط على فئة واحدة من الناس، من المواطنين- أي أنها ديمقراطية لليهود فقط. لهذا أسمّيها ديمقراطية فئوية أو ديمقراطية مزيّفة أو منافقة، ولكن حتى هذا النوع من الديمقراطية آخذ في الانهيار مؤخرًا، كما أوضحت في اجابتي السابقة.

س: هل ساعدت الرسالة التي وجّهتها 250 شخصية أدبية بحسب علمك؟

نعم، بالتأكيد. حملة التضامن، بما يشمل العريضة التي وقّع عليها الكثير من الفنانين والكتاب والأشخاص من كلّ أنحاء العالم قد ساعدت كثيرًا في تخفيف ظروف اعتقالي. ففي البداية كانت ظروف الاعتقال قاسية جدًا. اعتقلوني لعدّة شهور في بيت بمنطقة تل أبيب، بعيدًا عن أهلي وعن مكان سكني؛ عزلوني تمامًا عن الناس إذ منعوني من مغادرة البيت كليًّا. كان ذلك الاعتقال أشبه بالعزل الانفرادي في زنزانة في المنفى، وقد استمرّ طيلة 6 شهور. قبل أن تتصاعد حملة التضامن، قام المحامي بتقديم طلب لنقلي من الاعتقال البيتي في تل أبيب إلى الرينة- بلدي، ولكنهم رفضوا رفضًا قاطعًا حتى أنهم لم يبحثوا في الطلب. أما بعد نشر العريضة فتغيّرت طريقة التعامل مع الطلب، وفي نهاية الأمر تمّت الموافقة على تسهيل ظروف اعتقالي، بإعادتي من تل أبيب إلى الاعتقال المنزلي في الرينة.

س: استمرار الضغط الجماهيري بمقدوره، برأيك، أن يؤثر على الحكم النهائي في القضية؟

لا شك لدي في ذلك، فالتفاعُل الجماهيري مع نداء التضامن في قضيّتي، وقضّية حرّية التعبير عمومًا، يشكّل عامل الضغط الوحيد القادر على تغيير هذا الوضع البائس. أعتقد بأنّ الضغط الجماهيري قد يُجبر السلطات الإسرائيلية على إعادة النظر في سياسة ملاحقة الفنانين والأدباء والناشطين الفلسطينيين الشباب لمجرّد أنّهم يعبّرون عن رفضهم للاضطهاد.

س: ما الذي يبعث فيك الأمل؟

الأمل هو أساس الحياة. هناك عبارة طالما كنت أردّدها قبل اعتقالي، وما زلت أردّدها: “نحن نحلم لكي نستمر بالحياة”. وهنا أنا اساوي بين الحلم والأمل، لأننا من غير الأمل سوف نموت ونحن أحياء، لتبقى أجسادنا فقط. الأمل هو الإحساس بالحياة، بالحرية، بالأمان؛ هذا ما يعطى كل ما يعيشه الإنسان معنىً. نحن نتنفس الأمل لكي نتمسّك بحياة ذات معنى.

س: ما الذي يمكن أن يفعله ناشطو حقوق الإنسان، في الويات المتحدة وغيرها، لدعم حقوقك وحقوق الفلسطينيين الآخرين؟

الإدارة الأمريكية هي الداعمة الأولى لإسرائيل بالعالم. وأظن أن الناشطين في المجتمع الأمريكي يستطيعون الضغط على إسرائيل من أجل تسليط الضوء على قضية حرّية التعبير، وتنكيل السلطات الإسرائيلية بمن يعارضونها بآرائهم. أبناء الشعب العربي الفلسطيني في إسرائيل يواجهون حملة تحريض عنصري، على المستوى الرسمي والشعبي، وتتكاثر الاعتداءات عليهم لمجرّد أنهم يتحدّثون العربية في الأماكن العامّة. هذة تطوّرات خطيرة، وأعتقد في هذا الخصوص بأنّ على ناشطي حقوق الإنسان دقّ جرس الإنذار قبل فوات الأوان.

*نشرت المقابلة للمرة الاولى باللغة الانجليزية على موقع “salon.com” بتاريخ 10.8.2016، ومن ثم على موقع “اللسعة” باللغة العبرية بتاريخ 15.8.2016، وباللغة العربية .بتاريخ  17.8.20176. 

 

 

من سجني وأسري ومنفاي – قصيدة جديدة لدارين طاطور

Dareen after the court in Nazareth, July 17 2016

إلى كلّ إنسان يعرف ما معنى أن يكون الواحد فينا لا يحترف شيئًا في هذه الحياة إلاَ الفنَ.. الفنَ بكلَ أشكاله وأنواعه… من سجني وأسري ومنفاي أهديه قطعة من قصيدة كتبتها من وحي وقفتكم وتضامنكم مع الشعر والفنّ.. محبّتي وإخلاصي…

 

الفنّ فيكمْ دولة،

أنتمُ الأمراء

والحُرّ يحيا

كالطير في السماء

لا قيدَ

لا شيءَ فيه

إلاّهُ الغناء

فالشعر شعبًا..

طيرًا،

في زمن الأشباح

يصرخ…

ينمو…

يعلو…

مكسورَ الجناح

أو ربَما يبكي

ليكتبَ العطاء..

لا يرتقي إلاَ بفكرٍ

يرتاعُ في المدى

في صفحةٍ بيضاء..

يحكي…

عن أسطورة الإنسان

عن غربة الشعراء

 

مسرح العبث في محاكمة دارين طاطور بين اثبان الفيسبوك وإشهار الشاعرة

image after the court with victory sign

تقرير حول جلسة الإثبات الثالثة نشر اليوم (19\7\2016) في موقع “عرب 48”

الإضراب العامّ الذي أعلنه موظفو الجهاز القضائي كان محسوسًا في البناية الفخمة حيث محكمة الصلح في الناصرة. لقد بدا لي أننا كنّا “الزبائن” الوحيدين في المبنى. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر هي موعد جلسة استكمال محاكمة الشاعرة دارين طاطور.

رجال أمن البناية المجتهدون استغلّوا المبنى الفارغ لإجراء تدريبات طوارئ، والقاضية بمبيليا التي انشغلت بطباعة محضر الجلسة بنفسها، اضطرت فوق ذلك إلى ترك غرفتها في الطابق الثاني والنزول معنا إلى “البدروم” في الطابق (-3)، لكي لا تزعج تدريبات رجال الأمن.

مجرى المحاكمة

نتحدّث هنا عن جلسة الإثبات الثالثة في هذه المحاكمة الغريبة، التي تحاكّم فيها شاعرة بتهمة “التحريض” في أعقاب نشر قصيدة واحدة و”ستاتوسين” على الفيسبوك وصورة إسراء عابد التي رُمِيَت بالرّصاص في محطة الباصات المركزية في العفولة.

