Skip to content

من انتصار الثورة الروسية إلى صعود الاشتراكية الصينية

(نشر موقع عرب 48 هذا المقال بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الاشتراكية في روسية)

يتذكر العالم، في السابع من تشرين الثاني\نوفمبر 2017 حدثًا تاريخيًا غيَّر مسار البشرية –  إنه انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 وتأسيس سلطة المجالس – “السوفييت” باللغة الروسية – وهو أول نظام في التاريخ الحديث يجسد حكم الطبقات المسحوقة ويهدف إلى بناء الاقتصاد والمجتمع على أسس العدالة الاجتماعية.

يمكن أن يقلل البعض اليوم من أهمية هذا الحدث التاريخي، لأن الاتحاد السوفياتي سرعان ما غرق في التناقضات الداخلية ووقع تحت حكم ديكتاتورية ستالين الدموية، وعندما باشر بسياسة الانفتاح في ثمانينات القرن الماضي، انتهى به المطاف إلى انتحار سياسي لم يسبق له مثيل في التاريخ،  وتفكيك هذه القوة العظمى بيد قيادتها وسرقة ممتلكات شعوبها وتحويلها إلى ثروة خاصة لقلة من “الأوليغاركيين”.

كان اليوم الحاسم في انتصار الثورة الروسية هو الـ25 من تشرين أول\أكتوبر 1917، وفقًا للتقويم الشرقي، مع استيلاء الجنود الموالين للحزب البلشفي (الشيوعي) على مدينة سانت بطرسبرج، عاصمة روسيا في ذلك الحين. بعد مائة عام بالضبط من هذا الحدث، في أواخر اكتوبر 2017، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، في مدينة بكين عاصمة الصين، تم عقد المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني. وهو مؤتمر أكّد آلاف المندوبين المشاركين فيه، باسم تسعين مليون رفيقة ورفيق في هذا الحزب، على عزمهم على السير قدما على طريق الاشتراكية كما رسمها ماركس ولينين وماو.Xi_Jinping_The_Economist

ليست الصين اليوم دولة “هامشية” تحن إلى أمجاد الماضي، بل إنها القوة الصاعدة على الساحة العالمية، فقد تحوّلت هذه البلد خلال 68 عامًا من الحكم الشيوعي من واحدة من أفقر دول العالم، إلى أكبر وأهم اقتصاد، من ناحية قوته الانتاجية، وتظهر الصين كناشط مركزي في مواجهة قضايا التطوير والحفاظ على البيئة على مستوى العالم. وبهذه المناسبة اختارت مجلة “إيكونوميست” الانجليزية، التي تشكّل رمزا للفكر الرأسمالي، أن تظهر صورة الأمين العام للحزب، شي جين بينغ، على غلافها، تحت العنوان “الرجل الأقوى في العالم”.

جوهر الصراع التاريخي

لم يأتِ انتصار الثورة الروسية من فراغ، فقد شهد القرن التاسع عشر، إلى جانب تقدُّم الثورة الصناعية، تنظيم الطبقة العاملة من خلال النقابات المهنية والأحزاب الاشتراكية، كما شهد العديد من الانتفاضات العمالية والشعبية. ولكن الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة قد دخل مرحلة جديدة لدى انتصار الثورة الروسية، لأن العمال في الاقتصاد والمجتمع الرأسمالي مستغلّون ومحكومون، بطبيعة الحال… ومع إنشاء الدولة الاشتراكية صار هنالك، وللمرة الأولى، نظام لا تحكمه الطبقات التي يملك أفرادها وسائل الانتاج. وانتقل الصراع من الدفاع عن حقوق العمال تحت النظام الرأسمالي إلى التحدي الأكبر – تحدّي بناء البديل.

لم يبقَ انتصار الثورة الروسية حدثًا محليًا بل هو حدث هزّ العالم أجمع، وشكل نموذجًا ملهمًا للعديد من حركات التحرر السياسية والاجتماعية في دول المراكز الامبريالية وفي المستعمرات. ولم يغب عن البرجوازية العالمية الخطر الذي يشكله هذا النموذج. فخلال السنة الأولى لحكم المجالس وباستغلال انشغال الحكم الثوري الجديد في حرب أهلية مدمِّرة ضد بقايا حكم الاقطاع المحلي، اجتاحت جيوش من خمس عشرة دولة أرض روسيا الجديدة من كل اتجاه، ونذكر من ضمن الغزاة: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليابان والهند والصين.ApproxPositions_Counter_Revolutionary_Invasion-1919

لا شك أن التدمير شبه الكامل لروسيا الاشتراكية وسفك دماء ثوارها قبل أن يتأسس الحكم الاشتراكي كانا من العوامل التي سببت وسمحت بتغلب النمط البيروقراطي على التيار الثوري… وبالرغم من ذلك استطاع الاتحاد السوفياتي بناء نفسه كقوة اقتصادية وعسكرية تنافس الإمبريالية حول العالم وهَزَم الاجتياح النازي في الحرب العالمية الثانية وساعد على تحرر العديد من شعوب العالم من الاستعمار وسهل بناء أنظمة اشتراكية في بعض الدول.

بيد أن تطبيق النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي والدول المرتبطة به قد تميز بوجود إخفاقات خطيرة مصدرها سيطرة طبقة بيروقراطية ضمنت لنفسها الامتيازات المادية وأبعدت الطبقة العاملة عن دوائر صنع القرار ومنعت، بقبضة من حديد، تطبيق الديمقراطية الشعبية التي وعد بها منظرو الاشتراكية. وسيطرت الرؤية البيروقراطية أيضًا على الصراع العالمي بين “معسكر الامبريالية” و”المعسكر الاشتراكي”، وتم استبدال المبادئ التحررية والاعتماد على الحركات الثورية في حسابات السيطرة وقرارات المركز. هذه الحسابات والقرارات قد أدت إلى سلسلة من الأخطاء وصلت احيانًا إلى مستوى الجريمة، مثل جريمة دعم النظام الصهيوني في أيام نكبة 1948.

وقد استخدمت الأنظمة الرأسمالية إخفاقات الاتحاد السوفياتي ونظامه القمعي كمادة لدعايتها الهادفة إلى إبعاد الطبقة العاملة عن خيار الاشتراكية. فقد لجمت التناقضات الداخلية والخارجية التطور الاقتصادي داخل المعسكر الاشتراكي وأفسدت المجتمع وفسحت المجال لحالة من اللامبالاة والجمود وتكريس المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، وهي التي أدت، في نهاية المطاف، إلى الانهيار.tov_lenin_ochishchaet

سقط الاتحاد السوفياتي ولكن الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية لا يزال هو محور تطوُّر البشرية في العصر الحديث. فقد شهدنا أزمة شاملة لأركان النظام الرأسمالي منذ انهيار البنوك في الولايات المتحدة عام 2008 وأزمة الديون في الاتحاد الأوروبي. ويظهر أن هذه الأزمة ليست من الأزمات الدورية التي تليها  مراحل من التطور السريع، بل هي أزمة تتعلق بجوهر مبنى الاقتصاد، ولم تخرج هذه الدول “المتطورة” رأسماليًا من أزمتها إلى الآن. حيث تنجم عن هذه الأزمة الاقتصادية أزمات سياسية وظهور تيارات سياسية لم تملك فرصا للنجاح قبل حدوث الأزمة، على شاكلة اليمين المتطرف وعنصريته المكشوفة، واليسار الاشتراكي الذي يطرح تغيير أولويات الاقتصاد لصالح الطبقات الشعبية. ولا يزال الصراع القائم بين اليمين النيوليبرالي الخاضع للإمبريالية وبين الحركات الشعبية الاشتراكية هو عنوان المرحلة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وجنوب وشرق آسيا.

