تخطى إلى المحتوى

في الذكرى الثانية والسبعين للنكبة: لندفن الأوهام ولننهض مجددا

بيان صادر عن مجموعات الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية

(تم نشر هذا البيان على موقع “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة” في 14 أيار-مايو 2020. لقراءة نسخة إنجليزية (أقصر إلى حد ما) من هذا الإعلان اتبع هذا الرابط.)

لم يتوقف المشروع الصهيوني عن القتل والتوسع والتطهير العرقي منذ ٧٢ عاماً، أي حتى بعد أن تحول إلى دولة معترفٍ بها من منظمة الامم المتحدة عام 1948. فالاستعمار الاستيطاني ”ليس حدثاً، بل بنية”، على حدّ تعبير باتريك وولف، عالم الاجتماع الأسترالي، والمشروع الاستيطاني، أساساً، هو مشروع عنيف وإجرامي. وهذا ما يفسر سلوك الكيان الإسرائيلي، كتغييب أصحاب الوطن، ورفضه لكل عروض السلام، باعتباره مجموعة من البنى السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية المصممة، مسبقاً، لتنفيذ مخططات النهب والإبادة الاجتماعية، عبر التحايل على القانون الدولي، الذي قامت إسرائيل على أساسه.

ومنذ ذلك الحين تحل ذكرى النكبة، وقد وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام توسعٍ كولونيالي زاحف، يمزق الجغرافيا الفلسطينية، ويعزل الناس عن بعضهم البعض، عبر الجدران والقلاع الاستيطانية وشبكات الطرق الالتفافية الضخمة، تغلفه حكومة الاستعمار عادة بدواعي أمنية وغيرها. غير أن الأعوام الأخيرة تشهد تحوّل عدوانية الكيان إلى سياسة رسمية صريحة، مُقَوننة (قانون القومية) ومدعومة بالقوة الامبريالية الكبرى، الولايات المتحدة الامريكية، وبتواطؤ المجتمع الدولي وبخيانة أنظمة عربية علنية، وعجز أنظمة أخرى، حوّلت مدافعها إلى شعوبها بدل القيام بتحصين دولها ومجتمعاتها، ومواجهة الاستعمار في فلسطين والوطن العربي كله. ولم يعد نظام الأبارتهايد الكولونيالي يُخفِ ممارساته ونواياه التوسعية الحقيقية، وذلك عبر الاستقواء بالبيئة الدولية والعربية، والتحوّلات الداخلية في المجتمع الاستيطاني الصهيوني ونخبه.

قاتل الشعب الفلسطيني ببسالة دفاعا عن نفسه، وقاوم هذا المشروع الكولونيالي منذ بداياته، بكل السبل الممكنة، وقدم تضحيات لا حدود لها، ولم يتوقف عن الرفض للظلم، والسعي من أجل التحرر والحرية والحياة الكريمة. وبنى مؤسسات وتنظيمات وحركات سياسية ووطنية، بلورت هويته الوطنية، وصولا الى بناء حركة تحرره الوطني، المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي وضعت قضية فلسطين في مركز اهتمام العالم كقضية شعب مستعمَر، يخوض كفاحا مشروعاً للتحرر. وفي هذه المعركة المستمرة، لم تواجه حركة التحرر الفلسطيني المشروع الصهيوني الكولونيالي الاحلالي فحسب، بل أيضا النظام الرأسمالي الامبريالي، الذي خلق قضية فلسطين، وعشرات القضايا الأخرى في أسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. ومن الطبيعي أن تصبح حركة التحرر الفلسطيني جزءً من حركة التحرر العالمية، التي ناضلت من أجل التحرر الوطني والطبقي للشعوب التي استُهدِفَت من قِبل الاستعمار، والنظام الرأسمالي المتوحش. وقد شنت تلك القوى الاستعمارية حروباً إجرامية ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية. ومارست القوى الدولية ضغوطا هائلة على منظمة التحرير الفلسطينية لاختزال طموحات الشعب الفلسطيني، في بناء كيان هزيل في مناطق الضفة والقطاع، ولإخراجها من منظومة التحرر العالمية، ومنظومة القيم الإنسانية التي توجهها.

لقد أنتجت تلك الضغوط الدولية اتفاقية أوسلو الكارثية، التي كشفت ضعفاً صارخا في أهلية الهيئات القيادية الفلسطينية وعجزها عن إدارة النضال، وحتى المفاوضات. وهو عجزٌ تطور الى عطبٍ بنيوي مُدمر في ظل استمرار التمسك باتفاق أُوسلو وبوهم حل الدولتين. ففي ظل ملاحقة هذا السراب، وغياب الفعل المنظم الشامل المضاد، ترسخ المشروع الاستيطاني، بمختلف أوجهه، في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، إضافة إلى الجزء الأكبر من فلسطين المحتل منذ عام ١٩٤٨. والأخطر من ذلك، تمأسَس الانقسام، وتمّ تقويض أداة التحرر (م. ت. ف.) وتشويه الوعي التحرري في المؤسسات القيادية الرسمية، وفي أوساط الطبقة السياسية التي تدعمها. هكذا تم التخلي، مجاناً، عن البعد العقائدي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعن وحدة الشعب الفلسطيني، وخسرنا دولا صديقة، كانت مصدر قوة للقضية الفلسطينية. كل ذلك كان مقابل وعد، أو وهم، بالحصول على دولة فلسطينية على ٢٢٪؜ من فلسطين التاريخية.

يتواجد في فلسطين التاريخية، اليوم، نظام أبارتهايد كولونيالي متوحش، يتمدد ويترسخ، يتمثل بوجود دولة واحدة هي إسرائيل. وقد أعلنت إسرائيل عن مأسسة هذا النظام غير الإنساني المتوحش، من خلال إصدار قانون القومية الاستعماري عام 2017. وهكذا، قضى هذا النظام الكولونيالي، هو وحليفه الامبريالي، على وهم الدولة الفلسطينية، الذي شل العقل الفلسطيني الرسمي عن تخيّل طريقٍ آخر، وأسكت مقاومة الشعب الفلسطيني، عبر التضليل الإعلامي والتنسيق الأمني المشترك والمشين.

في ذكرى النكبة الفلسطينية والعربية الكبرى، نجدد دعوتنا إلى استعادة مصادر قوة الشعب الفلسطيني وقضيته، المتمثلة في وحدته وعدالة قضيته كقضية تحرر وطني من سيطرة نظام استعماري وفصل عنصري، وفي ارتباطه الكفاحي والأخلاقي مع حركات الشعوب، العالمية والعربية، التي تُجدد نضالاتها وانتفاضاتها البطولية من أجل التحرر من الاستغلال الطبقي والاجتماعي، والاستبداد السياسي. نُجدد دعوتنا إلى الالتفاف حول رؤية تحررية وطنية وديمقراطية، تُنصف كل تجمعات الشعب الفلسطيني، وبخاصة اللاجئين، وتُقدّم حلاً إنسانياً للمسالة اليهودية في فلسطين.

هذا يتحقق من خلال هزيمة نظام الأبارتهايد الكولونيالي، وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة على امتداد الأرض الفلسطينية بين البحر والنهر، تضمن الأمن والمساواة والرخاء لجميع مواطنيها، بغض النظر عن القومية والعرق والدين. أما الطريق الى ذلك، فيتم عبر جبهة شعبية عريضة، تقع مسؤولية تشكيلها على كل القوى والأطر المهنية والنقابية، والشخصيات الاكاديمية والمثقفة، والروابط الأدبية، المتمسكة بفلسطين، كل فلسطين، وبقيم التحرر والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

نعم للتحرر والحرية

المجد والخلود للشهداء

بيان صادر عن عدة مجموعات تدعو الى الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، التقت يوم الاثنين الموافق ١١ أيار للمرة الأولى، عبر تطبيق نظام “الزوم”، بهدف تطوير التعاون والتفاعل والمساهمة في بلورة رؤية تحررية بديلة، وإستراتيجية عمل مشترك.

أيار ٢٠٢٠

 

نداء للمشاركة في إيقاد شعلة العودة 2020

بيان ودعوة للحراكات الشبابية والطلابية

حراك حيفا

لأن العودة حقّ وليست مجرد شعار نتغنى به، ولأنّ ايقاد شعلة العودة فعل تحدٍّ وليس مهرجانا ترويجيا، نستكمل ما بدأناه قبل عام، وتحديدا في ليلة 13.5.2019، ونعلن ايقاد شعلة العودة بالتكامل والتزامن مع ابناء شعبنا في فلسطين التاريخية والشتات… في مخيمات الدهيشة، ومار الياس، وعين الحلوة، وجباليا وساحة الاسير في حيفا.

