Skip to content

لقاءات في منتصف الطريق – 2

sukat-shalom

قصة قصيرة – الجزء الثاني والأخير – لقراءة الجزء الأول

(نُشرت في ملحق الجمعة 21\10\2016 في جريدة الاتحاد)

في بداية الجزء الأوّل رأينا عمر وهو يوصل ابنته مروة الى مكان عملها الجديد في مقهى “أروما” في المجمّع التجاري الحديث وينبّهها أن لا تدخل مطعم أبو حِلمي المجاور.

ويتذكّر عمر قصّة محاولات مصادرة التلة الواقعة بين قريته الصغيرة وبين الكيبوتس المجاور قبل أكثر من عشرين سنة تحت ذريعة الحاجة إلى اقامة محميّة طبيعية… فقد أقام شباب البلد خيمة اعتصام على أرض التلّة وتعرّف عمر هناك على “هيلة”، بنت الكيبوتس، التي جاءت لتعبّر عن تضامنها مع نضالهم. وفي نهاية الجزء الأوّل تركْنا عمر ورفاقه وهم يخطّطون مظاهرة في القرية ضدّ المصادرة وكانت “هيلة” تفكّر كيف تجنّد الكيبوتس لمساندة قضيتهم العادلة.

* * *

كانت المظاهرة عاصفة أكثر ممّا توقّع عمر.

تجمّع الشباب منذ ساعات الصّباح في خيمة الاعتصام وأتت وفود من القرى المجاورة… وخطّط الشباب أن يطوفوا شوارع البلدة في البداية، لكي ينضمّ إليهم الأهالي المتردّدون، ومن ثمّ يتوجّهون إلى مدخل البلدة لكي ينتشروا على طرف الشارع الرئيسي.demo-in-village

لم تصدّق الشرطة أنّه بالإمكان تنظيم مظاهرة جماهيريّة في هذه القرية الصغيرة، وهي التي قد تعوّدت على التعامل مع سكان البلدة من خلال الحديث مع “الكبار”، وبشكل خاصّ مع “حلمي”، مختار البلدة، دافعة إيّاهم إلى تحذير الشباب وكبح جماحهم.

حضرت الشرطة، هي الأخرى، منذ ساعات الصباح بعدّة سيّارات واحتلّت مكانًا في مركز البلدة، وتحدّث قائد المنطقة مع المختار وقال له أنّه لن يسمح بخروج المظاهرة إلى الشارع الرئيسي. وعندما رأى أحد رجال الشرطة ولدًا يحمل علم فلسطين في طريقه إلى خيمة الاعتصام على التلّة، أمسكه ومزّق العلم من بين يديه وضربه. فأخذ بعض الأولاد يرشقون الحجارة من بعيد نحو تمركُز الشرطة، ومن ثمّ فرّوا من المنطقة.

محاولة الشرطة وقف المسيرة وهي ما زالت داخل البلدة أشعلت مواجهة شاملة بين المتظاهرين وبين رجال الشرطة… وعندما ترك بعض رجال الشرطة سيارتهم كي يلاحقوا راشقي الحجارة، استغلّ الآخرون الموقف وأضرموا النّار في سيارة الشرطة. انتشر خبر المواجهات في القرى المجاورة وأتت مجموعات أخرى من الشباب لمساعدة أهل البلدة، ولجأ قائد الشرطة إلى المختار ليضمن لقواته انسحابًا آمنًا من ساحة المعركة. ولم يظهر أيّ رجل دولة في القرية حتى ساعات اللّيل، عندما أتت الشرطة بقوّة كبيرة معزّزة بالوحدات الخاصة وحرس الحدود وبدأت باعتقال الشباب.

* * *

بعد عدّة أسابيع قضاها رهن الاعتقال، أُطلق سراح عمر إلى الاعتقال المنزلي في بيت أهله…arresting-kids

في اليوم الثاني جاءت هيلة مع مجموعة من شباب الكيبوتس لزيارة تضامن إلى بيته. شربوا القهوة وتناولوا الفاكهة والحلويات الشرقية، واستمعوا إلى عمر وهو يروي قصص المظاهرة والاعتقال. كان يبتسم ويضحك وهو يذكر تفاصيل أصعب اللّحظات: كيف جمعوهم في ليلة المظاهرة في ساحة محطّة الشرطة، وكيف كان رجال الشرطة الذين شعروا بالاهانة من انسحابهم أمام الشباب يقتصّون منهم بالضرب والإهانات… تحدّث عن الفتى، حمّودي، ابن أبي مرزوق، الذي انكسرت قدمه في المواجهات، والذي قاموا بسحبه من البيت وواصلوا ضربه عمدًا على قدمه المكسورة…

بعد الاستماع لعمر قالت هيلة أنّ عندها أيضًا أخبار مهمّة يجب أن توصلها:

  • لازم تعرفوا إنّه هذه المظاهرة عملت اللّي عليها… بالرّغم من كلّ المشاكل والاعتقالات، ويمكن بفضل كلّ هاي الفوضى، صار في أمل كبير إنّه المصادرة تُلغى. كان في قبل عدّة أيام اجتماع عامّ لسكان الكيبوتس، هذا الاجتماع الذي تحدّثت عنه مع عمر قبل الاعتقال. أنا ومجموعة من الشباب طرحنا في هذا الاجتماع أن الكيبوتس لازم يتّخذ موقف ضدّ مصادرة التلّة. إذا بقي الأمر علينا، “محبّي العرب”، كان ممكن يتجاهلونا بكلّ سهولة. بس إسّى فهموا أن الموضوع يمكن يسبّب مشاكل لكلّ المنطقة. كنتوا لازم تشوفو “جادي” – والكلّ بيعرف إنه بيشتغل ضابط مخابرات في الضفة – وهو يتّهم إفراييم: “إنت عم تلعب بالنار. دواوينك بالآخر رح تكلّفنا كلّنا غالي!”… وإفراييم، لمّا شعر لوين الريح بيتهبّ، عمل نفسه كأنه مإلوش أي صلة بالموضوع، وهو بدّه يهدي الأمور أكثر منّا… ووعد أنه يتّصل في أقرب وقت بمختار القرية وإنهن يتوجهوا مع بعض للسّلطات المسؤولة ويطلبوا إعادة النظر في المشروع. هذا الملوَّن، بالآخر قال إنه كان من الممكن حلّ كل هذه القضية منذ زمان وأنه مستغرب ليش صديقه المختار لم يتوجّه له من قبل هيك بطلب المساعدة…

* * *

حلمي، “مختار” القرية، ليس عجوزًا، وليس رجلاً تقليديًا… فهو صاحب شركة مواصلات، ومن خلال عمله لديه علاقات مع الكيبوتس ومع العديد من المؤسّسات في المنطقة. ويعمل العديد من سكان القرية أجيرين لديه. إنه إنسان عملي ويحبّ مساعدة الجميع، لكنه ليس ذي تجربة أو علاقات في المواضيع السياسية الكبيرة عليه. عندما انفجرت قضيّة المحميّة الطبيعية ومصادرة التلّة شعر أنّها مشكلة أكبر من قدرته. كان يرأس اجتماعات اللجنة الشعبية ويسمع الجميع، ولكن دون أيّ إيمان في نجاعة اقتراحاتهم. كان يراقب بقلق تحرّكات الشباب وخاف أن يفاقموا المشكلة ويزيدوها تعقيدًا، وفكّر في الثمن الباهظ الذي من الممكن أن يدفعوه…

لذلك، عندما طرح عليه إفراييم، سكرتير الكيبوتس، أن يتوجّها سويًّا إلى الجهات المسؤولة، اعتبر الأمر هديّة من السماء. فـ”إفراييم” يعرف المسؤولين في الكثير من المكاتب الحكومية؛ منهم من يعرفه منذ أيّام خدمته في الجيش، ومنهم من هو معه في “الحزب”، إضافة إلى آخرين جلبهم اهتمامه في بناء العلاقات وجلب الميزانيّات للكيبوتس.

رتّب إفراييم جلسة خاصّة مع مسؤولين من وزارة الداخلية وسُلطة التخطيط وحماية الطبيعة، وسافر بصُحبة حلمي في سيّارته لحضور الجلسة في القدس.

* * *

بعد قيامه بإيصال إفراييم إلى الكيبوتس، عاد حلمي إلى البلدة مسرورًا، وأخذ ينفخ في بوق السيارة كالمشجّعين العائدين من لعبة كرة القدم بعد الانتصار. كان يتوقّف عند كل شخص يراه في الشارع من سكان القرية  ويصيح:

  • الحمد لله، لقينا حلّ لمشكلة التلّة.

وتوسّع حلمي المختار في الشرح، عندما تجمّع النّاس في ديوانه في ذلك المساء:

  • ما في حاجة كلّ التلّة تكون جزء من المحميّة الطبيعية. خبراء الطبيعة اللّي قعدنا معهم اعترفوا إنّه بالنسبة للحيوانات المحميّة بيكفي محميّة تمتدّ 200 متر من طرف الوادي. هاي المحميّة بيديرها الكيبوتس، بسّ إحنا رح نكون شركاء فيها. مصادرة باقي التلّة راح تُلغى بالاتّفاق مع الجميع.

لم يعتدْ عمر أن يتكلّم في لقاءات من هذا النوع، لكنّه شعر بأنّ ما يحدث هو خيانة لكلّ ما ناضل الناس من أجله:

  • يعني، نوافق على مصادرة مساحة 200 متر من أراضينا؟ التلّة مش رح تبقى تلّة من دون طرف الوادي…
  • ما هي الأرض هيك هيك مصادرة، أحسن ما تروح كلّها… ونسيت إشي مهمّ. اتفقت مع إفراييم نتوجّه مع بعض لقيادة الشرطة ونطلب مع توقيع الاتفاق تسكير الملفات ضدّ الشباب. وإفراييم وعدني شخصيًا إنّه طول ما الكيبوتس بيدير المحميّة الطبيعية مش رح يمنعوا أبو عمر يسقي غنماته من الوادي.
  • يعني، لازم نشكر الكيبوتس اللّي سمح لنا ندخل أراضينا ونشرّب غنماتنا من ميّة وادينا؟

* * *

الخيمة التي كانت على رأس التلّة، فكّوها وأعادوا تركيبها عند الوادي.. حيث سيُقام الاحتفال بالاتّفاق…

أتت هيلة مع العديد من الضّيوف من سكّان الكيبوتس. وجدت عمر وجلست إلى جانبه. هي كانت تريد أن تحتفل ولكنّها شعرت أنّ عمر في حالة من الاكتئاب. صمتت وهي تستمع إلى ملاحظاته…neighbors-for-peace

في مقدّمة خطبته شكر المختار الجميع على مشاركتهم في إفشال مخطّط مصادرة التلّة، ووجّه الشكر الخاصّ للجيران من الكيبوتس فذكر منهم بالاسم “الرّفيق الأمين إيفراييم”.

