Skip to content

حول مظاهرات الغضب وموضوع الإعتقالات

بعد مظاهرة حيفا أمس (18\5\2018) تم نشر هذا البيان اليوم من على صفحات وسائل الإعلام الإجتماعية

توضيح من الصبايا والشباب الداعين لمظاهرة حيفا “اغضب مع غزّة”

  1. نحيّي كل من شارك في المظاهرة بالأمس، وفي كل المظاهرات التي خرجت لنصرة غزّة. ونحيّي الصبايا والشباب، الحناجر التي هتفت، والأيادي التي صفّقت، في وجه آلة الاستعمار، في حيفا، وفي كلّ فلسطين.
  2. إن ما نقوم به جميعًا من أجل غزّة هو القليل القليل، في ظلّ ما يقوم به أهلنا في غزّة الصامدة. أهلنا الذين يدفعون ارواحهم ثمنًا لهذا النضال، ويعيدون به قضيّتنا الى الواجهة العالميّة، ويستنهضون همم الفلسطينيّين في زمن الانحسار والتقاعس والشرذمة.
  3. أن كلّ تركيزنا وجهدنا مصبوب بشكل مطلق على العمل لاستمرار النضال. لسنا بصدد أي نقاش داخليّ. لكنّ من واجبنا ومسؤوليتنا، تحديدًا بعد أن قام رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة بكتابة منشوره يوم أمس، أن نوضّح كيفيّة تعاملنا مع موضوع الاعتقالات، حفاظًا على الثقة والوضوح، ومن منطلق الشراكة الكاملة لكل مناضلة ومناضل في المظاهرات. هؤلاء الذين يترفعّون عن الحزبيّة والخلفيّات السياسيّة، ليقولوا كلمتهم، وليمارسوها دون ايّة حسابات ضيّقة، ودون أن يحوّلوها لمكاسب سياسيّة.
  4. لأننا نعرف ونتوقّع العدوانيّة والهمجيّة الإسرائيليّة، فإنّ التجهيز لموضوع الاعتقالات يتمّ قبل المظاهرة بأيّام: (أ) لموضوع الاعتقالات أهمية قصوى وأولويّة في اختيار مكان المظاهرة وشكلها، في محاولة منّا لتقليل عدد الاعتقالات، وفي الوقت ذاته، خلق ظروفٍ تصعّب على الشرطة تمديد الاعتقالات لوقت طويل (ب) الاجتماع بالمؤسسات الحقوقيّة قبل المظاهرة بأيّام، والتنسيق معها وملائمة التوقّعات القانونيّة والميدانيّة (ت) من بين الشباب والصبايا الناشطين عدد كبير من المحاميات والمحامين المتميّزات والمتميّزين، الذين يقومون بواجبهم الوطني والمهني بأروع شكل ممكن، إلى جانب المؤسسات الحقوقيّة (ث) جمع وتوثيق صور وفيديوهات من لحظات الاعتقال ونقلها للمحامين (ج) نشر المعرفة حول التصرّف في الاعتقال، كما النشر عن المعتقلين والاعتداءات عليهم والدعوة إلى المشاركة في جلسات المحاكم، التواصل مع العائلات والأصدقاء، وتعزيز ثقتنا ببعضنا البعض، والإصرار على التحدّي وتحطيم الخوف من القمع، ومن الاعتقال ايضًا.
  5. إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي تتحمّل مسؤوليّة وتبعات العنف والهمجيّة والقمع. كل تحميل مسؤوليّة، أو تقاسم مسؤوليّة، لأي طرف آخر غير إسرائيل لا يُعقل ولا يليق. نطلب من الجميع التحلّي بالنضج.
Haifa demo oppressed 18 May 2018 Nadin Nashef

صور من مظاهرة “إغضب مع غزّة” في حيفا – الجمعة 18\5\2018 – تصوير: ندين ناشف

Advertisements

حملة الدولة الديمقراطية الواحدة: معركة العودة والحرية – معركتنا جميعًا

وثيقة: بيان صادر عن “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين”

منذ الثلاثين من آذار الماضي يخوض الفلسطينيون في قطاع غزه، بعزيمة فولاذية وبإصرار لا يتزعزع، معركة العودة وفك الحصار، معركة الحرية والتحرر من أكبر سجنٍ مفتوح في العالم، فرضه عليهم المحتل الإسرائيلي منذ ١١ عاما، كجزء من إستراتيجيته لإحكام سيطرته على كل فلسطين عبر نظام المعازل المنفصلة المنسوخة عن نظام الابارتهايد البائد في جنوب أفريقيا.

اختار أهل قطاع غزة، كما فعل الشعب الفلسطيني كله في مراحل نضالية عديدة في السابق، أساليب النضال الشعبي غير المسلح، ليؤكدوا على حبهم للحياة، لا الموت، حبهم للحرية لا العبودية، عشقهم للسلام لا الحروب. غير أن المحتل الإسرائيلي الذي جاء منذ البدء مدججا بالسلاح، تعامل مع جموع الناس المحتشدة سلميا على طول سياج الأبارتهايد بوحشية بالغة، على غرار ما فعله كل المستعمرين في التاريخ بالسكان الأصليين.

أمس الاثنين، الرابع عشر من أيار، وفِي يوم إقدام الإدارة الأميركية على تنفيذ جريمة نقل السفارة الأميركية إلى القدس، توجت إسرائيل مجازر الأسابيع الأخيرة بمجزرة مهولة أخرى، ضحيتها ستون  شهيدا و٢٥٠٠ جريح. كل ذلك يتم بدعم مطلق من قيادة الامبريالية الأميركية، وبتواطؤ وصمت معظم دول العالم المؤثرة في القرار الدولي، وفِي ظل خيانة سافرة لأنظمة عربية ساقطة وطنيا وأخلاقيا.