قبل عام، اوقدنا في فلسطين المحتلة عام 1948 للمرة الأولى شعلة العودة… ما كان هذا ليكون حدثا جللا لو لم يكن بتنسيق كامل وفي نفس التوقيت مع إيقاد شعلة العودة في مخيمات الأرض المحتلة عام 1967 ولبنان. كانت الأحداث من ساحة الأسير في حيفا تنتقل في بث مباشر على حائط الأونروا عند مدخل مخيم الدهيشة في بيت لحم، والى هناك شخصت العيون. وكان الخطاب موحدا في كل مكان، في الداخل وفي لبنان وفي المخيمات.

إيقاد هذه الشعلة من حيفا هو فعل تحدٍ، وليس ترفا سياسا نمارسه بالتكيف مع المنظومة الاستعمارية، فشعلة العودة ليست رفعة عتب في ظروف الكورونا. ايقاد الشعلة فعل يتوحد فيه الخطاب الفلسطيني السياسي الوطني الاصيل ويتجاوز كل ما يفرقنا ويبعدنا ويقصينا عن امتدادنا الفلسطيني.
العودة ليست شعارا، ولا مهرجانا رقميا وصوريا، العودة تجمعنا وشعلة العودة هي الشعلة التي أطلقناها مع الدهيشة ومار الياس وعين الحلوة. لا معنى لشعلة العودة إذا لم تجمع خلفها ومن حولها اللاجئين، كل اللاجئين الفلسطينيين في كل مكان. العودة هي فعل تحدي نمارسه على الأرض مع الأهل في غزة وفي برج البراجنة وشاتيلا والفوار وعايدة. العودة هي نحن جميعا نعمل سوية ونتحدى سوية لأجل الحق الفلسطيني والإنساني. والتحدي يكون بتنسيق الفعل، بتوحيد الجهود، بالتكامل، بتصليب الخطاب، لا بالسعي الى تصريح من شرطة المستعمر، ولا بتجنب استفزازه.

ندعو في حراك حيفا جميع الحراكات الشبابية والطلابية إلى الانضمام الى فعالية إيقاد شعلة العودة من كل مكان في فلسطين التاريخية والشتات في لحظات يجتمع فيها الكل الفلسطيني تحت رايتنا الاولى، راية العودة إلى فلسطين. تواصلوا معنا عبر انبوكس الصفحة أو من خلال أعضاء حراك حيفا لنكون جميعنا جزءا من هذا الحدث مع الكل الفلسطيني في نفس التوقيت من شتى الأماكن في فلسطين والعالم.

 

حملة “الدولة الديمقراطية الوحدة” تناشد المجتمع المدني الدولي لمناهضة خطط الضم الإسرائيلية

بيان صادر عن “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية”

“لا” للأبارتهايد في فلسطين التاريخية، و”نعم” لدولة ديمقراطية واحدة

تُسابق إسرائيل الزمن لإستكمال مشروعها في مأسسة نظام الأبارتهايد (الفصل العنصري) الكولونيالي الإحلالي في كل فلسطين التاريخية. فحكومة الوحدة القومية التي سيتم تشكيلها، بقيادة بنيامين نتنياهو وبني غانتس، ستعمل، في بداية حزيران القادم، على ضم أجزاءٍ واسعة من الضفة الغربية بصورة رسمية. وسيؤدي هذا التوسع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني إلى سَجن الأغلبية الفلسطينية، بدون أي حقوق مدنية وقومية، في عشرات الكانتونات المعدمة، وعلى ١٥٪؜ فقط من أراضي الضفة الغربية. إنه نظام أبارتهايد وإستعمار إستيطاني سافر ومكشوف.

وفي ضوء القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية الى مدينة القدس، والاعتراف بالقدس “الموحدة” عاصمة أبدية لإسرائيل، فإن “صفقة القرن” تتيح لإسرائيل السيطرة على كل الضفة الغربية. ومن الواضح أن إسرائيل كانت تنتظر ضوءً أخضر من الإدارة ألأمريكية، وهي السلطة الدولية الوحيدة التي تعنيها، لضم الكتل آلإستيطانية الكبرى. و”صفقة القرن” أعطت هذا الضوء الأخضر. كما أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، بتاريخ ٢١ نيسان، أكد على ذلك قائلاً: “فيما يتعلق بضم الضفة الغربية، فإن الإسرائيليين سيتخذون القرار النهائي، إنه قرار إسرائيلي”. كل ذلك يؤكد أن التحالف الصهيوني الأمريكي الامبريالي ليس معاديا لحل الدولتين فقط، بل هو مُعادٍ لأيّ شكل من أشكال حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، في وطنه.

في الواقع، توجد دولة أبارتهايد واحدة، بين البحر المتوسط ونهر الأردن، هي إسرائيل. وهذا الواقع تَكرّس وترسَّخ، في ظل العجز العربي، والتواطؤ الدولي المباشر، وإتفاق أوسلو الكارثي. وللخروج من هذا الواقع، نرى أن هنالك حلا واحدا، حلا عادلا وممكنا، يتمثل بتفكيك نظام الأبارتهايد القائم، واستبداله  بدولة ديمقراطية واحدة، يتساوى فيها جميع المواطنين، بما فيهم اللاجئون العائدون.

تنصف رؤيتنا التحررية الديمقراطية جميع تجمعات الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات. هذا الشعب الذي يخوض ملحمة كفاحية أسطورية منذ أكثر من مائة عام، ضد كيان استعماري استيطاني، عنصري وعدواني، متحالف مع قوى الاستعمار العالمية. كما تحترم ثقافات وديانات وهويات كل من يعيش في فلسطين التاريخية، بعد عودة اللاجئين الفلسطينيين، من خلال استعادة التعددية الثقافية والتعايش السلمي، اللذين ميّزا المنطقة العربية، وبشكل خاص فلسطين، على مرّ التاريخ.

لقد آن الأون للتحرر من الأوهام القاتلة، ومن النهج الانتظاري، ومن التعويل على حدوث تغيّر في أخلاقيات التحالف الامبريالي، والإنطلاق إلى الفعل الحقيقي، وإلى الحراك الشامل: أولا على مستوى الشعب الفلسطيني، وثانيا على مستوى المجتمع المدني العالمي والعربي، وثالثا على مستوى القوى اليهودية المناهضة للصهيونية والاستعمار. إننا ننطلق من قاعدة وحدة الشعب الفلسطيني، وعدالة قضيته، وبخطاب أخلاقي تحرري وانساني، يكشف الخطاب الصهيوني العنصري الإحلالي، ويحشد الرأي العالمي لصالح العدالة في فلسطين.

نحن، في حملة الدولة الديمقراطية الواحدة، عربا فلسطينيين ويهودا إسرائيليين تقدميين ومناهضين للصهيونية، نتوجه إلى المجتمع المدني الدولي، للتحرك دعماً لبرنامجنا الذي يسعى الى تحرير فلسطين التاريخية من الكولونيالية والاحتلال والأبارتهايد، وإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة بين البحر والنهر، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

حملة الدولة الديمقراطية الواحدة” في فلسطين التاريخية

مدينة حيفا ٢٩نيسان ٢٠٢٠

زورونا على الفيسبوك

للاتصال contact@onestatecampaign.org

ملاحظات على خواطر الرفيق عزمي حول وباء كورونا

في هذا العالم المهموم فوق طاقاته بالخلافات بين البشر والطبقات والشعوب، وفي ظلّ هذا الضرر الذي تسببه الإنسانيّة لبيئتها الطبيعيّة، تُعيدنا أزمة فيروس كورونا إلى التناقض الأساسيّ الذي تميّز البشر من خلاله عن بقيّة أنواع الحيوانات: الصراع ضدّ القوى الطبيعيّة العشوائيّة، والسّعي إلى خلق بيئة تلائم احتياجات الحياة الإنسانيّة.