من الفشل في روسيا إلى النجاح في الصين

حاول المحللون الرأسماليون، من أكاديميين وإعلاميين ورجال سياسة، ممن يسيطرون مسارات تفكيرنا، قراءة سقوط الاتحاد السوفياتي باعتباره نهاية التجربة الاشتراكية، وقد استنتجت افتراضاتهم بأن الرأسمالية هي الطريق الوحيد لإدارة إقتصاد ناجع. وقد قَبِل العديد من القادة في النقابات المهنية والأحزاب العمالية هذا الطرح كمقولة مُنزلة وكأنه حُكم على العمال أن يكون سقف نضالهم متمثلا في تحسين ظروفهم المعيشية داخل النظام الرأسمالي.

ولكن، وفي مواضع مختلفة، لا تزال بضعة دول اشتراكية ترفض السير بإرادتها الى مزبلة التاريخ، وقد حافظت على نظامها، ومن ضمنها الصين وفيتنام ولاوس وكوبا. أما روسيا البيضاء، الكائنة في قلب أوروبا، وبعد إعلان استقلالها عام 1991 إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، وبعد أن ذاقت مرارة الرأسمالية، فقد اختارت عام 1994 لوكاشنكو رئيسًا لها، على قاعدة برنامج إعادة النظام الاشتراكي والحفاظ على حقوق العمال والفلاحين المكتسبة منذ عهد السوفيات. وكذلك حافظت بعض الدول الأفريقية، ومنها تنزانيا وأثيوبيا، على أسس اقتصاداتها الاشتراكية، بالرغم من تعاملها مع القوى الغربية والاصلاحات…

في سنة 2000 اجتمع ممثلون عن 191 دولة لمؤتمر حدد “الأهداف الإنمائية للألفية منها القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتخفيض معدل وفيات الأطفال، الخ. وقد اتفق الجميع على وجوب تحقيق جميع هذه الأهداف السامية حتى العام 2015. وبعكس اعتقاد “علماء” الاقتصاد القائل بأن الرأسمالية هي الأسلوب الأنجع للتطوُّر الاقتصادي فقد شكلت الدول الاشتراكية، وعلى رأسها الصين وفيتنام، رأس الحربة في معركة الإنسانية ضد الفقر والجهل والمرض وحققت الانجازات الأكبر نحو الحصول على الأهداف الألفية.

عاشت الصين بالتحديد مرحلة نمو اقتصادي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. وقد تحوّلت خلال مرحلة قصيرة من دولة زراعية يعمل معظم سكانها على توفير لقمة العيش (أو الأرز) لأنفسهم إلى “ورشة الصناعة للعالم”. وفي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية عمّرت الصين مدن حديثة جديدة لثلاثمائة مليون شخص، وهو عمل يشبه في ضخامته بناء ولايات متحدة جديدة أو أوروبا غربية جديدة بأكملها.russian_revolution_poster

ومنذ سنة 2000 أخذ نمو الصين يظهر كعامل مركزي في الاقتصاد العالمي. في المرحلة الأولى شعر الجميع بالأمر من خلال ازدياد طلب الصين على الموّاد الخام للصناعة والبناء والمنتجات الغذائية لإطعام سكانها، ومن جهة أخرى، وفّر الاقتصاد الصيني جميع أنواع المنتوجات الصناعية بسعر زهيد. وعندما كانت الدول الغربية الرأسمالية تتحكم بالاقتصاد العالمي من خلال النظر إلى مصالحها الخاصة وضمان فرص الربح لشركاتها العابرة للقارات، وانتهاجها لسياسة الإملاءات، فإن الصين قد أعلنت موقفها ضد التدخّل في الشؤون الداخلية للغير ومع التعاون للمصلحة المتبادلة مع الجميع. وفي السنوات الأخيرة سرعان ما تحوّلت الصين من مجرد قوة تجارية، إلى مستثمر وشريك مركزي في المشاريع التنموية حول العالم. ونتيجة لهذه التقلبات، فإن العالم، ومنذ العام 2000، يشهد تغييرًا جوهريًا في ميزان القوى الاقتصادي بين المراكز الإمبريالية وبين دول العالم الثالث المستغلة\النامية.

اعتمد الحزب الشيوعي الصيني منذ أربعين عامًا نهج “الإصلاح الاقتصادي” الذي يشمل الانفتاح على الاستثمار الأجنبي، والسماح بالملكية الخاصة، وتشجيع المبادرات الرأسمالية المحلية، ولكن مع الحفاظ على أولوية القطاع العام،  ودور الحزب والدولة المخطِّط والموجّه في تطور الاقتصاد. وقد اعتقد العلماء الغربيون بأن هذه المرحلة ما هي إلا مرحلة مؤقتة، وأن الصين، إن كانت ترغب في استكمال تطورها الاقتصادي، فلا بدّ لها من التخلص من حكم الحزب الشيوعي ومن تفكيك القطاع العام والتحوّل إلى اقتصاد رأسمالي “طبيعي”.

وأتى مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني التاسع عشر ليؤكد للعالم أجمع أن الصين فخورة وواثقة بنمط اقتصادها الاشتراكي وقد أعلنت قيادة الحزب انها عازمة على تقوية سمات الصين الاشتراكية  التي تعتبرها نموذجًا مطروحا على العالم من أجل حلّ قضايا التنمية والاستقلال.

لماذا يهمنا الأمر؟

تعوّدنا، في أيام الاتحاد السوفياتي وانقسام العالم إلى معسكرين، أن نرى كل صراع محلي باعتباره جزءا من الصراع العالمي. أما الصين فقد اعتزمت منذ أيام دنغ شياو بنغ (زعيمها في السبعينات والثمانينات) أن لا تشعل صراعًا عالميًا على مناطق نفوذ وتحاول انجاز معجزة جديدة في تاريخ البشرية لتُبدِل الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى في العالم من دون اللجوء إلى حروب قد تكون مدمّرة للجميع. ولكن التغييرات السياسية والاقتصادية السريعة التي نشهدها في العالم لا تقل أهمية عن التغييرات التكنولوجية والعلمية، حتى دون الصراعات الدموية الدراماتيكية.

حتى بالنسبة لمن لا يهتم بالاقتصاد والعدالة الاجتماعية او نتيجة الصراع التاريخي بين الرأسمالية والاشتراكية، فإنَّ الفلسطينيين هم من أكثر المعنيين بتغيير النظام العالمي، لأنه لا وجود لفلسطين كدولة، ولا حقوق لشعبها، في إطار النظام العالمي القائم. وما من شك بأن الهيمنة الإمبريالية-الصهيونية على منطقتنا هي جزء من نظام الباكس-أميركانا الذي يعدّ أيامه وسنواته الأخيرة.