لم تبدأ الرواية أمس، ولا عام ٦٧، بل بدأت قبل أكثر من مائة عام وتوجت بإقامة دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي طردت نصفه، دون أن تسمح له بالعودة إلى دياره وبيوته التي جرى مسحها عن سطح الأرض، وفق خطة معدة سلفاً.

ومن خلال إقامة اسرائيل على أنقاض شعبٍ آخر، بنت الحركة الصهيونية، المدعومة من الإستعمار الغربي، أكبر جيتو في تاريخ اليهود، في مكان هو الأقل أمنا لليهود الذين أُستغلت نكبتهم في أوروبا، عبر  تضليلهم وترحيلهم الى فلسطين، حيث عاش، ولا زال، الشعب الفلسطيني، ومعهم الاف من اليهود الفلسطينيين، منذ مئات السنين. بهذا المشروع الكولونيالي، ومن خلال تهجير اليهود، أرادت أوروبا، وبعدها أميركا، ضمان مصالحها والتكفير عن ذنوبها، على حساب شعب عربي، بل الشعوب العربيه التي عاش فيها اليهود بأمان دون ان يعرفوا مظاهر اللاسامية التي كانت سائدة في هذه القارة.

كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، التي كانت تخوض المقاومة ضد الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، ارتأت، منذ الثلاثينات، دولة ديمقراطية واحدة كمطلب شرعي، وكحلٍ عادل لقضية فلسطين والمسألة اليهودية في هذه البلاد. غير أن قيادة الحركة الصهيونية رفضت ذلك الطرح الإنساني، وأصرت على إقامة كيانٍ اثني عنصري على كل فلسطين، مما عزز دافعية المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، ومعه حركات التحرر في العلم العربي وبقية العالم الثالث، وكذلك أحرار العالم الغربي. وبعد إقامتها وحصولها على شرعية دولية، رفضت إسرائيل قرارات هذه الشرعية، وخاصة قرار حق عودة اللاجئين، رقم ١٩٤، وهو حق طبيعي في الأصل. كما واصلت رفض تسويات توافق عليها معظم الفلسطينيين والمجتمع الدولي، وأكدت ما كان معروفا  للشعب الفلسطيني من نواياها الحقيقية.

في قطاع غزة، يعيش مليونا فلسطيني على مساحة ٣٦٠ كم مربع، ويشكل اللاجئون منهم سبعين في المائة، يعيشون في منطقة الأكثر كثافة في العالم، وفِي ظروف فقر مدقع. وقد جاء الحصار الإسرائيلي الوحشي المتواصل ليحول حياة الناس إلى جحيم، بحيث لم يعد الكثيرون منهم يفاضلون  بين الحياة والموت، خاصة وأن القطاع  تعرض لثلاث حروب إسرائيلية وحشية خلال أقل من ثمانية أعوام.

ولهذا ليس مفاجئا  أن يأتي  الانفجار الشعبي العارم من قطاع غزة. إنما المفاجأة التي أزعجت المحتل هي أن الغزيين لم يختاروا الأسلوب الذي يحبذه ويبرع  فيه هذا المحتل، ألا وهو العنف الوحشي الذي يمارسه عبر أحدث آلات القتل التي بحوزته. كما ازعجه أن الذين بادروا إلى هذا الفعل الخلاق ليس حركة حماس بل طلائع الشباب ومنظمات المجتمع المدني، وأن يصرح بعض الشباب المنظمون للمسيرة في وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها الإسرائيلية، بأن كل ما يريدونه هو العودة إلى بلداتهم والعيش مع الإسرائيليين بحرية وسلام في ظل نظام ديمقراطي عادل، وهو مطلب كل اللاجئين الفلسطينيين وكل الشعب الفلسطيني.  وكان تصرفا حكيما أن تقدم حركات المقاومة المسلحة الدعم لهذا النموذج النضالي غير المسلح.

Haifa demo in solidarity with Gaza 15 May 2018

مظاهرة ضد المجازر الصهيونية ودعمًا لمسيرات العودة على حدود قطاع غزة – 15 أيار 2018، الحي الألماني، حيفا

هكذا تمكن الفلسطينيون من إعادة الصراع إلى جوهره، وهي قضية تحرر وطني من نظام كولونيالي كلاسيكي، لا بد من تفكيكه واستبداله بنظام ديمقراطي عادل في كل فلسطين التاريخية، يعيش فيها الشعب الفلسطيني واليهود الإسرائيليون. كما أظهروا مجددا، وعبر مواجهتهم قوات الاحتلال بصدورهم العارية، الصورة المتوحشة لنظام القهر الكولونيالي العنصري. إن كل محاولات إسرائيل نزع الطابع الإنساني عن مسيرة العودة باءت بالفشل، وأن كذبها بات بائناً أكثر من أي وقتٍ مضى.

إن المعركة التي يخوضها فلسطينو قطاع غزة هي معركة الكل الفلسطيني والكل العربي (الشعبي) وأيضا هي معركة كل اليهود المعادين للصهيونية وللفصل العنصري، هي معركة الحرية والتحرر للجميع، وتسمح بمشاركة الجميع بفضل طابعها غير المسلح.

لقد آن الأوان لتجديد مسيرة النضال الفلسطيني برمته وتجاوز الأطر والمفاهيم التقليدية التي كرست المشروع الكولونيالي وإفرازاته الكارثية اليومية.

إن “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين” تدعو الشعب الفلسطيني، خاصة قواه الحية، في جميع أماكن تواجده، إلى الانخراط في هذه المعركة التحررية الإنسانية، وتدعو إلى تشكيل جبهة عالمية من أحرار العالم العربي والعالم أجمع، لمؤازرة كفاح الشعب الفلسطيني، لأن معركته هي أيضا جزء من معركة تحقيق العدالة في العالم، عالم متحرر من الاستغلال والاستعمار والفقر والحروب.

عاشت فلسطين حرة، ديمقراطية وموحدة!

“حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين”

مدينة حيفا، ١٥ أيار ٢٠١٨

 

حول مبادرة حملة “الدولة الدمقراطية الواحدة”

بقلم: محمد عمر كبها

(تم نشر هذا المقال في موقع عرب 48 في 10\5\2018)

في الهلال الخصيب عرف الإنسان الكتابة، وفيه تأسس المجتمع الحضري، وفيه، رغم التباينات الإثنية والدينية والطائفية، تعايشت الشعوب لآلاف السنين، وأنتجت هذه التعدديّة ثقافات عريقة كان لها المساهمة الكبرى في تطور البشريّة بأكملها.

وكان سعي شعوب الشرق إلى الاستقلال ونيل الحرية هاجسا رافقها منذ أمد طويل.

منذ مئات السنين تعاني الشعوب في هذه المنطقة الغارقة الآن بالمآسي، من احتلالات مختلفة. وقد كان لاتفاقية سايكس بيكو المبرمة عام 1916 نتائج فتّاكة، حيث رسمت من خلالها القوى الإمبريالية حدودًا وهميّة قسّمت المنطقة إلى أشلاء، ونصّبت أنظمة رجعيّة تقمع إرادات الشعوب وتضمن للرأسمالية الغربية مصالحها، ووظفت حارسًا يضرب ويبطش وفقا لمشيئتها، حيث زرعت في قلب الشرق كيانًا غريبًا غازيًا أُسمي “إسرائيل”، وسلّمت أرض الشعب الفلسطيني الأصيل لحركة الاستعمار الاستيطاني الصهيونيّة، التي تقوم بدورها باستخدام اليهود في فلسطين رأس حربة، فتدفع بهم إلى معاداة شعوب المنطقة، وتعرّضهم بذلك إلى خطر كبير.

وتقيم الصهيونية في فلسطين التاريخية نظام تمييز عنصري من أشرس ما شهدته البشريّة، وتضيّق على الأصلانيّين وتنكّل بهم، استمرارًا لسياسة التطهير العرقي التي تنتهجها حركة الاستعمار الاستيطاني منذ أن بدأت غزوها فلسطين مطلع القرن العشرين.

وأفرزت البنية العنصرية للمنظومة التي تسيطر على فلسطين التاريخية، قضايا اجتماعية وطبقية متداخلة بالقضايا القومية.

ويزيد الأمور تعقيدا كون “إسرائيل” دولة دينية، تشرعن تفوّق دين واحد على غيره من الديانات من ناحية، وتضمن سيطرة النظام الديني على المدني من ناحية أخرى.

وبالمقابل، ثابر الشعب الفلسطيني، ومازال، من أجل عودة لاجئيه الذين طردتهم الحركة الصهيونية من ديارهم، ومن أجل نيل حريّته، حتّى أصبحت فلسطين رمزًا عالميًا للنضال من أجل الحرية والعدل.

ومن أجل حلّ القضية، فقد طرحت الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة خيار “الدولة الديمقراطية في فلسطين”، في سياق تطورات تاريخيّة عالميّة وعربيّة بصيغ مختلفة، وفي فترات زمنيّة متفاوتة، كخيار عادل وأكثر إنصافًا عن غيره من بين الخيارات المطروحة.

فقد طُرحت لأول مرة فكرة حق تقرير المصير وإقامة كيان سياسي ديمقراطي في فلسطين في “المؤتمر الوطني الثالث”، الذي عقد في حيفا عام 1920، بعد موجة احتجاجات وأعمال عنف بسبب قرار فصل فلسطين عن سوريّة. بعد ذلك قامت عصبة التحرّر بطرح حل “الدولة الديمقراطية الواحدة” تضمّ العرب واليهود عام 1943، وعلى ضوء هذه الخلفية التاريخيّة لهذا الطرح الإنساني والتقدمي، جاء برنامج منظمة التحرير الفلسطينيّة لعام 1968 لكي يحافظ على هذا الإرث.

وقد نصّ البيان الختامي للدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في دمشق عام 1969 على حل “الدولة الديموقراطية العلمانية”.

قبل أن تنحرف بوصلة النضال الفلسطيني لتتبنى “برنامج النقاط العشر” عام 1974، لتنزلق القيادة الفلسطينيّة إلى المفاوضات مع “إسرائيل” وتقع في خطيئة توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994، الذي عوّلت عليه القيادة الفلسطينيّة للانتقال إلى مرحلة تأسيس “الدولة الفلسطينيّة المستقلّة” في الأراضي المحتلة عام 1967. ولكنّه انتهى بفعل طبيعة “إسرائيل” الكولونياليّة. فكان حصارها الوحشيّ لقطاع غزّة وتمزيق الضفة الغربيّة إلى كانتونات معزولة، وتنفيذ سياسات الاستيطان والتهويد والمصادرة في كل أنحاء الضفة الغربية والقدس وداخل الخطّ الأخضر. كما ونتج عن تلك الاتفاقية المشؤومة تنازل منظمة التحرير عن قضيّة اللاجئين وتخليها عن فلسطينيي الداخل المحتل.

لقد بات واضحًا بعد ذلك كله موت حلّ الدولتين، وهو في الأساس حلّ غير منصفٍ، ولم يكن قابلًا للتطبيق في أي مرحلة من المراحل. وبالنتيجة، غدا الشعب الفلسطينيّ كلّه، الذي يعيش في فلسطين التاريخيّة، رازحًا تحت نير نظام قهر واحد، ومازال اللاجئين الفلسطينيين مشردين في بقاع الأرض بعيدين عن ديارهم، وبات اليهود في فلسطين أداة بيد الصهيونية والإمبريالية.