في الجلسة الأولى استمعنا إلى تأويلات بوليسيّة للقصيدة؛ وفي الجلسة الثانية استمعنا إلى رجال شرطة مختصّين بالحوسَبة، فتعلّمنا أنّه يمكن للشرطة استخراج أيّ معلومة من حواسيبنا وهواتفنا المحميّة، وذلك دون حاجتهم إلى استخدام “الباسوورد” (لديهم برمجيّة خاصّة تخترق مباشرة القرص الصلب والذاكرة).Dareen waiting for the court in Nazareth, July 17 2016

جلسة اليوم كان يُفترَض أنّها الأصعب بالنسبة إلينا. لا أدري إن كنتم تدركون الحالة الفظيعة التي تنتاب أصدقاء المتّهم الذين اعترفوا عليه، حين تستدعيهم النيابة ليشهدوا ضدّه. هذا أمر قد يحطّم أشخاصًا ويدمّر صداقات، بل وعائلات. ولكن هذه التراجيديا قد تحوّلت هي أيضًا إلى كوميديا على منصّة مسرح العبث حيث توجَّه التهم الهذيانيّة ضدّ دارين طاطور.

إثباتات الفيسبوك

لأنّ ركيزة الدعوى هي منشورات على الفيسبوك، ولأنّ دارين قالت إنّ حساب الفيسبوك الخاصّ بها قد سُرق، باشرت شرطة الناصرة بتحقيق مكثّف لإثبات العلاقة بين حسابات فيسبوك مختلفة يظهر فيها اسم دارين طاطور وبين المعتقلة التي قبضوا عليها.

توجّهت الشرطة إلى فيسبوك بهذا الشأن ولكنها لم تتلقّ إجابة – من يعرف مستوى الخدمة في الاحتكارات الإعلامية لن يستغرب ذلك. المحقّقون المتحفّزون لحلّ أسرار الملفّ عادوا إلى طرق التحقيق القديمة، التي تعتمد ضعف العامل الإنساني.

أحمد، البالغ من العمر 18 عامًا، وهو الأخ الأصغر لدارين، كان قد دُعي مرّتين للتحقيق معه. عرضوا أمامه صور صفحات الفيسبوك المسمّاة “دارين طاطور”، وسألوه لمن تعود هذه الصفحات؟ أحمد قال لهم إنّ بعض هذه الصفحات لا تبدو أنها من حساب دارين؛ وقال عن الجزء الآخر: يبدو وكأنه لدارين – في حال لم يسرق أحدهم حسابها.

لدى استجواب الدفاع أوضح أحمد أنّه عرف الصفحات من اسم دارين المكتوب عليها. ولو كان عليها اسم آخر لافترض أنها لشخص آخر.

اعتبرت النيابة شهادة أحمد حلقة مهمّة في سلسلة إجراءات الإثبات؛ ومن هنا فقد بررت النيابة طلبها بإبعاد دارين عن بيتها/بيته، بين باقي الأسباب، بحجّة أنها قد تؤثر عليه فيغيّر أقواله.

لدى استجوابها الشاهد، عرضت النيابة أمامه صور صفحات الفيسبوك، وسألت: “ما هو المكتوب هنا؟”. أجاب: “دارين طاطور”. “وهنا؟” أجاب: “دارين طاطور”. حضور المحكمة تساءلوا إن كانت النيابة تسعى لإثبات أن أحمد يعرف قراءة اللغة العربية.

لا شكّ أن العالَم الافتراضي يضع أجهزة القضاء أمام تحدّيات جديدة. شرطة الناصرة وجدت أنّ “إثبات الفيسبوك” هو حلّ بسيط، بل ويقترب من العبقريّة (يشبه، إلى حدّ ما، حرق الساحرات في نهج محاكم التفتيش) – ولكن يصعب عليّ أن أصدّق أنّ “إثبات الفيسبوك” هذا يصمد أمام اختبار المصداقية القضائية (أو المعقولية) المشترطة في البيّنة الصحيحة. إذا كانت شهادة الاستماع لا تُقبل في المحكمة فكيف يمكن قبول شهادة من رأى صورة لصفحة فيسبوك؟ إنّه تحدّ نضعه أمام حقوقيّينا لمرحلة جلسات المرافعة.

قضايا حياة وموت

لأجل أثبات الفيسبوك قد جرى التحقيق أيضًا مع سميرة جُمعات، وهي صديقة مقرّبة لدارين. تعرّفت إليها في دورة تعرّف على القرى المهجّرة، وجمعهما حبّهما للتصوير. دُعيت سميرة إلى التحقيق في شرطة الناصرة – مبنى المسكوبية، حيث طُلبت منها التعرّف على صفحات فيسبوك عُرضت أمامها. بدا لسميرة أنّ بعض هذه الصفحات هو لدارين.Dareen with friends and family before the court hearing Nazareth 17 July 2016

لدى استجواب الدفاع، ذكرت سميرة أنّ دارين كانت قد حدّثتها عن “سرقة” حساب الفيسبوك الخاص بها. حتّى إنّ سميرة ذكرت بالتفصيل كيف أبلغت أمر السرقة لصديقات أخريات، بناءً على طلب دارين. سألها محامي الدفاع لماذا لم تخبر المحقق يوسف قبلان عن هذا الأمر، أجابت أنّها كانت مضغوطة ومتوتّرة جدًا – لقد كانت والدتها في المستشفى، وهي كانت إلى جانبها عندما اتصل المحقق بها عدّة مرّات، ورغم أنها شرحت له الوضع ألحّ عليها أن تأتي للتحقيق. في النهاية، تركت سميرة والدتها وذهبت للتحقيق، ولكنها كانت في وضع نفسيّ صعب. ولو سُئلت – أثناء التحقيق – حول ادّعاء دارين بأنّ حسابها قد اختُرق، لكانت أكّدت صدق كلام دارين.

لدى استجواب النيابة حاول الادّعاء الدفاع عن المحقق يوسف. من قال إنه هو الذي اتّصل؟ فالشاهدة تعترف بنفسها أنّ جزءًا من الاتصالات جاء من رقم سرّي… من المؤسف أنّ هذه المسألة لم تأخذ حقّها في المداولة (والضغط على سميرة لكي تترك والدتها في المستشفى هو، برأي، أمر خطير ينبغي التوقّف عنده).

بفضلهم – اشتهرت الشاعرة دارين طاطور

الشاهد الثالث هو رامي عامر، من منظّمي أنشطة إحياء ذكرى ضحايا مجزرة كفر قاسم (29.10.1956). دعا رامي الفنانة سلام أبو آمنة لتغنّي في مراسيم إحياء الذكرى، وطلب منها أن تقترح عليه شاعرة لتلقي قصيدة في هذه المناسبة، فطرحت اسم صديقتها المقرّبة دارين طاطور. لم يخطر في بال سلام أبو آمنة أن توصيتها هذه سوف تصبح حجّة هامّة ضمن حُجج اعتقال ومحاكمة صديقتها. الدعوة إلى نشاط إحياء الذكرى، وصورة سلام ودارين لدى وصولهما إلى كفر قاسم – يجري التعامل معهما كوثائق تقدّمها النيابة في المحكمة.