ليس كابوس الوباء هذا جديدّا على التّاريخ الإنساني، إذ يشبه فيروس كورونا بعض الفيروسات التي سبقته، ولكن الإنسانيّة التي تواجه كورونا هي التي قد تغيّرت كثيرًا: إنّها المرّة الأولى التي نواجه فيها تحدّيًا من هذا النوع وبهذا الحجم كإنسانيّة واحدة مترابطة؛ نقوم بملاحظة وعدّ واحتساب كلّ مصاب وكلّ متوفّ وكلّ ضحيّة لهذا المرض منذ يوم اكتشافه في الصّين وخلال فترة انتشاره في كلّ بلدان العالم. المرض واحد والإنسانيّة واحدة (والاقتصاد العالميّ واحد أيضًا). الإنسانيّة تغيّرت تتوحّد وتترابط، ولكنّ النظام السياسي (العالميّ) هو الذي لا يزال من مخلّفات عهد تاريخيٍّ بائدٍ يعتمد التقسيم: تقسيم العالم إلى دول وإمبراطوريات ومحاور وأحلاف وأحلاف مضادّة. وبهذا فإنّ محنة كورونا تشكّل امتحانًا قاسيًا لهذا النظام العالميّ بكلّ مركّباته ومجتمعاته ودوله.

يمكننا أن نتوقّع منذ الآن (ونحن لا زلنا على أعتاب هذه التجربة الكارثيّة) أن تسرّع نتائجها بعض التحوّلات التكنولوجيّة والمجتمعيّة والسياسيّة، ونأمل ونؤمن بأن الإنسانيّة سوف تستخلص الدروس المفيدة لكي تتغلب على هذا الوباء وتحول دون تكرار تفشّي الأوبئة في المستقبل وتستمر في بناء مجتمعات وأنظمة ونظام عالمي أكثر ملاءمة لحاجات البشريّة. ولكي نستفيد من هذه التجربة المأساويّة، فإنّ علينا أن نقرأ حيثيّاتها بشكل صحيح…

نشر موقع عرب 48 عدّة فصول من خواطر الدكتور عزمي بشارة حول أزمة فیروس كورونا المستجدّ، ابتداءً من يوم الجمعة 20\3. ولأنّ الدكتور بشارة من الأصوات المؤثّرة في العالم العربي، رأيت من المهمّ الردّ على بعض الأفكار التي نشرها، لأطرح وجهة نظر مختلفة.

ملاحظة قصيرة حول سياق هذا النقاش

التقيت بالدكتور عزمي بشارة في منتصف التسعينيات في مرحلة تشكيل حزب “التجمع الوطني الديمقراطيّ”. فقد بادرت حركة أبناء البلد (وأنا من بين ناشطيها) في ذلك الحين إلى تجميع كلّ القوى الوطنيّة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلة منذ 48 التي كان لها موقف نقديّ من اتفاقيّة “أوسلو” في جبهة عريضة تجسّدت عام 1996 على هيئة حزب “التجمع”. كانت المرجعيّة الفكريّة لحركة أبناء البلد الاشتراكيّة العلميّة، وعدم الرّضى عن مواقف الاتحاد السوفياتي بخصوص للقضيّة الفلسطينيّة قد حمى عقيدتنا الفكريّة من السّقوط مع سقوط الاتحاد السوفياتي. أما الرفيق الدكتور عزمي فكان من كوادر الحزب الشيوعي الإسرائيلي التي ابتعدت عن نهج الاشتراكيّة مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولكن التقينا واتفقنا على برنامج سياسيّ محدّد يخصّ القضيّة الفلسطينيّة… وبعد مرحلة قصيرة استنتجت حركة أبناء البلد أن نهج التجمع لا يتلاءم مع مبادئها فانفصلت عنه.

في العقد الماضي، مع ظهور ثورات “الربيع العربي” عام 2011 وما تبعها من صراعات وتقلّبات، تجدّد اهتمامي وازداد تقديري لمواقف الدكتور عزمي… بعد المرحلة الأولى من التفاؤل والحماس من حركة الجماهير الثوريّة “العفويّة”، قامت الكثير من الحركات والأحزاب التقدميّة التقليديّة بتغيير مواقفها وابتعدت عن حركة الجماهير؛ وعلى هذه الخلفيّة برز تمسّك بشارة بمبادئ الديمقراطيّة والتنوير وإدانة القمع الاستبداديّ كصوت نوعيّ يشير إلى إمكانيّة التقدم نحو الأهداف الأصليّة الضروريّة لخلق التغيير الديمقراطيّ في منطقتنا.

وها نحن أمام تحدٍّ مصيريّ جديد – كيف يقرأ الدكتور عزمي الخارطة العالميّة، وكيف يجب أن تُقرأ هذه الخارطة؟

مداخلة عن أهميّة الرؤية النقديّة

يبدأ بشارة خواطره بالتحذير من “تسييس نقاش الوباء” فيقول:

“تسییس الأوبئة الفیروسیة واستغلالھا في ترجیح موقف سیاسي ھو مركب من الجھل وقلة الضمیر. ومن مظاھر ھذا المركب الانقسام حولھا بموجب محاور سیاسیة، مثل امتداح الصین الاشتراكیة (ھي في الحقیقة رأسمالیة ذات نظام حكم دیكتاتوري شمولي، أي تجمع “المجدَیْن” الرأسمالیة والدیكتاتوریة)، وذم الدول الرأسمالیة الدیمقراطیة، إیطالیا وإسبانیا نماذجًا.”

يعني، امتداحنا للصّين التي تحرّكت بشكل سريع وحاسم في مرحلة أوليّة جدًا، قبل أن تتّضح تفاصيل هذا الوباء، وبالتالي نجاحها في وقف انتشار الوباء على أراضيها الشاسعة والدّفاع عن ناسها الكثر الفقراء، هو في نظر الدكتور عزمي “تسييس” و”جهل”. وذمّ الدول “الرأسمالیة الدیمقراطیة” التي أهملت ناسها بالرغم ممّا أمكنها تعلّمه من التجربة الصّينيّة هو، كما يقول، من الممنوعات و”قلة الضمير”.

بعد أن أرهبنا لئلّا نشير إلى هذه الحقيقة الواضحة بل السّاطعة، وحذّرنا من التسييس الذمّ، يستمر المتحدّث نفسه في ذمّ الصّين وتبرئة الأنظمة الرأسماليّة الغربيّة. ويُتوقّع منّا بالطبع، أن نؤمن بأنّ هذا الترهيب والذم والتبرئة، ليس جهلاً ولا تسييسًا للوباء.

لا بدّ هنا من أن نتساءل: اليس كشف الحقائق ونقاشها علنًا ومحاسبة الحكومات على تقصيرها من صُلب الديمقراطيّة التي نسعى إلى تحقيقها؟

ماذا الذي يعنيه لنا “الغرب”؟

من الواضح أن الدكتور عزمي قلق من تداعيات هذا الوباء الذي كشف أمام العالم عجز الأنظمة الرأسماليّة عن توفير الحماية الأساسيّة للبشر، وبعد أن حاول الدكتور منعنا من الحديث عن ذنوب الأنظمة في هذه المرحلة المؤلمة، يواصل تبريره لها:

“الدول الديمقراطيّة تأخرت في أخذ الوباء بالجديّة اللازمة، وھذا یحسب علیھا ولیس لھا. ولكن ترددھا في فرض منع التجوال والتحكم بحیاة المواطنین، واستخدام المناشدة في البدایة بدلًا من الأوامر وغیرھا من المعوقات، ھي من مزایا “نوعیة الحیاة” الأفضل في المجتمعات في غیر ظروف الطوارئ. الأنظمة السیاسیة لا تقیم بموجب سلوكھا في حالات الطوارئ، خلافا للبشر الذین غالبًا ما یظھر جوھرھم في حالات الطوارئ. علینا أن نمیز بین طبیعة الأنظمة وطبیعة البشر. ولكنه، على كل حال، درس كبیر لھا أن تكون مستعدة لمثل ھذه الحالات.”

يمكننا أن نتجاهل هنا المقياس الفلسفي الابداعي، الذي يميّز بين الأفراد الذين يقيّمون وفقَ سلوكهم في أوقات الطوارئ وبين الأنظمة التي لا يصحّ تقييمها وفق سلوكها في أوقات الطوارئ. فالحاجة أمّ الاختراع، كما يقال. ولكن لاحظوا معي أن بشارة الذي حذّرنا سابقاً من “ذمّ الدول الرأسمالیة الدیمقراطیة” يسمّيها الآن “الدول الديمقراطيّة”… بمعنى دول مجرّدة من مضمونها الطبقي، لأنّه يريد أن نمدحها للسّبب “النبيل” الذي جعلها تتردّد في وقاية مواطنيها، والسبب حسب بشارة: لأنّها حريصة على حرّية الناس و”نوعيّة” حياتهم وتأبى التحكّم بهم!