ولكننا، في هذا الطور، لن نشهد ظهور قوة إمبريالية جديدة على حساب غيرها لكي تنافسها على استغلال فقراء العالم، بل نشهد صعود نظام اشتراكي يدعو للعدالة الاجتماعية، ويأتي هذا النظام من دولة فقيرة من العالم الثالث، دولة كانت من ضحايا الاستعمار واجتياحاته واحتلالاته. والكثيرين ممن لم يقتنعوا بالاشتراكية من حيث المبدأ والفكر، قد يتأثرون بالنموذج الصيني ويحاولون تطبيق بعض صفاته بسبب انجازاته الملموسة.

إننا، كبشر، نعيش جميعا على ظهر كوكب واحد صغير. لقد أثبتت الرأسمالية بأنها غير قادرة على إدارة هذا العالم وتوفير حاجات سكانه، وقد تنامت الكراهية والعدوانية بين البشر من خلال تقديس المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، وقد قادت العالم إلى حروب لا نهاية لها، كما قادت إلى تدمير البيئة. ويمكن لنا أن نرى في قيادة الصين للبحث عن طاقة نظيفة مستدامة، مثل التحوُّل إلى استعمال الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية، كبداية الطريق نحو عالم آخر تدير فيه الانسانية أمورها من خلال رؤية علمية وبما فيه مصلحة الجميع.

دعوة لندوة من حراك حيفا

بمناسبة الذكرى المئوية لانتصار الثورة الروسية 7\11\1917

حراك حيفا يدعوكم إلى المشاركة في

حوار مفتوح حول مستقبل الاشتراكية

وذلك يوم الثلاثاء 7\11 الساعة الثامنة مساءً

في نادي حيفا الغد – في موقعه الجديد – شارع مار يوحنا 31 – وادي النسناس 

في مستهلّ الحوار، افتتاحيات قصيرة، يقدّمها كلّاً من:

  • سلمان فخر الدين: عن الاشتراكية والديمقراطية
  • هشام نفاع: عن تجربة اليسار في العالم العربي
  • رجاء زعبي-عمري: عن البعد الطبقي لنظام الأبارتهايد في فلسطين
  • يوآب حيفاوي: من انهيار الاتحاد السوفياتي إلى صعود الصين الاشتراكية

يليها حوار مفتوح بمشاركة الحضور

ميّسر الحوار مجد كيال 

نأمل أن يهمّكنّ\م الأمر وتسرّنا مشاركتكنّ\م

Advertisements

بيتٌ في حيفا يبحث عن أصحابه

كانوا ثلاثة أشخاص … اتفقوا على بناء بيت في حيّ الحلّيصة في حيفا.

حصل هذا في العام 1945، فقد قام الثلاثة باستصدار رخصة لبناء البيت من بلديّة حيفا التي كانت تعمل في ذلك الحين تحت سلطة الاحتلال البريطاني.

أسماء الثلاثة ظاهرة على رخصة البناء الصادرة باللغة الانجليزيّة:

  1. Lutfi Hidjazi – لطفي حجازي
  2. Mohamed Seved – محمد صفد(؟)
  3. Hadla Haj Assad – هدلا حاج أسعد ( وبحسب التوقيع الظاهر على الوثيقة: هدلا أسعد خليفة)

قاموا بتعمير بيت حجريّ يحتوي على ثلاث شقق متواضعة…

لا أحد يعلم إن كان هؤلاء الثلاثة متزوجين، أو إن كان لديهم أطفال…

ما نعلمه أن هؤلاء قد قدّموا، في العام 1947 طلبًا إلى السلطات البريطانية لتخصيص كمية إضافية من الأسمنت، لاستكمال بناء المنزل.

لكنّنا لا نعلم إن تمكّن أيّ منهم من السكن في منزله الجديد قبل أن يتمّ تهجيره قسرًا، نتيجة لهجمات العصابات الصهيونيّة على أحياء حيفا العربية في شهر نيسان 1948.

نعم لقد تمّ الأمر قبل قرابة سبعين سنة، ولكنّ الأوراق تشهد والحق لا يسقط بالتقادم.

اليوم، هناك فرصة نادرة لاسترجاع ملكية قسم من هذا البيت لأصحابه الأصليين.

فهلّا ساعدتمونا بالبحث عنهم؟

إن كانت لديكم أيّة تفاصيل أو معلومات، نرجوكم التواصل على العناوين التالية مع:

د. جوني منصور johnnymansour1@gmail.com

عمر الغباري umar48@gmail.com

المحامي سليم واكيم salimwakeemadv@gmail.com

Building permission

وثيقة: لأجل فلسطين علمانية ديمقراطية واحدة

الوثيقة التأسيسية

“الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة”

منذ البدء لم يكن هناك من حلٍ مُمكِن للصراع الدائر في فلسطين ما بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني سوى قيام الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة. هذا ما طُرِحَ قبيل النكبة، وما طُرِحَ بعدها، قبل أن تحرف قيادة “منظمة التحرير الفلسطينية” البوصلة عام 1974 نحو شعار “دولة فلسطينية مستقلة” على 20% من أرض فلسطين، وتقر ضمناً بـ”يهودية” الدولة الصهيونية، وتخرج بالتالي فلسطينيي الأرض المحتلة سنة 1948 واللاجئين من المعادلة الفلسطينية، مما شكل انحرافاً جوهرياً عن الطرح الفلسطيني الأصلي.

والآن، ليس هناك من حل إلا الحل الذي يقوم على أن فلسطين بلد واحد، وأن على أرضها لا يمكن أن تقومَ إلا دولة واحدة علمانية ديمقراطية لكل مواطنيها. خصوصاً وقد ظهر واضحاً أن حل الدولتين لا يملكُ أفقاً قابلاً للتحقيق، وأنه كان وهماً، وأن جوهر ما تريده الدولة الصهيونية منذ البداية هو استعمار استيطاني لكل فلسطين لتحويلها الى “أرض إسرائيل” عبر ممارسة التطهير العرقي المتمثلِ بطرد وتشريد أكبر عددٍ ممكن من سكانها الأصليين وعبر تهميش واضطهاد وخنق الشعب الفلسطيني الذي لا زال يقيم في وطنه، الى حدّ التأسيس لنظام فصل عنصري (أبارتهايد) يحصر السكان الفلسطينيين في معازل وكانتونات، ويُخضعهم لاستغلال اقتصادي شنيع. إنه نظام يقوم على إخراج السكان الفلسطينيين من الأطر السياسية للدولة تحت شعار حصولهم على “حكم ذاتي موسّع”، مع استغلالهم اقتصادياً من خلال “توفير” العمل لهم بأبخس الأجور.