في الجلسة السابقة شرح المحقق مع دارين أنّ مجرّد ظهورها في نشاط إحياء ذكرى ضحايا المجزرة هو أمر سلبيّ لأنه “سياسي” و”ضدّ أمن الدولة”. أمّا في هذه الجلسة فيرتكز الادعاء إلى حجّة أنّ دعوة دارين لقراءة شعريّة في مراسيم إحياء الذكرى كإثبات على أنها شاعرة مشهورة وذات تأثير على الجمهور. هذه الأقوال لم تنجح في التشويش على رامي، فهو قد أوضح منذ التحقيق معه في الشرطة أنّ درين “معروفة كشاعرة”؛ أي أنّه يعرف أنّها تكتب الشعر – ولكن هذا لا يعني أنها “شاعرة معروفة”.

في هذه النقطة بالذات، يمكن القول إنّ ادّعاء النيابة أنّ دارين شاعرة معروفة عمل كنبوءة حققت ذاتها؛ فبعد اعتقالها ومحاكمتها المستمرّة تحوّلت دارين إلى رمز للنضال ضدّ انتهاكات إسرائيل لحرّية الفن وحرّية التعبير لدى عموم الفلسطينيين. وبالذات في أعقاب اعتقال دارين، تُرجمت أشعار دارين إلى العبرية والانجليزية ولغات أخرى. وهنالك آلاف، ومن بينهم شعراء وأدباء ومثقفون من كلّ العالم وقّعوا عرائض تطالب بالإفراج عن دارين وإلغاء محاكمتها، كما نُشرت مقالات كثيرة تسرد المظالم التي تحتجّ عليها دارين.

بروح طيّبة

في نهاية الجلسة خرجنا جميعًا ومزاجنا طيّب. انتهى فصل الاستماع إلى شهود النيابة، وفي الجلسة القادمة سوف يبدأ فصل مرافعة الدفاع – (عُيّنت الجلسة ليوم 6.9.2016).

الاحتلال والعنصرية والاضطهاد قد تبدو كلّها لنا مثل كوارث الطبيعة نحن ضحاياها. المعاناة، الاعتقال، التحقيق، والملاحقات – كلّها حقائق محسوسة في أرض الواقع؛ ومع ذلك، يهون الأمر قليلاً عندما يظهر للعيان كم هو غبيّ وكاذب جهاز القمع.

الشاعرة المعتقلة، والذين استدعتهم النيابة ليشهدوا ضدّها، والعائلة والأصدقاء – كلّنا ضحايا الاضطهاد نفسه، ولكننا لا نخضع أمامه ولا نستسلم له. ولكي نُبرز هذا الأمر، قمنا لدى خروجنا من المحكمة بالتقاط صور جماعية والابتسامة تعلو وجوهنا.

(ترجمت من النص العبري رجاء زعبي عمري – مشكورة)

القليل من الكهرباء

electricity_dark_stairs

(تم نشر هذه القصة القصيرة على صفحات جريدة “المدينة” الحيفاوية اليوم)

فرح يوسف كثيرًا بدارهِ الجديدة…

هي عمارة قديمة وليست بأفضل حال، ولكن شقّته موجودة على سطح البناية، ولا يوجد حوله الكثير من الجيران. الحارة هادئة، والجيران الذين التقى بهم هم من أصحاب العائلات، وبالـتأكيد بعيدون كلّ البعد عن المشاكل، وقد رحّبوا به بحميميّة.

بعد انتهائه من نقل أغراضه القليلة، وارتياحه إلى المسكن الجديد، انتبه يوسف أنّ هناك مشكلة صغيرة: لا توجد كهرباء في بيت الدرج.

غياب الكهرباء ليس مشكلة جدّية؛ فبيت الدرج نفسه عبارة عن طابقين لا أكثر، ويوسف بطبيعته لا يخاف من العتمة. ولكنّه يشعر أنّ هذا الغياب يعبّر عن الإهمال نوعًا ما. وتمنّى أن يرجع إلى البيت في اليوم التالي ليجد أن الجيران قد قاموا بإصلاح الكهرباء…

مرّ اليوم التالي، والأيام التي تلته، ولم يتمّ إصلاح الكهرباء. وتوجّه يوسف لأحد الجيران وسأله من هم أعضاء “لجنة البناية” فأجابه بأنه لا توجد لجنة في هذه البناية .

* * *

قرّر يوسف أن يبادر ويدعو الجيران لاجتماع بهدف بحث مشكلة الكهرباء، فهي قضية بسيطة، لا أبسط منها، بإمكان أي واحد أن يحلّها وحده، ولكن من الأفضل أن يتعاون الجيران على حلّها، ومن ثمّ يمكن تنظيم لجنة تمثّل سكّان البناية كي تعمل على تحسين الأمور في مجالات أخرى أيضا.

أين يمكن أن يلتقي الجيران؟ غرفة يوسف على السطح صغيرة وليس فيها إلاّ كرسيّين… قرّر يوسف أن يتحدّث مع “أبو سامي”… داره موجودة إلى يسار الدرج، وكثيرًا ما تصادَف، حين يصعد يوسف الدرج، أن يرى باب بيت أبي سامي مفتوحًا فانتبه إلى الصالون الكبير والأرائك المريحة، وارتسم لديه انطباع بأنّ أبا سامي إنسان مضياف…

سأل يوسف أبا سامي: ما رأيك أن ندعو الجيران إلى منزلك لنبحث معًا أوضاع البناية؟

ضحك أبو سامي وقال: “شو بدنا نبحث تنبحث؟ على كلّ حال، بدّيش أفشّلك، ولكن مش أكيد الكلّ بدّو ييجي لعندي…”

أحسّ أبو سامي أنّ يوسف لم يفهمه، فأمسكه من يده وجرّه من باب المدخل إلى الصالون، وأغلق الباب قائلاً: “هذا جاري، أبو رامي، بفكّر حاله ربّ البناية. وإحنا ناس بُسَطا، صارله سنين ما فاتش ع بيتي.”

* * *

باب بيت “أبو رامي” على الجهة اليمنى من بيت الدرج، مقابل باب “أبو سامي”. يتوقّع يوسف أنه موظّف في مؤسّسة تهتم بقضايا الجمهور. أحيانًا، حين كان يوسف يرجع إلى البيت في ساعات المساء، كان يرى أبا رامي عائدًا من عمله من دون أن يدخل البيت، فبعد أن يوقف سيارته، يخرج منها وهو يتحدّث إلى الهاتف، ويتمشّى على الرصيف أمام مدخل البناية محاولاً أن يحلّ مشاكل الناس… وقد يستغرق الأمر ساعة قبل أن يدخل بيته.

دقّ يوسف باب أبي رامي وطرح أمامه فكرته بجمع سكان البناية.

