Skip to content

لنمنع تجريف مقبرة رمية – دعوة للتظاهرة الجمعة 30\9 الساعة 12:30

ramiya-cemetery

تقرير حول اجتماع “أصدقاء رمية”

كتبه رفيق بكري

اللجنة الشعبية للتضامن مع أهالي رمية تدعو إلى تظاهرة لمنع مخطط تجريف مقبرة القرية

  • النائب د. عبد الله ابو معروف يبرق لوزيري الداخلية والأديان ويطالبهما بإلغاء المشروع غير الانساني على أنقاض المقبرة
  • الشعبية تدعو المتابعة والمشتركة وكافة المؤسسات والأطر التمثيلية لمساندة أهالي رمية لمنع المسّْ بحرمة المقبرة

أقرّت اللجنة الشعبية للتضامن مع أهالي رمية بحضور ممثلين عن الأهالي، في اجتماعها الذي عقدته مساء أمس الجمعة (23\9\2016) في قرية رمية وسط مدينة كرميئيل. رمية التي لا تزال تواجه مخطط سلب الأرض وترحيل أهلها وعدم تجاوب المؤسسات الحكومية مع مطالب سكان الحي بتأمين سكن للجيلين الجديدين من الشبان، خاصة وأن ما تسمّى بدائرة اراضي اسرائيل اتّبعت سياسة المماطلة في تنفيذ الاتفاق المبرم مع سكان الحي على مدار 30 عاما بتواطؤ بلدية كرميئيل.

وأقرت اللجنة الشعبية في اجتماعها توجيه رسائل للجهات الحكومية، على رأسها بلدية كرميئيل المشرفة على المشاريع الإسكانية في المدينة، وأخرى لوزارة الإسكان بطلب وقف الاعتداء الوقح على مقبرة رمية ومنع تجريفها.

كما وأقرت اللجنة بتوجيه رسائل للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية والقائمة المشتركة من أجل تصعيد القضية على المستويين البرلماني والشعبي، والعمل على إنجاح التظاهرة التي ستنظّم يوم الجمعة القادم 30.9.2016 الساعة 12:30 ظهرا بالقرب من المقبرة، حيث سيتم إقامة صلاة الجمعة في المكان.

من جهة أخرى، أبرق النائب د. عبد الله ابو معروف عضو لجنة الداخلية ومسؤول ملف التنظيم والبناء في القائمة المشتركة برسالة إلى وزير الداخلية، نسخة عنها لوزير الأديان يطالبهما بإلغاء المشروع غير الانساني على أنقاض المقبرة، والتدخّل الفوري من خلال إصدار تعليمات للمقاول بوقف العمل وإلغاء التخطيط كليا، وحل المشكلة قبل أن تتفاقم، واختصار تأجيج وتوتير الأجواء وحدوث ما لا يحمد عقباه، لما في ذلك من مسِّ بحرمة المكان ومشاعر المواطنين الإنسانية وعقيدتهم.

وفي بيان له أكد ابو معروف أن السلطة وأذرعها المختلفة فشلت في ترحيل سكان رمية بفضل صمودهم وتشبثهم بالأرض والمطالبة بحقوقهم المشروعة، وبعد أن فشلوا بترحيل الأحياء يحاولون وبمنتهى الجبن والوقاحة المسّ بالأموات، ودعا ابو معروف لجنة المتابعة والقائمة المشتركة للمساهمة في إنجاح التظاهرة يوم الجمعة القادم.

 

الذكرى الـ55 لسقوط شهداء أيلول 1961 الخمسة

images-of-the-five-1961-martyrs-posed-in-haifa-commemoration

في الذكرى الـ55 لسقوط شهداء أيلول 1961 الخمسة أعيد نشر تقرير “حيفا نت” حول احياء الذكرى الخمسين عام 2011

يتذكّرون ويُحْيُون ذكرى شهداء أيلول 1961

مراسل حيفا نت | 30/09/2011

مطانس فرح

شارك، مساء الثلاثاء (27-9-2011)، العشرات من المدعوّين والشخصيات السياسيّة والاجتماعيّة والناشطة البارزة، وذوو شهداء أيلول وغيرهم، في أمسيّة في مسرح “الميدان” في حيفا، إحياءً لذكرى شهداء أيلول 1961؛ الشبّان الحيفاويّين: جورج سليم شاما، جريس ذياب بدين، وريمون يوسف مارون؛ فايز سيّد أحمد (سخنين)، ومحمود عبد الله جبارين (أم الفحم)، الذين قتلوا بجريمة همجيّة وظروف غامضة.

jenazat_alshuhada_fi_haifa_1961

جنازة الشهداء في حيفا عام 1961

وقد افتتحت الأمسيّة، وأشرفت على عرافتها الزميلة الإعلاميّة مقبولة نصّار، فقالت: “17 أيلول 1961 يوم لا يُمكن أن ننساه… وحيفا، اليوم، تتذكّر شهداءَها منذ النكبة وحتّى يومنا، تتذكّر شهداءَها الخمسة، كحدث نضاليّ مفصليّ، وتكرّم عائلات الشهداء الذين دفعوا – وما زالوا يدفعون – الثمن الأكبر في نضالات شعبنا… الرسالة من وراء هذه الأمسيّة هي رفضنا طيّ هذه الصفحة من تاريخ شعبنا قبل محاسبة القتلة”.

وكانت الكلمة الأولى لروضة غنايم، عن ائتلاف 250 عامًا على تأسيس حيفا الجديدة، نيابةً عن المنظّمين، قائلة: “قرّرنا أن يكون هذا المساء إحياء لذكرى الشهداء عمومًا، وشهداء حيفا خصوصًا. هؤلاء الشهداء فارقوا الحياة وفارقوا أهاليهم، فدخلوا الغياب وأقفلوا الأبواب، ولكنّ موتهم فتح أبوابًا جديدة… أبوابًا للأجيال الواعية المتحدّية بالتصدّي لمنهجيّة القمع الممارَس علينا يوميًّا، لمعرفة الماضي والتاريخ، وللتعامل مع الحاضر بوعي أكبر! فنحن اليوم نحيي ذكرى الشهداء ونكرّم ذويهم… ونبقي أبواب الأمل مفتوحة لمعرفة الحقيقة “المخفية”… فلم ولن ننساهم”.

fayez_sayid_a7mad_3

الشهيد فايز سيد أحمد – سخنين

وفي هذه الأمسيّة التي دعت إلى توحيد الذاكرة الجماعيّة، في ظلّ التعتيم على الحقيقة والشواهد التاريخيّة، وغياب المعلومات وسياسة القمع؛ كانت للدكتور جوني منصور مداخلة قيّمة جدًّا استهلّها قائلًا: “ممرّضة شابّة كانت قد تدرّبت خلال شهرين على إسعاف المصابين والجرحى، وفي أثناء قيامها بواجبها الإنسانيّ، في أحد الشوارع بالقرب من منزلها، وهي تسعف امرأة أصيبت بطلقة ناريّة، تسقط صريعة… جولييت نايف زكّة، هي الممرّضة الشابّة ابنة حيّ وادي النسناس الحيفاويّ، آخر شهيدة سقطت في حيفا عام النكبة؛ وكتب الكاهن، حينها، في الجهة المخصّصة لسبب الوفاة، في سجّل الوفيات: قُتلت برصاص اليهود! وفي اليوم الذي دُفنت فيه جولييت في مقبرة الروم الكاثوليك القديمة في شارع حيفا، هُجّر أهلها إلى المجهول!! ولم يزوروا قبرها منذ ذاك اليوم”.

وأضاف: “ولم تتوقّف قوافل شهداء الوطن عن العبور في زمن القسوة والقتل والتنكيل، فما أفرزته نكبة عام 1948 لم يتمكّن الزمن من إقصائه عن عيون من عاش النكبة وما تلاها إلى يومنا هذا. لقد دمّرت آلة الحرب الصِّهيونيّة المجتمع الفِلَسطينيّ برمّته عام النكبة.

وإن كان حديثنا اليوم عن حيفا، مدينة الكرمل وعروس البحر، مدينة الانفتاح والعمل والأمل، فهي مثال لتدمير المجتمع الفِلَسطينيّ المدينيّ، وترحيله بشرًا وحجرًا؛ أمّا مَن بقي في حيفا من أبنائها، فتمّ تجميع غالبيتهم العظمى في حيّ وادي النسناس وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، وإغلاقات مستمرّة باعتبار أنّهم في عداد المشبوهين والأعداء! في حين أنّهم كانوا – إلى يوم واحد قبل سقوط مدينتهم – جيرانًا وأصدقاء وزملاء عمل لمنفّذي مخطّط التطهير العرقيّ.