عندما قال المختار إنّ “هذا الاتّفاق هو إثبات على تشبّثنا بالأرض، قريةً وكيبوتسًا، جنبًا إلى جنْب” سمعت هيلة عمر يشتم المختار بالعربيّة وبالعبريّة، وشكرت ربّها أنّه لم يرفع الصّوت ليسمعه الجميع.

عندما انتشر الجميع بين طاولات الأكل والحلويات، أمسكت هيلة بإفراييم جانبًا وحاولت أن تقنعه بتغيير الاتفاق:

  • إذا كان ضروري هالمحميّة الطبيعية تكون على أرض القرية، ليش ما تكون تابعة للقرية نفسها… أو، على الأقل، ليش ما تكون مشتركة للقرية وللكيبوتس؟
  • صيانة المحميّة الطبيعية بدها استثمار مش قليل، وهاي القرية بالكاد عندها مصاري تزيد غرف صفوف للمدرسة، ومش راح يقدروا يشاركوا بتكلفة المحميّة. والأهمّ من هيك، بصراحة، من دون ما نجرح بمشاعر أيّ حدا، هون العرب مبيهتمّوش بالطبيعة. الإشي مش موجود بثقافتهم… يمكن، مع السنين، مع الاختلاط معنا، هالإشي رح يتغيّر كمان…

* * *

في شهر أيلول، مع اقتراب “عيد العُرش” اليهودي، بادر الكيبوتس لإقامة “عريشة السّلام” في أرض المحميّة الطبيعية، لتعزيز العلاقات مع الجيران العرب.

اتّصلت هيلة بعمر، وقال لها إنّه غير معنيّ بالمشاركة.

  • عرفت إنّك زعلان، والحق معك فعلاً. بسّ هاي فرصة. في كتير شباب من الكيبوتس راح يشاركوا وهم جايّين بنوايا طيّبة، بسّ ما بعرفوش ولا إشي. كان بيهمّني يلتقوا بشاب مثلك، بيقدر يحكي معهم دون خجل وبصراحة…
  • لا، يا هالة. تعزمونا على عريشة سلام فوق أرضنا اللّي أخذتوها منّا؟…. خلّي شباب الكيبوتس يكيّفوا مع المختار وأشكاله.

* * *

بعد ذلك بسنة أو بسنتين اتّصلت هيلة بعمر مرّة أخرى. شعر بخجل:

  • عرفتي إنّي راح أتجوّز عن قريب؟
  • سمعت، وبدّي أبارك لك بالعُرس… أنا مبسوطة كتير لإلك. ولأ، ما فيه حاجة تعزمني على العُرس، بفهمك. بس، المزبوط، أنا عم بتّصل معك لسبب. بالنسبة للأرض. عندي خبر مهمّ، وفكّرت إنّك يمكن بيهمّك تسمعه. هاي القضية بعدها بتخصّك وتخصّني.

اتّفقا أن يلتقيا في أحد المقاهي الهادئة في مدينة قريبة.

  • كلّه من إفراييم! ضحك علينا كلّنا من البداية. القضيّة مَكانتش قضية محميّة طبيعية. في مخطّط لشارع جديد يمرّ في الوادي، شارع سريع، أربع مسارات. كل قصّة المحميّة الطبيعية كانت مفتعلة من الأوّل عشان يسجّل مسار الشارع على إسم الكيبوتس. إسّى مقابل التنازل عن هالأرض، الكيبوتس راح ياخذ تعويضات بالملايين من الشركة اللّي بتبني الشارع. والأكثر من هيك، راح يبنوا مركز تجاري في الموقع اللّي فيه بستان أبوك، والكيبوتس هو صاحب هذا المركز.
  • أنا أرضي سلبوها، وما بيهمّني إذا صارت محميّة طبيعية أو مركز تجاري… إسّى دوركم… أنصبوا خيمة اعتصام للدّفاع عن المحميّة ونحنا بنيجي نتضامن معكم.
  • لا. تمزحش. هاي سرقة وعنصرية بنفس الوقت. حكيت مع إفراييم وقلتلّه رأيي، وهو زيّ العادة بيجاوبني بنفس التبريرات الفاضية العنصرية. بيقول إذا كان بدهن يصادروا الأرض من القرية بهدف بناء الشارع كانت رح تكون هناك مظاهرات أكثر ويمكن يسقط فيها قتلى. وبيقول إنّه لو كانت الأرض بإيد العرب الحكومة مَكانتش رح تعطيهم رخصة لبناء مركز تجاري ولا بأيّ بشكل. بس هيك، لمّا الكيبوتس هو اللّي يبني المركز التجاري، كمان العرب راح يستفيدوا. وحكالي بالآخر إنهن سمحوا لإبن المختار يفتح مطعم حمّص في المركز التجاري وإنهن هيك بيدعموا الاقتصاد العربي المستقل!aroma

* * *

تنظر مروة من شبّاك “أروما” وترى جدّها أبو عمر وهو يرعي الأغنام على رأس التلّة. جدار عالٍ يفصل بين ما تبقّى من أرض التلة اليابسة وبين المركز التجاري الجديد.

مروة تحبّ عملها في “أروما” – المحلّ هادئ ومكيَّف. لا يوجد ضغط كثير والعمّال والمدراء يتصرّفون بلطف.

لكنّ مروة لا تحبّ أكل “أروما”، وعندما تريد أن تأكل “طعامًا حقيقيًا” تبعث “جاي”، ابن الكيبوتس الذي يعمل معها، لكي يجلب لها من عند أبو حلمي مجدّرة أو بامية أو، بكلّ بساطة، ساندويتش حمّص.

(انتهت)

meeting-half-way-in-al-ittahad-2nd-part

 

 

لقاءات في منتصف الطريق

meeting_village_vs_kibutz

الجزء الأوّل

قصة قصيرة – نُشرت في ملحق الجمعة 14\10\2016 في جريدة الاتحاد

رسومات: إيريس بار

يحبّ عمر ابنته مروة كثيرًا ويريد لها أن تكبر كإنسانة مستقلّة واثقة بنفسها. لم يعترض عندما أنهت دراستها الثانوية، وبرغم علاماتها العالية أعلنت قرارها أنّها سوف تشتغل لفترة قبل استكمال دراستها. وجدت مروة لنفسها عملاً في مقهى “أروما” الجديد الذي فُتِح على طرف الشارع الرئيسي، وها هو أبوها يوصلها بسيارته إلى مكان عملها في يومها الأوّل.

عندما أوقف السيارة في المركز التجاري، رأى أمامه مطعم أبو حِلمي، مع لافتة باللّغة العبريّة فقط: “החומוסיה של אבו חילמי”. وتذكّر، وقال لمروة:

  • لا تنسي أنّنا أبدًا لن ندخل محلّ أبو حلمي…

* * *

كانت بداية القصّة قبل أكثر من عشرين سنة…

كان عُمر شابًّا في العشرينات، من أنشط الشباب في هذه القرية الصغيرة، وهو يعمل في البناء ويتعلّم ويجهّز نفسه ليبني حياته.

ذات يوم كان أبو عمر يرعي الغنم على “التلّة” – الأرض المرتفعة المليئة بالأحجار خلف بيته – ورجع إلى البيت منفعلاً:

  • أولاد الكلب… أجو بالجيب على التلّة… شكلهم مسّاحين. بلّشوا يدقّوا في الأرض عُصيّ… قلت لهم إنّ الأرض إلنا من جدّ الجدّ… قِمت العُصي وطردتهم… قلت لهم إذا بتبقوا هون بحرق الجيب… مين اللّي فوّتكو على هاي الأرض؟… وراحوا.

بعد عدّة أيّام، عاد المسّاحون مدعّمين بسيارتي شرطة. دقّوا الأعمدة، وقاموا بتصوير الأرض وسجّلوا ملاحظات في دفاترهم. في النهاية تركوا إعلانًا لجميع المعنيّين، يُعلمهم أنّ هذه الأرض قد صودرت بهدف إنشاء محميّة طبيعية. وحين احتجّ أبو عمر هدّدوه بالاعتقال.

في الأيام التالية اقتلع أبو عمر العمدان وواصل رعاية الغنم على التلّة… لكن هذا، في كلّ الأحوال، ليس حلاًّ، ولا هو يمنع المصادرة.

اجتمع سكّان البلدة واستنجدوا بكلّ من يمكن أن يساعدهم من سياسيّين ومحامين… لكن المهمّات الأكبر تحمّلها الشباب على عاتقهم فنصبوا خيمة على رأس التلة لحماية الأرض ولإثبات وجودهم عليها، تذكيرًا للجميع أنّهم في معركة مفتوحة للدفاع عن هذه الأرض.meeting_omars_father

في الأيام التي كان عمر يعمل فيها خارج البلدة، كان يعود من عمله ويصعد التلة ليسهر في الخيمة مع أصحابه إلى ما بعد منتصف الليل… وفي أيام العطلة كان يتواجد في الخيمة منذ ساعات الصباح الباكر… ومن خلال وجوده في الخيمة أخذ يساعد أباه في رعي الأغنام، وهو العمل الذي كان يرفض أيّة مشاركة فيه في السابق.

* * *

تمتدّ أرض “التلّة” من آخر بيوت القرية وتصعد حوالي خمسين مترًا ومن ثم تنحدر نحو الوادي… أرض التلّة خضراء في موسم الشتاء والربيع، وتجفّ في آخر الربيع ليتحوّل لونها إلى الأصفر. لكنّ المياه تبقى متدفّقة في مجرى الوادي على مدار أيّام السنة مبقية على حزام أخضر اللّون حولها… على طرف الوادي استصلح أبو عمر مساحة من الأرض فأزال منها الحجارة وصار يزرع فيها الخضروات وبعض الأشجار وشجيرات العنب؛ وكان يسقي مزروعاته من مياه الوادي.