  • السكّان هنا مِش واعْيين. ولا حدا منهم بيهتمّ بالقضايا العامة. حرام أن تضيّع وقتك بمحاولة جمعهم. وإذا اجتمعوا راح يتخانقوا. وإذا اتفقوا ما في حدا ينفّذ القرارات. وفي هون ناس ما عندهن احترام لحدا، وبُكرا بيصيروا يحكوا عليك كمان…

* * *

بعد عدّة أيام عاد يوسف ليدقّ باب أبي رامي، ويقول له:

  • إنها قضية بسيطة. فهمت أنّك قد يئست من الجيران. يمكن أن يكون الحقّ معك. بسّ أنا بفكر أننا نقدر نتفق على الأقلّ على تصليح الكهرباء في مطلع الدرج…

التفت أبو رامي وأضاء وجهه كمن حلّ لغزًا كان يشغل باله:

  • إنت عن جدّ شابّ طيّب وبسيط، لكن هذا أبو سامي بيلعب برأسك… أكيد هالاقتراح جاي منُّه. شوف كيف سيطر على الساحة الورّانية للعمارة وحوّلها لكراج يصلّح فيه السيارات بآخر الأسبوع… واحنا لا عارفين نتريّح ولا مسترجيين نحكي. وإسّا بدو يشغّل ماكيناته على حسابنا من كهربة الدرج…

* * *

لم يُصَبْ يوسف باليأس. عاد ليتكلّم مع أبي سامي ويقترح عليه فكرته.

  • لا، يا ولد. عن جدّ حقير جارنا… قلتلك! هذا أبو رامي بيفكّر حالُه صاحب البناية كلّها وبدو يتملّكنا نحن كمان. هو ببعتك عشان تخلّينا نمضي على كهربة الدرج، وفي الآخر رَحْ هو يمسك حساباتنا وكلّنا ندفع دوبل وهو مش راح يدفع إشي…

* * *

قرّر يوسف أن يعزّز علاقاته مع الجيران، آملاً أن تصبح لديه الفرصة لتحسين الأجواء وتصفية القلوب. وجد  باب أبي سامي مفتوحًا وعزم نفسه وجلس ليشرب القهوة.

دار الحديث من موضوع لموضوع – أين تعمل، وماذا تتعلم، ومن أين أصل العائلة… وتمكن الاثنان من العثور على  بعض المعارف المشترَكين… وأعطى يوسف النصائح بالنسبة لتربية الأولاد وتعليمهم…

وبعدما شعر أنّ الجوّ مريح، وأنه قد نشأ بينهما نوع من الثقة، حاول يوسف أن يتطرق من جديد لأوضاع البناية المزرية. ولم يكمل جملة واحدة حول هذا الموضوع إلاّ وقد اشتعلت من جديد مشاعر أبي سامي الذي أخذ زمام الكلام، وكان صوته أقرب إلى الصّراخ:

  • بعدُه هذا جارنا لا يتعب ولا يملّ. بعده عم يدزّك لتشكّل “لجنة البناية”. صدّقني، إذا سجّلنا هاي اللجنة راح يبعث عنها تقارير على بلاد برّة، وراح يجيب على إسِمنا دولارات… أصلاً، لولا كان موعود بالدولارات، ليش كان يلحق فينا بهاي اللجنة، وهو بالأصل لا بتهمّه البناية ولا الكهربا ولا الجنينة أو الجيران…

واستمرّ “أبو سامي” شارحًا عن تاريخ “أبو رامي” والمؤسّسة التي يعمل فيها، ومفصّلاً السرقات التي سمع عنها… ولم يتوقّف إلى أن اعتذر يوسف قائلاً أنّ لديه امتحانًا، وأنّه – لذلك – مضطرّ للصّعود إلى شقته كي يستعدّ له.

* * *

الدخول إلى بيت أبي رامي كان أصعب، وقد خطّط له يوسف من خلال تفكيره بقضية شخصية يمكنه أن يستشير أبا رامي بخصوصها. وعندما طرح قضيته ظهَرت علامات الرِّضى على وجه أبي رامي فدعاه للجلوس في مطبخ البيت بينما يعدّ القهوة ويتداولان في القضية…

واصلا إلى الصالون الصغير، وسأل يوسف أبا رامي عن المؤسسة التي يعمل فيها، مُظهرًا اهتمامه بإنجازاتها، ومستفسرًا عن أفق نشاطها…

ولكن، عندما عاد يوسف وأظهر ضيقه من صعوبة حلّ مشاكل بسيطة كالاتفاق على تصليح كهرباء البناية التي يقطنان فيها، تعكّر وجه أبي رامي واصفرّ، وصار صوته جافًّا وخافتًا إلى حدّ الهمس:

  • لا تفكّرني إنسان ضعيف أو جبان يمكن أيّ حدا يفرض عليّي شو ما بدّه. إحنا زهقنا حُكْم “القبَاضيات”. إنت ما بتعرف أبو سامي، بسّ أنا بعرفه وبعرف تاريخه وبعرف من وين جايين.. إذا هم بيفكّروا كُلْشي بيطلع بإيدهم، إحكيلهم إنّو هاي الأيّام انتهت ومِش رَحْ ترجع. وإذا أبو سامي بيفكّر إنّو إله ظهر، هالحكي بِمْشيش علينا اليوم…

واصلَ أبو رامي متحدّثًا عن أبي سامي، وعائلة أبي سامي، وقصص ناس عاشت وماتت قبل أن يولد يوسف. في النهاية، اعتذر يوسف وانسحب صاعدًا درجَ دارِهِ، والعتمة ترافقه درجة درجة.

* * *

على ضوء إخفاق محاولات خَلق إطار تعاوُنيّ، قرّر يوسف أن يهتمّ بإرجاع الكهرباء بنفسه إلى بيت الدرج. عليه أن يأخذ بالحسبان أنّه هو من يسكن على السطح، وأنه هو الأكثر استفادة من إضاءة الدرج. وما هي، في نهاية الأمر، كلفة تشغيل مصباحين كهربائيّين؟

طلب من صديق له أن يفحص الأسلاك والتوصيلات والمصابيح، وعيّن موعدًا مع شركة الكهرباء لإعادة التيار…

ولكن لسوء الحظ… ظهرت هنا مشكلة جديّة!

خبراء شركة الكهرباء، الذين أتوا لإعادة ربط بيت الدرج بالشبكة، أصّروا على فحص اللوحة المركزية وأسلوب ربط البناية بشبكة الكهرباء؛ وبالنتيجة، قرّروا أنّ اللّوحة القديمة مركّبة بطريقة خطيرة ومخالفة للقانون. وبدلاً من أن يقوموا بربط بيت الدرج بالكهرباء، كما كان متفقًا، أرسلوا إنذارات إلى كلّ سكان البناية يبلغونهم فيها ضرورة تغيير اللّوحة المركزية وإجراء فحص شامل لشبكة الكهرباء في البناية، وإلاّ فسوف يتمّ قطع الكهرباء عن البناية خلال سبعة أيّام!