في ظلّ هذه الظروف القاسية، يتأكّد أنّ الطريق الوحيد لتحقيق العدالة والسلام الدائم، وبناء مجتمع ديمقراطي حرّ، متنوع ومتعدد الثقافات، يحفظ حق مُختلف الفئات والمجموعات، ويوفر لها الفرصة والظروف الأمثل لتعيش نمط الحياة الذي تختاره، هو تفكيك نظام الأبارتهايد الكولونيالي في فلسطين التاريخيّة، وإقامة نظام سياسيّ يستمدّ مبادئه من الأخلاق الكونية ويؤسس لتحقيق العدل والمساواة بعد التطبيق الكامل لحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين، ووضع آلية لتصحيح الغبن التاريخي، من خلال إعادة توزيع الموارد وسدّ الفجوات الطبقيّة. ومن ثمّ الاندماج في المنطقة والتآخي مع شعوبها في تطلعاتها نحو الحرية والعدالة الاجتماعية.

وعلى خلفيّة ما تقدّم، وتمسّكًا بالقيم الأخلاقيّة والحق بحياة حرة وكريمة لجميع الناس على حد سواء، ومن أجل إنهاء جميع أشكال القهر والاضطهاد والعنصريّة والكراهيّة والاستغلال التي تدمّر الحياة، بادر العديد من الأفراد والمجموعات، عربًا ويهودًا، متديّنين وعلمانيين، إلى إحياء فكرة “الدولة الدمقراطية الواحدة في فلسطين” في العقد الأخير بنماذج مختلفة. وقد اجتمع هؤلاء في مبادرة “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة” لتكثيف الجهود والعمل سويًا. ويُجمع الحشد في هذه المبادرة على أهمية النضال الدؤوب في برنامج يوحّد قوى الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ويقرّب بين العرب واليهود المتحررين من الصهيونية، لخوض النضال المشترك لأجل بناء المستقبل المشترك الخالي من العنصرية والاضطهاد.

تسعي المبادرة لحشد التأييد الشعبي محليًا، ولحشد دعم الشعوب العربية وتلقي الدعم من مناصري الحريّة والعدالة في العالم، حيث يقدّم البرنامج السياسي الذي تطرحه المبادرة الحل الإنساني العادل للجميع، الذي يشكّل قاعدة لتوطيد هذا الحلّ في الوعي العام، من أجل تحقيق هدف واحد، ألا وهو إقامة “الدولة الديمقراطيّة الواحدة” في فلسطين التاريخيّة كبديل عن نظام التمييز العنصري القائم حاليًا. إلّا أن المبادرة لا تتبنى أسلوبًا محددًا في حل القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتترك هذا الأمر مفتوحًا للنقاش، حيث تحتضن في صفوفها أصحاب التوجهات المختلفة للحل.

 

انطلاق حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين – تقرير حول اجتماع شفاعمرو، السبت 21\4\2018

(تم نشر هذا التقرير من على صفحات موقع عرب 48 يوم السبت 21\4\2018. بامكانكم قراءة النص في العبريّة في حيفا هاحوفشيت وفي الانجليزيّة في Free Haifa)

“نهدف إلى المساهمة في بلورة رؤية تحررية ديمقراطية بديلة”

أعلن، اليوم السّبت، عن انطلاق حملة “الدولة الديمقراطيّة الواحدة في فلسطين”، خلال اجتماع تشاوريّ موسّع في مدينة شفاعمرو، شارك به عدد من الأكاديميين والناشطين والسيّاسييّن.

وجاء في بيان وصل موقع “عرب 48” نسخة منه أنه “في ضوء عودة ظهور خيار الدولة الواحدة، كحل أكثر عدالة للقضية الفلسطينية والمسألة اليهودية في فلسطين، وبعد وصول كل خيارات التقسيم والفصل إلى طريق مسدود، وما سببته من كوارث بشريّة وماديّة ومعنوية، تنادت مجموعهٌ من الناشطين والأكاديميين والمثقفين والكتاب وطلائع من الجيل الجديد، الفلسطينيين والإسرائيليين، وأعلنت عن عزمها على إطلاق حملةٍ واسعةٍ تدعو إلى تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية”.

وعرّف المجتمعون الدولة الواحدة بأنها دولةٌ “يعيش فيها الفلسطينيون، بمن فيهم اللاجئون، والإسرائيليون، في ظل نظام ديمقراطي إنساني، يقوم على المساواة، وعلى أنقاض نظام الفصل العنصري الكولونيالي، وويلاته وإفرازاته الكارثية المستمرة”.

وقال البيان إن الاجتماع ناقش “وثيقة سياسية أولية، ذات عشرة بنود، جرى تحضيرها مسبقا من قبل لجنةٍ تنسيقية مصغرة، تشكل خطوطا عريضة لرؤية الحل المنشود”، بالإضافة إلى نقاش “خطوات عملية تحضيرية لمؤتمر يقام الخريف القادم، ويُعلن فيه رسميا عن إطلاق الحملة في كافة أماكن تجمع الشعب الفلسطيني، وفي المجتمع الإسرائيلي، أيضًا”.

واتفق الحاضرون، وفقًا للبيان، على تبني الخطوط العريضة الواردة في الوثيقة، مع إبقاء النقاش مفتوحا على القضايا الخلافية، خاصةً وأن المبادرة/ الحملة تعتبر نفسها جزءًا من الحراك الجاري في الداخل والخارج منذ سنوات طويلة، من قبل مجموعات وناشطين وأكاديميين، فلسطينيين وإسرائيليين مناهضين للصهيونية، وتسعى إلى التواصل معهم على طريق خلق حركة شعبية واسعة ومؤثرة من خلال التحشيد الشعبي والعمل التنظيمي والإعلامي والتثقيفي، حول “خيار الدولة الديمقراطية الواحدة”.

ودعا المجتمعون إلى لانتقال بفكرة “الدولة الواحدة النبيلة من الفضاء الأكاديمي والأًطر الضيقة إلى فضاء الميدان والقواعد الشعبية “في ظلّ التحولات الجارية على بنية الصراع، وانطلاقا من مبادئ العدالة والتحرر والحرية، المناهضة للفصل العنصري والكولونيالية والحروب العدوانية”.