أمّا الطرف الثاني للوادي وهو أرض الكيبوتس… فقد امتدّت فيه من أنابيب الريّ التي تصل كلّ الحقول بالمياه، حيث يقوم أعضاء الكيبوتس بزراعة ما يشتهون، فتبقى حقولهم خضراء طيلة فصل الصيف الحارّ…

كان عمر وأصدقاؤه يجتمعون في الخيمة على رأس التلّة وهم يخطّطون خطواتهم القادمة. كان من المقترح أن يقيموا مظاهرة في البلدة… ولم يكن الأمر بسيطًا، فلم تكن هذه القرية الصغيرة قد شهدت أيّة مظاهرة من قبل. وقد تراكمت الضغوط على الشباب منذ اللحظة الأولى التي طُرحت فيها فكرة المظاهرة. فمن جهة، قال بعض الأهالي لهم إنّ المظاهرة يمكن أن تتسبب بالمشاكل، معلّلين بأنّه “حرام تخرّبوا مستقبلكم”. ومن الجهة الأخرى بدأت الشرطة، التي وصلها الحديث عن المظاهرة، باستدعاء بعض الشباب للتحقيق معهم ولتهديدهم.

كان ذلك صباح السبت، حين وصل إلى الخيمة ثلاثة من الشباب اليهود، يصعدون التلّة من جهة الوادي. الصبيّة التي كانت تقودهم تحدّثت باسمهم، باللغة العبرية طبعًا:

  • نحنا من الكيبوتس، بسّ جينا نتضامن معكم. نحنا جيران وْوَلا مرّة كانت مشاكل بيننا.

دعاهم الشباب للجلوس وشرب القهوة في الخيمة. سأل الضيوف عن تفاصيل القضية وروى لهم عمر عن المسّاحين والشرطة وإعلان المحميّة الطبيعية، وعن الخطوات التي قام بها سكان القرية وعن المضايقات والتهديدات من قبل الشرطة.

عرّفت الصبية نفسها باسم “هيلة” وقالت:

  • الموضوع مش صُدفة. من شي سنة وأكتر نشروا بحث عن الطبيعة بهالمنطقة… بحسب هالبحث في هون أنواع خاصّة من الحيونات والنباتات، صعب تلاقي أمثالها في مناطق أخرى. إذا بدكوا تعارضوا إقامة المحميّة الطبيعية لازم المعارضة تعتمد كمان على بحث علمي.

كانت ردود فعل الشباب مختلفة. منهم من اعترض على الفكرة من أساسها، وشدّد على كون الأرض تابعة للقرية منذ الأزل ولا يحقّ لأحد أن يمدّ يده إليها، ومنهم من تساءل من أين وكيف باستطاعتهم جلب خبراء لإجراء بحث ينقض البحث الأوّل المسيء.

في نهاية الحديث، وعدت “هيلة” أن تحاول فحص الموضوع من خلال علاقاتها مع بعض خبراء الطبيعة، وقام الضيوف الثلاثة وعادو مشيًا إلى الكيبوتس.

* * *

كان عمر يقتاد أغنامه إلى الوادي لكي يوصلها إلى الماء عندما التقى بـ”هيلة” للمرّة الثانية – وكانت تحمل في يدها مجلّة.

  • أنا تعلّمت شويّة عن الطبيعة… بدل ما أخدم في الجيش، كنت مرشدة في مركز ينظّم جولات في الطبيعة… هاد هو البحث اللّي حكينا عنه واللّي بسببه أعلنوا المحميّة الطبيعية.. البحث من جامعة تل أبيب، اللّي موقّع عليه بروفسور مهمّ، ولكن الظاهر إنّ اللّي عمل البحث نفسه هُم عدد من الطلاب. عم بحاول أن أفحص بنفسي، يمكن وقعت أغلاط في النتائج…

أخذ عمر منها المجلّة وشرع في قراءتها.

  • عن جدّ هالضفادع وهالسّحلية كل هلقدّي مهمّات؟meeting_in_the_vally
  • إذا بتحبّ الأرض لازم تحبّ كل إللّي عليها… هاي المخلوقات كانت هون قبلنا… بنقدرش نيجي على هاي الأرض ونزرع فيها الخراب عشان نستهلك حاجتنا ونتركها بلا شي. وشو مع الأجيال الجاي؟
  • إذا كانت هاي الحيونات بعدها موجودة هون لليوم، يعني مفيشّ عليها خطر منّا ومن غنماتنا. غنماتنا بتشرب من هالوادي من آلاف السنين. هنّي بسّ بدهن يغلّبونا لأننا عرب.

ضحكت هيلة:

  • إذا كانت غنماتكم موجودة هون من آلاف السنين فهي بالأصل يهودية…
  • لا يا ستّي… كان هنا ألف شعب قبل أن يأتي اليهود من مصر، وحتى قبل أن يأتي سيدنا ابراهيم من العراق، ونحن وغنماتنا منهم.

ساعدها عمر في البحث عن أنواع الضفادع في الوادي ودعاها لتتناول الفواكه من بستان أبيه…

  • لمّا بحبشت ورا المقال، وصلت لكمان معلومة خطيرة… إنّه مش بالصدفة البحث انكتب. اللّي بادر له هو سكرتير الكيبوتس تبعنا، إفراييم. وهو اللّي سارع بعدين لاستغلال المقال وضغط على الهيئات المسؤولة منشان تعلن المحميّة الطبيعية. فقد يكون الكيبوتس هو المسؤول عن إنشاء وصيانة المحميّة…
  • مش غريبة. مْنعرف إنّ الكيبوتس هو أساس البلا. إنتي عارفة إنّ الكيبوتس تبعكووو مبني على أراضينا؟
  • كنت لازم أعرف… ولكن، بصراحة، ما فكّرت فيها.
  • الكيبوتس بعد فيه بناية من حجر، موجودة من قبل الثماني وأربعين. هاي البناية بناها سيدي في الثلاثينات، وأخذني هناك مرّة لمّا كنت ولد. بعد فيه على مدخل البيت حجر عليه اسم سيدي وتاريخ العمار. بفكّر هاي البناية تُستعمَل اليوم مُلتقى لشباب الكيبوتس…

ضحكت هيلة مرة أخرى:

  • “الزّولة” – هيك إحنا بنسميها…أكتر من نُصّها خربان. لازم تيجي وتفرجيني الحجر… بحياتي ما شفته.

* * *

قبل غروب الشمس كان عمر قد وصل إلى ما تبقّى من بيت جدّه، حيث كانت هيلة تنتظره. وقد وجد الخراب قد تفشّى في البيت منذ أن زاره مع جدّه المرحوم…  سقط سقف غرفة “اللّيوان”، والحيطان قد تصدّعت بفعل الأشجار التي كانت تنمو في كلّ زاوية في البيت. الغرفة الوحيدة التي بقيت صالحة للاستعمال هي غرفة النوم الداخلية، وقد كانت مفروشة بالفرشات وفيها بقايا الأكل والشراب… وتشهد الرسومات الملوّنة على حوائطها أنها تُستعمَل للحفلات والسهرات.

بحث عن الحجر الذي وضعه جدّه فوق مدخل البيت فوجده ملقىً بين الأعشاب، بالقرب من المدخل الرئيسي النصف متهدّم.

  • هذا اسم سيدي، الحاج ابراهيم عبد الله… وهون التاريخ اللّي انبنت فيه العمارة… السنة الهجرية… بسّ هي 1935.
  • مليح اللّي لقيته… أحسن تاخده معك. بعرفش إذا بتبقى هون وهي مرميّة، ومفيشّ حدا هون بيهتمّ بهاي الذكريات.
  • عارفة إنّنا عيّنّا المظاهرة ليوم السبت؟ دوريّات الشرطة بتحوم في البلد ليل نهار. رح يكون هاليوم يوم الأرض الخاصّ ببلدنا.
  • بدّي أجي أشارك في المظاهرة… راح تراجدوا عليّ؟
  • لا، بنحمّلك علم فلسطين…

صمتت هيلة كأنّها تزن كلامه. وتحدّثت، في نهاية الأمر، ببطء وبصوت خفيض:

  • هذا العلم لا يمثلني… بس أنا بفهم إنّه يعبّر عن نضالكم لأجل حقوقكم… لأجل الحرّية.
  • يا هيلة، يمكن اسمّيكي “هالة”، حلو الإسم؟ بتعرفي شو معناه؟ دائرة الضوّ التي ترسم حول رؤوس القدّيسين…
  • إنه نفس الشيء بالعبرية، “هيلة”، “هالة”، ببقى أنا نفسي…
  • أهلاً وسهلاً يا هالة، تعالي يوم السبت وشاركينا في المظاهرة، هاليوم مش رح ينتسى.
  • بس، يمكن “هيلة” راح تفيدكم أكثر. قلتلّك إنّ اللّي بيدفع الأمور ورا كلّ المشكلة هو سكرتير الكيبوتس، إفراييم هذا. بسّ يمكن نقدر نخلق معارضة إلو في الكيبوتس نفسه. هو مش محبوب كثير، وحوّل الكيبوتس كله لشركة تجارية هدفها الربح، وداس على ناس كثير في طريقه…

أشعلا النار وحضّرا العشاء وجلسا بالقرب من النّار وهما يتحدّثان عن الأيّام المصيرية التي تنتظرهم. كان عمر يتحدّث عن التحضيرات للمظاهرة، وعن التوتّر في البلدة، وعن كل التحوّلات والتطوّرات التي يمرّ فيها أهل البلدة خلال هذا الامتحان العصيب… وكانت هيلة تخطط كيف تحرّض أهل الكيبوتس على السكرتير اللّئيم، وكيف تُفهمهم خطورة الوضع الذي قد يقود إليه مشروع المصادرة، وكيف يمكن أن تجعلهم يحسّون بأنّ التصرّف غير الإنساني الذي يمارسه إفراييم والذي يتسبّب في المشاكل الاجتماعية في الكيبوتس، هو نفسه الذي يهدّد علاقتهم بالجيران.