هذا وقد اتّبعت السلطة المحلّيّة في حيفا، برئاسة رئيس البلديّة في حينه، “أبا خُوشِه”، وبعض المُوالين للسلطة، وحزب “مپاي” الحاكم، وحكومة بن غوريون، كلّ أساليب التضييق السياسيّ والقوميّ على العرب في حيّ وادي النسناس، وبقيّة مناطق الوطن.martyr-rimon-maroun

فتوّلت حكومة بن غوريون كلّ الأساليب القمعيّة، كالملاحقات السياسيّة والاعتقالات ومراقبة تنقّل وتحرّكات الأهالي، وسياسات التمييز العنصريّ، من حرمان الشباب العربيّ من التعلّم والدراسة في المعاهد العليا، ومن حرمانهم من الوظائف والأشغال المركَزيّة، إضافة إلى مراقبة ما يقرأه العرب وما يستمعون إليه عبر المذياع… هؤلاء الّذين أتَوا هذه الديار عبر البحار، تمّ توفير المساكن لهم في مساكن أصحاب البلاد؛ أمّا أصحاب البلاد، أصحاب المنازل والأراضي، فقد نُظِّمت لهم مخيّمات لجوء في لبنان والأردن وسورية، وبعض المناطق من أرض هذا الوطن الغالي”.

وعن وضع الشباب العربيّ الفِلَسطينيّ، قال د. منصور: “إنّ التمزّق والتفتّت والتشريد الّذي حلّ بشعبنا العربيّ الفِلَسطينيّ، كاد يُفقد شبّاننا وشبابنا أملهم في الحياة والاستمرار في النضال من أجل لقمة العيش. إلّا أنّ الربيع العربيّ العاصف في الخمسينيّات، نفح فيهم روحًا جديدة مليئة بالأمل والحبّ والتطلّع نحو المستقبل. الصوت العربيّ الدافئ الخارج حينها من حنجرة الرئيس العربيّ الراحل، جمال عبد الناصر، حرّك المشاعر والعقول والأجساد”.

وعن شهداء حيفا، قال: “شهداء حيفا الثلاثة وشهيدا سخنين وأم الفحم، كانوا من هؤلاء الّذين تمسّكوا بأرضهم ووطنهم، وأصرّوا على البقاء، رغم الحكم العسكريّ المجرم واللئيم الذي فُرض على أصحاب هذه البلاد. بحثوا عن عمل يوفّر لهم لقمة عيش كريمة… وإن كانت إحدى الروايات المنقولة تقول إنّهم حاولوا عبور الحدود نحو مصر من غزة صحيحة، فإنّهم كانوا يبحثون عن الحرّيّة… وإن قيل عبر روايات أخرى إنّهم خالفوا القوانين فهم لم يكونوا أسرى القوانين العسكريّة المستعمرة. هذا ما حدث في الـ 17 من أيلول 1961، عندما خرج ثلاثة شباب في ربيع عمرهم من بيوتهم وابتسامة الأمل على وجوههم وعادوا إلى بيوتهم في أكفان”.

وأضاف: “لم يكن ذلك اليوم عاديًّا في حياة المجتمع العربيّ الفِلَسطينيّ في حيفا، والناصرة وشفاعمرو وسخنين وأم الفحم وغيرها من القرى والمدن العربيّة، حيث اعترم الغضب الجماهير كافّة بشدة مع انتشار خبر استشهاد الشبّان، فالظروف القاسية والقاهرة التي كان يعيشها شعبنا الفِلَسطينيّ كانت كافية لإشعال نار الغضب.

alshaheed_george_shama

الشهيد جورج شاما – حيفا

لم يُقتل الشبّان الثلاثة عند غزة – وهذه رواية أخرى، تستوجب التحقيق والتدقيق. وجدت على جثثهم آثار تعذيب وتنكيل قد تكون سابقة لقتلهم أو لاحقة… الأمر بحاجة إلى تحقيق.. مَن قتلهم؟ أين الفاعل؟ وبأمر مَن وكيف وقعت الجريمة؟!.. وحتّى يأخذ التحقيق مجراه في حينه شيّعت جماهير غفيرة جثامين الشهداء من بيوتهم في حيّ وادي النسناس إلى كنيسة مار إلياس للروم الكاثوليك في شارع “عين دور” وسط أصوات احتجاجيّة ضدّ الحكومة، هذه الأصوات التي طالبت برأس هذه الحكومة – برأس بن غوريون، لأوّل مرّة.

ووزّع الحزب الشيوعيّ منشورًا دعا فيه الجماهير إلى التكاتف والتعاضد والوَحدة الوطنيّة، والتصدّي لسياسات حكومة بن غوريون العنصريّة. كما أنّ النائب البرلمانيّ عن الكتلة الشيوعيّة، طيّب الذكر توفيق طوبي، طالب بتشكيل لجنة تحقيق برلمانيّة فورًا.

وفي أثناء التشييع ألقى محامي الأرض والشعب، طيّب الذكر، حنّا نقّارة، خطابًا أشار فيه إلى أنّ مقتل الشبّان ليس عاديًّا، وقد جاء نتيجة سياسات مجحفة ضدّ المواطنين العرب. وقد أصرّت اللجنة الشعبيّة التي تشكّلت حينها على دفنهم في قبر واحد جنبًا إلى جنب، لكنّ مطران الروم الكاثوليك في حينه (المطران حكيم) رفض ذلك، فتمّ دفنهم في المقبرة الأرثوذكسيّة، مع توجيه اللوم الشديد إلى رجل الدين هذا وسواه من المتواطئين والمتعاونين مع حكومة بن غوريون”.

child-carry-picture-of-martyr-jeris-badin

ولد من عائلة بدين يحمل صورة الشهيد جريس بدين في الذكرى الـ50 لاستشهاده

واختتم د. جوني منصور مداخلته، قائلًا: “جنازات الشهداء في حيفا وسخنين وأم الفحم وحّدت صفوف أبناء الشعب الفِلَسطينيّ لأوّل مرّة بعد عام 48 على مختلف تيّاراتهم الفكريّة والسياسيّة. وإن كنّا، اليوم، قد اجتمعنا في هذا المساء، وفي حيفا، بلد الصمود، بلد الأمل، نحيي ذكرى شهدائنا الأبرار، فإنّنا، أيضًا، نكرّم أهالي الشهداء وذويهم على صبرهم وتمسّكهم بحبّ الإنسان والوطن، على تحمّلهم المصاعب والشدائد؛ فإنّنا من هذا المكان، وفي هذه اللحظة حصريًّا، ندعو ونطلب بإعادة التحقيق في كلّ ملابسات حادث استشهاد هؤلاء الشبّان الأبرار، وتقديمهم للمحاكمة كمسؤولين عن فعلتهم الإجراميّة هذه، كي تبطل الروايات وتنتهي التأويلات وتتّضح الحقيقة. علينا جميعًا، البحث عن الحقيقة، فهذا حقّ من حقوقنا، فدم أبنائنا لن يذهب هدرًا. والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار”.

أما عبّاس زين الدين (أبو عصام)، الناشط الاجتماعيّ والشيوعيّ العريق، فحدّث الحاضرين كشاهد عِيان على تلك الأحداث، قائلًا: “أودّ، بدايةً، أن أوجّه كلمتي لذوي الشهداء.. أنتم لم تنسوا شهداءنا وشهداءكم.. ونحن هنا، دائمًا، على العهد. لقد كان هناك التفاف جماهيريّ واسع من جرّاء ما حدث وقد عمّ الجميع شعور بالألم والحسرة والغضب لما حدث. خمسون عامًا مرّت على الجريمة النكراء وما زال الملفّ مفتوحًا والجرح نازفًا. الجنازة الثلاثيّة تحوّلت إلى مظاهرة غاضبة عارمة لم تشهد مثلها مدينة حيفا، منذ النكبة الّتي حلّت بالشعب العربيّ الفِلَسطينيّ في هذه الديار.”

وأضاف: “لقد شاع خبر اختفاء الشبّان الثلاثة من حيفا، بظروف غامضة، فأثار قلق الجميع وغضبهم إلى أن أتوا بهم جثثًا هامدة.. فكانت فاجعة. نزل الخبر كالصاعقة على الجميع… لم يرتكبوا جرمًا لكنّهم قُتلوا بدمٍ بارد من دون أن يحرّك المجرم له جفنًا!”.

martyr-mahmoud-abdullah-jabarin

الشهيد محمود عبد الله جبارين – ام الفحم

واستطرد قائلًا: “لقد كان للحزب الشيوعي وقيادته ولصحيفة “الاتحاد” – في حينه – الدور الأكبر والمصدر الأساس لنقل الأخبار والمعلومات ومتابعة القضيّة التي أشغلت وأقلقت بال المواطنين من أقصى البلاد إلى أقصاها! لقد تجنّد الحزب بكلّ كوادره، سياسيًّا وأدبيًّا وإعلاميًّا وقضائيًّا لكشف وفضح الجريمة، كما فعل بفضحه جرائم سابقة. إنّها جريمة نكراء.. هدفها ترهيب السكان.. شباب في مقتبل العمر، كبراعم اللوز والورد تتمزّق أجسادهم برصاص بعد عملية تعذيب وتنكيل تعرّضوا لها. لقد أرادت حكومة إسرائيل استفزاز الجماهير العربيّة في البلاد لخلق جوّ من التخويف والإرهاب والإذلال. ولكن الجماهير العربيّة تمسّكت بأرضها ووطنها أكثر، وقرّرت التشبّث بهما؛ لأنّه لا أرض ولا وطن لنا سواهما”.