وشدد المجتمعون على رفض “استخدام الفكرة كعامل تخويف للإسرائيليين”، ودعوا إلى استخدامها “كفكرة نبيلة تضمن تحقيق العدالة والتحرر من الاستعمار والعيش المشترك”.

وأوضح المبادرون، في مداولاتهم، أن هذه الرؤية الإستراتيجية، تقتضي جهدا كبيرا ونضالا منظما ومتواصلا على الصعيد الجماهيري والفكري والسياسي.

وأشار البيان إلى أن تركيز المبادرين كان “على دور الأجيال الشابة، وطلائعهم المبادرة في تشكيل وبلورة وقيادة هذه الرؤية لكونهم الفئة العمرية الأكثر حاجة لرؤيةٍ تحررية إنسانية ولطريقٍ ينقلهم من واقع الصراع الدامي إلى مستقبل أفضل، وإلى حياة حرة وآمنة”.

 

ثلاثة معتقلين في سيارة الشرطة

قصة قصيرة

رسمت: إيريس بار

يحدث، أحيانًا، أن يكون وقتك الذي تقضيه في سيارة الشرطة المرحلة الأهم في تجربة الاعتقال…
حصلت هذه القصة في عام 1984، حين تم انتخاب الفاشي مئير كاهانا لعضوية الكنيست الصهيوني. وقد بادر كاهانا إلى إطلاق حملة نشاطات تحريضية إسنادا لندائه بطرد جميع المواطنين العرب الفلسطينيين من البلاد. شملت هذه الحملة قيامه بـ”زيارات” استفزازية إلى مدن عربيّة، أشهرها زيارته لأم الفحم، كما عقد اجتماعات شعبية في المدن اليهودية تميّزت بإطلاق الشتائم البذيئة وهتاف “الموت للعرب!”

في حيفا، لم تفلح حملة كاهانا، ولم يتمكن، في أغلب الحالات، في جمع جمهور يردد هتافه العنصري… باستثناء اجتماع شعبي واحد في حي “كريات إليعيزر” اليهودي القريب من الأحياء العربية في البلدة التحتى ووادي النسناس. فقد اجتمع المئات من أنصار كاهانا في المركز التجاري لهذا الحيّ، تحت حماية بوليسية مشددة، ونصبت الشرطة حواجز وفصلت  بين رجال كاهانا وبين مئات آخرين من سكان المدينة العرب واليهود الذين قدموا للتصدي له.

تبادلت المجموعتان الهتافات المضادة والشتائم، ولكن اشتباك لم يحصل آنذاك. هذا ما جعل الشرطة، التي لم ترغب أن تترك المكان ويدها فارغة، أو، لنقل بشكل أدق: وسيارات اعتقالها فارغة ، تعتقل شابًّا كان يحمل مكّبر صوت يدوي. تم اقتياد الشاب إلى دورية الاعتقال، لينتظر إلى أن ينتهي الحدث، وذلك حتى يتم التحقيق معه بتهمة التحريض.

تذكر الشاب تجربته المريرة مع مكبّر الصوت، حيث حاول أكثر من مرة وضع بطاريات جديدة فيه. هذا النوع من مكبرات الصوت يحتاج إلى ثمانية بطاريات، قسم منها ينبغي أن يتوجه رأسه إلى الأعلى، أما القسم الآخر فينبغي أن يوضع بشكل معاكس، إلى الأسفل. وعندما أخطأ الشاب في ترتيب البطاريات، لم يتمكن من تشغيل المكبر. وأثناء تواجده في دورية الاعتقال، بانتظار معتقلين جدد، استغل الشاب وجوده بمفرده مع مكبر الصوت، وقام بقلب بعض البطاريات، ليضعها بعكس النظام المطلوب.

بعد قليل رآى الشاب رجال الشرطة وهم محمّلون بصيد جديد، يتقدمون نحو سيارة الاعتقال، دافعين بشابّين أمامهم، وكان الشابان يصرخان

–          شو بدكم منا؟ ما عملناش إشي!

كان الشابّان من ذوي العضلات المفتولة، والرؤوس الحامية، شاب عربي من مناهضي الفاشية، وشاب يهودي من أنصار كاهانا المتحمسين، وأثناء حمأة تبادلهما للشتائم والدفعات والتهديدات، تحدّى أحدهما الآخر قائلا له:

–          إن كنت رجلا فتعال إلى هنا!

ردّ عليه الآخر:

–          لا تختبئ وتدّعي الرجولة خلف رجال الشرطة. إن كنت رجلا حقا فدعنا نلتقي خلف البناية!

كليهما كان رجلا، بلا شك، ولا يمكن لكلمة أحدهما أن “تنزل الأرض”… ولكن رجال الشرطة قد سبقوهما وانتظروهما خلف البناية، وحين وصلا إلى مكان تواعدهما،  نفّذت الشرطة الاعتقال، وقامت بجرّهما إلى الدورية.

جلس رجال الشرطة في مقدمة السيارة مقتادين صيدهم الثمين لذلك اليوم نحو محطة الشرطة ومن ثم إلى قسم التحقيقات.

هناك، اتضح بأن  المحقق ليس “أهبلا” فحين قال له صاحب مكبّر الصوت أنه لا يمكن اتهامه بالتحريض لأنه لم يقم باستخدام الجهاز الذي لا يعمل أصلا، قال له المحقق:

–          لا تحاول الضحك علي… فمن الممكن أن تكون أنت من قام بخلط البطاريات. سأفحص الآن.

وهكذا، فقد قضى الشاب الوقت المتبقي من جلسة التحقيق متأملا الضابط وهو يقوم بإخراج البطاريات من موقعها ويعيد إدخالها إلى الجهاز، ويعيد الكرّة المرة تلو الأخرى.. فيما التزم المكبر العنيد الصمت، رغم المحاولات العديدة للضابط. وهكذا انتهى التحقيق على هذه الصورة.