وشعرا بأنّهما طاقم واحد قادر على إلغاء المصادرة وعلى تغيير الكثير في مجتمعيهما – وشعرا أنّ المشترك بينهما في نضالهما أكثر وأهمّ مما يفصل بينهما من تاريخ ولغة وثقافة… وقرّرا في نهاية الأمر أن يناما في غرفة “الزولة” لكي يستقبلا شروق الشمس من فوق أرض التلّة. فأخمدا النّار ودخلا في العتمة إلى الغرفة المفروشة… ولكنّ أحدًا منهما لم يغلق عينيه في تلك الليلة…

* * *

هل استطاع شباب البلد الخروج في مظاهرة عارمة؟ وماذا كان ردّ فعل السلطات؟ وهل استطاعت هيلة التأثير على موقف الكيبوتس لكي يدعم مطالب القرية المجاورة؟ وماذا سيكون مصير التلّة؟ تابعوا قراءة الجزء الثاني والأخير في العدد القادم.

meeting-half-way-in-al-ittahad

عام على اعتقال الشاعرة دارين طاطور – تضامن حول العالم

dareen-tatour-poetry-is-noat-a-crime-365-days

عتقلت الشاعرة دارين طاطور، من قرية الرينة، بسبب كتابات شاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. في الـ11 من اكتوبر 2015 اقتحمت الشرطة بيتها بمنتصف الليل، كبلت يدي الشاعرة ابنة الـ-34 عام وأخذتها. وفي الـ11 من أكتوبر 2016 مرّت سنة كاملة على اعتقال طاطور التي لا تزال رهن الاعتقال المنزلي في ظروف قاسية.

في الثاني من نوفمبر العام الماضي، قدمت ضد طاطور لائحة اتهام بادعاء التحريض للعنف ودعم تنظيم ارهابي. ترتكز التهم ضد طاطور على قصيدة بإسم “قاوم، يا شعبي، قاومهم” ومشاركتين على “الفيسبوك”، منهما مقولة “انا الشهيد إلي جاي” التي شاركتها، مثلها مثل العديد من الشباب، كردة فعل على جريمة قتل الفتى محمد أبو خضير.

المحاكمة ما زالت مستمرة في محكمة الصلح في الناصرة حيث ستعقد الجلسة القادمة في الـ17 من نوفمبر، ومن المتوقع ان تشهد دارين طاطور في هذه الجلسة. اذا ما تمت ادانتها بكافة التهم الموجهة لها فمن الممكن بأن تحاكم بالسجن لثماني سنوات.

طاطور قضت حتى الآن ثلاثة أشهر في سجون إسرائيلية مختلفة وستة أشهر أخرى بالاعتقال المنزلي في المنفى القصري في شقة بتل أبيب كان على عائلتها ان تتحمل تكاليفها. بنهاية شهر يوليو قرر القاضي في الناصرة بان بإمكانها متابعة السجن المنزلي ببيت عائلتها في الرينة. وقد جاء هذا القرار بعد ان قامت 250 شخصية، بينها ادباء معروفين، فنانين وشخصيات ثقافية أخرى، بنشر رسالة مفتوحة تطالب بإطلاق سراح طاطور: بين الموقعين على الرسالة نذكر نوعم تشومسكي، نعومي كلاين، دايف ايجرز، كلوديا رانكين وعشرة من الحائزين على جائزة “بوليتزر” وبينهم الاديبة المعروفة اليس ووكر والصحافية كاترين شولتس. أكثر من 7000 شخص وقعوا على الرسالة منذ ذلك الحين كما قام نشطاء بإطلاق حملة تضامن عالمية لدعم الشاعرة الشابة.news-of-free-dareen-tatour-petition-in-haaretz

وبمناسبة مرور عام على اعتقال طاطور، وقع 170 كاتبا وشاعرا ومفكرا على عريضة باللغة العبرية تطالب بالإفراج عنها وإلغاء التهم الموجهة لها، فقد نشرت صحيفة هآرتس خبرين حول هذه العريضة على موقعها الإلكتروني باللغتين العبرية والانجليزية. وبين الموقعين على العريضة الأديب الاسرائيلي إبراهيم جبريل يشوع، والشاعر توفيا روبنير، والبرفيسور في الفلسفة أفيشاي مرغليت، والرسام تسيبي جيفا.

قصة طاطور هي واحدة من بين قصص كثيرة. منذ اكتوبر 2015 وحتى يوليو 2016، اعتقلت حكومة اسرائيل حوالي 400 فلسطيني بسبب كتابات على الشبكات الاجتماعية، ذلك بحسب منظمات حقوقية. مع ذلك فقد اثارت قضيتها اهتماماً دولياً خاصاً مع الاخذ بعين الاعتبار انعكاساتها المخيفة على حقوق المواطن للفلسطينيين في إسرائيل، الحليفة الأقرب لحكومة الولايات المتحدة.

منظمة الكتاب العالمية “نادي القلم الدولي” (Pen International) تبنت قضية دارين طاطور كمثال للملاحقة التي يتعرض لها الكتاب والفنانين ولمحاولة قمع حرية التعبير. حيث عقد “نادي القلم الدولي” مؤتمره السنوي الـ82 في غاليسيا، إسبانيا، بمشاركة أكثر من 150 ممثل مما لا يقل عن 63 مركزاً. ومن خلال هذا المؤتمر، وفي الـ30 من أيلول 2016، بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، عبر المشاركين عن تضامنهم مع الشاعرة دارين طاطور من خلال قراءة شعرها وترجمة قصيدتها “شاعرة من وراء القضبان” إلى أكثر من عشر لغات. فقد نشر موقع “اللسعة” النص العربي الأصلي لقصيدة “شاعرة من وراء القضبان” بمناسبة سنة على اعتقال الشاعرة.

dareen-tatour-in-nazareth-court-september-6-2016-oren-ziv-activestills

دارين طاطور في محكمة الناصرة قبل جلسة المحاكمة – السادس من أيلول 2016 – تصوير أورن زيف، أكتيفستيلس

كما نشر موقع “عرب 48” في هذه المناسبة، مقال الشاعر سامي مهنا، رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين 48، تحت عنوان “اعتقال دارين طاطور: دولة تخاف من قصيدة“. وكتب مهنا: “هذه الإجراءات التعسفية الخطرة من قبل أجهزة الأمن والقضاء الاسرائيلي، ومن يقف وراءها من عقلية وفكر وتوجه داخل الأجهزة الأمنية العميقة، كجهاز الشاباك، تعيد إسرائيل برمتها إلى سنوات الملاحقات التي استهدفت الكلمة والموقف تلك الفترة التي تعرض فيها شعراء المقاومة الفلسطينية إلى الملاحقات والسجون والإقامات الجبرية، والتصفيات، التي ذهبت إلى ما وراء الحدود، كاغتيال الأديب الفلسطيني، غسان كنفاني، الذي لم يحمل سلاحاً يومًا، ولم يشارك في أي عملية عسكرية، ولم يقاوم ظروفه وظروف شعبه كمهجر من أرضه ووطنه قسرًا، سوى بقلمه، واغتيال الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وغيرهم.” وينهي مقاله بالنداء: “الحرية لدارين طاطور، وللمعتقلين والأسرى السياسيين، أسرى الحرية، الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية، والحرية للموقف والانتماء والكلمة الحرة وحق التعبير، ولن ترهبنا ممارسات القمع والاستهداف العنصري، وسنسعى دومًا، بالموقف والكلمة والعمل والنضال، لإحلال السلام العادل والمساواة، رغم أنف أعداء العدل والسلام.”

في اليوم نفسه، الـ11 من أكتوبر 2016، نشرت “مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان” بيان لها في اللغة الانجليزية تحت عنوان “تجريم الشعر: قضية دارين طاطور” يشمل تحليل الملف من النواحي القانونية. كما نشر موقع “Mondoweiss”، موقع مؤثر من الولايات المتحدة يختص بتغطية قضايا الشرق الأوسط، تقرير طويل للكاتبة “كيم جنسن” يغطي متجددات قضية طاطور منذ الجلسة الأخير للمحكمة في التاسع من ايلول. أمّا الموقع الإسرائيلي “حديث محلي” (سيحة مكوميت)، الذي يمكن انه اليوم أكثر موقع في اللغة العبرية يتابعه ناشطي اليسار،
فقد نشر مقال تحت عنوان “سنة على اعتقال الشاعرة دارين طاطور: على سهولة حرمان الحرية دون محاكمة“، ويركز المقال على قرار تمديد الاعتقال حتى انتهاء الاجراءات القانونية وعلى الاعتماد على لائحة الاتهام دون فحص الأدلة ومن ثم الضغط المتراكم على المتهمة للاعتراف أو للوصول إلى صفقة لتجنب مرحلة اعتقال أطول من العقاب المتوقع.

tweeter-report-on-october-11-2016

خصص نشطاء حملة التضامن مع طاطور في الولايات المتحدة يوم 11\10 لحملة تغريدات على موقع “تويتر” تدعي لاطلاق سراح الشاعرة. ومن المعروف ان نشاط التضامن مع طاطور في الولايات المتحدة مدعوم من حركتي “عدالة نيو يورك” و”صوت يهودي للسلام” التين تدعما حملة المقاطعة  ضد المؤسسة الصهيونية (BDS). فقد لقت حملة التغريدات استجابة واسعة، كما نرى في الصورة المرفقة.

تعليق الشاعر الفلسطيني من مدينة يافا محمود ابو عريشة بمناسبة سنة على اعتقال الشاعرة دارين طاطور

إن القمع الذي يتعرض له الأدباء الفلسطينيون قديم الأزل. هل تذكرون غسان كنفاني. لماذا اغتال الموساد هذا الشاعر والصحافي الفلسطيني الذي كان يمارس مهنته الشريفة مهجراً في لبنان؟ لقد مضت أربعة عقود على رحيله وكذلك على اغتيال الشاعر راشد حسين الذي أحرق حياً على يد الموساد في منزله في نيويورك  كما يقول أبناء عائلته. هذا الترصد للأدب والأدباء مخيف، وهو يميز الأنظمة القمعية والعصور المظلمة. كيف يقبل العالم “المتنور” بذلك؟ وكيف يتماشى مع حقوق الإنسان الذي يدعو العالم الغربي إلى احترامها وفي المقابل يدعم بكل القوة النظام الإسرائيلي القائم على التمييز والظلم؟

إن استمرار اعتقال دارين هو أولاً من مسؤولية هذه الدول ككل وليس فقط إسرائيل. مع ذلك فإنه يجدر بنا أن لا ننسى أحرار العالم شخوصاً من مختلف الدول الملتفين حول قضية دارين ومستمرين في دعمها، لهم كل التحية.