واختتم، قائلًا: “لقد انطلقت جنازة الشبّان من شارع قيساريّة إلى شارع الخوري، وعند تقاطع شارعَي الخوري ومار يوحنّا تلاقت النعوش الثلاثة، وتحوّل الموكب الجنائزيّ إلى نهر بشريّ، علا صوته ضدّ حزب “مپاي” الحاكم، مطالبين برأس بن غوريون، وسار الموكب الجنائزيّ يتقدّمهم رجال الدين وشخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة مرموقة، معبّرين عن الغضب الجارف، خصوصًا بعدما شاهدوه من آثار التشويه والتنكيل والتعذيب على جثث المغدورين.. لتكن ذكراهم خالدة والنصر للجماهير المناضلة من أجل الحرّيّة والدمقراطيّة والمساواة ولمعرفة الحقيقة”.

ثمّ ألقى الطفل الحيفاويّ بشّار سرور (8 سنوات) قصيدة لشاعرنا الكبير، محمود درويش، بعُنوان “وعاد في كفن”، كان قد كتبها على أثر استشهاد الشبّان الخمسة.

أمّا رجاء عمري فقد ألقت قصيدة كانت قد كتبتها عام 2003، وكذلك مطلعًا من قصيدة خاصّة بهذه المناسبة، مهداة إلى أرواح كلّ الشهداء، وخصوصًا شهداء حيفا الثلاثة، بعُنوان: “الشهداء أوّل العائدين”، وجاء فيها:

“حيفا.. رمل، ماء، نار

حيفا.. نهار، ليل، دار

ولحيفا ثلاثة أبواب..

عند باب الرمل تحبا حيفا وساع

شطّت.. حطّت.. نطّت.. طارت

عند باب الحلم تغفو حيفا

هامت في مدار الغيم،

صامت.. صلّت في مغار الشمع

عند باب الحبّ ذابت

سابت.. رقصت.. رقصت حيفا.. ولدت

ولحيفا ثلاثة أبناء!”

وقد تزامنت هذه الذكرى مع الاحتفاء بشهداء هبّة أكتوبر، الّذين لم يكونوا آخر الشهداء؛ فقد استشهد بعدهم ثلاثة وعشرون ضحيّة آخرون، في ظروف مختلفة، على خلفيّة عنصريّة أو خلال عمليّات دَهْم ومواجهات مع عناصر “الأمن”.

فكانت الكلمة التالية للمحامي نضال عثمان من مؤسّسة “مساواة”، فقال: “إحياء الذكرى جاء لتوثيق ذاكرتنا الجماعيّة لشهدائنا ومآسينا، كما لبطولاتنا أيضًا.. فتاريخنا لا يحوي المآسي فقط، بل مليء بالبطولات، أيضًا. التوثيق مهم جدًّا… وأشكر كلّ مَن بادر إلى هذه الأمسيّة، وخصوصًا ائتلاف 250 عامًا على تأسيس حيفا الجديدة. لم أكن على دراية – قبل دعوتي إلى هذه الأمسيّة – بسقوط خمسة شهداء (ثلاثة من حيفا)، لذا التوثيق في مثل هذه الحالات مهمّ جدًّا”.

martyrs_grave_in_haifa

قبر الشهداء في مقبرة كفر سمير – حيفا

وأضاف: “ضمن التطوّر التكنولوجيّ والإعلاميّ كان هناك توثيق لأحداث أكتوبر، ولكن لم يكن هناك توثيق كافٍ – في عُرف القانون الإسرائيليّ – لمحاكمة المجرمين الذين قتلوا شهداء أكتوبر. والأسوأ أنّه بعد أكتوبر 2000 (“سقط”) ثلاثة وعشرون شهيدًا (قتيلًا) من (“عرب إسرائيل”) قُتلوا برصاص (“قوّات الأمن”) و(“رجال الشرطة”). لم يتسلّلوا ولم يشاركوا في مظاهرات أو احتجاجات في الضفة وغيرها، بل هم مواطنون عزّل قد تمّ قتلهم بأيدي (“رجال الشرطة”) الّذين من المفترض أن يحموا المواطنين لا أن يقتلوهم!”

واختتم حديثه، قائلًا: “عمليّة القتل مستمرة، ونحن – كمؤسسات – نتابع القضايا مع أهالي الشهداء والقتلى، ولكن – حتّى الآن – تمّ دَيْن شرطيّ واحد ووحيد بقتل “أبو سنّة” من باقة الغربية، وحُكم بستة أشهر سجن، لا غير!.. قَتل وحُكم بستة أشهر سجن حاول تحويلها إلى “أعمال لخدمة الجمهور”. فهل نحن – مؤسساتٍ وناشطين – نقوم بواجبنا تجاه قضايانا.. غالبًا ما ننشغل بالمماحكات فيما بيننا أكثر ممّا نستثمر قوانا في البحث عن الحقيقة لدَيْن المجرمين، وتطوير العمل الوحدويّ، المِهْنيّ والجماهيريّ. هي دعوة من أجل “مَهْنَنَة” وتنظيم قوانا بشكل أفضل لنحرز النتائج. حيث يُمكننا أن نتّحد، معًا، ونفتح مثل هذه الملفات من جديد ونتابعها، ومركَز “مساواة” على استعداد لتقديم المشورة والمساعدة حتّى تتمّ محاكمة المجرمين”.

وجاءت بعدها الفِقْرة الفنّيّة الملتزمة، للفنانة الراقية أمل مرقس، فأبدعت في غنائها من أشعار توفيق زيّاد، بصوتها المخمليّ الصافي.. بادئةً فِقْرتها الفنّيّة بأغنية “طال الفراق يا زمن”، ثمّ “سكابا يا دموع العين سكابا.. أخذوا أرضي ظلمًا واغتصابا”؛ لتغنّي – بعدها – من شعر توفيق زيّاد “اِزرعوني زنبقًا أحمر في الصدر وفي كلّ المداخل.. واحضنوني مرجة خضراء تبكي وتغنّي وتقاتل!” وأهدتها إلى روح الشهداء، لتختتم الفِقْرة الفنّيّة بأغنية “أكره سفك الدماء وصفّارات الإنذار” من شعر زيّاد، أيضًا.

وفي ختام الأمسيّة تمّ تكريم أهالي الشهداء، إحياءً وإجلالًا لذكراهم، واستمرارًا للمطالبة بمحاكمة القتلة. وإضافة إلى ذوي الشهداء الخمسة، المذكورة أسماؤهم سلفًا، تمّ تكريم ذوي الشهداء: سليم أبو كليب الذي قتل في مجزرة حوّاسة 1948؛ أسيل عاصلة (شهيد هبّة أكتوبر والأقصى) من مواليد حيفا وابن عرّابة وحيفا؛ وعماد خوري الذي قُتل على خلفية عنصريّة في تشرين الثاني عام 2007، وأُعلن عن القاتل، فورًا، أنّه “غير مسؤول عن أفعاله”! ونتذكّر – وكيف يمكننا أن ننسى – جوليانو مير – خميس الذي فقدناه هذا العام، روحنا الثائرة وشهيد الحرّيّة. نرفع لهم جميعًا، اليوم، تحيّة إجلال وإكبار.

هذا وألقى يوهانس برزخيان (ابن شقيقة الشهيد جورج سليم شاما) قصيدة من تأليفه لهذه المناسبة نيابةً عن عائلة الشهيد جورج شاما.

أمّا والد الشهيد أسيل عاصلة (شهيد هبّة أكتوبر والأقصى)، فقد دعا إلى بناء إطار قطريّ يحمل راية الشهداء، من أجل التوثيق ومتابعة التحقيقات، بالإضافة إلى إيجاد إطار قانونيّ لملاحقة ومعاقبة المجرمين. وقال معاتبًا: “تجربة القدس والأقصى أثبتت أنّنا نقصّر في اللحظات الحاسمة، ولا أخفيكم شعوري بخيبة الأمل من الوسط العربيّ وقيادته. لقد نسينا أنّ لجنة التحقيق لن تعمل إلّا تحت الضغط الجماهيريّ، وإذا غاب الضغط الجماهيريّ غابت الحقيقة، وهذا ما حصل في تحقيقات هبّة أكتوبر (القدس والأقصى). أخاف أن تندثر قصص الشهداء وألّا تجد الأجيال القادمة ما تعرفه عن هذا الوطن ومَن استشهد في سبيله. قد نُضطرّ إلى الخروج إلى المحاكم الدوليّة من أجل معالجة هذه القضايا؛ فدعونا نعمل معًا”.

أما وديع شحادة، ابن أخت الشهيد ريمون مارون، فدعا إلى توثيق الذاكرة وجمع القصص والحقائق، والتوجّه إلى د. جوني منصور، ليروي له كلّ مَن يعرف عن الحادث أو سمع عنه لتوثيقه.. لمنع استمرار التمويه والتضليل.. واختتم، قائلًا: “علينا الاستمرار بمتابعة قضايا الشهداء.. لأنّ فِلَسطين ستبقى.. ونحن – شعبها العنيد – سيبقى!”.