ما الذي حصل، إذا، مع الرجال الرجال؟ الرجلين الحقيقيين جدا؟

لقد تعلّم صاحبنا، الذي كان اعتقل وهو يحمل مكبّر الصوت، في الجامعة،  نظرية “معضلة السجينين” التي تثبت علميًّا، كيف يقوم كل سجين بالشهادة ضد زميله الآخر، وهكذا فإن كليهما يتورطان في نهاية المطاف… فقد قام رجال الشرطة بالفصل بينهما، وأخذوا كلا منهما إلى التحقيق على انفراد.

ما نسيه من صاغوا نظرية “معضلة السجينين” هو أن نظريتهم لا تشمل مرحلة نقل السجينين في سيارة شرطة واحدة، حيث اتفقا، كليهما، على إنكار أية نية لديهما في الشجار، ونفي قيامهما بتوعد بعضهما البعض…

وهكذا، خرج الثلاثة من محطة الشرطة في ذات الليلة، أحرارا. وقد عانقوا بعضهم بحرارة قبل أن يتوجه، كلّ إلى سبيله.

(تم نشر هذه القصة اليوم في جريدة المدينة الحيفاوية)

 

من أضرار التعليم الجامعي

(تم نشر هذه القصة القصيرة في جريدة المدينة الحيفاوية)

أنا، بشكل عامّ، أشجّع التعليم العالي. هذا  مع العلم ان “مؤسساتنا” التعليمية تقوم بتسويق الرواية الصهيونية–البرجوازية الحاكمة. ومع تشجيعي للتعليم الأكاديمي العالي، فإن تجربة الحياة  قد علمتني أن خيرات هذا التعليم قد تتسبب بالضرر في بعض الحالات… ومنها محاولة النظام تحسين مستوى جهاز الشرطة من خلال انخراط ضباطها في الجامعات.

في سنة 1988 كانت الانتفاضة في عامها الأول، وكانت الممارسات القمعية للاحتلال في عز شراستها. فقد امتلأت السجون بالشباب المنتفضين. من ضمن هذه السجون كان سجن “عتليت” العسكري الذي تحوّل إلى مركز اعتقال طارئ يحتوي على مئات الرهائن في خيّامه.

بادر نشطاء فرع حركة ابناء البلد في حيفا إلى إجراء تظاهرة على قمة جبل الكرمل المطلة على السجن في يوم الأسير الفلسطيني 17\4\1988، للتعبير على التضامن مع المعتقلين ولرفع معنوياتهم، مستغلين بذلك الظروف الطبوغرافية الخاصة التي تمكن المعتقلين مشاهدة المظاهرة على القمة التي ترتفع فوق الأسوار.

كانت ردود فعل المعتقلين احتفائية لرؤية المتظاهرين على قمة الجبل وهم يحملون شعارًا كبيرًا كتب على يافطات بلاستيكية بيضاء ضخمة: “الحرية لأسرى الحرية”.

أشعلت بهجة المعتقلين غضب قائد حرس السجن، الذي أمر جنوده بتسلق الجبل لكي يلقوا القبض على المتظاهرين. وعندما رفض الجنود تنفيذ الأمر، قام الضابط بمفرده بتسلق الجبل وهو يهدد ويتوعد بسلاحه. وقد تمكن من أسر أربعة من المتظاهرين بواسطة التهديد بقتلهم.

“ما علاقة كل هذه الأحداث بالتعليم الجامعي؟”، قد يتساءل سائل نفد صبره…

في تلك الأيام كانت الرفيقة إيريس تتعلم في جامعة حيفا، وكان أحد ضباط “شرطة إسرائيل” يدرس معها. كانت إيريس واحدة من ضمن أسرى التظاهرة الذين اقتادهم رئيس الحرس أمامه نزولًا عبر منحدرات الجبل، ومن هناك تم نقلهم إلى محطة الشرطة في المستعمرة القريبة.

حينما وصل رفاقنا إلى المحطة اكتشفت إيريس أن الضابط المسؤول هناك هو زميلها في التعليم الجامعي.

ما أن رأى قائد المحطة زميلته في الجامعة تدخل إلى المحطة، مقيدة اليدين، يقتادها الحراس، إلا أن باغتها بصفعة على وجهها  قائلا لها:

–         هذا لإنك لم تسمحي لي بنقل الوظيفة البيتية في درس الاحصائيات…

ودهشت إيريس من هذا التصرف اللئيم التي لم تتوقعه.

وأكمل الضابط ليفسر سبب إقدامه على صفعها:

–         انت عنصرية ولم تسمحيلي بنقل التمرين لأنني مغربي…

فكرت إيريس بينها وبين نفسها: ما أشد حمق هذا الضابط، صحيح أنني لم أسمح له بنقل التمرين، ولكن فعلت كذلك لأنه شرطيَّا…

 

خشيت إيريس أن توضح حقيقة الأمر للضابط، حيث كان من الممكن أن تدفعه الحقيقة البسيطة لضربها مرة أخرى، فالتزمت الصمت ولم تدافع عن نفسها من هذه التهمة الباطلة بالعنصرية.

Bad education as published in Al-Madina

حراك حيفا ينظم ندوة حول مستقبل الاشتراكية

بمناسبة الذكرى المئوية لانتصار الثورة الاشتراكية في روسيا

مساء يوم الثلاثاء 7\11، وفي ظل البرد الخريفي الأوّل، اكتظ الزقاق الصغير في قلب وادي النسناس، المؤدي إلى المقرّ الجديد لـ”نادي حيفا الغد”، بعشرات الشابات والشبان الذين لبّوا دعوة حراك حيفا لحضور ندوة مميزة، بمناسبة مرور مائة عام على انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا وانطلاقة أول تجربة عصرية لقيام نظام خالٍ من الاستغلال، في 7\11\1917.