بيان حراك حيفا يدعو للتصدي لحملة الاعتقالات ضد التجمع الوطني الديمقراطي

awad-in-court

لم يعد كافيًا أن نهتف لوقف الملاحقات السياسية. على جماهيرنا  ومؤسّساتنا وأحزابنا التصدّي لمحاولات الاستفراد بالحركة الوطنية بناشطيها وحراكاتها وأحزابها

بيان صادر عن حراك حيفا

شنّت السلطات الصهيونيّة هجمة أخرى ضدّ الحركة الوطنية الفلسطينية – هذه المرّة ضدّ حزب التجمّع الوطني الديمقراطي. تختلف الذرائع والوسائل في كلّ مرّة، كعادة السّلطات الصهيونيّة لدى ملاحقتنا في كلّ أرض فلسطين. نحن في حراك حيفا نعتبر هذه الهجمة موجّهة ضدّ شعب فلسطين كلّه لأنها محاولة لضرب وحدتنا النضاليّة عبر محاولات عزل الأحزاب عن عُمقها الجماهيري وزرع بذور الشِّقاق بين الأحزاب المختلفة وفي أوساط الناشطين أنفسهم.

إن عمليات اقتحام المنازل والاعتقالات الجماعية في ساعات الفجر لا هي خلَل ولا قصور يعتري المنظومة الصهيونية، وإنّما هي شكل من أشكال الممارسة الاستعمارية ضدّ أبناء شعبنا نعرفه جيدًا؛ وهي شاهد آخر على أن دافع هذه الهجمة ليس إداريًا وليس جنائيًا، بل ممارسة قمع قوميّ بغضّ النظر عن الذرائع.

ملاحقة الحركة الوطنية، والتي تجلّت في العام الأخير عبر قرارات حظر الحركة الإسلامية وحظر الحراك الشبابي في الضفة الغربية وأوامر الاستدعاء المخابراتيّة والتحقيقات مع ناشطينا، وأخيرًا عبر التحقيقات المالية وحملة الاعتقالات غير المسبوقة التي تجري بأمر من نخب سياسية صهيونية هي نفسُها فاسدة وغارقة حتى أنفها في الفساد المالي والإداري – هذه الملاحقة، نحن ننظر إليها باعتبارها معركة جديدة مفروضة علينا، وسنكون على قدر المسؤولية لكي نُسقط المؤامرة ونصدّ الهجمة من جديد.

الهجمة الأخيرة تكشف مجدّدًا وَهْم المراهنة على تعزيز “الدّيمقراطية” في معادلة “يهودية وديمقراطية”. نذكّر مجدّدًا أنّنا لسنا أمام دولة مؤسّسات قابلة للإصلاح بمنظور التحوّل الديمقراطي والاعتدال السياسي، فنحن نواجه كيانًا استعماريًّا وُلد من جريمة التطهير العرقي في فلسطين ويعتاش على الممارسات العنصرية ويرى وجودَنا على أرض وطننا عينَ “التطرّف”. من هنا، ندعو رفاقَنا في حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، شركاءَنا في ساحات النضال، إلى إعادة النظر في أطروحة “التغيير من الداخل” ومقولة استخدام منبر كنيست الكيان الصهيوني منصّة لرفع مطالبنا وعرض مظلوميّتنا. لقد ثبتت خسارة هذا الرّهان وتأكّد عدم اتّساق هذه الطروحات مع واقع الكيان وغاياته، ولذلك ندعوكم يا رفاقَنا إلى مراجعة مسألة المشاركة في انتخابات كنيست إسرائيل – لنتمسّكْ معًا بأهدافنا الوطنية العُليا دون تجزئة، ولنجدّ معًا في اجتراح سبُل النضال الأجدى.

كما في كلّ مرّة، يؤكّد حراك حيفا هذه المرّة أيضًا موقعه في هذه المعركة مصطفًّا إلى جانب أبناء شعبنا في السّجون وفي المنافي وتحت القصف وفي ساحات الاشتباك. نحن ندعو جميع أبناء شعبنا، أفرادًا وأحزابًا وحركات ومؤسّسات، إلى الانخراط في معركة الدفاع عن الحركة الوطنية في مواجهة آلة الدولة الصهيونية، مُدركين أنّنا شعب فلسطين – شعب واحد موحّد على دَرْب العودة وتحرير كلّ أرض فلسطين حتى آخر ذرّة من تُرابها الأقدَس.herak-haifa-logo

حراك حيفا

أيلول 2016

لنمنع تجريف مقبرة رمية – دعوة للتظاهرة الجمعة 30\9 الساعة 12:30

ramiya-cemetery

تقرير حول اجتماع “أصدقاء رمية”

كتبه رفيق بكري

اللجنة الشعبية للتضامن مع أهالي رمية تدعو إلى تظاهرة لمنع مخطط تجريف مقبرة القرية

  • النائب د. عبد الله ابو معروف يبرق لوزيري الداخلية والأديان ويطالبهما بإلغاء المشروع غير الانساني على أنقاض المقبرة
  • الشعبية تدعو المتابعة والمشتركة وكافة المؤسسات والأطر التمثيلية لمساندة أهالي رمية لمنع المسّْ بحرمة المقبرة

أقرّت اللجنة الشعبية للتضامن مع أهالي رمية بحضور ممثلين عن الأهالي، في اجتماعها الذي عقدته مساء أمس الجمعة (23\9\2016) في قرية رمية وسط مدينة كرميئيل. رمية التي لا تزال تواجه مخطط سلب الأرض وترحيل أهلها وعدم تجاوب المؤسسات الحكومية مع مطالب سكان الحي بتأمين سكن للجيلين الجديدين من الشبان، خاصة وأن ما تسمّى بدائرة اراضي اسرائيل اتّبعت سياسة المماطلة في تنفيذ الاتفاق المبرم مع سكان الحي على مدار 30 عاما بتواطؤ بلدية كرميئيل.

وأقرت اللجنة الشعبية في اجتماعها توجيه رسائل للجهات الحكومية، على رأسها بلدية كرميئيل المشرفة على المشاريع الإسكانية في المدينة، وأخرى لوزارة الإسكان بطلب وقف الاعتداء الوقح على مقبرة رمية ومنع تجريفها.

كما وأقرت اللجنة بتوجيه رسائل للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية والقائمة المشتركة من أجل تصعيد القضية على المستويين البرلماني والشعبي، والعمل على إنجاح التظاهرة التي ستنظّم يوم الجمعة القادم 30.9.2016 الساعة 12:30 ظهرا بالقرب من المقبرة، حيث سيتم إقامة صلاة الجمعة في المكان.

من جهة أخرى، أبرق النائب د. عبد الله ابو معروف عضو لجنة الداخلية ومسؤول ملف التنظيم والبناء في القائمة المشتركة برسالة إلى وزير الداخلية، نسخة عنها لوزير الأديان يطالبهما بإلغاء المشروع غير الانساني على أنقاض المقبرة، والتدخّل الفوري من خلال إصدار تعليمات للمقاول بوقف العمل وإلغاء التخطيط كليا، وحل المشكلة قبل أن تتفاقم، واختصار تأجيج وتوتير الأجواء وحدوث ما لا يحمد عقباه، لما في ذلك من مسِّ بحرمة المكان ومشاعر المواطنين الإنسانية وعقيدتهم.

وفي بيان له أكد ابو معروف أن السلطة وأذرعها المختلفة فشلت في ترحيل سكان رمية بفضل صمودهم وتشبثهم بالأرض والمطالبة بحقوقهم المشروعة، وبعد أن فشلوا بترحيل الأحياء يحاولون وبمنتهى الجبن والوقاحة المسّ بالأموات، ودعا ابو معروف لجنة المتابعة والقائمة المشتركة للمساهمة في إنجاح التظاهرة يوم الجمعة القادم.

 

الذكرى الـ55 لسقوط شهداء أيلول 1961 الخمسة

images-of-the-five-1961-martyrs-posed-in-haifa-commemoration

في الذكرى الـ55 لسقوط شهداء أيلول 1961 الخمسة أعيد نشر تقرير “حيفا نت” حول احياء الذكرى الخمسين عام 2011

يتذكّرون ويُحْيُون ذكرى شهداء أيلول 1961

مراسل حيفا نت | 30/09/2011

مطانس فرح

شارك، مساء الثلاثاء (27-9-2011)، العشرات من المدعوّين والشخصيات السياسيّة والاجتماعيّة والناشطة البارزة، وذوو شهداء أيلول وغيرهم، في أمسيّة في مسرح “الميدان” في حيفا، إحياءً لذكرى شهداء أيلول 1961؛ الشبّان الحيفاويّين: جورج سليم شاما، جريس ذياب بدين، وريمون يوسف مارون؛ فايز سيّد أحمد (سخنين)، ومحمود عبد الله جبارين (أم الفحم)، الذين قتلوا بجريمة همجيّة وظروف غامضة.

jenazat_alshuhada_fi_haifa_1961

جنازة الشهداء في حيفا عام 1961

وقد افتتحت الأمسيّة، وأشرفت على عرافتها الزميلة الإعلاميّة مقبولة نصّار، فقالت: “17 أيلول 1961 يوم لا يُمكن أن ننساه… وحيفا، اليوم، تتذكّر شهداءَها منذ النكبة وحتّى يومنا، تتذكّر شهداءَها الخمسة، كحدث نضاليّ مفصليّ، وتكرّم عائلات الشهداء الذين دفعوا – وما زالوا يدفعون – الثمن الأكبر في نضالات شعبنا… الرسالة من وراء هذه الأمسيّة هي رفضنا طيّ هذه الصفحة من تاريخ شعبنا قبل محاسبة القتلة”.