حصلت هذه الزيارة ذات النتائج المأساوية في ساعات الصباح، حيث سكّان البناية في أعمالهم، وهكذا – لحسن حظّ يوسف – لم يعرف أحد منهم ما هو ولا مَن هو سبب الهجوم المفاجئ لشركة الكهرباء على عمارتهم…

* * *

يوسف ساكن على سطح العمارة… داره الصغيرة فيها غرفة واحدة فيها زاوية مطبخ وأمامَها ساحة سطح واسعة… ولكنّه لا يستطيع أن يستغلّ غالبية المساحة، فقد وضع عليها جاره أبو رامي ألواح الطاقة الشمسية ليتمكّن من توفير  الكهرباء لبيته. كذلك يصعب على يوسف أن يركّز  في دروسه أو أن ينام في اللّيل، بسبب صوت مولّدات الكهرباء التي يشغّلها جاره الثاني، أبو سامي، في الساحة الخلفية.

يضع يوسف النفط في المصباح ويحاول أن “يُذاكِر” دروسه…

ولكن، عندما يأتي إليه بعض الصديقات أو الأصدقاء، فإنه يستمتع بالأجواء الرومانسية على ضوء الشموع والنجوم.

* * *

الصور اهداء من الفنانة إيريس

تصحيح خطأ: لسبب ما نسبت الجريدة القصة لواحد اسمه “يوآف بار” – وكان من الأصح ان تكتب “يوآب حيفاوي”

electricity_romantic_roof

ملاحظات حول “نقاش مسألة اليهود” في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة

Not-in-our-name-Jews for Palestine

أردت أن اكتب مقالاً تحت عنوان “مساهمة في نقاش مسألة اليهود في فلسطين”… ولكنّني، قبل أن أشارك في نقاش مسألة ما، فإن عليّ أن أعرف من يخوض النقاش وفي أي سياق يجري هذا النقاش.

بحسب اطّلاعي المحدود على الأمور، فإنني لا أجد اهتماماً كبيراً في نقاش “مسألة اليهود” في سياق حركة التحرّر الوطنيّة الفلسطينيّة. ولذلك، وقبل أن أدلي بدلوي في نقاش غائب، فقد رأيت بأنّه من الأفضل أن أتطرق إلى  السؤال حول سبب غياب هذا النقاش، فإذا لم يشعر أحد بضرورة طرح السؤال، فهل يعني هذا بأنه ما من حاجة لطرحه؟

لماذا أكره ان اشارك في نقاش مسألة اليهود؟

قبل الدخول في الموضوع نفسه، ولأجل الشفافيّة والوضوح، لا بد لي من الإدلاء بـ”اعتراف شخصي”… لقد ولدت، كابن لعائلة يهوديّة-صهيونيّة في واحدة من مستوطنات مرج بن عامر… ولا بد ان العلاقات العائليّة والاجتماعيّة والخلفيّة الثقافيّة والتاريخ الشخصي كلها لها تأثيراتها على المواقف في القضايا السياسيّة.

لحسن الحظ وبفضل الظروف وعيت لبعض جرائم الصهيونيّة خلال حرب حزيران 1967، فكان عمري في ذلك الوقت 12 سنة، ومع بلوغي من العمر 15 عامًا صرت معارضًا للمشروع الصهيونيّ جملة وتفصيلًا باعتباره، من جهة، ظلماّ، إلى جانب كونه، من الجانب الآخر، غير قابلٍ للاستمرار. وبذا، فقد قرّرت ان أُغادر البلاد وأبحث عن مستقبلي في أيّ بلد آخر.

ولكن، ولدى وصولي الى الجامعة، انخرطت في العمل السياسيّ المعادي للصهيونيّة وقد لعب هذا النشاط الدور المركزي في حياتي ، وعليه، فقد قمت بتغيير برنامجي مرة أخرى وقررت أبقى في فلسطين… وفي سنة 1984 انضمت بشكل رسمي لحركة التحرر الوطنيّة الفلسطينيّة المتجسدة في صيغة حركة أبناء البلد.

طوال مدة نشاطي في الحركة الوطنيّة، خضت وأخوض صراعًا مستمرًا لكي ينظر الرفاق إلى مشاركتي “كما هي” لا أن ينظروا إليها بالإنطلاق من خلفيّة أصلي كيهوديّ… وإن كنت قد نجحت، نوعًا ما، في هذا الصراع في بعض الأحيان، فإن هذا المجهود كلّه قد يسقط عندما يطرح موضوع “المسألة اليهوديّة” للنقاش.

مخاطر مناقشة المسألة

خلال الحديث حول مستقبل فلسطين بعد التحرير، عندمّا تُطرح المسألة “ما الذي نصنعه باليهود؟” نجد، احيان، نقاشًا حادًا وبوتيرةٍ انفعاليّة بين من يطرح دمج اليهود المعنيين بذلك كمواطنين كامليّ الحقوق في الدولة الفلسطينيّة المستقبليّة وبين من يرفض وجود اليهود في فلسطين، باعتبارهم نتيجة من نتائج الغزو الاستعماري…

إنني أرى في هذا النقاش خطورة مزدوجة.
فمن الممنوع، أولاً، ان ننسى ولو لدقيقة بأننا نعيش تحت احتلال يمارس العدوان ويقمع ويميز ضد كل انسان فلسطينيّ، بغضّ النظر عن اصله أو دينه أو مواقفه السياسيّة، كما ويسعى هذا النظام لاستكمال التطهير العرقي ولتشريد جميع الشعب الفلسطينيّ عن أرضه. وفي هذه الظروف فإن المعارك الفعليّة المطلوبة في هذه المرحلة، وحتى اشعار آخر،  يمكنها أن تكون بعيدة، هي كلها معارك التصدّي لغطرسة هذا النظام. وبذا، فإن وحدة الشعب الفلسطينيّ لمواجهة الاحتلال والتشريد تصبح شرطا أساسيا للنجاح في هذه المعركة ، وإن اختلفنا بسبب نقاش قضايا “مستقبليّة” وانقسم الصف الفلسطينيّ ونجحت الحركة الصهيونيّة في تمرير مشروعها الاستعماري فقد يحكم علينا التاريخ اننا ضّحينا بالواقع لأجل الخيال…
من طرف آخر فإنني أرى أن هذا النقاش، البعيد عن الواقع، يمكن له ان يُستعمل، وهو يستعمل فعلًا، من قبل أجهزة الدعاية الصهيونيّة لصرف النظر على الجرائم ضد الانسانيّة التي ترتكبها آلة الاحتلال والحرب بشكل يومي، وعلى معاناة الشعب الفلسطينيّ، وتطرح نقاشا عقيماً وعبثياً حول الجرائم المحتملة التي  قد يرتكبها الفلسطينيّون تجاههم والمعاناة المحتملة لليهود بعد سقوط الصهيونيّة. وهكذا، تقوم الصهيونيّة ، عبر هذه الدعاية، بتعزيز سيطرتها على اليهود في فلسطين وتضمن دعم القوى الإمبرياليّة وقسم مهم من الرأي العام العالمي لمشروعها الظالم.