افتتح الميسر، الكاتب الشاب مجد كيال، الندوة موضحا بأن موضوع الندوة لن يتركز على الذكرى والأحداث التاريخية بل على مستقبل الاشتراكية، لأنّ نشاطنا كله مبني على الأمل في العثور على حلول لقضايا مجتمعنا ولبناء مجتمع أفضل، حيث ننظر إلى الاشتراكية والمواقف اليسارية باعتبارها مصادر للإلهام وللتحليل وللفكر لصناعة هذا المستقبل.

قدم المتحدث الأول، المناضل سلمان فخر الدين من الجولان السوري المحتل، رؤيا نقدية لمسار الاتحاد السوفياتي منذ المراحل الأولى لتأسيسه، ولتفضيل النمط السلطوي على الحركة الشعبية وتغييب الديمقراطية التي هي ضمان الحفاظ على مكاسب الجماهير ما بعد الثورة. فقد تطورت الأمور، كما شرحها، باتجاه بناء دولة قمعية (ومن طبيعة الدولة أنها قمعية في كل الأحوال) ومن ثم آلت الأمور إلى سيطرة النهج القومي-الروسي وسيطرة الجهاز المركزي على الحركة الثورية العالمية.Nadwat AlIshterakiya - Hudur filming

وشرح فخر الدين كيف وصل الحال بعد الحرب العالمية الثانية إلى تقسيم العالم بين معسكرين، وكيف تميز المعسكر الاشتراكي تحت قيادة الاتحاد السوفياتي بتغلب الطابع العسكري على الصراع، بدلا من التنافس على تلبية حاجات الجماهير، في الوقت الذي تبنت فيه العديد من الدول الرأسمالية مطالب أساسية من حقوق الإنسان وحقوق العمال كجزء من نظامها. وواصل سلمان الشرح حول مآل هذه الإخفاقات التي أودت بالاتحاد السوفياتي والدول المرتبطة به إلى الانهيار “من دون أن تُطلق رصاصة واحدة”.

أمّا القسم الأخير من مداخلته خصصه فخر الدين لتوجيه النقد الحاد إلى ما وصلنا إليه اليوم في ظل النظام الرأسمالي، وتعميق الفجوات بين القلة القليلة من الأغنياء وبين أغلبية سكان الأرض، وقد ألمح إلى أن الاشتراكية ما زالت مطلب الساعة، ولكن بوجه آخر، تحرري، ديمقراطي وإنساني.

بدأ المتحدث الثاني، عضو حراك حيفا يوآب حيفاوي، حديثه باستفتاء رأي الحضور حول “من هي الدولة التي تملك الاقتصاد الأكبر في العالم؟”. وقد فوجئ حين وجد أن إجابات الأغلبية كانت “الصين” لا “الولايات المتحدة”. تاليا، أكد المتحدث أن المعطيات الرسمية تفيد بأن الاقتصاد الصيني قد أصبح الاقتصاد الأكبر في العالم منذ العام 2014، ولكن، بالرغم من ذلك، لا تزال الصحافة الرأسمالية تصفه باعتباره الاقتصاد الثاني في العالم.Nadwat AlIshterakiya - Hudur entrance

وقال أن أهمية تجربة الثورة الروسية وإقامة الاتحاد السوفياتي كانت في انتقال نضال العمال من مرحلة المطالبة بحقوق ضمن النظام الرأسمالي إلى مرحلة خلق البديل له. وقد لحقت بتجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي تجارب أخرى منها من فشل ومنها من لا يزال مستمرا في البحث عن الطريق. كما أضاف أن النمو السريع لاقتصاد الصين قد يثبت أنه من الممكن إدارة اقتصاد من نوع آخر والنجاح في التوصل إلى تطور يتفوق على التطور الرأسمالي.

وركز يوآب على الصعوبات في بناء المجتمع الاشتراكي، وذكر من بين أسبابها كونها تجربة جديدة لتحويل الحكم إلى طبقة لا تملك وسائل الإنتاج قبل وصولها إلى الحكم السياسي، حيث تفتقر هذه الطبقة إلى التجربة المسبقة في إدارة الاقتصاد والدولة. وأنهى كلامه بالتأكيد أن صعود الصين الاشتراكية قد يغير قوانين اللعبة على مستوى العالم أجمع، كما أنّه سيوفر إمكانيات جديدة أمامنا في نضالنا نحو الحرية والعدالة الاجتماعية.

الكاتب والصحفي هشام نفاع تحدّث بدوره عن مركزية تأثير الاتحاد السوفياتي في تكوين هوية وفكر الأجيال القادمة من اليساريين في العالم العربي، كما تحدث عن الصدمة الكبرى التي تركها انهيار الأنظمة الاشتراكية على الأحزاب الشيوعية العربية والنشطاء التقدميين. ومن هنا انتقل لشرح التحدي القائم اليوم وصعوبة التعريف من هو اليساري. وقد شدد نفّاع على أن دعم وتبني حقوق الإنسان أو المواقف الليبرالية والديمقراطية، على الرغم من أهميتها، ليس كافيا لتوصيف حامليها باليساريين أو الاشتراكيين.Nadwat AlIshterakiya - Hudur

وأكد نفّاع أنه من غير الممكن، حتى اليوم، تطوير فكر يساري معزول عن تجربة الثورة الروسية ومحاولات إقامة الأنظمة الاشتراكية، على الرغم من الفشل الذي آلت إليه هذه التجربة. وشدد على أهمية الموقف الأممي في تكوين الفكر اليساري وفي صياغة المشروع الذي يجب على اليسار أن يجهد لتنفيذه، وأشار إلى الخطورة الكامنة في أن تتسبب “سياسة الهويات” بإبعادنا عن مبادئ الأممية. كما وأكد بأن الطرح اليساري لا يمكن أن يكتفى بمطالبة التحسينات والتعديلات على النظام الرأسمالي، بل إنه يتوجب على اليسار أن يطرح نفسه كمشروع حكم، وأن يسعي لبناء نظام بديل. جاء هذا، على الرغم من تأكيده على مقولة أن الدولة، أية دولة، هي جهاز قمعي، ولكنه أضاف بأن بناء دول اشتراكية هو شر لا بد منه.