وكانت الكلمة الأولى لروضة غنايم، عن ائتلاف 250 عامًا على تأسيس حيفا الجديدة، نيابةً عن المنظّمين، قائلة: “قرّرنا أن يكون هذا المساء إحياء لذكرى الشهداء عمومًا، وشهداء حيفا خصوصًا. هؤلاء الشهداء فارقوا الحياة وفارقوا أهاليهم، فدخلوا الغياب وأقفلوا الأبواب، ولكنّ موتهم فتح أبوابًا جديدة… أبوابًا للأجيال الواعية المتحدّية بالتصدّي لمنهجيّة القمع الممارَس علينا يوميًّا، لمعرفة الماضي والتاريخ، وللتعامل مع الحاضر بوعي أكبر! فنحن اليوم نحيي ذكرى الشهداء ونكرّم ذويهم… ونبقي أبواب الأمل مفتوحة لمعرفة الحقيقة “المخفية”… فلم ولن ننساهم”.

fayez_sayid_a7mad_3

الشهيد فايز سيد أحمد – سخنين

وفي هذه الأمسيّة التي دعت إلى توحيد الذاكرة الجماعيّة، في ظلّ التعتيم على الحقيقة والشواهد التاريخيّة، وغياب المعلومات وسياسة القمع؛ كانت للدكتور جوني منصور مداخلة قيّمة جدًّا استهلّها قائلًا: “ممرّضة شابّة كانت قد تدرّبت خلال شهرين على إسعاف المصابين والجرحى، وفي أثناء قيامها بواجبها الإنسانيّ، في أحد الشوارع بالقرب من منزلها، وهي تسعف امرأة أصيبت بطلقة ناريّة، تسقط صريعة… جولييت نايف زكّة، هي الممرّضة الشابّة ابنة حيّ وادي النسناس الحيفاويّ، آخر شهيدة سقطت في حيفا عام النكبة؛ وكتب الكاهن، حينها، في الجهة المخصّصة لسبب الوفاة، في سجّل الوفيات: قُتلت برصاص اليهود! وفي اليوم الذي دُفنت فيه جولييت في مقبرة الروم الكاثوليك القديمة في شارع حيفا، هُجّر أهلها إلى المجهول!! ولم يزوروا قبرها منذ ذاك اليوم”.

وأضاف: “ولم تتوقّف قوافل شهداء الوطن عن العبور في زمن القسوة والقتل والتنكيل، فما أفرزته نكبة عام 1948 لم يتمكّن الزمن من إقصائه عن عيون من عاش النكبة وما تلاها إلى يومنا هذا. لقد دمّرت آلة الحرب الصِّهيونيّة المجتمع الفِلَسطينيّ برمّته عام النكبة.

وإن كان حديثنا اليوم عن حيفا، مدينة الكرمل وعروس البحر، مدينة الانفتاح والعمل والأمل، فهي مثال لتدمير المجتمع الفِلَسطينيّ المدينيّ، وترحيله بشرًا وحجرًا؛ أمّا مَن بقي في حيفا من أبنائها، فتمّ تجميع غالبيتهم العظمى في حيّ وادي النسناس وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، وإغلاقات مستمرّة باعتبار أنّهم في عداد المشبوهين والأعداء! في حين أنّهم كانوا – إلى يوم واحد قبل سقوط مدينتهم – جيرانًا وأصدقاء وزملاء عمل لمنفّذي مخطّط التطهير العرقيّ.

هذا وقد اتّبعت السلطة المحلّيّة في حيفا، برئاسة رئيس البلديّة في حينه، “أبا خُوشِه”، وبعض المُوالين للسلطة، وحزب “مپاي” الحاكم، وحكومة بن غوريون، كلّ أساليب التضييق السياسيّ والقوميّ على العرب في حيّ وادي النسناس، وبقيّة مناطق الوطن.martyr-rimon-maroun

فتوّلت حكومة بن غوريون كلّ الأساليب القمعيّة، كالملاحقات السياسيّة والاعتقالات ومراقبة تنقّل وتحرّكات الأهالي، وسياسات التمييز العنصريّ، من حرمان الشباب العربيّ من التعلّم والدراسة في المعاهد العليا، ومن حرمانهم من الوظائف والأشغال المركَزيّة، إضافة إلى مراقبة ما يقرأه العرب وما يستمعون إليه عبر المذياع… هؤلاء الّذين أتَوا هذه الديار عبر البحار، تمّ توفير المساكن لهم في مساكن أصحاب البلاد؛ أمّا أصحاب البلاد، أصحاب المنازل والأراضي، فقد نُظِّمت لهم مخيّمات لجوء في لبنان والأردن وسورية، وبعض المناطق من أرض هذا الوطن الغالي”.

وعن وضع الشباب العربيّ الفِلَسطينيّ، قال د. منصور: “إنّ التمزّق والتفتّت والتشريد الّذي حلّ بشعبنا العربيّ الفِلَسطينيّ، كاد يُفقد شبّاننا وشبابنا أملهم في الحياة والاستمرار في النضال من أجل لقمة العيش. إلّا أنّ الربيع العربيّ العاصف في الخمسينيّات، نفح فيهم روحًا جديدة مليئة بالأمل والحبّ والتطلّع نحو المستقبل. الصوت العربيّ الدافئ الخارج حينها من حنجرة الرئيس العربيّ الراحل، جمال عبد الناصر، حرّك المشاعر والعقول والأجساد”.

وعن شهداء حيفا، قال: “شهداء حيفا الثلاثة وشهيدا سخنين وأم الفحم، كانوا من هؤلاء الّذين تمسّكوا بأرضهم ووطنهم، وأصرّوا على البقاء، رغم الحكم العسكريّ المجرم واللئيم الذي فُرض على أصحاب هذه البلاد. بحثوا عن عمل يوفّر لهم لقمة عيش كريمة… وإن كانت إحدى الروايات المنقولة تقول إنّهم حاولوا عبور الحدود نحو مصر من غزة صحيحة، فإنّهم كانوا يبحثون عن الحرّيّة… وإن قيل عبر روايات أخرى إنّهم خالفوا القوانين فهم لم يكونوا أسرى القوانين العسكريّة المستعمرة. هذا ما حدث في الـ 17 من أيلول 1961، عندما خرج ثلاثة شباب في ربيع عمرهم من بيوتهم وابتسامة الأمل على وجوههم وعادوا إلى بيوتهم في أكفان”.

وأضاف: “لم يكن ذلك اليوم عاديًّا في حياة المجتمع العربيّ الفِلَسطينيّ في حيفا، والناصرة وشفاعمرو وسخنين وأم الفحم وغيرها من القرى والمدن العربيّة، حيث اعترم الغضب الجماهير كافّة بشدة مع انتشار خبر استشهاد الشبّان، فالظروف القاسية والقاهرة التي كان يعيشها شعبنا الفِلَسطينيّ كانت كافية لإشعال نار الغضب.

alshaheed_george_shama

الشهيد جورج شاما – حيفا

لم يُقتل الشبّان الثلاثة عند غزة – وهذه رواية أخرى، تستوجب التحقيق والتدقيق. وجدت على جثثهم آثار تعذيب وتنكيل قد تكون سابقة لقتلهم أو لاحقة… الأمر بحاجة إلى تحقيق.. مَن قتلهم؟ أين الفاعل؟ وبأمر مَن وكيف وقعت الجريمة؟!.. وحتّى يأخذ التحقيق مجراه في حينه شيّعت جماهير غفيرة جثامين الشهداء من بيوتهم في حيّ وادي النسناس إلى كنيسة مار إلياس للروم الكاثوليك في شارع “عين دور” وسط أصوات احتجاجيّة ضدّ الحكومة، هذه الأصوات التي طالبت برأس هذه الحكومة – برأس بن غوريون، لأوّل مرّة.

ووزّع الحزب الشيوعيّ منشورًا دعا فيه الجماهير إلى التكاتف والتعاضد والوَحدة الوطنيّة، والتصدّي لسياسات حكومة بن غوريون العنصريّة. كما أنّ النائب البرلمانيّ عن الكتلة الشيوعيّة، طيّب الذكر توفيق طوبي، طالب بتشكيل لجنة تحقيق برلمانيّة فورًا.

وفي أثناء التشييع ألقى محامي الأرض والشعب، طيّب الذكر، حنّا نقّارة، خطابًا أشار فيه إلى أنّ مقتل الشبّان ليس عاديًّا، وقد جاء نتيجة سياسات مجحفة ضدّ المواطنين العرب. وقد أصرّت اللجنة الشعبيّة التي تشكّلت حينها على دفنهم في قبر واحد جنبًا إلى جنب، لكنّ مطران الروم الكاثوليك في حينه (المطران حكيم) رفض ذلك، فتمّ دفنهم في المقبرة الأرثوذكسيّة، مع توجيه اللوم الشديد إلى رجل الدين هذا وسواه من المتواطئين والمتعاونين مع حكومة بن غوريون”.

child-carry-picture-of-martyr-jeris-badin

ولد من عائلة بدين يحمل صورة الشهيد جريس بدين في الذكرى الـ50 لاستشهاده

واختتم د. جوني منصور مداخلته، قائلًا: “جنازات الشهداء في حيفا وسخنين وأم الفحم وحّدت صفوف أبناء الشعب الفِلَسطينيّ لأوّل مرّة بعد عام 48 على مختلف تيّاراتهم الفكريّة والسياسيّة. وإن كنّا، اليوم، قد اجتمعنا في هذا المساء، وفي حيفا، بلد الصمود، بلد الأمل، نحيي ذكرى شهدائنا الأبرار، فإنّنا، أيضًا، نكرّم أهالي الشهداء وذويهم على صبرهم وتمسّكهم بحبّ الإنسان والوطن، على تحمّلهم المصاعب والشدائد؛ فإنّنا من هذا المكان، وفي هذه اللحظة حصريًّا، ندعو ونطلب بإعادة التحقيق في كلّ ملابسات حادث استشهاد هؤلاء الشبّان الأبرار، وتقديمهم للمحاكمة كمسؤولين عن فعلتهم الإجراميّة هذه، كي تبطل الروايات وتنتهي التأويلات وتتّضح الحقيقة. علينا جميعًا، البحث عن الحقيقة، فهذا حقّ من حقوقنا، فدم أبنائنا لن يذهب هدرًا. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار”.