وقد قام كلّ من النائب مسعود غنايم؛ وروضة غنايم؛ ود. جوني منصور؛ وعباس زين الدين؛ بتوزيع الدروع على ذوي الشهداء المكرّمين.

وقد أجمع الحاضرون – في نهاية الأمسيّة – على ضرورة التوثيق ومتابعة القضيّة وملاحقة المجرمين حتّى الوصول إلى الحقيقة.

لقراءة تقرير مفصل حول ظروف استشهاد الخمسة ورد الفعل الجماهيري – افتح\ي الملف التالي:

report_on_1961_5_martyrs_maysoon_1999

الشعر باختصار هو دارين ودارين هي الشعر

dareen-tatour-profile-digital-800px-wide

بقلم: جسيكا روهان

نشر موقع warscapes الأمريكي هذه المقابلة مع الشاعرة دارين طاطور في تاريخ 9\9\2016

سؤال: هناك آخرون واجهوا تهمًا أقلّ بادّعاء التحريض عبر الفيسبوك، ولكن سُمح لهم بالبقاء رهن الاعتقال المنزلي؛ أمّا في حالتك فقد سجنوك ثلاثة أشهر، وبدا أن النيابة تستأنف إلى المحكمة اللوائية لتطالب بعقوبات أشدّ في حقّك. لماذا – في اعتقادك – جرى التعامل في حالتك بهذه الطريقة الاستثنائية؟ ولماذا – في اعتقادك – أجبروكِ على قضاء مدّة الاعتقال المنزلي في بلدة أخرى؟

جواب: أحاول حتى هذه اللحظة فهم سبب التعنّت في قضيّتي دونًا عن كلّ المتهمين أمثالي. كان ادّعاء النيابة أنني أشكّل خطرًا، وأن خروجي للاعتقال البيتي هو خطر، ولكن خطر على مَن؟ وماهو الخطر؟ ما زلت حتى اليوم وبعد مضيّ كل هذا الوقت لا أعلم. وبعد أن سجنوني مدّة ثلاثة شهور، رفضوا إعادتي إلى البيت، إلى عائلتي، واعتقلوني في المنفى بعيدًا عن بلدتي وبيئتي. في الحقيقة لا أملك جوابًا لهذا السؤال، لأنّ تصرّفهم بعيد عن أيّ منطق، بل هو تصرّف متناقض – فهم من جهة يدّعون أنّ وجودي يشكّل خطرًا على اليهود، ومن جهة أخرى أبعدوني إلى منطقة يهودية. ومن ثمّ ادّعوا أنني أشكّل خطرًا أيضًا في بيئتي وأهلي، فكيف يمكن أن أكون متهمة بالتحريض ضدّ أمن الدولة وفي الوقت نفسه أشكّل خطرًا على مجتمعي وأهلي وبيئتي؟ أنا أطرح هذه الأسئلة ولا أجد لها جوابًا، لأنهم – في اعتقادي – متناقضون مع أنفسهم.

س: لائحة الاتهام ضدّك لا تحوي جناية عنيفة، ومع ذلك فلأجل اعتقالك داهمت الشرطة بيتك في الثالثة فجرًا. لماذا اختارت سلطات تنفيذ القانون اعتقالك بهذه الطريقة؟

ج: لا أعلم ما الشيء الذي استدعاهم لمداهمة بيتي بهذا العنف وبهذه الشدّة. لقد فوجئت في ليلة الاعتقال بهذا الأمر، حتى أنهم لم يحضروا مذكّرة اعتقال. أعتقد أن ما حصل هو نتيجة سياسة ممنهجة ضدّ الفلسطينيين بشكل عامّ، وضدّ الأقلية العربية في إسرائيل بشكل خاصّ. فما حصل معي هو جزء من سياسة الاحتلال الذي نعيشه نحن الفلسطينيون، وجزء من العنصرية التي نواجهها من كافة الجهات والأطر السياسية في الدولة.

س: لقد صرّحتِ بأنه يتمّ استهدافك كشاعرة بغير وجه حقّ، لماذا برأيك تصرّفت دولة إسرائيل بهذه الطريقة؟

ج: بما أنّ القصيدة دخلت في لائحة الاتهام فهذا يفسّر الأزمة التي تعاني منها ديمقراطية إسرائيل. والحقيقة التي عشتها تؤكد ذلك. برأيي لا تفسير لاعتقالي كشاعرة سوى أنّ هذه الدولة تحكم بديمقراطية مجزوءة على فئة معيّنة فقط، وليست ديمقراطية للجميع. وهو أيضًا جزء من العنصرية تجاه العرب، التي تحدثت عنها.

س:  مَن كان المتطوّعون الذين وُضعوا لحراستك في تل أبيب، وكيف تمّ اختيارهم؟

ج: من المؤسف جدًا أن أقول إنّ أخي وخطيبته تحوّلا إلى حرَس أو سجّانين حينما كنت في الاعتقال البيتي في المنفى – في كريات أونو قرب تل أبيب، وبشروط جدًا صعبة ومقيّدة حيث أصبحا هما أيضًا مقيّدان معي.

س: المجلة الإلكترونية +972 ذكرت أنك في جلسة بحث طلب تحويل الاعتقال البيتي من كريات أونو إلى بيت عائلتك، كنت قد طالبتِ بإعادتك إلى السجن فضلاً عن الاستمرار في الاعتقال البيتي في كريات أونو. لماذا؟

ج: إنّ صعوبة الاعتقال الذي عانيت منه وأنا في المنفى في كريات أونو هي التي جعلتني أقرّر العودة إلى السجن وأرفض العودة إلى هناك ولو ليوم واحد؛ ففي المنفى كنت مسجونة في زنزانة منفردة لفترة ستّ شهور، وهذا لا يحتمله بشر. وللتخلص من ذلك لم يكن أمامي خيار سوى العودة إلى السجن.

س: مؤهّلات الشرطي الذي ترجم قصيدتك إلى العبرية أمام المحكمة، هي دراسة الأدب في المدرسة الثانوية وحبّه للغة العربية. لقد قدّم شهادته أمام المحكمة حيث النيابة والقاضي حلّلوا قصيدتك لكي يقرّروا هل اشتملت على تحريض. لماذا لم تستدعي المحكمة مترجمًا بمؤهّلات أفضل، برأيك؟

ج: لأنّ هذا الشرطي يخدم ويدعم موقف النيابة. أن يأتي مترجم حقيقي، يعني أن يقدّم براءتي من تهمة التحريض في القصيدة، وهذا ما لا تريده النيابة بالطبع.

س: ضمن حملة التضامن معك كانت رسالة وقّعها مئات الزملاء الأدباء والفنانين. هل تعتقدين أنّ مكانتك كشاعرة ساعدت في توليد ردّ الفعل الأممي ضدّ الحكومة الإسرائيلية، في حالتك؟

ج: طبعًا. إنّ كوني شاعرة ساعد في نشر قضيتي على المستوى العالمي وتضامُن مئات الشعراء والكتّاب معي. هناك أكثر من 400 أسير فلسطيني مسجون بتهم تخصّ حرية التعبير، ولم يجدوا من يتحدث باسمهم. أنا كنت أتمنى لو يتحوّل كل أسير فلسطيني يواجه مثل هذه التهم إلى قضية عالمية، فهذه قضية إنسانية قبل أن تكون قضية شخصية لشاعرة مثلي.

س: هل تعتقدين أنّ حملة التضامن قد تؤثر في النتيجة النهائية أو الحُكم النهائي في قضيتك، عند استئناف إجراءات محاكمتك في 6 أيلول؟

ج: بما أنّ قضيتي قد تحوّلت إلى قضية عالمية وقضية رأي عامّ بشأن حرية التعبير، وبعد أن فهمت من المحامي الذي يقوم بالدفاع عني أن النيابة أصبحت قلقة جدًا من هذا الانتشار، أستطيع القول بل أؤكّد أن حملة التضامن معي قد تؤثر على مجرى المحاكمة القادمة قريبًا، مثلما أثرت في قرار إعادتي إلى الاعتقال البيتي في منزل عائلتي في الرينة. ويمكن القول أيضًا أن قضيتي أصبحت قضية كل فلسطيني، وهي ضمان للمحافظة على حقوق أو لمحاولة إعادة حقوق الفلسطيني المنتهكة من قبل إسرائيل، وأولها حق التعبير عن الرأي.

س: هل لديك كشاعرة رؤية معيّنة لما تأملين كتابته أو تحقيقة في المستقبل؟

ج: الجواب الأكيد بالنسبة إليّ هو أنني سأكمل مسيرتي الفنية التي مارستها قبل الاعتقال، كالشعر والتصوير، ولن أتخلّى أبدًا. فالشعر في حياتي هو كلّ حياتي، الشعر باختصار هو دارين ودارين هي الشعر.

 

الشاعرة دارين طاطور تروي قصة اعتقالها

dareen_tatour

الملاحقات السياسية والاعتقالات وتقييد حرّية التعبير هي من أعراض الأزمة التي تعاني منها إسرائيل، فكلّما زادت السلطات الصهيونية من القمع وصعّدت من حملات التحريض ضد الفلسطينيين كلما أحست أكثر بالضعف وقلّة الحيلة. مقابلة مع الشاعرة المعتقلة دارين طاطور.