بين سياق الهزيمة ورؤية النصر

المفكر عزمي بشارة قال ذات مرة  بأنه لا داعي لنقاش مسألة اليهود في فلسطين أو طرح الحلول المتعلقة بهم، لأنّه ليس مطلوبا من المستعمَّر أن يجد حلولا للمستعمِّرين. انه منطق سليم في سياق علاقة المستعمِّر والمستعمَّر… ولكن كل نضالنا  كلّه يتمثل في وضع حد حاسم لهذه العلاقة التي فرضتها علينا الصهيونيّة.

من الضروري أن ندرك بأن الأسئلة المطروحة تتغير بتغير السيناريوهات التاريخيّة… وقبل أن نتمكن من الإجابة على السؤال، فإن علينا أن نعي بكيفيّة تغيّر مفهومه مع تغيير السياق.

إن كنّا نتوقع انه لا مفرّ من استمرار الهيمنة الامبرياليّة-الصهيونيّة على المنطقة و قمنا، بشكل مسبق، بتحديد سقف آمالنا ونضالنا لـ”انقاذ ما يمكن انقاذه” أو لإيجاد بقعة أرض يمارس فيها الشعب الفلسطينيّ استقلاله و\أو لانتزاع بعض الحقوق المدنيّة للتخفيف من معاناته في ظل هذه الهيمنة القائمة – وفي هذا السياق فعلًا لا حاجة لدى حركة التحرر الفلسطينيّة في طرح حلول لـ”مسألة اليهود”… ولكن علينا ان لا نخفي عن أنفسنا ان مفهوم هذا الرؤية هو القبول بالهزيمة كأمر واقع.

سيناريو آخر، يمكن أن يبدو أكثر تفاؤلا، هو ان يتغيَّر النظام من موقع القوة، ويمنح الفلسطينيّين حقوقهم، تدريجيّاً. وهناك من يجري تعديلات على هذا السيناريو وينتظر الضغوط الخارجيّة – المتمثلة، بشكل أساسي، في القوى الامبرياليّة – التي من الممكن أن ان تفرض الاصلاح الديمقراطي وحتى تغيير أو “تحوُّل” النظام… الا ان هذا الرؤية ليس لها أسس ماديّة تضمن امكانيّة تجسيدها على أرض الواقع وهي تعتمد على “حسن نيَّة” النظام أو القوة الامبرياليّة…

أعود هنا،  واطرح الرؤية “التقليديّة” كما عبر عنها الأمير فيصل (وملايين من مناضلي الحريّة على مدة التاريخ) “أن الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى – حريّة الأمة بأيديها”، هذه الرسالة المنقوشة في الحجر على “عمود فيصل” قرب جامع الاستقلال في حيفا. فإن كان برنامجنا السياسي هو تحرير فلسطين من الاستعمار والاستعباد، وإن كنّا نؤمن بأنّ القوة الأساسيّة التي تعمل لأجل هذا التحرير هي حركة تحرر الجماهير الفلسطينيّة، وبأن باقي العوامل هي مجرد عوامل مساعدة، مهمة أو هامشيّة كما كانت، فإنه لا بدّ من هزيمة المشروع الصهيونيّ لتحقيق هذا النصر، وبالتالي فإن “أفق” نضالنا قد يكون إعادة بناء كل ما دمرَته الصهيونيّة، إلى جانب التخلص من كل مخلّفاتها…

بناء على هذه الرؤية وفي هذا السياق، فإن “حل المسألة اليهوديّة في فلسطين” هو جزء عضوي ولا بدّ منه في مشروع التحرير…

تفكيك القنبلة

تعلمنا، خلال دراسة “النمط التاريخي للاستعمار الاستيطاني”، بأن السعي للتطهير العرقي ولابادة الشعب الأصلاني لا يكون نتيجة لـ”تطرف” أو “انزلاق” في المشروع الصهيونيّ، ولكنه كامن في جوهر المشروع الذي يسعى إلى لبناء نفسه ككيان بديل على أنقاض المجتمع المحلي.

ولكن المشروع الصهيونيّ، وفي الوقت ذاته، يحمل في جوهره ايضًا مخاطرة بمستقبل المهاجرين اليهود الذين يستخدمهم لبناء كيانه. وفي سعيه الدائم للتوسع الجغرافي وللحفاظ على تفوُّق المجتمع الاستيطاني على السكان  الأصليين فإنه ينفي امكانيّة الاستقرار ويخلق صراعات دمويّة ويزيد من العداء لمشروعه. يقوم الكيان الصهيونيّ باستخدام المواطنين اليهود كرهائن لبناء مشروعه ويستخدم المخاطر، التي يخلقها هو، التي تتهدد أمنهم وسلامتهم،  لتبرير تزايد وتيرة عدوانيته.  فليست من الصدفة ان تقدس الصهيونيّة تجربة “مسعدة” (מצדה) التي انتهت بانتحار اليهود المحاصرين فيها…

إن دولة اسرائيل، بأكثر من كونها مشروعا استيطانيا على أرض فلسطين نفسهاهي كيان عسكري، وهذا الكيان يشكّل ركيزة من ركائز الهيمنة الامبرياليّة على المنطقة، وهو يشكّل خطرًا ملموسًا على سلامة واستقرار وإمكانيّات الحياة الكريمة في المنطقة ككل. فقد يكون مشروع تحرير فلسطين واقامة الدولة الديمقراطيّة الواحدة مشروعًا يكفل تفكيك هذه القنبلة النوويّة التي زُرعت على هذه الأرض الطيبة وبأقل أضرار ممكن. لذلك فلا بد لنا من دراسة دقيقة لكل مركّبات هذه القنبلة، الميكانيكيّة والبشريّة، والتعامل معها بكامل الجديّة والمسؤوليّة بهدف تفكيكها وبناء بديل عنها.

 

رسالة شكر من الشاعرة دارين طاطور لكلّ الواقفين معها

Darin_writing

مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله

بهذهِ الكلماتِ القليلة أفتحُ رسالتي لكلِّ من وقف معي في هذه الضائقة والمِحنة الصعبة ومع أهلي وعائلتي.

أشكركم من كلّ قلبي، ولعلّ الشكر أقلّ ما يمكن قوله وأنا في هذا السجن والمنفى بعيدةً عن كلّ شيء عِشته قبل الاعتقال. وبرغم كلّ الصعوبات التي مَرَرْتُ بها وما زلتُ أمرّ بها، إلاّ أنّ وقفتَكم معي وصوتَكم الذي كان يصلُني هو إشعاعُ القوّة الذي أستمدّ منه قدرتي على الصّمود.

رسالتي لكم جميعًا، بدون استثناء، هي رسالة إنسانة مُحبّة تتمنّى السلام والأمان، وتأمل أن تحلّ العدالة والمساواة على جميع البشر وفي كلّ مكان. إنسانة كلّ حياتها تتلخّص بقلم وورقة وصورة، حلمتْ يومًا ما بوجود أشخاص مثلكم باحثين عن الأحلام وسط كلّ الكوابيس التي تعيش حولنا ووسطنا.

نعم أشكركم، وأضع كلّ آمال الإنسانية بين أيديكم وأنظاركم وأسماعكم ومشاعركم.