أما عبّاس زين الدين (أبو عصام)، الناشط الاجتماعيّ والشيوعيّ العريق، فحدّث الحاضرين كشاهد عِيان على تلك الأحداث، قائلًا: “أودّ، بدايةً، أن أوجّه كلمتي لذوي الشهداء.. أنتم لم تنسوا شهداءنا وشهداءكم.. ونحن هنا، دائمًا، على العهد. لقد كان هناك التفاف جماهيريّ واسع من جرّاء ما حدث وقد عمّ الجميع شعور بالألم والحسرة والغضب لما حدث. خمسون عامًا مرّت على الجريمة النكراء وما زال الملفّ مفتوحًا والجرح نازفًا. الجنازة الثلاثيّة تحوّلت إلى مظاهرة غاضبة عارمة لم تشهد مثلها مدينة حيفا، منذ النكبة الّتي حلّت بالشعب العربيّ الفِلَسطينيّ في هذه الديار.”

وأضاف: “لقد شاع خبر اختفاء الشبّان الثلاثة من حيفا، بظروف غامضة، فأثار قلق الجميع وغضبهم إلى أن أتوا بهم جثثًا هامدة.. فكانت فاجعة. نزل الخبر كالصاعقة على الجميع… لم يرتكبوا جرمًا لكنّهم قُتلوا بدمٍ بارد من دون أن يحرّك المجرم له جفنًا!”.

martyr-mahmoud-abdullah-jabarin

الشهيد محمود عبد الله جبارين – ام الفحم

واستطرد قائلًا: “لقد كان للحزب الشيوعي وقيادته ولصحيفة “الاتحاد” – في حينه – الدور الأكبر والمصدر الأساس لنقل الأخبار والمعلومات ومتابعة القضيّة التي أشغلت وأقلقت بال المواطنين من أقصى البلاد إلى أقصاها! لقد تجنّد الحزب بكلّ كوادره، سياسيًّا وأدبيًّا وإعلاميًّا وقضائيًّا لكشف وفضح الجريمة، كما فعل بفضحه جرائم سابقة. إنّها جريمة نكراء.. هدفها ترهيب السكان.. شباب في مقتبل العمر، كبراعم اللوز والورد تتمزّق أجسادهم برصاص بعد عملية تعذيب وتنكيل تعرّضوا لها. لقد أرادت حكومة إسرائيل استفزاز الجماهير العربيّة في البلاد لخلق جوّ من التخويف والإرهاب والإذلال. ولكن الجماهير العربيّة تمسّكت بأرضها ووطنها أكثر، وقرّرت التشبّث بهما؛ لأنّه لا أرض ولا وطن لنا سواهما”.

واختتم، قائلًا: “لقد انطلقت جنازة الشبّان من شارع قيساريّة إلى شارع الخوري، وعند تقاطع شارعَي الخوري ومار يوحنّا تلاقت النعوش الثلاثة، وتحوّل الموكب الجنائزيّ إلى نهر بشريّ، علا صوته ضدّ حزب “مپاي” الحاكم، مطالبين برأس بن غوريون، وسار الموكب الجنائزيّ يتقدّمهم رجال الدين وشخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة مرموقة، معبّرين عن الغضب الجارف، خصوصًا بعدما شاهدوه من آثار التشويه والتنكيل والتعذيب على جثث المغدورين.. لتكن ذكراهم خالدة والنصر للجماهير المناضلة من أجل الحرّيّة والدمقراطيّة والمساواة ولمعرفة الحقيقة”.

ثمّ ألقى الطفل الحيفاويّ بشّار سرور (8 سنوات) قصيدة لشاعرنا الكبير، محمود درويش، بعُنوان “وعاد في كفن”، كان قد كتبها على أثر استشهاد الشبّان الخمسة.

أمّا رجاء عمري فقد ألقت قصيدة كانت قد كتبتها عام 2003، وكذلك مطلعًا من قصيدة خاصّة بهذه المناسبة، مهداة إلى أرواح كلّ الشهداء، وخصوصًا شهداء حيفا الثلاثة، بعُنوان: “الشهداء أوّل العائدين”، وجاء فيها:

“حيفا.. رمل، ماء، نار

حيفا.. نهار، ليل، دار

ولحيفا ثلاثة أبواب..

عند باب الرمل تحبا حيفا وساع

شطّت.. حطّت.. نطّت.. طارت

عند باب الحلم تغفو حيفا

هامت في مدار الغيم،

صامت.. صلّت في مغار الشمع

عند باب الحبّ ذابت

سابت.. رقصت.. رقصت حيفا.. ولدت

ولحيفا ثلاثة أبناء!”

وقد تزامنت هذه الذكرى مع الاحتفاء بشهداء هبّة أكتوبر، الّذين لم يكونوا آخر الشهداء؛ فقد استشهد بعدهم ثلاثة وعشرون ضحيّة آخرون، في ظروف مختلفة، على خلفيّة عنصريّة أو خلال عمليّات دَهْم ومواجهات مع عناصر “الأمن”.

فكانت الكلمة التالية للمحامي نضال عثمان من مؤسّسة “مساواة”، فقال: “إحياء الذكرى جاء لتوثيق ذاكرتنا الجماعيّة لشهدائنا ومآسينا، كما لبطولاتنا أيضًا.. فتاريخنا لا يحوي المآسي فقط، بل مليء بالبطولات، أيضًا. التوثيق مهم جدًّا… وأشكر كلّ مَن بادر إلى هذه الأمسيّة، وخصوصًا ائتلاف 250 عامًا على تأسيس حيفا الجديدة. لم أكن على دراية – قبل دعوتي إلى هذه الأمسيّة – بسقوط خمسة شهداء (ثلاثة من حيفا)، لذا التوثيق في مثل هذه الحالات مهمّ جدًّا”.

martyrs_grave_in_haifa

قبر الشهداء في مقبرة كفر سمير – حيفا

وأضاف: “ضمن التطوّر التكنولوجيّ والإعلاميّ كان هناك توثيق لأحداث أكتوبر، ولكن لم يكن هناك توثيق كافٍ – في عُرف القانون الإسرائيليّ – لمحاكمة المجرمين الذين قتلوا شهداء أكتوبر. والأسوأ أنّه بعد أكتوبر 2000 (“سقط”) ثلاثة وعشرون شهيدًا (قتيلًا) من (“عرب إسرائيل”) قُتلوا برصاص (“قوّات الأمن”) و(“رجال الشرطة”). لم يتسلّلوا ولم يشاركوا في مظاهرات أو احتجاجات في الضفة وغيرها، بل هم مواطنون عزّل قد تمّ قتلهم بأيدي (“رجال الشرطة”) الّذين من المفترض أن يحموا المواطنين لا أن يقتلوهم!”

واختتم حديثه، قائلًا: “عمليّة القتل مستمرة، ونحن – كمؤسسات – نتابع القضايا مع أهالي الشهداء والقتلى، ولكن – حتّى الآن – تمّ دَيْن شرطيّ واحد ووحيد بقتل “أبو سنّة” من باقة الغربية، وحُكم بستة أشهر سجن، لا غير!.. قَتل وحُكم بستة أشهر سجن حاول تحويلها إلى “أعمال لخدمة الجمهور”. فهل نحن – مؤسساتٍ وناشطين – نقوم بواجبنا تجاه قضايانا.. غالبًا ما ننشغل بالمماحكات فيما بيننا أكثر ممّا نستثمر قوانا في البحث عن الحقيقة لدَيْن المجرمين، وتطوير العمل الوحدويّ، المِهْنيّ والجماهيريّ. هي دعوة من أجل “مَهْنَنَة” وتنظيم قوانا بشكل أفضل لنحرز النتائج. حيث يُمكننا أن نتّحد، معًا، ونفتح مثل هذه الملفات من جديد ونتابعها، ومركَز “مساواة” على استعداد لتقديم المشورة والمساعدة حتّى تتمّ محاكمة المجرمين”.

وجاءت بعدها الفِقْرة الفنّيّة الملتزمة، للفنانة الراقية أمل مرقس، فأبدعت في غنائها من أشعار توفيق زيّاد، بصوتها المخمليّ الصافي.. بادئةً فِقْرتها الفنّيّة بأغنية “طال الفراق يا زمن”، ثمّ “سكابا يا دموع العين سكابا.. أخذوا أرضي ظلمًا واغتصابا”؛ لتغنّي – بعدها – من شعر توفيق زيّاد “اِزرعوني زنبقًا أحمر في الصدر وفي كلّ المداخل.. واحضنوني مرجة خضراء تبكي وتغنّي وتقاتل!” وأهدتها إلى روح الشهداء، لتختتم الفِقْرة الفنّيّة بأغنية “أكره سفك الدماء وصفّارات الإنذار” من شعر زيّاد، أيضًا.

وفي ختام الأمسيّة تمّ تكريم أهالي الشهداء، إحياءً وإجلالًا لذكراهم، واستمرارًا للمطالبة بمحاكمة القتلة. وإضافة إلى ذوي الشهداء الخمسة، المذكورة أسماؤهم سلفًا، تمّ تكريم ذوي الشهداء: سليم أبو كليب الذي قتل في مجزرة حوّاسة 1948؛ أسيل عاصلة (شهيد هبّة أكتوبر والأقصى) من مواليد حيفا وابن عرّابة وحيفا؛ وعماد خوري الذي قُتل على خلفية عنصريّة في تشرين الثاني عام 2007، وأُعلن عن القاتل، فورًا، أنّه “غير مسؤول عن أفعاله”! ونتذكّر – وكيف يمكننا أن ننسى – جوليانو مير – خميس الذي فقدناه هذا العام، روحنا الثائرة وشهيد الحرّيّة. نرفع لهم جميعًا، اليوم، تحيّة إجلال وإكبار.

هذا وألقى يوهانس برزخيان (ابن شقيقة الشهيد جورج سليم شاما) قصيدة من تأليفه لهذه المناسبة نيابةً عن عائلة الشهيد جورج شاما.