بن نورتون

دارين طاطور، فلسطينية من مواطني إسرائيل، اعتقلت بسبب كتابات شاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. في شهر اكتوبر اقتحمت الشرطة بيتها بمنتصف الليل، كبلت يدي الشاعرة ابنة ال-35 عام وأخذتها. “منظرك يوحي بأنك استشهادية”، قال لها أحد المحقيين. حكومة اسرائيل اتهمت طاطور بالتحريض للعنف بواسطة قصائد ومشاركات على “الفيسبوك”.

المحاكمة ما زالت مستمرة حيث ستعقد الجلسة القادمة في 6 سبتمبر. اذا ما تمت ادانتها بكافة التهم الموجهة لها فمن الممكن بأن تحاكم بالسجن لثماني سنوات. طاطور قضت حتى الآن ثلاثة أشهر في السجون الإسرائيلية وستة أشهر أخرى بالاعتقال المنزلي في شقة بتل أبيب كان على عائلتها ان تتحمل تكاليفها.

بنهاية شهر يوليو قرر القاضي في الناصرة بان بإمكانها متابعة السجن المنزلي ببيت عائلتها في الرينة. وقد جاء هذا القرار بعد ان قامت 250 شخصية، بينها ادباء معروفين، فنانين وشخصيات ثقافية أخرى، بنشر رسالة مفتوحة تطالب بإطلاق سراح طاطور: بين الموقعين على الرسالة نذكر نوعم تشومسكي، نعومي كلاين، دايف ايجرز، كلوديا رانكين وعشرة من الحائزين على جائزة “بوليتزر” وبينهم الاديبة المعروفة اليس ووكر والصحافية كاترين شولتس. أكثر من 7000 شخص وقعوا على الرسالة منذ ذلك الحين كما قام نشطاء بإطلاق حملة تضامن عالمية لدعم الشاعرة الشابة.

قصة طاطور هي واحدة من بين قصص كثيرة. منذ اكتوبر 2015 وحتى يوليو 2016، اعتقلت حكومة اسرائيل حوالي 400 فلسطيني بسبب كتابات على الشبكات الاجتماعية، ذلك بحسب منظمات حقوقية محلية. مع ذلك فقد اثارت قضيتها اهتماماً دولياً خاصاً مع الاخذ بعين الاعتبار انعكاساتها المخيفة على حقوق المواطن للفلسطينيين في إسرائيل، الحليفة الأقرب لحكومة الولايات المتحدة. “الصوت اليهودي للسلام”، مجموعة تعمل في الولايات المتحدة من أجل العدل الاجتماعي، نشرت مؤخراً مقابلة مصورة مع طاطور من سجنها المنزلي. “صالون.كوم” قام بإجراء مقابلة شخصية معها تمت بالعربية وترجمت للانجليزية بمساعدة الناشط يوآف حيفاوي الذي يتابع القضية عبر مدونته “حيفا الحرة”.

س:  حدثينا ماذا حدث منذ اعتقالك

ما زلت معتقلة رهنَ المحاكمة. كل شيء بدأ منذ جاءوا في الساعة 3:30 فجرًا بيوم 11.10.2015. قوّات كبيرة من الشرطة داهمت بيتنا، وطلبوا من أهلي أن ينادوني، لأنهم جاءوا ليأخذوني. لم يكن معهم أمر اعتقال مما يخالف أبسط القوانين. بعد التحقيق معي، قرّروا محاكمتي، وسَجني لحين انتهاء الاجراءات. أستطيع القول أنّ التحقيق ومجريات المحاكمة كانت مهزلة تُخجل أيّ نظام يدّعي الديمقراطية.

في البداية سُجنت لمدّة 3 شهور، نقلوني خلالها بين ثلاثة سجون: الجلمة، الشارون والدامون. لاحقًا، فرضت عليّ المحكمة الإعتقال المنزلي في منطقة تل أبيب. عمليًا تمّ نفيي بعيدًا عن بلدتي. مكثت هناك طيلة 6 شهور، منعوني خلالها من الخروج ومن التواصل عبر الإنترنت طيلة ساعات الليل والنهار. بعد ذلك، وفي أعقاب تصاعد حملة التضامن واستنكار الممارسات غير الديمقراطية بحقّي، حوّلوني للاعتقال المنزلي في بلدتي (الرينة). أيضاً هنا لا يُسمح لي بالخروج سوى 6 ساعات في الأسبوع كما أنهم ثبّتوا في رجلي حلقة إلكترونية لرصْد تحركاتي.

س: كيف كانت ظروف اعتقالك؟ حدّثينا عن تجربتك وعن الأسرى الفلسطينيين عمومًا

أولاً، هناك آلاف الأسرى الفلسطينيين يقضون محكوميّات في سجون إسرائيل، من ضمنهم نساء وأطفال، ذلك بالإضافة إلى المعتقلين الإدرايّين، الذين تحتجزهم إسرائيل دون توجيه التهم لهم وبالطبع دون محاكمة، لمدّة غير معروفة، فبحسب قوانين الطوارئ يمكن تمديد الاعتقال الإداري مرارًا وتكرارًا.

فترة السجن الفعلي قضيتها مع الأسيرات الفلسطينيات، وعايشت خلالها معاناة الأسرى الفلسطينيين من كل النواحي الإنسانية. شهدت الإهمال الذي يعانونه في السجون الإسرائيلية، من ناحية الظروف البيئية والصحية والمعاملة القاسية. فالأسرى عمومًا، والأسيرات خصوصًا، محرومون من أبسط حقوق الإنسان، وأقصد على وجه الخصوص الحصول على العلاج الطبي اللائق. السجون الإسرائيلية مليئة بالظلم، ومهما وصفت لن أستطيع نقل ما يعيشه الأسرى الفلسطينيون هناك.

التقيت هناك بأسيرات بريئات لم يرتكبن أيّ جُرْم. فأنا مثلاً اعتقلوني بسبب قصيدة. شابة أخرى التقيتها بالسجن اعتقلت بسبب رسالة خاصة كتبتها إلى أختها تحكي فيها عن همومها الشخصية والعائلية، ولأنها ذكرت كلمة “انتحار” زجّوها في السجن لمدّة 3 شهور.

س: لماذا، برأيك، تلاحق إسرائيل الشعراء والفنانين، وتعتقل الفلسطينيين بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟

إنّ الملاحقات السياسية والاعتقالات وتقييد حرّية التعبير هي برأيي من أعراض الأزمة التي تعاني منها إسرائيل. فكلّما زادت السلطات الصهيونية من القمع وصعّدت من حملات التحريض ضد الفلسطينيين كلما أحست أكثر بالضعف وقلّة الحيلة؛ فمن جهة، يشتد الفلسطينيون في رفضهم لممارساتها الاستعمارية وللاضطهاد العنصري؛ ومن جهة أخرى، كردة فعل على بثّ ثقافة الكراهية على المستوى الشعبي، نرى بأن هناك تياراً معادياً للفاشية بدأ يتبلور بالمجتمع الإسرائيلي. وهذا يضع إسرائيل في مأزق يضطرّها لتصعيد القمع، ويكشف بالتالي عن جوهر النظام الإسرائيلي المعادي للديمقراطية.

س: أليس من النفاق من جهة إسرائيل، أن تصرّ على أنها ديمقراطية، وفي الوقت نفسه ان تقوم باعتقال من ينتقدونها؟

بالطبع، فإسرائيل ليست دولة ديمقراطية، وإن كانت كذلك فإن ديمقراطيتها تنطبق فقط على فئة واحدة من الناس، من المواطنين- أي أنها ديمقراطية لليهود فقط. لهذا أسمّيها ديمقراطية فئوية أو ديمقراطية مزيّفة أو منافقة، ولكن حتى هذا النوع من الديمقراطية آخذ في الانهيار مؤخرًا، كما أوضحت في اجابتي السابقة.

س: هل ساعدت الرسالة التي وجّهتها 250 شخصية أدبية بحسب علمك؟

نعم، بالتأكيد. حملة التضامن، بما يشمل العريضة التي وقّع عليها الكثير من الفنانين والكتاب والأشخاص من كلّ أنحاء العالم قد ساعدت كثيرًا في تخفيف ظروف اعتقالي. ففي البداية كانت ظروف الاعتقال قاسية جدًا. اعتقلوني لعدّة شهور في بيت بمنطقة تل أبيب، بعيدًا عن أهلي وعن مكان سكني؛ عزلوني تمامًا عن الناس إذ منعوني من مغادرة البيت كليًّا. كان ذلك الاعتقال أشبه بالعزل الانفرادي في زنزانة في المنفى، وقد استمرّ طيلة 6 شهور. قبل أن تتصاعد حملة التضامن، قام المحامي بتقديم طلب لنقلي من الاعتقال البيتي في تل أبيب إلى الرينة- بلدي، ولكنهم رفضوا رفضًا قاطعًا حتى أنهم لم يبحثوا في الطلب. أما بعد نشر العريضة فتغيّرت طريقة التعامل مع الطلب، وفي نهاية الأمر تمّت الموافقة على تسهيل ظروف اعتقالي، بإعادتي من تل أبيب إلى الاعتقال المنزلي في الرينة.