لهذا، لا بد من إعادة الاعتبار للحل الحقيقي للمسألة الفلسطينية، انطلاقاً من أن الدولة الصهيونية تريد كل ‏فلسطين “دولة يهودية” في سياق كونها “قاعدة عسكرية” في المشروع الإمبريالي للسيطرة على البلاد العربية، ‏والحفاظ على تفكك هذه البلاد وتخلفها، من أجل نهبها. وبهذا فإن القضية الفلسطينية هي بالتأكيد قضية عربية، ‏ومن ثم فإن حلها يرتبط بوضع الوطن العربي بمجمله، وبناءً عليه‎‎‏ يجب أن يعاد بناء النضال السياسي الفلسطيني ‏على أسس واضحة بعد أن ضاع في متاهات الحلول والمفاوضات والتنازلات، وبعد أن صادرت الدولة الصهيونية معظم الأراضي في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ 1948 وجزءاً مهماً من أرض الضفة الغربية ضمن سياستها  المستمرة في التطهير العرقي، وبعد أن فرضت الحصار الشديد على قطاع غزة إثر خروجها منه دون أن يصبح ‏مستقلاً.

وانطلاقاً من وثيقة ميونخ (29 يونيو/ حزيران – 1 يوليو/ تموز، 2012) حول الدولة الديمقراطية الواحدة في كامل ‏أراضي فلسطين التاريخية، نطرح منظورنا لتأسيس “الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية ‏واحدة”، حركة تهدف الى مشاركة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وفي الشتات في هذا النضال، وكذلك ‏مشاركة السكان اليهود في هذا النضال المشترك الهادف ‏الى تشكيل بديل شعبي يحمل مشروع الدولة العلمانية الديمقراطية، ويناضل بأشكال مختلفة من أجل إنهاء الدولة ‏الصهيونية، وإعادة بناء المجتمع والدولة على أسس واضحة نجملها في التالي:

  1. ‏إن الحل يجب أن يبدأ من تفكيك الدولة الصهيونية كوجود سياسي وكيان عسكري وأيديولوجية عنصرية. هذا هو ‏الأساس الذي يحكم رؤيتنا، ويؤسس لإيجاد حل حقيقي لمعضلة عمرها قرن منذ صدور وعد بلفور سنة 1917. ‏خصوصاً ونحن هنا لا نتعامل مع كيان ادعى القائمون عليه زوراً أنه هدفَ الى توطين ضحايا العنف النازي، فيما هو ‏كيان كولونيالي وجزء من منظومة السيطرة الإمبريالية على البلاد العربية. ولهذا يطغى طابعه العسكري، وطموحه ‏للتوسّع والسيطرة. لهذا سيكون إنهاء هذا الكيان حاجة موضوعية لتصفية الدور الإمبريالي الذي يقوم به، ولقطع ‏ارتباطه بالإمبريالية العالمية.
  2. هذا الحل يجب أن يضمن الحقوق للجميع دون استثناء، فحقوق الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم، وخصوصاً حقوق اللاجئين في العودة والتعويض عن سنوات التشرّد. فهذه الحقوق غير قابلة للتصرف، أو للتفاوض، وهذا هو مبدأ جوهري في الحل. ولأن ذلك سوف يتعارض مع المصالح والامتيازات التي منحها النظام الاستعماري للتجمع اليهودي في فلسطين نتيجة عملية التطهير العرقي والإحلال التي تمَّت سنة 1948 وما بعدها. هنا، لا بدّ من التأكيد على أن كل المشكلات التي تنتج عن ذلك، والمتعلقة بالملكية أو السكن، يجب أن تحلّ من خلال مبادئ العدل، وفي إطار لا يفضي الى نشوء أضرار جديدة بحق التجمع اليهودي المُتَخَلِص من مزاياه وامتيازاته التي كفلها له النظام الصهيوني العنصري.
  3. الدولة الجديدة التي ستقام على أرض فلسطين التاريخية، وهي دولة فلسطينية، هي أيضاً دولة علمانية ديمقراطية، تفصل الدين عن الدولة مع حماية هذه الأخيرة لحرية المعتقد وللحريات العامة، والتي تقوم على أساس مبدأ المواطنة، وتحمي الطبقات الشعبية من الفقر والبطالة والتهميش، وتضمن التعليم المجاني وكل ما يتعلق بالضمان الاجتماعي وحقوق العمل. وتُعنى بازدهار الثقافة بمختلف أطيافها.
  4. على ضوء النتيجة التي تسفر عن نهاية الصراع من إعادة تموضع سكاني بين الفلسطينيين العرب، واليهود العرب، ‏واليهود الأشكناز، وحيث ستبرز قضية وجود أقليات ثقافية مُمَيزة، يمكن الإقرار بمبدأ الحق بالتمتعِ بحكم ذاتي ثقافي، مع وجود ‏اللغتين العربية والعبرية كلغتين رسميتين، مع ملاحظة العلاقة الوثيقة ما بين هاتين اللغتين.
  5. ‎‏إن تفكيك الدولة الصهيونية يحملُ معه ايضاً إنهاء سيطرة الرأسمالية وقطع الارتباط بالمشروع الإمبريالي وذلك من خلال العمل على بناء الاقتصاد على أسس جديدة تعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية خصوصاً. في هذا الإطار، سوف تُحلُ ‏المشكلات الكبرى التي أوجدها الاستيطان الإحلالي ونظامه الرأسمالي في كل فلسطين، سواء من حيث إشكال التوزع الديموغرافي، أو ‏من حيث التفاوتات الكبيرة في المستوى المعيشي، وكل منهما لن يكون ممكناً إلا بعيداً عن الرأسمالية. ‏
  6. إن بناء هذه الدولة هو نتيجة نضال وطني وطبقي متعدد الأشكال وهو نضال مشترك ما بين أهل فلسطين وأولئك اليهود المتخلصين من ‏الايديولوجية الصهيونية فدور الطرفين مهم وحاسم، لكنه ممكن فقط في إطار حل حقيقي يضمن الحقوق للجميع. كما لا بد من التأكيد على ارتباط هذا النضال بكلية النضال في الوطن العربي نتيجة كون فلسطين هي جزء من هذا الوطن، ولأن الوجود الصهيوني في فلسطين هدف منذ بداياته الى منع استقلال ووحدة وتطور الوطن العربي بأكمله.
  7. ولا بد من التأكيد على دور شعوب العالم في هذا النضال الذي يخصهم أيضاً، كون الدولة الصهيونية كانت في الأصل وفي المنشأ نتاج المشروع الاستعماري الاستيطاني والإحلالي المرتبط بلحظة معينة من لحظات تطور النظام الرأسمالي الدولي. ولذلك، يجب مشاركة هذه الشعوب بالضغط على حكوماتها لانتهاج سياسات تحترم حقوق الشعب الفلسطيني، أو من خلال مقاطعة الدولة الصهيونية كونها قائمة على السيطرة على أرض الغير، وعلى العنصرية وعلى نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) وعلى توظيف الدين في مشروعها السياسي وعلى ممارسة العنف وعمليات طرد السكان الأصليين، وخدمة السيطرة الإمبريالية على مقدرات شعوب المنطقة وشعوب العالم ككل.

 

هذه هي رؤيتنا التي تتضمنها هذه الوثيقة التأسيسية لـِ”الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة”، رؤية كفيلة بإعادة بناء النضال انطلاقاً من منظور جديد قادر على تأسيس تيار شعبي واسع من كل الذين يتوافقون على هذه الرؤية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة.