أحبّكم

دارين طاطور

27.6.2016

هذه الرسالة نُشرت أيضًا في اللغة العبرية والانجليزية

شاعريّة الظّلم – ليطلق سراح دارين طاطور

La_lkatem_AlSawt

نُشر هذا المقال في موقع عرب 48 يوم الأربعاء 4\5\2016

في الساعة 03:00، قبل فجر يوم 10.10.2015، قدمت سيارات دورية شرطة الناصرة، برفقة “حرس الحدود” – تلك الوحدة الإسرائيلية سيئة السمعة. طوّقت القوّة الأمنية منزلاً هادئًا في قرية الرينة، القريبة من الناصرة؛ اقتحموا المنزل وأفزعوا العائلة من نومها. لقد كان هدفهم دارين طاطور، 33 عامًا، شاعرة فلسطينية ومصوّرة وناشطة سياسية. لم يكن في حوزتهم إذن تفتيش، ولا مذكّرة اعتقال، ولكنّهم مع ذلك أخذوا معهم دارين، وسط دهشتها.

من هو شهيد؟

لقد شهد تشرين الأوّل 2015 موجة من الكفاح الجماهيري الفلسطيني، انطلق من مركزه في القدس، كردّ على الاستفزازات الإسرائيلية في المسجد الأقصى؛ وما لبث أن امتدّ إلى غزة والضفة الغربية والمناطق المحتلة عام 48. ولكن دارين لم تتوقّع أن يجري اعتقالها؛ فهي لم تشارك في المظاهرات، هذه المرّة. لقد كانت حاضرة من قبل في المظاهرات كمشاركة، وكمصوّرة أيضًا؛ وقد لاحقتها الشرطة كمصوّرة – جُرحت دارين في 2008، عندما هاجم مستوطنون وقوّات الشرطة مسيرة العودة في صفورية. ولكن لماذا يلاحقونها الآن؟

يبدو أنّ السبب المباشر لاعتقال دارين هو “ستاتوس” نشرته على فيسبوك. في 9 تشرين الأوّل، أطلق جنود إسرائيليون النار على امرأة فلسطينية (إسراء عابد، أمّ لثلاثة أطفال، تدرس الهندسة الوراثية). كان ذلك في محطة الباصات المركزية في العفولة، حيث انتظرت لتعود من الكلّية إلى بيتها. الجمهور العربي أصيب بالصّدمة عندما نُشرت الأشرطة التي تصوّر كيف أطلق عدد من الجنود الإسرائيليين النار عليها بدم بارد. وفقًا لما تقول شرطة إسرائيل، نشرت دارين صورة إسراء، وكتبت تحتها: “سأكون أنا الشهيدة القادمة”.

النظام الإسرائيلي العنصري، كما إعلامه وجمهوره، يعرّفون كلّ فلسطيني يطلق عليه الإسرائيليون النار على أنّه “مخرّب”. وفي العبرية هو “مِحَبِّل” – تعبير تمّ اختراعه خصّيصًا لنزع الصفة الإنسانيّة عن مناضلي المقاومة الفلسطينية؛ فهؤلاء وفقًا لذلك، ليسوا حتى “إرهابيّين” عاديّين. وبينما رأى كلّ عربيّ بأمّ عينيه – في الشريط المصوّر – أنّ إسراء لم تعتدِ على أحد، واستنتج وفقًا لذلك أنّ أيّ شخص عربيّ قد أصبح الآن عُرضة لإطلاق الرصاص عليه دون سبب؛ فإنّ الإعلام الإسرائيلي – بهستيريّته المعهودة – قد فسّر الحدث نفسه على أنه إثبات أنّ أيّ شخص عربيّ يمكن أن يكون “مخرّب”. (لحسن الحظ أنّ إسراء لم تمُتْ جرّاء جراحها. والجدير بالذكر أنّ إسرائيل أسقطت عنها لاحقًا كلّ تهمة “أمنيّة”).

بالنسبة إلى الإسرائيليين، كلّ شهيد فلسطيني هو انتحاريّ بحزام ناسف؛ أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين، فالشهيد ليس فقط المناضل لأجل الحريّة وإنما كلّ ضحية بريئة من ضحايا الاحتلال. وفي هذه الحقبة الدمويّة، جرى تعريف دارين كـ”عدوّ”، ومن هنا فهي محظوظة لأنّها اعتُقلت فقط، ولم يُطلَق عليها الرصاص لتتحوّل إلى شهيدة، مثل آخرين كثيرين.

الدّعوى المقدّمة ضدّ دارين طاطور

بعد اعتقال دارين ومصادرة حاسوبها وهاتفها، “شمّرت عن أذرعها” أفضل الأدمغة البوليسية الإسرائيلية في الناصرة، لكي تثبت أنّ دارين تشكّل خطرًا أمنيًّا حقيقيًّا، ومن ثمّ “تخيط” الملفّ الذي سيقود إلى اتّهامها. وفي يوم الاثنين، 2.11.2015، وُجّهت إلى دارين تهمة التحريض على العنف ودعم تنظيم إرهابي. (لم أحصل على لائحة الاتّهام الرسمية، ولكن تجدون هنا روابط إلى تقارير إعلامية بالعربية، والعبرية)Dareen_reads_poem

يستند البند الرئيسي في لائحة الاتّهام إلى قصيدة بعنوان “قاومْ يا شعبي، قاومْهُم” (نشرتها دارين – أو نشرها أحد باسمها؛ لا نعرف، فالقضية ما تزال قيد المداولة القضائية – في شريط مصوّر على موقع “يوتيوب”). لا تحتوي القصيدة على أيّة مخالفة للقانون، ولا حتى القانون الإسرائيلي المخالف لمبادئ الديمقراطية. ما يُظهره الشريط هو قراءة للقصيدة على خلفيّة مشاهد المواجهات بين الشباب الفلسطيني وقوّات الاحتلال. ولكن هذه المشاهد الأيقونيّة، هي في نظر النيابة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي صور لنشاط “إرهابي”.

بند آخر تمحورت حوله لائحة الاتّهام يتعلّق باقتباس من خبر، نُشر في “ستاتوس” على صفحة فيسبوك دارين طاطور، مفادُه أنّ “حركة الجهاد الإسلامي تعلن ببيان لها باستمرار الانتفاضة في كل أنحاء الضفة”؛ وكذلك يتضمّن الـ”ستاتوس” دعوة إلى “انتفاضة شاملة”. يمكنكم أن تتساءلوا وتناقشوا، ما الذي تعنيه هذه الدعوة إلى انتفاضة شاملة؛ ولكن لا يعبّر الـ”ستاتوس” عن أيّ دعم لحركة الجهاد الإسلامي. إنّه خبر صحفي، وكان الممكن أن يُنشر، بالعبارات نفسها، عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية… ولكن الفلسطينيين مشبوهون دائمًا في أنّهم لا يحبّون مضطهديهم حقًّا.