س: استمرار الضغط الجماهيري بمقدوره، برأيك، أن يؤثر على الحكم النهائي في القضية؟

لا شك لدي في ذلك، فالتفاعُل الجماهيري مع نداء التضامن في قضيّتي، وقضّية حرّية التعبير عمومًا، يشكّل عامل الضغط الوحيد القادر على تغيير هذا الوضع البائس. أعتقد بأنّ الضغط الجماهيري قد يُجبر السلطات الإسرائيلية على إعادة النظر في سياسة ملاحقة الفنانين والأدباء والناشطين الفلسطينيين الشباب لمجرّد أنّهم يعبّرون عن رفضهم للاضطهاد.

س: ما الذي يبعث فيك الأمل؟

الأمل هو أساس الحياة. هناك عبارة طالما كنت أردّدها قبل اعتقالي، وما زلت أردّدها: “نحن نحلم لكي نستمر بالحياة”. وهنا أنا اساوي بين الحلم والأمل، لأننا من غير الأمل سوف نموت ونحن أحياء، لتبقى أجسادنا فقط. الأمل هو الإحساس بالحياة، بالحرية، بالأمان؛ هذا ما يعطى كل ما يعيشه الإنسان معنىً. نحن نتنفس الأمل لكي نتمسّك بحياة ذات معنى.

س: ما الذي يمكن أن يفعله ناشطو حقوق الإنسان، في الويات المتحدة وغيرها، لدعم حقوقك وحقوق الفلسطينيين الآخرين؟

الإدارة الأمريكية هي الداعمة الأولى لإسرائيل بالعالم. وأظن أن الناشطين في المجتمع الأمريكي يستطيعون الضغط على إسرائيل من أجل تسليط الضوء على قضية حرّية التعبير، وتنكيل السلطات الإسرائيلية بمن يعارضونها بآرائهم. أبناء الشعب العربي الفلسطيني في إسرائيل يواجهون حملة تحريض عنصري، على المستوى الرسمي والشعبي، وتتكاثر الاعتداءات عليهم لمجرّد أنهم يتحدّثون العربية في الأماكن العامّة. هذة تطوّرات خطيرة، وأعتقد في هذا الخصوص بأنّ على ناشطي حقوق الإنسان دقّ جرس الإنذار قبل فوات الأوان.

*نشرت المقابلة للمرة الاولى باللغة الانجليزية على موقع “salon.com” بتاريخ 10.8.2016، ومن ثم على موقع “اللسعة” باللغة العبرية بتاريخ 15.8.2016، وباللغة العربية .بتاريخ  17.8.20176. 

 

 

من سجني وأسري ومنفاي – قصيدة جديدة لدارين طاطور

Dareen after the court in Nazareth, July 17 2016

إلى كلّ إنسان يعرف ما معنى أن يكون الواحد فينا لا يحترف شيئًا في هذه الحياة إلاَ الفنَ.. الفنَ بكلَ أشكاله وأنواعه… من سجني وأسري ومنفاي أهديه قطعة من قصيدة كتبتها من وحي وقفتكم وتضامنكم مع الشعر والفنّ.. محبّتي وإخلاصي…

 

الفنّ فيكمْ دولة،

أنتمُ الأمراء

والحُرّ يحيا

كالطير في السماء

لا قيدَ

لا شيءَ فيه

إلاّهُ الغناء

فالشعر شعبًا..

طيرًا،

في زمن الأشباح

يصرخ…

ينمو…

يعلو…

مكسورَ الجناح

أو ربَما يبكي

ليكتبَ العطاء..

لا يرتقي إلاَ بفكرٍ

يرتاعُ في المدى

في صفحةٍ بيضاء..

يحكي…

عن أسطورة الإنسان

عن غربة الشعراء

 

مسرح العبث في محاكمة دارين طاطور بين اثبان الفيسبوك وإشهار الشاعرة

image after the court with victory sign

تقرير حول جلسة الإثبات الثالثة نشر اليوم (19\7\2016) في موقع “عرب 48”

الإضراب العامّ الذي أعلنه موظفو الجهاز القضائي كان محسوسًا في البناية الفخمة حيث محكمة الصلح في الناصرة. لقد بدا لي أننا كنّا “الزبائن” الوحيدين في المبنى. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر هي موعد جلسة استكمال محاكمة الشاعرة دارين طاطور.

رجال أمن البناية المجتهدون استغلّوا المبنى الفارغ لإجراء تدريبات طوارئ، والقاضية بمبيليا التي انشغلت بطباعة محضر الجلسة بنفسها، اضطرت فوق ذلك إلى ترك غرفتها في الطابق الثاني والنزول معنا إلى “البدروم” في الطابق (-3)، لكي لا تزعج تدريبات رجال الأمن.

مجرى المحاكمة

نتحدّث هنا عن جلسة الإثبات الثالثة في هذه المحاكمة الغريبة، التي تحاكّم فيها شاعرة بتهمة “التحريض” في أعقاب نشر قصيدة واحدة و”ستاتوسين” على الفيسبوك وصورة إسراء عابد التي رُمِيَت بالرّصاص في محطة الباصات المركزية في العفولة.

في الجلسة الأولى استمعنا إلى تأويلات بوليسيّة للقصيدة؛ وفي الجلسة الثانية استمعنا إلى رجال شرطة مختصّين بالحوسَبة، فتعلّمنا أنّه يمكن للشرطة استخراج أيّ معلومة من حواسيبنا وهواتفنا المحميّة، وذلك دون حاجتهم إلى استخدام “الباسوورد” (لديهم برمجيّة خاصّة تخترق مباشرة القرص الصلب والذاكرة).Dareen waiting for the court in Nazareth, July 17 2016

جلسة اليوم كان يُفترَض أنّها الأصعب بالنسبة إلينا. لا أدري إن كنتم تدركون الحالة الفظيعة التي تنتاب أصدقاء المتّهم الذين اعترفوا عليه، حين تستدعيهم النيابة ليشهدوا ضدّه. هذا أمر قد يحطّم أشخاصًا ويدمّر صداقات، بل وعائلات. ولكن هذه التراجيديا قد تحوّلت هي أيضًا إلى كوميديا على منصّة مسرح العبث حيث توجَّه التهم الهذيانيّة ضدّ دارين طاطور.

إثباتات الفيسبوك

لأنّ ركيزة الدعوى هي منشورات على الفيسبوك، ولأنّ دارين قالت إنّ حساب الفيسبوك الخاصّ بها قد سُرق، باشرت شرطة الناصرة بتحقيق مكثّف لإثبات العلاقة بين حسابات فيسبوك مختلفة يظهر فيها اسم دارين طاطور وبين المعتقلة التي قبضوا عليها.

توجّهت الشرطة إلى فيسبوك بهذا الشأن ولكنها لم تتلقّ إجابة – من يعرف مستوى الخدمة في الاحتكارات الإعلامية لن يستغرب ذلك. المحقّقون المتحفّزون لحلّ أسرار الملفّ عادوا إلى طرق التحقيق القديمة، التي تعتمد ضعف العامل الإنساني.

أحمد، البالغ من العمر 18 عامًا، وهو الأخ الأصغر لدارين، كان قد دُعي مرّتين للتحقيق معه. عرضوا أمامه صور صفحات الفيسبوك المسمّاة “دارين طاطور”، وسألوه لمن تعود هذه الصفحات؟ أحمد قال لهم إنّ بعض هذه الصفحات لا تبدو أنها من حساب دارين؛ وقال عن الجزء الآخر: يبدو وكأنه لدارين – في حال لم يسرق أحدهم حسابها.

لدى استجواب الدفاع أوضح أحمد أنّه عرف الصفحات من اسم دارين المكتوب عليها. ولو كان عليها اسم آخر لافترض أنها لشخص آخر.

اعتبرت النيابة شهادة أحمد حلقة مهمّة في سلسلة إجراءات الإثبات؛ ومن هنا فقد بررت النيابة طلبها بإبعاد دارين عن بيتها/بيته، بين باقي الأسباب، بحجّة أنها قد تؤثر عليه فيغيّر أقواله.

لدى استجوابها الشاهد، عرضت النيابة أمامه صور صفحات الفيسبوك، وسألت: “ما هو المكتوب هنا؟”. أجاب: “دارين طاطور”. “وهنا؟” أجاب: “دارين طاطور”. حضور المحكمة تساءلوا إن كانت النيابة تسعى لإثبات أن أحمد يعرف قراءة اللغة العربية.

لا شكّ أن العالَم الافتراضي يضع أجهزة القضاء أمام تحدّيات جديدة. شرطة الناصرة وجدت أنّ “إثبات الفيسبوك” هو حلّ بسيط، بل ويقترب من العبقريّة (يشبه، إلى حدّ ما، حرق الساحرات في نهج محاكم التفتيش) – ولكن يصعب عليّ أن أصدّق أنّ “إثبات الفيسبوك” هذا يصمد أمام اختبار المصداقية القضائية (أو المعقولية) المشترطة في البيّنة الصحيحة. إذا كانت شهادة الاستماع لا تُقبل في المحكمة فكيف يمكن قبول شهادة من رأى صورة لصفحة فيسبوك؟ إنّه تحدّ نضعه أمام حقوقيّينا لمرحلة جلسات المرافعة.