21 أكتوبر / تشرين الأوّل 2017

(تم توزيع هذا البيان في يوم دراسي في كفر كنا الجليلية حول مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين، يوم السبت 21\10\2017)

 

رفاقي الأشكنازيين الأعزاء

(نشرت هذه القصة القصيرة من على صفحات جريدة المدينة الحيفاوية وفي موقع “اللسعة“)

رسمت الصورة: إيريس بار

لا شكّ أنّ الحياة تجارب، وأنّ الهجرة إلى مدينة أخرى والعيش بين قوم آخر يعلّمانك الكثير.

سمعتُ هذه القصّة القصيرة والبسيطة من مصدرها الأوّل، من العمّ العزيز المرحوم صليبا خميس، وأنقلها لكم كما كان يرويها – دون زيادة أو نقصان.

في أوائل خمسينيّات القرن الماضي توظّف صليبا، الشابّ الصاعد والشيوعيّ المتحمّس، كصحفيّ في واحدة من مطبوعات الحزب الشيوعي الإسرائيلي. كان مركز نشاط الحزب الإعلامي في مدينة تل أبيب، وفي إطار التزامه في عمله  الجديد استأجر صليبا، ابن مدينة الناصرة، شقّةً في أحد الأحياء الفقيرة في جنوب تل أبيب.

صليبا، الذي لم يعرف أحدًا في تلك المدينة الغريبة، كان ينهي عمله اليومي ويعود إلى الشقّة الصغيرة ويقضى وقته لوحده…

في مساء أحد أيّام الصيف الطويلة كان الجوّ حارًّا والجلوس في الشقة لا يطاق، فجلس صليبا على الشرفة على ناصية الشارع.

في الطرف الثاني من نفس الشارع الضيّق استأجر شقة شبيهة زوج شابّ من الرفاق الشيوعيين (الأشكناز) الذين كانوا يعملون مع صليبا في الصحافة الحزبية، ورآهما على الشرفة المقابلة، يحتسيان القهوة.

ألقى  صليبا عليهما السلام بحرارة.

ردّت المرأة: “أهلًا صليبا، لم نلتقِ منذ زمن…”

نهض صليبا من كرسيّه واستعدّ لنزول مطلع الدرج لكي يقطع الشارع وينضمّ إلى رفيقيه لشرب القهوة.

فأكملت المرأة حديثها: “أنا جادّة: علينا أن نتّفق لكي تزورنا في يوم ما…”

هذه هي المشكلة مع رفاقنا الأشكنازيّين الأعزّاء.

Saliba_in_AlMadina

حراك حيفا: حصار غزة جريمة ضد الانسانية!

غزّة المحاصرة تستغيث!

نناديكم لنستجيب معًا لنداء الضمير الإنساني والوطني

بيان صادر عن حراك حيفا – 14 تموز 2017

 

الظلام الذي يخيّم على أهلنا المحاصرين في قطاع غزة ليس سوى انعكاس للحالة المظلمة التي وصلت إليها حركة التحرر العربية وبضمنها حركة التحرّر الوطني الفلسطيني.

نحن لا نستهجن سياسات السلطات الإسرائيلية الإجرامية التي لا تزال تلاحق أهلنا في غزة جيلاً وراء جيل، منذ طرد أغلب سكان القطاع في إطار التطهير العرقي عام 1948 بقوة السلاح والمجازر، وفُرض الحصار عليهم في هذا القطاع الصغير لمنع عودتهم إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم. لقد نفذت “إسرائيل” المجازر المروّعة ضد سكان القطاع عام 1948 ومرّة أخرى مع احتلاله خلال العدوان الثلاثي عام 1956. وتحوَّل الحصار إلى احتلال مباشر عام 1967. ولم يطل الوقت حتى استقبله سكان القطاع بحرب تحرير شعبية وصلت قمة المقاومة الفلسطينية في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، عز أيام حركة التحرر بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وبعدها شهد قطاع غزة واحدة من أنصع صفحات المقاومة الشعبية والمسلحة في الانتفاضة الأولى والثانية إلى أن gaza_siege_2008_mapفرضت الإرادة الصلبة للشعب الفلسطيني على الاحتلال الانسحاب من القطاع وتفكيك المستوطنات فيه عام 2005، وبهذا أصبح القطاع أوّل قطعة أرض محرّرة من أرض فلسطين.

فرضت اسرائيل على سكان القطاع حصارًا منذ أيام اتفاقية أوسلو عام 1993، وشددته مع انتفاضة 2000، وعادت وشددته بعد انسحابها من القطاع عام 2005، وحوَّلته إلى حصار تجويع وخنق كعقوبة جماعية على نتائج الانتخابات الفلسطينية عام 2006 وشددته أكثر بعد فشل محاولة انقلاب دحلان على الشرعية الفلسطينية المنتخبة عام 2007. ولم تتوقف “إسرائيل” عن استعمال قوتها العسكرية لقصف وقنص سكان القطاع يوميًا، وقد ارتفع منسوب عدوانها  إلى ممارسة حملات مجازر جماعية ممنهجة كان آخرها صيف 2014. إلا إنها، بكلّ جبروتها العسكري، لم تنجح في كسر أو إخضاع أهلنا الصامدين في قطاع غزة.

ولا تزال دولة الاحتلال تستخدم كل الوسائل الإجرامية التي وصلت مستوى التعذيب الجماعي لسكان القطاع لكي ترسّخ في أذهان أبناء شعبنا الفلسطيني كذبة مقولتها الأساسية أن الحياة في العبودية تحت بطش الاحتلال أفضل من الحرية تحت نيرانه.  كما تعمل بشكل منهجي على تحويل القطاع كله إلى منطقة غير صالحة لحياة البشر بهدف فرض الهجرة على السكان.boats_break_israeli_blockade_by_latuff2

نحن لا نستهجهن هذه الممارسات الإجرامية فهي تندرج منطقيًّا ضمن مساعي النظام الاستعماري الصهيوني لسلب جميع أرض فلسطين واقتلاع شعبها من أرضه… ولكن الأمر الذي لا يستوعبه العقل هو ضلوع أطراف فلسطينية وعربية في هذه المؤامرة الإجرامية لحجج واهية ومصالح ضيقة.

نعلم جيدًا أن سلطة رام الله لا تملك حرية القرار تحت الاحتلال، ولكن هذا لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال مبررا لتصبح هذه السلطة منزوعة الشرعية والصلاحيات شريكة، بل ومبادرة، إلى تقليص تيار الكهرباء الذي لا يكفي أصلا احتياجات السكّان، ولمنع تحويلات الدفع مقابل توفير الوقود لمحطة التوليد… بل وصلت الأمور إلى منع التحويلات الطبية للحالات الحرجة والخطيرة!

وقوفنا إلى جانب أهلنا في غزة والعمل الدؤوب لفك الحصار الإجرامي يتطلب أولاً ترتيب البيت الفلسطيني وإعادة بناء الحركة الوطنية على أساس الالتزام بالحقوق المشروعة ورفض أيّ تعاون مع الحصار والاحتلال.no to boycott

نطالب سلطة رام الله التراجع فورًا عن خطواتها التعسّفية بحقّ أهلنا في غزّة!

ونوجّه نداءنا إلى كل الأحزاب والحركات والهيئات الشعبية والناشطات والناشطين للتحرّك السريع والواضح ضد الحصار والتضامن مع أبناء شعبنا المحاصرين وتجنيد الدعم العربي والعالمي لوقف هذه الجريمة بحق شعبنا وبحق الانسانية.