هذا، وقد انتقد نفّاع مواقف العديد من الأحزاب الشيوعية والمفكرين العرب الذين لم يتعاطوا حتى اليوم مع تجربة الأنظمة الاشتراكية مستخدمين أساليب التفكيك والنقد العلمي للاستفادة من التجربة، واكتفائهم بتبني ما يشبه الفكر الغيبي في التعامل مع المعسكر الاشتراكي باعتباره الفردوس الأول الذي طُردنا منه، وحديثهم عن الحتمية التاريخية لانتصار اليسار بشكل منزوع عن رؤية وعمل ومشروع سياسي. بناء عليه، تساءل نفّاع: “هل يوجد اليوم يسار عربي أصلًا؟”

بعد الجولة الأولى، دعا ميسّر الندوة الجمهور إلى جولة من تبادل الملاحظات، حيث أشار يورام بار حاييم، معلقا على كلام نفاع بخصوص الأممية، مقتبسا “نائب القائد ماركوس”، المتحدث الرسمى باسم حركة زاباتيستا في المكسيك، الذي عرف نفسه أنه “مثلي في سان فرنسيسكو، أسود في جنوب أفريقيا، فلسطيني في إسرائيل ويهودي في ألمانيا، ألخ”. وأكد يورام أن تعزيز الهويات للمجموعات المستضعفة، بما فيها الدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية للنساء، على سبيل المثال، أو الوطنية الفلسطينية أو دعم الوحدة العربية، هي من مصلحة العمال والمضطهدين ولا تتناقض مع الأممية بل تكون تعبيرا ملموسا عنها.

وقد دعا مهند أبو غوش إلى توسيع تحليلنا لتجارب اليسار لكي يشمل تجارب الحركات الثورية حول العالم، وخصوصا على المستوى الفلسطيني والعربي، وهي تجارب في معظمها لم تصل إلى سدة الحكم. كما أشار إلى وجود العديد من التجارب اليسارية والماركسية الثورية الواقعة خارج هيمنة الاتحاد السوفياتي ومنها من لم يتبن مدرسة لينين. كما تكلم حول الطابع الفلسفي للماركسية الذي هو أعمق من ترجماته للشعارات السياسية المحدودة، وعلى الارتباط العضوي لهذه الفلسفة بالطبقة العاملة من جهة وصعوبة ترجمة هذه الفلسفة لنهج ملموس يفهمه العمال.Nadwat AlIshterakiya - Mutakalemin alone

وقد اعترض أحد المشاركين، الذي لم يعرّف عن اسمه، على توصيف الصين باعتبارها دولة اشتراكية مدعيا بأن الدولة الصينية تستغل العمال، حالها في ذلك كحال أصحاب العمل الرأسماليين. كما قال بأن العمال في الصين يعيشون ظروف مزرية وبأنهم معدومو الحقوق، ولذلك يجب اعتبارها دولة رأسمالية فاحشة. كما تساءل ما هو البديل للدولة القمعية التي نرفضها؟

وشاركت رلى خلايلة بلفت النظر إلى غياب الرؤيا النسوية أثناء استعراض المواضيع في الندوة، ملاحظة أن المرأة الوحيدة التي كان من المخطط مشاركتها في البرنامج، وهي الكاتبة رجاء زعبي-عمري، قد اعتذرت على الحضور. وأكدت أن من إخفاقات الحركات اليسارية على مدى السنين المائة، التي نتحدث عنها، كان تهميش دور المرأة في المجتمع، وعدم الاهتمام الكافي بحقوقها، بل إن بعض هذه الحركات، حتى حين التجأت في بعض الحالات، إلى تمجيد المرأة فهذا لم يغير من حالة تهميشها. كما أكدت خلايلة على ضرورة تفكيك ومعالجة مجمع علاقات القوة في المجتمع بما فيها الطبقية، ولأيضًا العلاقات الجندرية، مدعية أننا إن لم نعمل عليها بشكل واعي ومستديم، فقد تعود علاقات القوة القديمة لتعيد إنتاج نفسها وتعيدنا إلى الوضع القمعي التي ورثناه.

وذكرت إيريس بار أنه وعلى الرغم من الإخفاقات في التطبيق فإن الفكر اليساري قد طرح أمام الإنسانية مجموعة جديدة من القيَّم والأهداف السامية لم تكن موجودة في العقائد التي سبقته، منها المساواة التامة بين المرأة والرجل، ومنها الرفض المطلق لتقسيم العالم بين فقراء وأغنياء. ولذلك، فإن وجدنا فروقات طبقية أو زعماء يعيشون في حال أفضل من شعوبهم في الدول الاشتراكية مثل الاتحاد السوفياتي أو الصين أو كوبا، فهذه غلطة ننتقدها جميعًا. ولكن ، وفي المقابل، فإن الفجوات القائمة بين الفقراء والأغنياء في الدول الرأسمالية ليست أمرا شاذا بل إنها من أسس وطبيعة النظام.

وقد انتهى الحوار مع تأكيد الجميع على ضرورة الاستمرار بمثل هذه الحوارات لتكوين رؤية يسارية عصرية، مع استخلاص عبر الماضي دون تهاون، ولكن مع النظر إلى دورنا في بناء المستقبل الأفضل.

ملاحظة:

تم تسجيل فيديو للندوة ونشرها في حلقتين، الأولى والثانية.

كما نشر، تمهيدًا للندوة، مقال بعنوان “من انتصار الثورة الروسية إلى صعود الاشتراكية الصينية” في “حيفا الحرة” وفي “عرب 48“.