قضايا حياة وموت

لأجل أثبات الفيسبوك قد جرى التحقيق أيضًا مع سميرة جُمعات، وهي صديقة مقرّبة لدارين. تعرّفت إليها في دورة تعرّف على القرى المهجّرة، وجمعهما حبّهما للتصوير. دُعيت سميرة إلى التحقيق في شرطة الناصرة – مبنى المسكوبية، حيث طُلبت منها التعرّف على صفحات فيسبوك عُرضت أمامها. بدا لسميرة أنّ بعض هذه الصفحات هو لدارين.Dareen with friends and family before the court hearing Nazareth 17 July 2016

لدى استجواب الدفاع، ذكرت سميرة أنّ دارين كانت قد حدّثتها عن “سرقة” حساب الفيسبوك الخاص بها. حتّى إنّ سميرة ذكرت بالتفصيل كيف أبلغت أمر السرقة لصديقات أخريات، بناءً على طلب دارين. سألها محامي الدفاع لماذا لم تخبر المحقق يوسف قبلان عن هذا الأمر، أجابت أنّها كانت مضغوطة ومتوتّرة جدًا – لقد كانت والدتها في المستشفى، وهي كانت إلى جانبها عندما اتصل المحقق بها عدّة مرّات، ورغم أنها شرحت له الوضع ألحّ عليها أن تأتي للتحقيق. في النهاية، تركت سميرة والدتها وذهبت للتحقيق، ولكنها كانت في وضع نفسيّ صعب. ولو سُئلت – أثناء التحقيق – حول ادّعاء دارين بأنّ حسابها قد اختُرق، لكانت أكّدت صدق كلام دارين.

لدى استجواب النيابة حاول الادّعاء الدفاع عن المحقق يوسف. من قال إنه هو الذي اتّصل؟ فالشاهدة تعترف بنفسها أنّ جزءًا من الاتصالات جاء من رقم سرّي… من المؤسف أنّ هذه المسألة لم تأخذ حقّها في المداولة (والضغط على سميرة لكي تترك والدتها في المستشفى هو، برأي، أمر خطير ينبغي التوقّف عنده).

بفضلهم – اشتهرت الشاعرة دارين طاطور

الشاهد الثالث هو رامي عامر، من منظّمي أنشطة إحياء ذكرى ضحايا مجزرة كفر قاسم (29.10.1956). دعا رامي الفنانة سلام أبو آمنة لتغنّي في مراسيم إحياء الذكرى، وطلب منها أن تقترح عليه شاعرة لتلقي قصيدة في هذه المناسبة، فطرحت اسم صديقتها المقرّبة دارين طاطور. لم يخطر في بال سلام أبو آمنة أن توصيتها هذه سوف تصبح حجّة هامّة ضمن حُجج اعتقال ومحاكمة صديقتها. الدعوة إلى نشاط إحياء الذكرى، وصورة سلام ودارين لدى وصولهما إلى كفر قاسم – يجري التعامل معهما كوثائق تقدّمها النيابة في المحكمة.

في الجلسة السابقة شرح المحقق مع دارين أنّ مجرّد ظهورها في نشاط إحياء ذكرى ضحايا المجزرة هو أمر سلبيّ لأنه “سياسي” و”ضدّ أمن الدولة”. أمّا في هذه الجلسة فيرتكز الادعاء إلى حجّة أنّ دعوة دارين لقراءة شعريّة في مراسيم إحياء الذكرى كإثبات على أنها شاعرة مشهورة وذات تأثير على الجمهور. هذه الأقوال لم تنجح في التشويش على رامي، فهو قد أوضح منذ التحقيق معه في الشرطة أنّ درين “معروفة كشاعرة”؛ أي أنّه يعرف أنّها تكتب الشعر – ولكن هذا لا يعني أنها “شاعرة معروفة”.

في هذه النقطة بالذات، يمكن القول إنّ ادّعاء النيابة أنّ دارين شاعرة معروفة عمل كنبوءة حققت ذاتها؛ فبعد اعتقالها ومحاكمتها المستمرّة تحوّلت دارين إلى رمز للنضال ضدّ انتهاكات إسرائيل لحرّية الفن وحرّية التعبير لدى عموم الفلسطينيين. وبالذات في أعقاب اعتقال دارين، تُرجمت أشعار دارين إلى العبرية والانجليزية ولغات أخرى. وهنالك آلاف، ومن بينهم شعراء وأدباء ومثقفون من كلّ العالم وقّعوا عرائض تطالب بالإفراج عن دارين وإلغاء محاكمتها، كما نُشرت مقالات كثيرة تسرد المظالم التي تحتجّ عليها دارين.

بروح طيّبة

في نهاية الجلسة خرجنا جميعًا ومزاجنا طيّب. انتهى فصل الاستماع إلى شهود النيابة، وفي الجلسة القادمة سوف يبدأ فصل مرافعة الدفاع – (عُيّنت الجلسة ليوم 6.9.2016).

الاحتلال والعنصرية والاضطهاد قد تبدو كلّها لنا مثل كوارث الطبيعة نحن ضحاياها. المعاناة، الاعتقال، التحقيق، والملاحقات – كلّها حقائق محسوسة في أرض الواقع؛ ومع ذلك، يهون الأمر قليلاً عندما يظهر للعيان كم هو غبيّ وكاذب جهاز القمع.

الشاعرة المعتقلة، والذين استدعتهم النيابة ليشهدوا ضدّها، والعائلة والأصدقاء – كلّنا ضحايا الاضطهاد نفسه، ولكننا لا نخضع أمامه ولا نستسلم له. ولكي نُبرز هذا الأمر، قمنا لدى خروجنا من المحكمة بالتقاط صور جماعية والابتسامة تعلو وجوهنا.

(ترجمت من النص العبري رجاء زعبي عمري – مشكورة)

القليل من الكهرباء

electricity_dark_stairs

(تم نشر هذه القصة القصيرة على صفحات جريدة “المدينة” الحيفاوية اليوم)

فرح يوسف كثيرًا بدارهِ الجديدة…

هي عمارة قديمة وليست بأفضل حال، ولكن شقّته موجودة على سطح البناية، ولا يوجد حوله الكثير من الجيران. الحارة هادئة، والجيران الذين التقى بهم هم من أصحاب العائلات، وبالـتأكيد بعيدون كلّ البعد عن المشاكل، وقد رحّبوا به بحميميّة.

بعد انتهائه من نقل أغراضه القليلة، وارتياحه إلى المسكن الجديد، انتبه يوسف أنّ هناك مشكلة صغيرة: لا توجد كهرباء في بيت الدرج.

غياب الكهرباء ليس مشكلة جدّية؛ فبيت الدرج نفسه عبارة عن طابقين لا أكثر، ويوسف بطبيعته لا يخاف من العتمة. ولكنّه يشعر أنّ هذا الغياب يعبّر عن الإهمال نوعًا ما. وتمنّى أن يرجع إلى البيت في اليوم التالي ليجد أن الجيران قد قاموا بإصلاح الكهرباء…

مرّ اليوم التالي، والأيام التي تلته، ولم يتمّ إصلاح الكهرباء. وتوجّه يوسف لأحد الجيران وسأله من هم أعضاء “لجنة البناية” فأجابه بأنه لا توجد لجنة في هذه البناية .

* * *

قرّر يوسف أن يبادر ويدعو الجيران لاجتماع بهدف بحث مشكلة الكهرباء، فهي قضية بسيطة، لا أبسط منها، بإمكان أي واحد أن يحلّها وحده، ولكن من الأفضل أن يتعاون الجيران على حلّها، ومن ثمّ يمكن تنظيم لجنة تمثّل سكّان البناية كي تعمل على تحسين الأمور في مجالات أخرى أيضا.

أين يمكن أن يلتقي الجيران؟ غرفة يوسف على السطح صغيرة وليس فيها إلاّ كرسيّين… قرّر يوسف أن يتحدّث مع “أبو سامي”… داره موجودة إلى يسار الدرج، وكثيرًا ما تصادَف، حين يصعد يوسف الدرج، أن يرى باب بيت أبي سامي مفتوحًا فانتبه إلى الصالون الكبير والأرائك المريحة، وارتسم لديه انطباع بأنّ أبا سامي إنسان مضياف…

سأل يوسف أبا سامي: ما رأيك أن ندعو الجيران إلى منزلك لنبحث معًا أوضاع البناية؟

ضحك أبو سامي وقال: “شو بدنا نبحث تنبحث؟ على كلّ حال، بدّيش أفشّلك، ولكن مش أكيد الكلّ بدّو ييجي لعندي…”

أحسّ أبو سامي أنّ يوسف لم يفهمه، فأمسكه من يده وجرّه من باب المدخل إلى الصالون، وأغلق الباب قائلاً: “هذا جاري، أبو رامي، بفكّر حاله ربّ البناية. وإحنا ناس بُسَطا، صارله سنين ما فاتش ع بيتي.”