 

إضراب الأسرى الفلسطينيين: جسدٌ يقهر سجّانه

(نُشر هذا المقال في 14\5\2017 في موقع “مدى مصر“)

قبل انطلاق الإضراب المفتوح عن الطعام في يوم الأسير 17 أبريل الماضي، نُشرت مطالب الأسرى في معركة الحرية والكرامة.

تشير النظرة المتفحّصة لمطالب هذا الإضراب إلى كونها من أبسط الحقوق الإنسانية المتعلقة بتوفير العلاج الطبي والتعليم والسماح لأبناء عائلاتهم بزيارتهم، بالإضافة للغذاء والهواء، بل إن قسمًا من مطالب الإضراب يتعلق باستعادة حقوق حصلت عليها الحركة الأسيرة من خلال نضالاتها البطولية وتضحيات لم تتوقف على مدار العقود السابقة، وحُرم منها الأسرى في السنوات الأخيرة. بعض من هذه الحقوق المسلوبة يتمثل في زيادة مرات الزيارة والتعليم في الجامعة المفتوحة.

بحسب المعلومات المنشورة مع انطلاق الإضراب، هذا هو الإضراب الجماعي رقم 24 للأسرى الفلسطينيين منذ 1967 (مع العلم ان نضال الأسرى بدأ منذ اليوم الأول للاحتلال عام 1948، بل وقبله في عهد الاحتلال البريطاني)، هذا إلى جانب الإضرابات الفردية المستمرة. لقد تردّت أوضاع الأسرى،  حالها كحال الأوضاع على سائر جبهات المواجهة بين الشعب الفلسطيني وبين الاحتلال وأذرعه القمعية. لا يحترم نظام الفصل العنصري الصهيوني حقوق الإنسان ولا الاتفاقيات المنعقدة معه، فغطرسة الاحتلال تفرض على الفلسطينيين معركة مفتوحة طويلة الأمد. وفي الوقت الذي ننشغل فيه بهموم الحياة أو الخلافات الداخلية تواصل إسرائيل جهودها الساعية  إلى سلب الأرض وهدم البيوت وتهجير الناس. وهذا كلّه يقع في إطار مشروعها الاستراتيجي لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، ومن ضمنها يصب هذا النظام اهتمامه على التنكيل الدائم بالأسرى والتقليص المستمر لحقوقهم، فأحزاب هذا النظام لا تعيش إلا في أجواء التطرف والكراهية.locked room

لم تكن صدفة أن يتزامن الإعلان عن الإضراب،  وزيارة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية (منزوع الصلاحيات ومعدوم الشرعية) لواشنطن، مع طرح نتنياهو طلبًا تعجيزيًا جديدًا على الفلسطينيين، بوقف الدعم المادي للأسرى وعائلاتهم وعائلات الشهداء.  لاقى هذا المطلب تفاعلًا واسعًا في الإدارة الأمريكية التي تلهث وراء خدمة إسرائيل وإثبات الولاء لها بأكثر مما تهتم بشؤونها بلادها.  وبناء عليه، فقد يحقق إضراب الأسرى انتصاره الأول، بالذات، لكونه تصديًا للمحاولة الصهيونية الأميركية لابتزاز السلطة الفلسطينية لتقديم المزيد من التنازلات المجانية.

لا يفاجئنا حتى الآن، ورغم  اتساع نطاق الإضراب في السجون وانتشار نشاطات التضامن في كل أنحاء فلسطين وفي العالم بأسره، أن النظام الصهيوني، المتمثل بما يسمى «مصلحة السجون» الإرهابية، يرفض التفاوض مع الأسرى ويكثّف كل جهوده لكسر الإضراب. فهذه الهيئة لم تستغنِ عن أية وسيلة من وسائل القمع المتاحة لديها، من اقتحامات عنيفة للسجون على يد وحدات القمع المختصة وعمليات التفتيش المهينة، والضرب والعزل ومنع المعتقلين من الالتقاء بمحاميهم، وسلب ممتلكات السجناء ومحاولة خلق الخلافات والتشكيك بين الأسرى.water + salt

في هذه الأثناء، تعد أجهزة القمع الإسرائيلية عدّتها لتنفيذ «الضربة القاضية» في المعركة المستمرة التي يخوضها المعتقلون الفلسطينيون بواسطة أمعائهم الخاوية، وذلك من خلال كسر الإضراب عبر استخدام «التغذية القسرية»، وهي من وسائل التعذيب المحرّمة، إلا أن الكنيست الصهيوني شرّع قانونًا خاصًا لإجازتها. ورغم أن هذا القانون لاقى معارضة عنيدة من قبل نقابة الأطباء، إلا أن الحكومة تعمل على كسر حظر النقابة من خلال أطباء يعملون في مصلحة السجون وغيرهم.

من جهتها، حذرت «الحركة الأسيرة» في بيانها في اليوم العشرين للإضراب (6 مايو) قائلة «إننا وفي هذا السياق نؤكد على أن كل محاولة لتنفيذ جريمة التغذية القسرية لأي أسير مضرب ستعني بالنسبة لنا مشروعًا لإعدام الأسرى، وسنتعامل معها على هذا الأساس وسنحوّل السجون إلى مواقع اشتباك بأجسادنا العارية، مسلحين بإيماننا وإرادتنا وتصميمنا وثقتنا بشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية وبأحرار العالم للوقوف إلى جانبنا».

الأسرى في صلب القضية

يشكّل دعم الأسرى موضوع إجماع وطني فلسطيني نادر في هذه الأيام. حيث يصل عدد الأسرى في سجون الاحتلال لحوالي 6500 أسيرًا، وهم ينحدرون من كل المناطق الفلسطينية ومن كل الأحزاب وقطاعات المجتمع، وتعيش عائلاتهم معاناة الأسْر يوميًا بشكل لا يقل عن الأسرى أنفسهم. وبذا، فإن الجميع يشعرون بهذا الدين العميق الذي يدينون به للأبطال خلف القضبان ممن ضحوا بحريتهم في النضال لأجل حرية الشعب.

إذا كان المطروح على عامّة الناس هو شبه «بديل» عن مواجهة الاحتلال، يتمثل في الاهتمام بالحياة اليومية ومحاولة تحسين الظروف المعيشية، فإن الأسير في سجنه لا يجد مفرًا أمامه من مواجهة السجان بشكل يومي. إن الأجساد المعذبة لهؤلاء تذكّرنا بجسد المسيح، الذي عُلّق على الصليب بهدف ترهيب الناس، ولكن هذا المنظر المؤلم تحول إلى رمز حي لوحشية الاحتلال، من جهة،  وللنضال لأجل الحرية ولإثارة الضمائر الحية لمواصلة المعركة من جهة أخرى.Prisoners and soldiers

في هذا المجال، أذكر جملة المناضل العنيد صالح برانسي، من مدينة الطيبة، أثناء كلمته التي ألقاها  في الاحتفال بإطلاق سراحه بعد قضاء مرحلة طويلة في الأسر. قال برانسي أنه لم يتحرر، بل انتقل من الزنزانة إلى ساحة السجن. فالأسر لا يقتصر على الأسرى في السجون المعلنة، بل نرى أن قطاع غزة بأسره قد تحول إلى سجن كبير تحيط به الأسوار وجيوش السجانين. بل إن فلسطين، بمفهوم أشمل، كلها أسيرة وشعبها رهينة للمشروع الاستعماري الصهيوني، فلا حرّية تحت الاحتلال. إلا أن قضية الأسرى أبسط وأوضح ولا تسمح بوهم التعايش مع المحتل-السجان.