أمّا والد الشهيد أسيل عاصلة (شهيد هبّة أكتوبر والأقصى)، فقد دعا إلى بناء إطار قطريّ يحمل راية الشهداء، من أجل التوثيق ومتابعة التحقيقات، بالإضافة إلى إيجاد إطار قانونيّ لملاحقة ومعاقبة المجرمين. وقال معاتبًا: “تجربة القدس والأقصى أثبتت أنّنا نقصّر في اللحظات الحاسمة، ولا أخفيكم شعوري بخيبة الأمل من الوسط العربيّ وقيادته. لقد نسينا أنّ لجنة التحقيق لن تعمل إلّا تحت الضغط الجماهيريّ، وإذا غاب الضغط الجماهيريّ غابت الحقيقة، وهذا ما حصل في تحقيقات هبّة أكتوبر (القدس والأقصى). أخاف أن تندثر قصص الشهداء وألّا تجد الأجيال القادمة ما تعرفه عن هذا الوطن ومَن استشهد في سبيله. قد نُضطرّ إلى الخروج إلى المحاكم الدوليّة من أجل معالجة هذه القضايا؛ فدعونا نعمل معًا”.

أما وديع شحادة، ابن أخت الشهيد ريمون مارون، فدعا إلى توثيق الذاكرة وجمع القصص والحقائق، والتوجّه إلى د. جوني منصور، ليروي له كلّ مَن يعرف عن الحادث أو سمع عنه لتوثيقه.. لمنع استمرار التمويه والتضليل.. واختتم، قائلًا: “علينا الاستمرار بمتابعة قضايا الشهداء.. لأنّ فِلَسطين ستبقى.. ونحن – شعبها العنيد – سيبقى!”.

وقد قام كلّ من النائب مسعود غنايم؛ وروضة غنايم؛ ود. جوني منصور؛ وعباس زين الدين؛ بتوزيع الدروع على ذوي الشهداء المكرّمين.

وقد أجمع الحاضرون – في نهاية الأمسيّة – على ضرورة التوثيق ومتابعة القضيّة وملاحقة المجرمين حتّى الوصول إلى الحقيقة.

لقراءة تقرير مفصل حول ظروف استشهاد الخمسة ورد الفعل الجماهيري – افتح\ي الملف التالي:

report_on_1961_5_martyrs_maysoon_1999

الشعر باختصار هو دارين ودارين هي الشعر

dareen-tatour-profile-digital-800px-wide

بقلم: جسيكا روهان

نشر موقع warscapes الأمريكي هذه المقابلة مع الشاعرة دارين طاطور في تاريخ 9\9\2016

سؤال: هناك آخرون واجهوا تهمًا أقلّ بادّعاء التحريض عبر الفيسبوك، ولكن سُمح لهم بالبقاء رهن الاعتقال المنزلي؛ أمّا في حالتك فقد سجنوك ثلاثة أشهر، وبدا أن النيابة تستأنف إلى المحكمة اللوائية لتطالب بعقوبات أشدّ في حقّك. لماذا – في اعتقادك – جرى التعامل في حالتك بهذه الطريقة الاستثنائية؟ ولماذا – في اعتقادك – أجبروكِ على قضاء مدّة الاعتقال المنزلي في بلدة أخرى؟

جواب: أحاول حتى هذه اللحظة فهم سبب التعنّت في قضيّتي دونًا عن كلّ المتهمين أمثالي. كان ادّعاء النيابة أنني أشكّل خطرًا، وأن خروجي للاعتقال البيتي هو خطر، ولكن خطر على مَن؟ وماهو الخطر؟ ما زلت حتى اليوم وبعد مضيّ كل هذا الوقت لا أعلم. وبعد أن سجنوني مدّة ثلاثة شهور، رفضوا إعادتي إلى البيت، إلى عائلتي، واعتقلوني في المنفى بعيدًا عن بلدتي وبيئتي. في الحقيقة لا أملك جوابًا لهذا السؤال، لأنّ تصرّفهم بعيد عن أيّ منطق، بل هو تصرّف متناقض – فهم من جهة يدّعون أنّ وجودي يشكّل خطرًا على اليهود، ومن جهة أخرى أبعدوني إلى منطقة يهودية. ومن ثمّ ادّعوا أنني أشكّل خطرًا أيضًا في بيئتي وأهلي، فكيف يمكن أن أكون متهمة بالتحريض ضدّ أمن الدولة وفي الوقت نفسه أشكّل خطرًا على مجتمعي وأهلي وبيئتي؟ أنا أطرح هذه الأسئلة ولا أجد لها جوابًا، لأنهم – في اعتقادي – متناقضون مع أنفسهم.

س: لائحة الاتهام ضدّك لا تحوي جناية عنيفة، ومع ذلك فلأجل اعتقالك داهمت الشرطة بيتك في الثالثة فجرًا. لماذا اختارت سلطات تنفيذ القانون اعتقالك بهذه الطريقة؟

ج: لا أعلم ما الشيء الذي استدعاهم لمداهمة بيتي بهذا العنف وبهذه الشدّة. لقد فوجئت في ليلة الاعتقال بهذا الأمر، حتى أنهم لم يحضروا مذكّرة اعتقال. أعتقد أن ما حصل هو نتيجة سياسة ممنهجة ضدّ الفلسطينيين بشكل عامّ، وضدّ الأقلية العربية في إسرائيل بشكل خاصّ. فما حصل معي هو جزء من سياسة الاحتلال الذي نعيشه نحن الفلسطينيون، وجزء من العنصرية التي نواجهها من كافة الجهات والأطر السياسية في الدولة.

س: لقد صرّحتِ بأنه يتمّ استهدافك كشاعرة بغير وجه حقّ، لماذا برأيك تصرّفت دولة إسرائيل بهذه الطريقة؟

ج: بما أنّ القصيدة دخلت في لائحة الاتهام فهذا يفسّر الأزمة التي تعاني منها ديمقراطية إسرائيل. والحقيقة التي عشتها تؤكد ذلك. برأيي لا تفسير لاعتقالي كشاعرة سوى أنّ هذه الدولة تحكم بديمقراطية مجزوءة على فئة معيّنة فقط، وليست ديمقراطية للجميع. وهو أيضًا جزء من العنصرية تجاه العرب، التي تحدثت عنها.

س:  مَن كان المتطوّعون الذين وُضعوا لحراستك في تل أبيب، وكيف تمّ اختيارهم؟

ج: من المؤسف جدًا أن أقول إنّ أخي وخطيبته تحوّلا إلى حرَس أو سجّانين حينما كنت في الاعتقال البيتي في المنفى – في كريات أونو قرب تل أبيب، وبشروط جدًا صعبة ومقيّدة حيث أصبحا هما أيضًا مقيّدان معي.

س: المجلة الإلكترونية +972 ذكرت أنك في جلسة بحث طلب تحويل الاعتقال البيتي من كريات أونو إلى بيت عائلتك، كنت قد طالبتِ بإعادتك إلى السجن فضلاً عن الاستمرار في الاعتقال البيتي في كريات أونو. لماذا؟

ج: إنّ صعوبة الاعتقال الذي عانيت منه وأنا في المنفى في كريات أونو هي التي جعلتني أقرّر العودة إلى السجن وأرفض العودة إلى هناك ولو ليوم واحد؛ ففي المنفى كنت مسجونة في زنزانة منفردة لفترة ستّ شهور، وهذا لا يحتمله بشر. وللتخلص من ذلك لم يكن أمامي خيار سوى العودة إلى السجن.

س: مؤهّلات الشرطي الذي ترجم قصيدتك إلى العبرية أمام المحكمة، هي دراسة الأدب في المدرسة الثانوية وحبّه للغة العربية. لقد قدّم شهادته أمام المحكمة حيث النيابة والقاضي حلّلوا قصيدتك لكي يقرّروا هل اشتملت على تحريض. لماذا لم تستدعي المحكمة مترجمًا بمؤهّلات أفضل، برأيك؟

ج: لأنّ هذا الشرطي يخدم ويدعم موقف النيابة. أن يأتي مترجم حقيقي، يعني أن يقدّم براءتي من تهمة التحريض في القصيدة، وهذا ما لا تريده النيابة بالطبع.

س: ضمن حملة التضامن معك كانت رسالة وقّعها مئات الزملاء الأدباء والفنانين. هل تعتقدين أنّ مكانتك كشاعرة ساعدت في توليد ردّ الفعل الأممي ضدّ الحكومة الإسرائيلية، في حالتك؟

ج: طبعًا. إنّ كوني شاعرة ساعد في نشر قضيتي على المستوى العالمي وتضامُن مئات الشعراء والكتّاب معي. هناك أكثر من 400 أسير فلسطيني مسجون بتهم تخصّ حرية التعبير، ولم يجدوا من يتحدث باسمهم. أنا كنت أتمنى لو يتحوّل كل أسير فلسطيني يواجه مثل هذه التهم إلى قضية عالمية، فهذه قضية إنسانية قبل أن تكون قضية شخصية لشاعرة مثلي.

س: هل تعتقدين أنّ حملة التضامن قد تؤثر في النتيجة النهائية أو الحُكم النهائي في قضيتك، عند استئناف إجراءات محاكمتك في 6 أيلول؟

ج: بما أنّ قضيتي قد تحوّلت إلى قضية عالمية وقضية رأي عامّ بشأن حرية التعبير، وبعد أن فهمت من المحامي الذي يقوم بالدفاع عني أن النيابة أصبحت قلقة جدًا من هذا الانتشار، أستطيع القول بل أؤكّد أن حملة التضامن معي قد تؤثر على مجرى المحاكمة القادمة قريبًا، مثلما أثرت في قرار إعادتي إلى الاعتقال البيتي في منزل عائلتي في الرينة. ويمكن القول أيضًا أن قضيتي أصبحت قضية كل فلسطيني، وهي ضمان للمحافظة على حقوق أو لمحاولة إعادة حقوق الفلسطيني المنتهكة من قبل إسرائيل، وأولها حق التعبير عن الرأي.

س: هل لديك كشاعرة رؤية معيّنة لما تأملين كتابته أو تحقيقة في المستقبل؟

ج: الجواب الأكيد بالنسبة إليّ هو أنني سأكمل مسيرتي الفنية التي مارستها قبل الاعتقال، كالشعر والتصوير، ولن أتخلّى أبدًا. فالشعر في حياتي هو كلّ حياتي، الشعر باختصار هو دارين ودارين هي الشعر.