* * *

باب بيت “أبو رامي” على الجهة اليمنى من بيت الدرج، مقابل باب “أبو سامي”. يتوقّع يوسف أنه موظّف في مؤسّسة تهتم بقضايا الجمهور. أحيانًا، حين كان يوسف يرجع إلى البيت في ساعات المساء، كان يرى أبا رامي عائدًا من عمله من دون أن يدخل البيت، فبعد أن يوقف سيارته، يخرج منها وهو يتحدّث إلى الهاتف، ويتمشّى على الرصيف أمام مدخل البناية محاولاً أن يحلّ مشاكل الناس… وقد يستغرق الأمر ساعة قبل أن يدخل بيته.

دقّ يوسف باب أبي رامي وطرح أمامه فكرته بجمع سكان البناية.

  • السكّان هنا مِش واعْيين. ولا حدا منهم بيهتمّ بالقضايا العامة. حرام أن تضيّع وقتك بمحاولة جمعهم. وإذا اجتمعوا راح يتخانقوا. وإذا اتفقوا ما في حدا ينفّذ القرارات. وفي هون ناس ما عندهن احترام لحدا، وبُكرا بيصيروا يحكوا عليك كمان…

* * *

بعد عدّة أيام عاد يوسف ليدقّ باب أبي رامي، ويقول له:

  • إنها قضية بسيطة. فهمت أنّك قد يئست من الجيران. يمكن أن يكون الحقّ معك. بسّ أنا بفكر أننا نقدر نتفق على الأقلّ على تصليح الكهرباء في مطلع الدرج…

التفت أبو رامي وأضاء وجهه كمن حلّ لغزًا كان يشغل باله:

  • إنت عن جدّ شابّ طيّب وبسيط، لكن هذا أبو سامي بيلعب برأسك… أكيد هالاقتراح جاي منُّه. شوف كيف سيطر على الساحة الورّانية للعمارة وحوّلها لكراج يصلّح فيه السيارات بآخر الأسبوع… واحنا لا عارفين نتريّح ولا مسترجيين نحكي. وإسّا بدو يشغّل ماكيناته على حسابنا من كهربة الدرج…

* * *

لم يُصَبْ يوسف باليأس. عاد ليتكلّم مع أبي سامي ويقترح عليه فكرته.

  • لا، يا ولد. عن جدّ حقير جارنا… قلتلك! هذا أبو رامي بيفكّر حالُه صاحب البناية كلّها وبدو يتملّكنا نحن كمان. هو ببعتك عشان تخلّينا نمضي على كهربة الدرج، وفي الآخر رَحْ هو يمسك حساباتنا وكلّنا ندفع دوبل وهو مش راح يدفع إشي…

* * *

قرّر يوسف أن يعزّز علاقاته مع الجيران، آملاً أن تصبح لديه الفرصة لتحسين الأجواء وتصفية القلوب. وجد  باب أبي سامي مفتوحًا وعزم نفسه وجلس ليشرب القهوة.

دار الحديث من موضوع لموضوع – أين تعمل، وماذا تتعلم، ومن أين أصل العائلة… وتمكن الاثنان من العثور على  بعض المعارف المشترَكين… وأعطى يوسف النصائح بالنسبة لتربية الأولاد وتعليمهم…

وبعدما شعر أنّ الجوّ مريح، وأنه قد نشأ بينهما نوع من الثقة، حاول يوسف أن يتطرق من جديد لأوضاع البناية المزرية. ولم يكمل جملة واحدة حول هذا الموضوع إلاّ وقد اشتعلت من جديد مشاعر أبي سامي الذي أخذ زمام الكلام، وكان صوته أقرب إلى الصّراخ:

  • بعدُه هذا جارنا لا يتعب ولا يملّ. بعده عم يدزّك لتشكّل “لجنة البناية”. صدّقني، إذا سجّلنا هاي اللجنة راح يبعث عنها تقارير على بلاد برّة، وراح يجيب على إسِمنا دولارات… أصلاً، لولا كان موعود بالدولارات، ليش كان يلحق فينا بهاي اللجنة، وهو بالأصل لا بتهمّه البناية ولا الكهربا ولا الجنينة أو الجيران…

واستمرّ “أبو سامي” شارحًا عن تاريخ “أبو رامي” والمؤسّسة التي يعمل فيها، ومفصّلاً السرقات التي سمع عنها… ولم يتوقّف إلى أن اعتذر يوسف قائلاً أنّ لديه امتحانًا، وأنّه – لذلك – مضطرّ للصّعود إلى شقته كي يستعدّ له.

* * *

الدخول إلى بيت أبي رامي كان أصعب، وقد خطّط له يوسف من خلال تفكيره بقضية شخصية يمكنه أن يستشير أبا رامي بخصوصها. وعندما طرح قضيته ظهَرت علامات الرِّضى على وجه أبي رامي فدعاه للجلوس في مطبخ البيت بينما يعدّ القهوة ويتداولان في القضية…

واصلا إلى الصالون الصغير، وسأل يوسف أبا رامي عن المؤسسة التي يعمل فيها، مُظهرًا اهتمامه بإنجازاتها، ومستفسرًا عن أفق نشاطها…

ولكن، عندما عاد يوسف وأظهر ضيقه من صعوبة حلّ مشاكل بسيطة كالاتفاق على تصليح كهرباء البناية التي يقطنان فيها، تعكّر وجه أبي رامي واصفرّ، وصار صوته جافًّا وخافتًا إلى حدّ الهمس:

  • لا تفكّرني إنسان ضعيف أو جبان يمكن أيّ حدا يفرض عليّي شو ما بدّه. إحنا زهقنا حُكْم “القبَاضيات”. إنت ما بتعرف أبو سامي، بسّ أنا بعرفه وبعرف تاريخه وبعرف من وين جايين.. إذا هم بيفكّروا كُلْشي بيطلع بإيدهم، إحكيلهم إنّو هاي الأيّام انتهت ومِش رَحْ ترجع. وإذا أبو سامي بيفكّر إنّو إله ظهر، هالحكي بِمْشيش علينا اليوم…

واصلَ أبو رامي متحدّثًا عن أبي سامي، وعائلة أبي سامي، وقصص ناس عاشت وماتت قبل أن يولد يوسف. في النهاية، اعتذر يوسف وانسحب صاعدًا درجَ دارِهِ، والعتمة ترافقه درجة درجة.

* * *

على ضوء إخفاق محاولات خَلق إطار تعاوُنيّ، قرّر يوسف أن يهتمّ بإرجاع الكهرباء بنفسه إلى بيت الدرج. عليه أن يأخذ بالحسبان أنّه هو من يسكن على السطح، وأنه هو الأكثر استفادة من إضاءة الدرج. وما هي، في نهاية الأمر، كلفة تشغيل مصباحين كهربائيّين؟

طلب من صديق له أن يفحص الأسلاك والتوصيلات والمصابيح، وعيّن موعدًا مع شركة الكهرباء لإعادة التيار…

ولكن لسوء الحظ… ظهرت هنا مشكلة جديّة!

خبراء شركة الكهرباء، الذين أتوا لإعادة ربط بيت الدرج بالشبكة، أصّروا على فحص اللوحة المركزية وأسلوب ربط البناية بشبكة الكهرباء؛ وبالنتيجة، قرّروا أنّ اللّوحة القديمة مركّبة بطريقة خطيرة ومخالفة للقانون. وبدلاً من أن يقوموا بربط بيت الدرج بالكهرباء، كما كان متفقًا، أرسلوا إنذارات إلى كلّ سكان البناية يبلغونهم فيها ضرورة تغيير اللّوحة المركزية وإجراء فحص شامل لشبكة الكهرباء في البناية، وإلاّ فسوف يتمّ قطع الكهرباء عن البناية خلال سبعة أيّام!

حصلت هذه الزيارة ذات النتائج المأساوية في ساعات الصباح، حيث سكّان البناية في أعمالهم، وهكذا – لحسن حظّ يوسف – لم يعرف أحد منهم ما هو ولا مَن هو سبب الهجوم المفاجئ لشركة الكهرباء على عمارتهم…

* * *

يوسف ساكن على سطح العمارة… داره الصغيرة فيها غرفة واحدة فيها زاوية مطبخ وأمامَها ساحة سطح واسعة… ولكنّه لا يستطيع أن يستغلّ غالبية المساحة، فقد وضع عليها جاره أبو رامي ألواح الطاقة الشمسية ليتمكّن من توفير  الكهرباء لبيته. كذلك يصعب على يوسف أن يركّز  في دروسه أو أن ينام في اللّيل، بسبب صوت مولّدات الكهرباء التي يشغّلها جاره الثاني، أبو سامي، في الساحة الخلفية.

يضع يوسف النفط في المصباح ويحاول أن “يُذاكِر” دروسه…

ولكن، عندما يأتي إليه بعض الصديقات أو الأصدقاء، فإنه يستمتع بالأجواء الرومانسية على ضوء الشموع والنجوم.

* * *

الصور اهداء من الفنانة إيريس

تصحيح خطأ: لسبب ما نسبت الجريدة القصة لواحد اسمه “يوآف بار” – وكان من الأصح ان تكتب “يوآب حيفاوي”

electricity_romantic_roof