هنا، علينا أن نتساءل: هل من المفيد تغييب هذه الصفة (الرأسماليّة) عن هذه الأنظمة عندما ننظر في سبب تقصيرها وتأخّرها في محاربة الوباء؟ هلّ كل هذا التقصير نابع عن “ديمقراطيّتها” الناعمة الزائدة وعدم رغبتها في أن تفرض الخطوات الوقائيّة على البشر؟

بهذا التفسير والتغييب بمحو المحلّل، بخفة يد، عقوداً كاملة اتّسمت بتقليص الخدمات الطبيّة والاجتماعيّة والخصخصة وتفضيل الربح الخاصّ لقلة من الشركات العملاقة على مصلحة الأغلبيّة الساحقة من المواطنين. كما يتناسى الاعتبارات الاقتصاديّة القويّة التي تسبّبت في تأخير ردّ الفعل على تفشّي الوباء، ولا تزال تلعب دوراّ مركزيّا في حسابات الكثير من هذه الحكومات التي تخشى الخسائر الماليّة أكثر مما تخشى الخسائر في الأرواح.

هذا بالنسبة لتغييب صفة “الرأسماليّة” عن هذه الدول. أما بالنسبة للتأكيد على الصفة الثانية لهذه الأنظمة، الـ”ديمقراطيّة”، بوصفها نقيضا لتخلف الأنظمة الشموليّة في الدول الفقيرة، فهي أيضًا “تبرئة” غير مبرّرة للأولى. تشكل الرأسماليّة اليوم نظاماّ عالمياّ يشمل جميع مناحي الحياة كالاقتصاد والثقافة والصحة ومكافحة الأوبئة. وباتت الأنظمة الغربيّة توفّر الديمقراطيّة الشكليّة والرّفاهيّة (التي تتناقص تدريجيّاً) لمواطنيها بفضل تشديد الاستغلال والقمع بحق سائر البشريّة، سكان “العالم الثالث”، الذين يحرمون من مواردهم الطبيعيّة وينتجون معظم الناتج العالمي الذي يباع بأسعار زهيدة بشكل مذهل ولذلك لا تحسب له قيمة.

إن الغالبيّة العظمى من البشر، معدومي الحقوق، الذين تحكمهم هذه الأنظمة الرأسماليّة “الناعمة” من خلال نظام “أبارتهايد” عالمي، تزدهر من استثمار استغلالهم، وتتنصل من أيّة مسؤوليّة لتوفير حقوقهم أو أمنهم أو صحتهم، بل تقدم دعمها للأنظمة الديكتاتوريّة والنيوليبراليّة لكي تقمع وتمنع أيّة محاولة لتحسين ظروف حياة الجماهير. هؤلاء البؤساء هم، بالذات، المرشحون ليصيروا ضحايا كارثة شاملة ومرعبة، إن وصل الوباء إلى بلدانهم بسبب إهمال الدول الغربيّة.

إن أردنا الحديث عن “حكومات ديمقراطيّة”، بالمناسبة، فيمكننا أن نذكر بعض حكومات العالم الثالث، مثل الأرجنتين، وحتى حكومة الهند العنصريّة، التي أثبتت اهتماماً أكبر بصحّة شعوبها من حكومات الغرب، واتّخذت خطوات أشد صرامة لوقف الوباء في مرحلة أبكر من انتشارها في بلدانها.

باختصار، هل من المعقول أن ينسى أي محلل في العالم الثالث أن “الغرب” هو أساساً “الاستعمار” و”الامبرياليّة”؟ كيف يمكن أن نصدّق ادعاء الغرب بتبنّيه لقيم الديمقراطيّة؟ ألا تمثّل الديمقراطيّة لدى الغرب مجرد أسلوب لتأمين ولاء مواطني “مراكزه” عندما يستغلّ ويحكم ويظلم مواطني العالم، مثلها مثل “الخبز والسيرك” الذي كانت الإمبراطوريّة الرومانيّة توفّرهما لعامّة الشعب في عاصمتها؟ وإن كانت لهذا الغرب صلة حقيقيّة بقمّة الديمقراطيّة، فكيف يمكن تفسير حراسته الشديدة لبؤبؤ عينه، “الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط” – نظام الأبارتهايد الصهيونيّ على أرض فلسطين؟

هل قامت الصّين فعلا بالتستّر على المرض؟

من خلال اسكات أصوات “الجهلاء” التي تمدح بالصّين، يردّد الدكتور بشارة الأكذوبة المنتشرة في وسائل الإعلام الغربيّة، تلك الأكذوبة القائلة بأن “تستّر الصین على الوباء مدّة طویلة قد أسهم بانتشاره خارج الصین أیضًا”.

جميعنا نملك ذاكرة قصيرة، لكن من حسن حظّنا أن العالم الافتراضي والانترنت موجودان، والتّاريخ بعيد عنّا بمسافة بضع نقرات على لوحة المفاتيح فحسب.

قمت بالبحث في محرك غوغل عن مراحل تطوّر الوباء، فوجّهني إلى تقرير في صحيفة نيويورك تايمز (هنا بالإنجليزيّة). وسوف أستقي من هذا التقرير بضعة تفاصيل بسيطة لا أكثر:

  • في الـ31 من كانون الأول-ديسمبر 2019 أخبرت حكومة الصّين العالم أنها تواجه عشرات حالات الالتهاب الرئوي لسبب غير معروف. (وأشكّ إن كانت أيّة حكومة أخرى في العالم قادرة أصلاً على ملاحظة عشرات حالات المرض في منطقة ما… فضلًا عن إعلام العالم بذلك.)
  • في الـ-6 من كانون الثاني-يناير يخبرنا مراسل نيويورك تايمز من بكين بأنّ عدد المصابين بالمرض الجديد قد بلغ 59، لم يتوفّ أحد منهم بعد. ويواصل إخبارنا بأنّ الحكومة الصّينيّة أغلقت سوق الحيوانات الذي كان يشتبه بأنه مصدر المرض الجديد، وبأنّ عدّة دول في آسيا قد اتخذت خطوات وقائيّة على غرار فحص القادمين من مدينة ووهان.
  • في الـ-8 من كانون الثاني نقرأ أنّ “باحثين صينيّين قد اكتشفوا فيروسًا جديدًا يقف وراء مرض أصاب عشرات الأشخاص في أنحاء آسيا… لا يوجد دليل على أنّ الفيروس الجديد ينتشر بسهولة بواسطة البشر، مما يجعله خطيرًا بشكل خاص، ولم يتمّ ربطه بأيّة حالة وفاة. لكن مسؤولي الصحة في الصّين وأماكن أخرى يراقبونه بعناية للتأكد من أن التفشّي لا تطور إلى شيء أكثر خطورة.”
  • في الـ-10 من كانون الثاني نقرأ: “أعلنت وسائل الإعلام الحكوميّة الصّينيّة عن أوّل حالة وفاة معروفة بسبب فيروس جديد أصاب عشرات الأشخاص في الصّين… كان المتوفّي، ويبلغ من العمر 61 عامً، من الزبائن الدائمين في السوق في ووهان، وقد وجد أنه عانى في السّابق من أورام في البطن وأمراض الكبد المزمنة.”
  • في الـ-20 من كانون الثاني، يرصد تقرير منظمة الصحة العالميّة 6 حالات وفاة، كلها في ووهان، 278 حالة مرض في الصّين (منها 258 في ووهان) و4 حالات مرض خارج الصّين.
  • وفي الـ-23 من كانون الثاني “أغلقت السلطات الصّينيّة ووهان (مدينة مهمّة في وسط الصّين يصل عدد سكانها 11 مليون!)  ملغية الرحلات الجويّة وحركة القطارات التي تغادر وإلى المدينة، كما علّقت حركة الحافلات وقطارات الأنفاق والعّبارات داخلها. عند هذه النقطة، مات ما لا يقلّ عن 17 شخصًا وأصيب أكثر من 570 آخرين، بما في ذلك في تايوان واليابان وتايلاند وكوريا الجنوبيّة والولايات المتحدة.”