لقد بلغ الأمر بالنيابة أن تطالب باحتجاز دارين في بيت منعزل، مقطوع عن الإنترنت، بعيدًا عن محيطها، وتحت حراسة مشدّدة يتطوّع بالقيام بها حارسان يلتزمان بمراقبتها طيلة 24 ساعة يوميًا، ويتحمّلان مسؤولية العقاب الشديد في حال مخالفة شروط الاعتقال المنزلي. لقد اعترضت النيابة على كلّ اقتراح عينيّ يجابه هذه الشروط القاسية، كما استأنفت إلى المحكمة اللوائية على أي قرار لمحكمة الصلح يتساهل، ولو قليلاً، مع دارين.

نتيجة لذلك، قضت دارين أكثر من شهور ثلاثة في مختلف السجون، وعانت ليس فقط ظروف السجن القاسية، وإنّما اقتيادها مرارًا وتكرارًا إلى جلسات محاكمتها. في نهاية الأمر، جرى إبعادُها (في 14.1.2016) من الرينة إلى ضواحي تل أبيب لتقبع رهنَ المنفى والاعتقال المنزلي، في شقّة اضطرّ أخوها إلى استئجارها خصّيصًا لهذه الغاية. لا يُسمح لدارين بمغادرة هذه الشقّة في أيّ وقت. كذلك، جرى تعليق جهاز إلكترونيّ بكاحل رجلها ليرصد تحرّكاتها، إضافة إلى  قليلي الحظ الذين حُكم عليهم أيضًا ملازمة الشقّة ضمنَ التطوّع لحراستها.

الجلسة الأولى في محاكمة دارين

يوم الأربعاء، 13 نيسان، ذهبتُ إلى الناصرة لحضور الجلسة الأولى في محاكمة دارين. جمهور الحاضرين لدعمها كان قليلاً، وقد تضمّن أقاربها، ومحمد بركة – بوصفه رئيس لجنة المتابعة، وعضو الكنيست حنين زعبي.Dareen_with_Haneen

بدأت النيابة في التأسيس لادّعاءاتها بجلب رجل شرطة قام بترجمة قصيدة “قاوم يا شعبي” إلى العبرية. لقد كان المشهد سرياليًا تمامًا. القصائد، بطبيعتها، تناقض مطلب “الإثبات بما لا يقبل الشكّ”، وهو المفهوم الرئيسي في القانون الجنائي. وفيما كان الشرطيّ/الشاهد، “يكافح” في مجابهة غموض عبارات القصيدة، ويتطوّع مقدّمًا تأويلاته الحدسيّة لتلك العبارات؛ كنّا – نحن الحضور في معضلة، نتمزّق بين رغبتنا العارمة في الضحك عاليًا، وإدراكنا الموجِع أنّ حرّية عزيزتنا دارين رَهْنُ هذا الهُراء.

النيابة والقاضية يواصلون بمنتهى الجدّية تداوُلهم حول التحريض المفترض في القصيدة؛ وهذا مظهر إضافيّ يثبت كيف تُعمي الكراهية والأكاذيب أعينَ الجهاز القضائي الإسرائيلي القمعي. ولكنّ الإثبات الصارخ على غياب العدالة – حتى بمظهرها الشكلي، وعلى إعطائهم قيمة “صِفْر” لحقوق الإنسان الأساسية التي يمتلكها الفلسطيني، يتمثّل في أنّهم قرّروا بمنتهى الاستهتار استدعاء شرطيّ ليقوم بوظيفة مترجم، رغم أنه لا يملك أيّة أهليّة ليقوم بذلك. أمّا الشرطي/المترجم فقد شهدَ أمام المحكمة بخفّة عجيبة كيف أنّه ليس مختصًّا، وأنّه يقف هنا بفضل ما تعلّمه في دروس الأدب أيّام المدرسة، وحبّه للغة العربية. إنّهم واثقون أنّ بإمكانهم سلب حرّية دارين، استنادًا إلى تأويل قصيدتها، دون حتى أن يكلّفوا أنفسهم إحضار مترجم مؤهّل أو “مناسب”. (رابط إلى تفاصيل هذه المهزلة)

مطلوب التضامن

قضية دارين طاطور هي مثال آخر صغير على القمع الذي تمارسه إسرائيل بحقّ الفلسطينيين. لم أسمع حتى الآن عن أيّ نشاط تضامنيّ مع دارين، لا داخل فلسطين ولا خارج فلسطين. يمكن تفهُّم ذلك، إذا أخذنا بالحسبان أنّ هناك فلسطينيين من جميع الأعمار يُقتَلون رميًا بالرصاص يوميًا، وآلافًا من السجناء الفلسطينيين (كثيرون منهم أطفال)، ومئات السجناء الإداريّين.

ومع ذلك، فأنا أعتقد أن قضية دارين طاطور تستحقّ اهتمامًا خاصًّا؛ فهي امرأة وشاعرة – تُهمتها الأساسية نشر قصيدة. إنّها فرصة جيّدة للشعراء والكتّاب ليتّخذوا موقفًا ضدّ الاحتلال وممارساته في تجريم أيّ تعبير فلسطينيّ عن الرغبة في الحرية والكرامة.

إضافة إلى ذلك، فإنّ محامي دارين في مرافعته أمام المحكمة أشار إلى واقع التمييز في تطبيق قانون منع التحريض. الإعلام الرسمي الإسرائيلي ووسائل الاتصال الاجتماعي تعجّ بالنداءات التحريضية الدّاعية إلى قتل العرب؛ بل وبعضها يصدر عن حاخامات ومسؤولين كبار في الجهاز السياسي الإسرائيلي. يجب كشف حقيقة هذه الملاحقة “القانونية” بوصفها ملاحقة عنصرية، لأنها تهدف إلى قمع حرّية التعبير في أوساط العرب الفلسطينيين، بينما يجري غضّ الطرْف عن التحريض الصهيوني. اتّخاذ مثل هذه الخطة الدفاعية هو مصلحة أساسية لعامّة الجمهور العربي الفلسطيني. دارين ومحاميها سوف يحتاجان أقصى حدّ ممكن من الدعم، في الأسابيع المقبلة – سواء في قاعة المحكمة أم خارجها، لأجل أن نجهرَ جميعًا بهذه الحقيقة.

امسية شعرية يوم الخميس 5\5 ووقفة تضامنية الأحد 8\5

ينظم حراك حيفا امسية شعرية تضامنا مع دارين طاطور ومع حرية الكلمة، وذلك ليوم الخميس 5\5 الساعة الثامنة مساء في نادي حيفا الغد، شارع الوادي 50 (في وادي النسناس). وسيشارك في الامسية الكل من الشعراء: هزار يوسف وطارق خطيب ومحمود أبو عريشة وعلاء مهنا وعلي مواسي.

كما يدعو مناصرو دارين الجميع للمشاركة في وقفة احتجاجية أمام محكمة الناصرة قبل جلسة المحاكمة القادمة يوم الأحد القريب 8\5. تبدأ الوقفة الساعة 12:00 لكي يتمكن الجميع حضور جلسة المحكمة مع دارين الساعة الواحدة ونصف.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 36 متابعون آخرين