لم يتوقف بيان الحركة الأسيرة المذكور أعلاه عند نقطة النداء لدعم الإضراب، بل وطالب السلطة الفلسطينية أيضًا بـ«الوقف الفوري للتنسيق الأمني مع الاحتلال، فهذه أيام للالتفاف الوطني والمواجهة.» كما أكد على «ضرورة مشاركة لجنة المتابعة في الداخل الفلسطيني المحتل في هذا الإطار القيادي ليصير شاملًا ومعبّرًا عن كافة أبناء شعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، ورافعة للارتقاء بالفعل النضالي من أجل قضية الأسرى؛ فالمواجهة القائمة تستحق أن تُمثّل وتُدعّم في إطار وطني وحدوي.»

بهذا تشير الحركة الأسيرة إلى سبيل الخروج من المأزق العالقة فيه حركة التحرر الفلسطينية، وإعادة الوحدة الفلسطينية على أساس مواجهة الاحتلال والتغلب، ليس فحسب على التقسيمات الحزبية، بل وأيضًا على التقسيمات الجغرافية بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948 وبين غيرهم في المناطق المحتلة منذ 1967.

في تسعينيات القرن الماضي، وفي عز أيام اتفاقيات أوسلو وأوهام التسوية مع الاحتلال، كنّا نتظاهر دعمًا لإضرابات الأسرى تحت شعار «لا سلام دون تحرير جميع الأسرى». وكان عدم تحرير الأسرى خير إثبات على عدم وجود نية للسلام من الطرف الإسرائيلي وعجز الطرف الفلسطيني في هذه الاتفاقيات على ضمان الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروعة. ومرّت الأيام ولم يبقى من الشعار إلا أوله: «لا سلام…»

المعركة مستمرة ولن تنتهي إلا بالتحرير… تحرير الأسرى، تحرير الأرض والإنسان.

 

بين عيد ميلاد… وعيد ميلاد

قصة قصيرة – مع كل الحب لأولاد الحليصة…

(نُشرت هذه القصة من على صفحات جريدة المدينة الحيفاوية في 7 نيسان 2017)

تسكن مريم في هذه الحارة على طرف الجبل. هنا وُلدت وهنا تتعلّم، وجميع صاحباتها من بنات الحارة.

تعمل أمّ مريم في تنظيف بيوت “الخواجات”. والدها المريض يرقد أحيانًا أسابيع أو أشهر في المستشفى. يبقى، أحيانًا، في البيت أو يقضي نهاره مع أصدقاء له، ونادرًا ما يتمكّن من العمل بشكل متواصل.

عندما تتأخّر أمّ مريم في عملها تتّصل بمريم وتطلب منها أن تحضّر الطعام لأبيها ولأخيها الأصغر منها بسنتين… وعلى الرّغم من صغر سنّها، تفتخر مريم بمعرفتها بأسرار الطبخ وتشعر بالمسؤولية والأهمية عندما تقدّم الطعام لعائلتها.

خال مريم، أبو شادي، وُلد في الحارة أيضًا، لكنّه ناجح في أعماله، فتركها واشترى منزلا في “منطقة راقية” وسجّل ابنه شادي في “مدرسة منيحة” تضمن مستقبله.

لم ينس أبو شادي أخته، وهو يحبّ ابنتها مريم، ولذلك لم تتفاجأ مريم عندما زارهم خالها في بيتهم قبل عيد ميلادها الثالث عشر واقترح على أمّها أن يقوم باحتفال مشترك بمناسبة عيد ميلاد شادي ومريم. برنامج العيد الذي طرحه أبو شادي كان مُمَيَّزًا: أن يستأجر باصًا صغيرًا ليأخذ فيه الأولاد إلى مركز لألعاب “كرة الطِّلاء” في الأحراش خارج المدينة؛ ومن ثمّ، بعد انتهاء اللعبة، زيارة حديقة حيوان مشهورة. فوقد سمح أبو شادي لأخي مريم أن يرافقها في هذا المشوار العجيب.

* * *

في اليوم الموعود ارتدت مريم أفضل وأجمل ثيابها. جاء خالها في الصباح الباكر ليأخذها، هي وأخيها، في سيارته إلى بيته، حيث كان يتجمّع أصدقاء شادي بانتظار الباص.

في مركز “كُرة الطِّلاء” وزّع المرشدون البنادق والذخيرة الخاصّة على الأولاد، وشرحوالهم كيفيّة استعمال البندقية ومبادئ اللّعبة. تدرّب الأولاد قليلاً، ثم اصطحبهم المرشدون في جولة للتعرّف على المنطقة الوعرة، حيث تقام “المعارك” بين الشجر، في منطقة وضعوا فيها “ديكور” أطلال منطقة حروب وهمية.

جاء الآن “وقت الجَدّ”. انقسم المشاركون إلى مجموعتين، ولبست كلّ منهما أزياء خاصّة بها – فوق ملابسهم. غطّوا رؤوسهم بالأقنعة، واستعدّوا للمعركة.، في “الميدان” سوف تدور جولتان من المعارك، وستتبادل المجموعتان المواقع لتكون كلّ منهما مرّة في الهجوم ومرّة في الدفاع

في الجولة الأولى كانت مريم ضمن الفريق المهاجم، وشعرت بنوع من الفوضى في أداء الفريق. لم تعرف أحدًا من “المحاربين” الذين كانوا معها. كان الكلّ يتقدّم بمفرده نحو معقل المدافعين وتحوّلت المواجهة إلى مجموعة من المواجهات والملاحقات الفردية، وبعد أن “قتلتْ” مريم أحد المدافعين “قتلها” أخوها الذي لاحقها…

لم تكن مريم معجَبة بأداء فريقها، ولذلك أصرّت قبل بداية الجولة الثانية (الدّفاعيّة) أن تقود فريقها، وطرحت لأجل ذلك “حجّة” قويّة: “إنّه عيد ميلادي!”. . جمعت مريم الفريق لوضع “الخطّة القتاليّة”، واخترعت “خطّة جهنمية” يشكّل من خلالها بعض المدافعين “طُعمًا” للمهاجمين حيث يطلقون النار عليهم من بعيد ومن ثمّ يهربون بهدف استدراجهم نحو كمائن. هناك ستكون في انتظارهم فرق مختبئة، متأهّبة لتصفيتهم. وزّعت مريم “مقاتليها” على مواقعهم المحدّدة وهي تتجول بين المواقع لتتأكد أنّ الجميع يؤدّي دوره كما هو مخطّط له.

حاول مقاتلو الفريق المهاجم أن يتسلّلوا خفيةً نحو مواقع المدافعين… دار قتال حامي الوطيس، وارتفع صراخ الأولاد في الحرش… ومريم تصول وتجول في ساحة المعركة، وقدتمزّق زيّها “العسكري” بفعل أغصان الأشجار، دون أن تنتبه، أو ربّما انتبهت ولم تهتمّ…

قُتلت مريم لدى ملاحقة أحد مقاتلي الفريق المهاجم. ولكنّه لقي مصرعه على يد فرقة الكمين الذي قادته مريم إليه أثناء هروبها… وانتصر فريقها.