وأؤكد مجددًا أنّ كل هذه الأخبار كانت مواكبة مباشرة للحدث باللغة الإنجليزيّة ومن على صفحات نيويورك تايمز (وبقيّة صحف العالم ولغاته)، فأين التستر الذي استمرّ “لمدّة طويلة”، الذي يتحدّث عنه الدكتور؟

يعرف من يهمّة الأمر أن دولا عدّة في شرق آسيا، تحكمها أنظمة مختلفة، على غرار فيتنام وتايوان واليابان، تعاملت مع خطر كورونا بجديّة منذ البداية وتمكّنت من منع انتشار الوباء في بلدانها، أمّا الذي أعمى عيون الغرب، فلم يكن سوى عنصريّته واستعلاء وسطحيّة وفساد قياداته وإعلامه ومفكّريه.

ما هو سرّ نجاح الصّين؟

لا يخفي عن الرفيق عزمي بشارة أنّ “جهلنا” الذي يعبّر عنه امتداح سلوك الصّين الاشتراكيّة في هذه المرحلة يعتمد على حقيقة ثابتة تثير إعجاب العالم أجمع – نجاح حكومة الصّين في وقف الوباء على أراضيها. ولذلك يجد نفسه مضطرًاَ لتفسير هذا النجاح بشكل يتلاءم مع نظريته فيقول:

“يُحسب للصین سرعة ضبط الأوضاع ومحاربة الانتشار في بلدھا. ولا یُنسى أنّ قدراتھا الھائلة غیر المتوفرة للكثیر من الدول أسھمت في الأمر، وكذلك سھولة تنفیذ الأوامر والتحكّم بالسكان فیھا. في ھذه الحالة یصبح الانضباط شبه العسكري، والتنفیذ بصمت وخضوع، الذي یمیّز النظام الشمولي “فضیلةً”.”

ويسأل القارئ بداية، ما هي هذه “قدراتھا الھائلة غیر المتوفرة للكثیر من الدول”؟ هل وجدت الصّين الذهب أو النفط أو الغاز، أو استغلت المستعمرات والعبيد؟ والجواب طبعًا لا. لقد كانت الصّين من أفقر دول العالم قبل عدّة عقود ولا توجد فيها الموارد الطبيعيّة، وكلّ قدرتها المتوفرة اليوم هي ناتج عمل عمّالها وعلمائها. ولكن الصّين اليوم، من حيث الناتج المحلي الإجمالي لكلّ فرد، تعتبر من “دول الوسط”، مع ناتج بقيمة 16842 دولار (بعد أخذ فرق الأسعار بين الدول بالحسبان) مقابل ناتج بقيمة 59928 دولار للفرد في الولايات المتحدة. لماذا تستطيع الصّين، إذًا، توفير العلاج الصحّي من الفيروس للجميع؟ ثم: كيف تتمكن الصّين من إيقاف حركة اقتصادها العملاق على مدار شهور (دون حصول فوضى أو مجاعة) لكي تحافظ على صحّة وحياة البشر؟ هل هذا كلّه “بفضل” رأسماليتها ودكتاتوريتها، بحسب توصيف الدكتور عزمي؟ أم أنّ الصّين، لسبب ما، قد حدّدت أولوياتها بشكل أصحّ من دول الغرب الرأسماليّة؟

لا أريد أن أتطرق هنا لتحليل طابع الاقتصاد الصّينيّ الحديث، الذي خلق أكبر نموذج من التطور الاقتصادي في تاريخ البشريّة، فقد كتبت حول هذا الموضوع في عدّة مقالات سابقة. يكفي القول هنا أنّ الصّين قد أثبتت في هذا الاختبار التّاريخي، كما فعلت قبل ذلك في مناسبات عديدة، أنّ الشركات الرأسماليّة (المزدهرة) الموجودة فيها لا تتحكّم بقرارها السياسي، وهي بذلك تختلف عن دول الغرب التي تقدّس الرأسماليّة والربح الخاص.

كما ونذكّر أنّ حكومة الصّين، على عكس الكثير من الأنظمة الديكتاتوريّة والشموليّة التي نعرفها، ليست مَلكيّة ولا عائليّة ولا حُكم الفرد الواحد، ولا تخدم مصلحة فئة صغيرة من المقرّبين والمنتفعين. سؤال الإغلاق من عدمه في الصّين لم يُحسم بقرار فرديّ من الرّئيس – كما حدث في كلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا والهند مثلاً – بل كان مبنيا على تقييم علميّ، ورافقه نقاش وخلاف وسجال شارك فيه مختصّون ومختصّات من مجالات الصحّة والاقتصاد وغيرها.

وقد سمعنا كيف أعلنت الصّين “الحرب الشعبيّة ضد الفيروس”، وإن كانت نغمة هذا المصطلح غريبة على الأذن الغربيّة، فلا نتوقع أن تكون غريبة على شعوب عاشت القهر وتعتمد على استنفار وتضحيات جماهيرها للحصول على حريتها، بل كان مصطلح “الحرب الشعبيّة” جزءاً من قاموسها السياسيّ ويملأ أدبيّات وإعلام حركات التحرّر الوطني (ومنها الفلسطينيّة، على سبيل المثال). ومن يتابع أخبار الصّين تحت حصار الفيروس يعرف أن تنفيذ هذا القرار كان مهمّة التنظيمات الشعبيّة حتى مستوى اللجان المحليّة في كلّ منطقة وشارع ومجمّع سكني… وانتصر الشعب الصّينيّ في حربه على كورونا كما انتصر في معركة التحرير وبعدها في معركة التطوير.

فصل المقال

نراقب جميعًا الكارثة وهي تتطور يومًا بعد يوم إلى أبعاد مرعبة أكثر فأكثر… وعزاؤنا الوحيد هو أننا سنعمل بحزم على إصلاح مجتمعاتنا وتغيير أنظمتنا وإنشاء نظام عالميّ جديد مبنيّ بشكل أساسيّ على احتياجات الإنسانيّة، بعد انتهاء أزمة كورونا هذه، وبعد سقوط هذه الخسائر المذهلة في الأرواح.

إنّ تفسير النجاح في محاربة الفيروس باعتباره مرتكزاّ على الاستبداد، والإشارة إلى أنّ الفشل ناجم عن الديمقراطيّة والتسامح، يناقض الحقائق نعم، ولكنّه أكثر من ذلك يشوّش بوصلتنا جميعًا في طريقنا نحو التغيير.

 

بيان “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة”: إدارة الإمبريالية الأمريكية قد وجّهت الضربة القاضية لوهم حل الدولتين غير العادل أصلًا

أصدرت “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة” البيان التالي في تاريخ 29\1\2020 في أعقاب الإعلان عن المشروع الجديد لإدارة الإمبريالية الأمريكية لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية المسمى “صفقة القرن”

(تم نشر نص هذا البيان في اللغتين الانجليزيّة والعبريّة أيضًا)

آن الأوان

لم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية بحاجة لانتظار معرفة تفاصيل المخطّط الاستعماريّ، الذي بدأ رئيس الامبراطورية الأمريكية الترويج له منذ استلامه الحكم، لكي تدرك حجم وخطورة هذا المخطّط على فلسطين وشعبها والمنطقة برمّتها. فقد جرى تنفيذ أخطر فصوله في وقتٍ مبكرٍ، أي نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، وضد قضية اللاجئين، وتشريع الاستيطان.

وبهذا المخطط تكون إدارة الإمبريالية الأمريكية قد وجّهت الضربة القاضية لوهم حل الدولتين، وهو وهمٌ واصلت قيادة أوسلو التشبّث به بكلّ الطرق المنافية للثوابت الوطنية بما فيها قبول لعب دور الوكيل للاحتلال والاستعمار الصهيوني، والتخلّي عن اللّاجئين وفلسطينّي الـ٤٨، والحؤول دون تمكين الشعب من مواجهة المشروع الاستيطانيّ الذي تغوّل في جميع أراضي الضفة والقدس، فضلًا عن المناطق المحتلّة عام ١٩٤٨.

ينصُّ المخطط الاستعماري الأمريكيّ الصهيونيّ على أنّ هناك دولة واحدة بين البحر والنهر هي إسرائيل، أمّا الـ13 مليون فلسطينيّ – أصحاب الوطن الذين شرّدت الحركة الصّهيونيّة نصفهم – فمصيرهم المنفى الأبديّ والعبودية الأبديّة في الكيان الاستعماريّ.

هذا الواقع لم ينشأ بين ليلة وضحاها ولا هو نتيجة ديناميكيّات المشروع التوسّعي الصهيوني، بل بقرار مسبق تبنّته بدرجات متفاوتة جميع قيادات الكيان المتعاقبة. ولم يكن تصوّر الدولة الفلسطينية، في مفهوم اليسار الصهيوني المندثر، في إطار حل الدولتين غير العادل أصلًا إلّا حكمًا ذاتيًّا في إطار السيطرة الصهيونية على جميع أرض فلسطين كلّها، وهو ما عبّر عنه يتسحاك رابين بالقول “أقلّ من دولة وأكثر من حكم ذاتيّ”.

أمّا الإدارة الأمريكيّة الجديدة برئاسة رجل الأعمال الشعبويّ اليمينيّ دونالد ترامب فقد وجدت في الواقع الكولونياليّ الذي شكّلته إسرائيل، وفي العجز الفلسطينيّ والانقسام الكارثيّ، وانهيار النظام العربي وانحطاطه، وتواطؤ وصمت قوى دوليّة أخرى، فرصة لتكريس هذا الواقع عبر مخطّط سياسيّ إحلاليّ وإباديّ، مارست مثله الولايات المتحدة ودول استعماريّة أخرى ضدّ شعوب الارض على مدار القرون الثلاثة الماضية.

لن يكون مصير الفلسطينيين كمصير الهنود الحمر أو غيرهم من الشعوب التي أبادتها الكولونيالية الغربيّة جسديًّا وثقافيًّا، فالفلسطينيّون باقون على الأرض، ويعلنون الرفض القاطع لهذا المشروع الامبريالي، ويخوضون موجات متلاحقة من المقاومة؛ وهم جزء من امتداد ديمغرافي وجغرافي عربي كبير، وقضيتهم يحملها أحرار العالم في كلّ مكان. وبالتالي فهم يحدّدون مصيرهم بأنفسهم لا القوى الخارجيّة، بالضبط كما نجحت شعوب كثيرة بالانتصار على الأنظمة الكولونيالية وإسقاطها، وآخرها تجربة جنوب افريقيا. فعندما تتبنّى حركات التحرّر رؤية تحرّرية واضحة، وخطابًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا يتّحد الشعب ويُجنّد العالم وأحراره ويستقطب أحرارًا من المجتمع المستعمِر.

لقد آن الأوان لتسمية الأشياء بأسمائها والتخلي كلّيًّا عن الأوهام. فالواقع في فلسطين واقعٌ كولونيالي إحلاليّ متوحّش، والنظام القائم ينتمي إلى عهد مظلم وظالم ولّى وانقضى، وقضية فلسطين ليست قضية نزاع على حدود وإّنما قضية تحرّر وطني من استعمار استيطانيّ.

وبالتالي فإنّ التصدّي لهذا الواقع يقتضي توحيد الشعب الفلسطيني ومناضليه ومثقفيه وأطره المهنية والعمالية والطلابية والشبابية والنسائية في جبهة واحدة بهدف إسقاط نظام الاستعمار الاستيطاني، وصولًا إلى دولة ديمقراطية واحدة تقوم على أنقاض نظام الامتيازات العنصريّ ويعيش فيها في مساواة تامّة كلّ من يسكن فيها، وكلّ من طُرد من دياره عام ١٩٤٨ وعام ١٩٦٧.

عبر هذه الرؤية التحررية الوطنية والانسانية نستطيع توحيد الشعب الفلسطيني وبناء جبهة عربية شعبية ديمقراطية، وجبهة عالمية من المجتمع المدنيّ، وشراكة كفاحية مع اليهود الأحرار المناهضين للصهيونية والاستعمار.

 

مظاهرة “طالعات للأسيرات” في حيفا… والثورة السودانية

 

وكيف نتوب؟

وكيف يتوب عن وعد الهوى المحبوب؟

وكيف تتوب النار

وهي إن تابت

فسوف تذوب؟

– أغنية غنّتها فرقة العاشقين، تحكي عن عودة الثورة الفلسطينيّة إلى مدينة صور بعد رحيل الفدائيين عن لبنان –

* * *

هكذا مرّت أيام الأسبوع الماضي: كنا نتردد بين مستشفى “روتشيلد” في حيّ الهادار في حيفا وبين معتقل الجلمة الواقع جنوب-شرقيّ المدينة، بعضنا يحاول الدخول إلى القسم الذي كانت تعالج الأسيرة الفلسطينيّة هبة اللّبدي فيه، ويشتبك بالحراسة والبوليس الصهيونيّ الذي يحاول طرد الّناشطين من المستشفى، وبعضنا يتظاهر أمام مركز الاعتقال المخابراتيّ في الجلمة، حيث تحتجز هبة، الّتي أعلنت إضرابها عن الطعام ضد اعتقالها الإداريّ.

بعد مراحلٍ من قصور التفاعل الجماهيريّ والإعلاميّ عن التّضامن مع قضيّة الأسرى، تمكّن إضراب هبة من تحريك النّاس من جديد ووصل إلى عناوين نشرات الأخبار، وبات يذكرنا بالإضراب التاريخيّ الذي أطلقه خضر عدنان، والحراك الشعبيّ المتضامن معه في أيام التفاؤل الكبير الّذي ساد في بداية الربيع العربي…

برزت، من ضمن فعاليّات التّضامن، سلسلة مظاهراتٍ انطلقت بالتّزامن في أكثر من عشرة مواقع مختلفة في فلسطين والشتات، وذلك يوم الخميس 31-10-2019، بدعوةٍ من “طالعات” – الحراك النسويّ الفلسطينيّ الذي فتح آفاقًا جديدة للعمل النضاليّ الجماهيريّ عابرًا الحواجز والحدود مستهدفًا التصدّي  للاضطهاد، ليس فقط بوصفه احتلالًا، ولكن بأشكاله المختلفة.Demonstrators with slogans Sahat AlHanatir

كنّا نتساءل خلال هذه الأيام، إن كانت مظاهرة “طالعات للأسيرات” ستقام أمام المستشفى أو على أبواب السجن، وكيف سيتم إعلام المشاركات والمشاركين في اللّحظة الأخيرة، (هذا في ظل احتماليّة نقل هبة بين الموقعين في أيّة لحظة) وفي نهاية المطاف، عمّمت منظَّمات المظاهرة أنها ستقام في ساحة الحناطير في “البلدة التحتى” من مدينة حيفا، أيّ في موقع “باب يافا” التّاريخيّ لقصبة مدينة حيفا القديمة، التي هدمها الصهاينة سنة 1948.

* * *

أعادنا اختيار موقع المظاهرة هذا إلى جولة سابقة، لم تغب عن أذهاننا بعد، وهي جولة احتلت موقعًا هامًا في سلسلة الصراع المستمر بين الحركة الوطنيّة في حيفا وبين سلطات القمع.

جرت العادة أن تنظّم الحركة الوطنيّة هنا وقفاتها ومسيراتها، داخل الأحياء العربيّة أو على أطرافها، في المواضع التي تشكّل كثافة الوجود السكانيّ العربيّ نوعًا من الحاضنة الحامية لتحرّكاتها. ولكن، في شهر أيار-مايو 2018، ومع تزايد أعداد ضحايا مذابح الاحتلال ضد المشاركين في مسيرات العودة في غزة، وبعد سلسلة مظاهرات تضامن مع غزة المحاصرة في عدة مواقع، اختار منظّمو مظاهرة الحراك في حيفا موقعا مميزا في الثامن عشر من ذلك الشهر، حيث حددوا موضع انطلاق المظاهرة في شارع يافا بالقرب من ساحة الحناطير. وما من شكّ بأن اختيار هذا الموقع غير التقليدي، في منطقة تسعى بلديّة حيفا إلى إعادتها بوصفها القلب النابض للمدينة، كان من ضمن العوامل الّتي دفعت الشرطة والقوات الخاصة إلى الاستنفار ومحاصرة القادمين للمشاركة في المظاهرة والاعتداء عليهم وقمعهم واعتقال العديد منهم واستعمال القوة المفرطة خلال هذه الاعتقالات (ولاحقا، ضد المعتقلين داخل مركز الشرطة).