 

في طريقهم إلى حديقة الحيوان توقّف الباص عند مطعم… دخلت مريم الحمّام وانتبهت للمرّة الأولى أنّ ثيابها ممزّقة من أحد الأطراف، إضافة إلى كونها مبلّلة وعليها علامات حمراء من كرات الطِّلاء. لم تعلم ماذا تريد أن تطلب من قائمة الطعام، وعندما وصل الأكل شعرت بأنه غريب. جلست بين خالها أبو شادي وبين أخيها، وكانت تنظر إلى الأولاد وهم يتحدّثون ويضحكون…

في حديقة الحيوان قرّرت مريم أنها لن تبالي بالأولاد الذين لم يتوقّفوا عن الحديث والضحك، فقامت لتستغلّ الوقت في التعرف على الحيوانات التي لم ترَ مثلها من قبل. سارت لوحدها من قفص إلى قفص وهي تقرأ بعناية الشرح المكتوب على لوحات صغيرة على طرف كلّ قفص.  كانت تتوقّف عند كلّ قفص وتحدّق بالحيوان أو الحيوانات الساكنة فيه، وتفكّر: من أين أتوا بهذه الحيوانات، وكيف هي حياتها الطبيعية… كانت تتخيّل الطيور تحلّق في السماء، والقردة تقفز من شجرة إلى شجرة في الغابة. توقّفت طويلاً عند قفص الأسد، راقبت خطواته وهو يتمشّى من طرف إلى طرف داخل القفص.سمعت صوت أحد الأولاد:

– وينك يا مريم، الكل بِدوِّر عليك في كل الحديقة. بدنا نروّح…

* * *

رجعت مريم من الرحلة مسرورة ومنهكة، ولكنّها، وعندما سألتها أمها:

– كيّفتِ يُمّا حبيبتي؟ هذا أكيد كان أحلى عيد ميلاد مر عليكي بحياتك!

أجابت بمنتهى الجدية:

– كان اليوم حلو كتير. بسّ هادا مش عيد ميلادي. عيد ميلادي بدّي أحتفل فيه مع صاحباتي، حتى لو قعدنا هون نشرب شاي بساحة البيت…

* * *

وعدت أم مريم ابنتها بالاحتفال بعيد ميلادها في يوم السبت التالي، ولكن ليس في ساحة البيت بل في الوادي القريب من الحارة.

دعت مريم صديقاتها، ودعا أخوها أصدقاءه، كما قاما بدعوة بعض بنات وأولاد الحارة. اتصلت مريم بابن خالها شادي ودعته هو الآخر. أحضرت أمّ مريم كلّ اللوازم لكي تحضّر سلطة التبّولة للجميع، واستعارت مريم كرة قدم من أحد الجيران.

تجمّع الجميع صباح السبت لكي يسيروا معًا نحو الوادي. عاودت مريم الاتّصال بشادي، ولكنه لم يردّ على الهاتف. على الطريق النازل إلى الوادي التقوا بأحمد، ابن أبو أحمد، وهو أصغر من أخي مريم، لكنه لاعب كرة قدم ماهر وقادر على “تصميد” الكرة في الهواء وهو يركلها بقدمه لأكثر من عشرة مرّات… وقالوا له:

– البس بوتك وتعال، نازلين نلعب فوتبول في الواد… اليوم عيد ميلاد مريم.

فانضمّ إليهم.

* * *

تجاوزت مجموعة الأولاد آخر بيوت الحارة على مدخل الوادي، ومن ثم تقدّموا سيرًا على الأقدام ليدخلوا إلى الوادي، حيث يتحوّل الشارع إلى طريق ترابيّة تحيطها الأشجار من الجهتين. وصلوا إلى موقع اتّسعت فيه الطريق ووصلت إلى طرف الجبل. كأنّه محلّ لتخزين موادّ البناء لأحد المقاولين، ولكن الموقع كان شبه فارغ، وبدا لهم وكأنه ساحة ألعاب كبيرة خاصّة بهم.

جلست أم مريم في ظلّ الشجرة بالقرب من السّاحة، وجلب الأولاد أحجارًا  فوضعوا حجرين على كلّ من طرفي الساحة ليشيروا إلى منطقتي المرمى وبدأوا اللعب… لعبوا كرة القدم وألعاب أخرى، واخترعوا ألعابًا “من رؤوسهم” وهم يتنافسون ويتعاونون ويركضون ويجلسون، يصيحون ويضحكون.

بعد أن تعب الجميع من اللّعب، جلسوا حول أمّ مريم تحت الشجرة وأكلوا التبّولة من أطباق البلاستيك وشربوا العصير الحلو.

قالت لهم الأمّ:

– يا أولاد، هل تريدون أن تشاهدوا العصافير في الوادي؟ في هون ببغاوات خَضرا، فيش أحلى منها… بَسّ لازم تمشوا معي هاديين… ولا صوت!

على الطريق الصّاعد في محاذاة مجرى الوادي حدثت “معجزة”… خمسة عشر ولدًا، صبيانًا وبنات، ولا صوت! كلّهم يسيرون وراء أمّ مريم بهدوء تامّ… لربّما تعبوا لكثرة ما لعبوا، أو هو الفضول لرؤية الطيور. .

فجأة، وأثناء مشيهم على الطريق الترابية، وصلوا منعطفًا فرأوا أمامهم “واوي”، واقف في منتصف الطريق، لا يبعد عنهم أكثر من ثلاثين مترًا. جمد كلّ الأولاد في مواقعهم وأمّ مريم تشير لهم واضعة إصبعها على فمها: اصمتوا!

حدّق الأولاد في الواوي، وبدوره حدّق الواوي في الأولاد. بعد لحظة طويلة، ابتسم الواوي تجاههم واختفى مسرعًا بين الأعشاب على طرف الطريق من جهة الوادي.

* * *dream1

في الليل حلمت مريم أنّ الواوي جاء ليتكلّم معها… حكت للواوي عن الأسد الحزين الذي التقت به في حديقة الحيوان. اقترح أن يطلقا معًا سراح الأسد. ومشيا فعلًا إلى الحديقة، ففتح الواوي باب قفص الأسد. فجأة كانوا جميعًا في الوادي، وكان الواوي والأسد يضحكان بصوتٍ عالٍ. وبعدها اختفيا بين الأشجار.

* * *

في اليوم التالي اتّصل شادي بمريم:

– مريم، عم بتصل لأقولّك كلّ سنة وانتي سالمة! انت أحلى بنت عمّة. بتأمّل تكوني انبسطتي كتير في العيد امبارح. صدقيني، كنت بدّي أجي، بَسّ أبوي مسمحليش…

– ولا يهمّك، شادي. ماخسرتش إشي. بَسّ رُحنا عالواد. هالواد دائمًا موجود هناك، وكل واحد بنفع يروح عليه وقت ما بدّو.

رسومات – إيريس بار

The 2 birthdays in Al-Madina

القصة في جريدة المدينة