الجدير ذكره أن القمع العنيف للمظاهرة قد تسبب في تغطيتها اعلاميًا محليًا وعالميًا وزاد من تعاطف الجمهور العربيّ الفلسطينيّ مع نشاط الحراك وقد تبعت هذه المظاهرة عدة مظاهرات كبيرة أمام محكمة المعتقلين وفي الحيّ الألمانيّ، وقد حيّا متظاهرو غزة الأبطال معتقلي حيفا وحركتها الوطنيّة من خلال إطلاق اسم “جمعة من غزة إلى حيفا” على أحد أيام مسيرات العودة المجيدة. لكن القمع الوحشيّ لمظاهرة حيفا في ذلك اليوم انحفر في وعي المتظاهرين، وجعلهم يترددون عن العودة إلى الموقع الذي طُحنوا فيه في ساحة الحناطير.

* * *

هنا ينبغي علينا التوقف للحظة

إن نتائج اشتباك ما، في أيّ ظرف، لا تحسمها بالضرورة موازين القوى الظاهريّة المجرّدة، (مثلا من خلال التساؤل حول “من قام بضرب من؟”).

في مثل تلك المرحلة، في هذا النوع من الاشتباكات، لن يكون بوسعنا أن نقدم تقييمًا نهائيًّا لحدثٍ ما لحظة انتهائه. إننا في مثل هذه الظروف قد نحتاج إلى رؤية تأثير الحدث على تسلسل الأحداث التالية، لكيّ نتمكن من تقييمه.Marching in Hameginim St

بناءً على هذه الرؤية طويلة الأمد، الواثقة بمستقبل تصنعه الجماهير، رفضتُ، ولا أزال أرفض، تقييم “الربيع العربي” بالاعتماد على محصلة سنواته الأولى، وأرفض المشاركة في دفن الربيع العربيّ وهو ما زال حيّا ينزف. كما أرفض مقولة أن ربيع الديمقراطيّة قد مات، وبأن الشعوب قد غابت، وشق الساحة وتقسيمها بين تدخلات ومؤامرات ورجعيّين وعسكر. وها نحن في 2019 نشهد العودة المباركة لرياح الربيع بقوة متجددة إلى بلدان مختلفة منها العراق ولبنان والجزائر والسودان.

يقول المنطق بأنه من الطبيعيّ والمتوقّع أن يكون ردّ المؤسّسة، والمستفيدين من النظام، والطبقات الحاكمة، عنيفًا تجاه المطالبين بالتغيير. كنا نعلم جميعًا بأن هؤلاء يملكون ترسانات الأسلحة والتنظيم العسكريّ ولا تنقصهم الإمكانيات غير المحدودة لإنفاذ القمع تجاه التحركات المدنيّة العزلاء.  كما لا تنقصهم البنية التحتية (النفسية والمنظوماتيّة) في فرض الرقابة على المجتمع. ومن الطبيعيّ أيضًا أن يقف عنف الثورة المضادة، وهول الدمار والجوع والقتل، (وهي ردّة الفعل الأوّلية والمتوقّعة من جانب الطغاة) رادعًا أمام تحرّك الشعوب في بقيّة المواقع. لكن هذا لن يعني بالمطلق أن الثورة المضادة قد انتصرت.

مع تحرّك الشعوب مجدّدًا، في دول عديدة، ثبت بشكلٍ أوسع أن مخرجات قمع الربيع العربيّ ليست هي نهاية الطريق. لقد شكّلت التجربة المأساويّة في سوريا رادعًا متبادلًا، حيث امتنع كل طرف من طرفيّ الصراع من الوصول إلى مرحلة التدمير المتبادل. وبعد سنوات، بتنا نلفي إلى مشهد آخر يقع في المنطقة: سقوط حكم عمر البشير في السودان، وتشكيل حكومة تشارك فيها قوى التغيير، ليمثّل خير إثبات على أن قوة الحراك الجماهيري ناجعة في وجه نظام لم يتردد على مدى التاريخ في ارتكاب أقذر الجرائم.

* * *

نعود الآن إلى ساحة الحناطير، حيث تجمّع مساء الخميس حوالي 150 من ناشطات حراك طالعات ومعهنّ ناشطات وناشطي الحركة الوطنيّة في حيفا، حاملين صور هبة اللّبدي وشعارات التأييد للأسرى.Marching with Palestinian Flag

لم نلحظ تمركزًا كبيرًا لقوات الشرطة، كما لم يكن هنالك وجود ملحوظ لعسكر الوحدات الخاصة في الشوارع. بل إن البوليس لم يتدخّل حتّى في مسار المظاهرة حين سار المتظاهرون على أسفلت شارع حيفا-عكا المركزي، وواصلوا نحو شارع البنوك، مغلقين أحد أهم شرايين المدينة أمام حركة السّير، مرورًا بشارع “الاستقلال”، الشّارع الرئيسيّ الواصل بين شرقيّ المدينة وغربها، لتعود المسيرة إلى ساحة الحناطير، من دون أن تتنطّح قوات القمع للتعرّض للمتظاهرين.

لقد أثبتت هذه المسيرة أن شرطة حيفا قد تعلّمت درسا من أحداث التّضامن مع غزة في أيار 2018. لقد أدركت الشرطة أن كلفة القمع العنيف للمتظاهرين كانت أكبر من كلفة السماح بمسير التظاهرة من دون قمع. وقد تمكنت مبادرة “طالعات”، إلى جانب رسالتها الرئيسيّة المتمثلة في إيصال رسالة التّضامن والتلاحم للأسرى، أن توسّع من هوامش العمل الوطني في حيفا من جديد.
هكذا، يمكن لنا أن نتعّلم، من خلال مظاهرة طالعات، بعد عام ونصف، من فينا الذي “باس التوبة” أهو نحن، أم قوّات القمع ومن يقف خلفها؟

 

 

حراك طالعات يتجاوز مناهج السياسة الفلسطينيّة

كنت أسير على عجل في ذلك المساء. إذ كان من المهم لدي ألّا أتأخّر عن المظاهرة الهامّة المنددة بقتل وتعنيف النّساء. لكنني قد فوجئت حين اقتربت أنا ومن معي من “ساحة الأسير” في الحي الألماني في حيفا، حين أدركت بأنني قد تأخرت فعلا، على الرغم من وصولنا إلى المكان قبل الموعد المحدّد في الدّعوة، إلا أننا قد شرعنا من بعيد، بسماع أصوات الهتافات. وهكذا، فقد أسرعنا المسير لكي ننضم إلى الجمهور المحتشد في الساحة.

* * *

جاءت المبادرة إلى إطلاق هذه المظاهرة من جانب مجموعة من الناشطات، من دون دعم أيّ حزبٍ أو تنظيمٍ أو مؤسسة. لكي ندرك الظّرف المحيط، علينا أن نذكّر بأن الدّعوة قد انطلقت في حمأة موسم الانتخابات الإسرائيليّة، أي في مرحلة كانت فيها جميع الأجهزة السياسيّة والإعلاميّة تعمل على استقطاب اهتمام الناس وتكريسه لصالح العمليّة الانتخابيّة التي ادّعت الحملة بأنها “مصيريّة”. وعلى الضدّ، فقد شكّل خروج الناشطات إلى الشّوارع والحارات لغرض توزيع المنشورات ولصق الإعلانات والتواصل مع الرجال والنّساء، معادلًا مهمًّا، في ظل إصرار القطب المعاكس، الذي يتمثل في الحملة الممولة بملايين الشّواقل لتشجيع الجمهور العربي الفلسطيني على المشاركة في الانتخابات.

Tal3at on Halisa wall with Mukata3a

طالعات – البديل الحقيقي لمحاولات الاندماج الفاشلة في السياسة الإسرائيلية

وفي حين تلخّصت رسالة كلّ من حملة الدّعوة للمشاركة في التصويت، والحملة الدعائيّة للقائمة المشتركة، في مقولة “امنحوا أصواتكم لممثليكم لكي يمنحوا ثقتكم، بدورهم، للجنرال غانتس” (وهذا ما حصل فعلًا، كما يعلم الجميع)، فقد نادت رسالة “طالعات” النّساء (وجميع المطالبات والمطالبين بالعدالة والحرّيّة) إلى رفع الصّوت في الشّوارع، وخلق التغيير في المجتمع بقوة نضالنا الشّعبي، والدّعوة إلى وحدة الحراك التحرري الشّعبي الفلسطيني رغم كل الحواجز والتشرذمات التي فرضها المستعمر.

* * *

تميّز الجّمهور الذي تجمّع في ساحة الأسير بالتنوّع، وقد كانت غالبيته من الشّابّات، ومنهنّ الناشطات المثابرات، ومنهنّ كانت هذه مظاهرتها الأولى. وقد لاحظت من بين المشاركات أيضا نسوة كبيرات في السّنّ، وبعضهنّ من المحجّبات. كما برز ظهور نسبةٍ ليست بالقليلة من الشّباب والنّاشطين الرّجال. لكن ما كان ظاهرَا، أيضًا، هو غياب القيادات الحزبيّة التي اعتادت على استغلال فرص الظهور الإعلاميّ والمشاركة في كلّ نشاطٍ جماهيريّ.

* * *

لم يتوقف الهتاف منذ لحظة وصولنا إلى ساحة الأسير إلى أن تفرق المتظاهرون بعد أكثر من ساعتين. وقد اشتملت الهتافات على العديد من الشّعارات التي تندد بتعنيف النّساء، وبعضها سردٌ للحالات الخاصة واحتوى على أسماء الضحايا على غرار “كلنا مع دلال داوود التي أخذت حقها ’بإيديها‘”، وقد هاجمت الهتافات من قالوا بأنها قد “انتحرت”، كما نددت الهتافات  بالموقف غير المكترث لبعض الناشطين الذكور بجرائم القتل مدعيا انتظار نتائج التحقيق في جرائم القتل، من خلال هتاف “هوّ ساكت ودمّي يسيل، وعم يستنّى التفاصيل”.

لكن الشّعارات لم تتوقف عند جرائم القتل والتّعنيف، فقد تم إطلاق هتافاتٍ تنادي بحرّيّة النّساء وسيادتهن على أجسادهن وحياتهن، مرورا بهتاف “الثورة ما إلها حدود،”، منادية بـ “وطن حرّ، نساء حرة” وصولا إلى الهتافات التحرريّة على غرار “كرامة، حرّيّة، عدالة اجتماعيّة”، أو في هذه المناسبة، “كرامة، حرّيّة، ثورة نسويّة”.

ومع ازدياد الاحتشاد الجماهيري في ساحة الأسير، انطلق الجميع في مسيرة حاشدة في جادة الكرمل، أغلقت بالكامل هذا الشّارع الرئيسي في الحي الألماني، وقد توقفت المسيرة عند المفترق الذي أطلق عليه المتظاهرون اسم “مفترق باسل الأعرج” بمزيد من الهتافات، ولغرض تمديد إغلاق شارع أللنبي، ومن ثم تحركت المسيرة نحو شارع الكرمة وقد قامت بإغلاق هذا الشّارع أيضا. وقد واصلت المسيرة مشوارها نحو شارع الجبل المحيط بوادي النسناس، ومنه عادت عبر شارع أللنبي إلى الحي الألماني ومن ثم ساحة الأسير.

وفي ساحة الأسير استمعنا إلى كلمات ألقتها المنظمات، وعبرت عن أهداف المظاهرة وطبيعة حراك “طالعات” وقد دعت الجميع إلى الاستمرار في التحرك لغرض خلق التغيير اللازم، ووعدت بمواصلة الحراك. وقد استمرت الشّابات ومعهن الشّباب في التجمهر والهتاف في ساحة الأسير لفترة طويلة بعد انتهاء البرنامج المخطط للفعاليّة.

* * *

انطلقت مظاهراتطالعات” في 12 موقعا في الوطن والشّتات: من رفح في قطاع غزة مرورا بالقدس ورام الله ويافا والطيبة والطيرة والناصرة وعرابة البطوف والجش، وحيفا وبيروت وبرلين. وقد قامت قوات الاحتلال بقمع مظاهرة “طالعات” في القدس بعنف شديد. والجدير ذكره أن تظاهرة الطيرة لم يتم التخطيط لها مسبقا، لكن مجموعة من النّساء قد قامت بتنظيم هذه الوقفة في بلدتها لكي يلتحقن بأخواتهنّ في باقي المواقع.

* * *

واحد من الشّعارات التي رفعتها المتظاهرات كانت “نحنا مش قضيّة مؤجلة”، فيما أكّدت المنظّمات في منشور الدّعوة إلى التظاهر بأن “قضيّة أمن وكرامة النّساء في فلسطين هي قضيتنا كمجتمع، وهي ليست قضيّة مؤجلة إلى ما بعد التحرر الوطني، بل هي قضيّة ذات أولويّة راهنة”. وقد حددت هدف المظاهرة في أنه يتمثل في إعادة “تعريف جوهر الخطاب والفعل السياسي التحرري الفلسطيني”. يشاكل هذا الإصرار على مواجهة القضايا الاجتماعيّة الملحة بحراك مجتمعي كل فلسطيني تغييرًا جوهريًا ضروريًا في منطق العمل النضالي والسياسي الفلسطيني.

في ظل موازين القوى غير المتكافئة التي تميل لصالح المستعمِّر، تبحث القيادات التقليديّة على مكان لها في الهوامش المحدودة المتاحة في أطار نظام الهيمنة، من خلال الحكم الذاتي الوهمي لـ”السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة” أو من خلال التمثيل في الكنيست الصهيوني. بيد أن تجربة العقود الأخيرة قد أظهرت كيف تكون نتيجة القبول بهذا الأفق المحدود التنازل على الطابع التحرري للنضال الفلسطيني والقبول بالتقسيم بين لاجئ ومقيم وبين التجمعات السّكّانيّة المختلفة داخل الوطن الواحد. وفي الوقت ذاته، تضمن تراكم وتكاثر القضايا الاجتماعيّة المختلفة من فقر وعنف وأزمة السكن وغيرها.

لكي نتمكن من مواجهة قضايا المجتمع بمجملها، فإن علينا أن نقوم، بصورة دقيقة، بتشخيص العلاقة بين نظام الاستعمار والأبارتهايد وبين البنية الداخليّة للمجتمع الفلسطيني، والعلاقة بين التحرر المجتمعي والتحرر الوطني. ما من شك في أن نظام الاستعمار هو السبب الرئيسي الذي يعيق تقدم المجتمع العربي (وهذا ينطبق أيضا على الدول التي حصلت على استقلالها الرسمي ولكنها تعاني من “الاستعمار الحديث” الاقتصادي والثقافي)، بيد أن البؤس والقمع والفساد الداخلي لا يمكن أن نعزوه فحسب إلى الاستعمار، هذا كله له آثار مباشرة ضارة على حياة الناس (وعلى حياة النّساء أكثر)، إذ أن هنالك من يستفيد من هذه الظروف ويعززها داخل المجتمع بنفسه، وهي تشكل عائقًا وحاجزًا يعيق التطور الشّخصي والمجتمعي والوطني في الآن ذاته.

* * *

بناء على ما تقدّم، يشكل حراك “طالعات” نموذجًا هامًّا، ليس فحسب في مجال مواجهة قضايا القتل والعنف تجاه النّساء، بل إنه يعدّ أيضًا نمطًا للتحرك الذّي من شأنه أن يشمل جميع قطاعات المجتمع الفلسطينيّ، وعلى رأسه الجّيل الجديد والنّساء ومجمل المضّطهدين والمهمّشين، الذين يمكن لهم أن يحققوا ، على الأقل، من خلال المطالبة بحقوقهم، رفعّا لمكانتهم في المجتمع. لقد أثبت حراك “طالعات” أيضَا الطاقة الإيجابيّة الكامنة في حراك شعبي موحّد يشمل الفلسطينيات والفلسطينيّين في جميع أماكن تواجدهم في الوطن والشّتات.

تعي المبادرات إلى إطلاق الحراك بأنهن “طالعات”، فعلًا، نحو مسارٍ جديد، وهو مسارٌ من شأنه أن يشكل المحور الأساسي لتجدد حركة التحرّر الفلسطينيّة، ولذلك، فقد اختتمن بيانهنّ بالقول بأنهنّ يأملن خلق “مراكمة نحو بناء حراك فلسطينيّ جامع”.  إن النجاح الباهر الذي حققته مظاهرات يوم الخميس 26 أيلول 2019 يشكّل دفعةً قويّةً باتّجاه تحقيق هذا الهدف.

* * *

ثلاثة مقاطع فيديو من المظاهرة في حيفا:

https://youtu.be/7vO8pBuWYLs

https://youtu.be/EKGV1WvjOP8

https://youtu.be/WQ6-t0vxJ7A