Skip to content

بين عيد ميلاد… وعيد ميلاد

قصة قصيرة – مع كل الحب لأولاد الحليصة…

(نُشرت هذه القصة من على صفحات جريدة المدينة الحيفاوية في 7 نيسان 2017)

تسكن مريم في هذه الحارة على طرف الجبل. هنا وُلدت وهنا تتعلّم، وجميع صاحباتها من بنات الحارة.

تعمل أمّ مريم في تنظيف بيوت “الخواجات”. والدها المريض يرقد أحيانًا أسابيع أو أشهر في المستشفى. يبقى، أحيانًا، في البيت أو يقضي نهاره مع أصدقاء له، ونادرًا ما يتمكّن من العمل بشكل متواصل.

عندما تتأخّر أمّ مريم في عملها تتّصل بمريم وتطلب منها أن تحضّر الطعام لأبيها ولأخيها الأصغر منها بسنتين… وعلى الرّغم من صغر سنّها، تفتخر مريم بمعرفتها بأسرار الطبخ وتشعر بالمسؤولية والأهمية عندما تقدّم الطعام لعائلتها.

خال مريم، أبو شادي، وُلد في الحارة أيضًا، لكنّه ناجح في أعماله، فتركها واشترى منزلا في “منطقة راقية” وسجّل ابنه شادي في “مدرسة منيحة” تضمن مستقبله.

لم ينس أبو شادي أخته، وهو يحبّ ابنتها مريم، ولذلك لم تتفاجأ مريم عندما زارهم خالها في بيتهم قبل عيد ميلادها الثالث عشر واقترح على أمّها أن يقوم باحتفال مشترك بمناسبة عيد ميلاد شادي ومريم. برنامج العيد الذي طرحه أبو شادي كان مُمَيَّزًا: أن يستأجر باصًا صغيرًا ليأخذ فيه الأولاد إلى مركز لألعاب “كرة الطِّلاء” في الأحراش خارج المدينة؛ ومن ثمّ، بعد انتهاء اللعبة، زيارة حديقة حيوان مشهورة. فوقد سمح أبو شادي لأخي مريم أن يرافقها في هذا المشوار العجيب.

* * *

في اليوم الموعود ارتدت مريم أفضل وأجمل ثيابها. جاء خالها في الصباح الباكر ليأخذها، هي وأخيها، في سيارته إلى بيته، حيث كان يتجمّع أصدقاء شادي بانتظار الباص.

في مركز “كُرة الطِّلاء” وزّع المرشدون البنادق والذخيرة الخاصّة على الأولاد، وشرحوالهم كيفيّة استعمال البندقية ومبادئ اللّعبة. تدرّب الأولاد قليلاً، ثم اصطحبهم المرشدون في جولة للتعرّف على المنطقة الوعرة، حيث تقام “المعارك” بين الشجر، في منطقة وضعوا فيها “ديكور” أطلال منطقة حروب وهمية.

جاء الآن “وقت الجَدّ”. انقسم المشاركون إلى مجموعتين، ولبست كلّ منهما أزياء خاصّة بها – فوق ملابسهم. غطّوا رؤوسهم بالأقنعة، واستعدّوا للمعركة.، في “الميدان” سوف تدور جولتان من المعارك، وستتبادل المجموعتان المواقع لتكون كلّ منهما مرّة في الهجوم ومرّة في الدفاع

في الجولة الأولى كانت مريم ضمن الفريق المهاجم، وشعرت بنوع من الفوضى في أداء الفريق. لم تعرف أحدًا من “المحاربين” الذين كانوا معها. كان الكلّ يتقدّم بمفرده نحو معقل المدافعين وتحوّلت المواجهة إلى مجموعة من المواجهات والملاحقات الفردية، وبعد أن “قتلتْ” مريم أحد المدافعين “قتلها” أخوها الذي لاحقها…

لم تكن مريم معجَبة بأداء فريقها، ولذلك أصرّت قبل بداية الجولة الثانية (الدّفاعيّة) أن تقود فريقها، وطرحت لأجل ذلك “حجّة” قويّة: “إنّه عيد ميلادي!”. . جمعت مريم الفريق لوضع “الخطّة القتاليّة”، واخترعت “خطّة جهنمية” يشكّل من خلالها بعض المدافعين “طُعمًا” للمهاجمين حيث يطلقون النار عليهم من بعيد ومن ثمّ يهربون بهدف استدراجهم نحو كمائن. هناك ستكون في انتظارهم فرق مختبئة، متأهّبة لتصفيتهم. وزّعت مريم “مقاتليها” على مواقعهم المحدّدة وهي تتجول بين المواقع لتتأكد أنّ الجميع يؤدّي دوره كما هو مخطّط له.

حاول مقاتلو الفريق المهاجم أن يتسلّلوا خفيةً نحو مواقع المدافعين… دار قتال حامي الوطيس، وارتفع صراخ الأولاد في الحرش… ومريم تصول وتجول في ساحة المعركة، وقدتمزّق زيّها “العسكري” بفعل أغصان الأشجار، دون أن تنتبه، أو ربّما انتبهت ولم تهتمّ…

قُتلت مريم لدى ملاحقة أحد مقاتلي الفريق المهاجم. ولكنّه لقي مصرعه على يد فرقة الكمين الذي قادته مريم إليه أثناء هروبها… وانتصر فريقها.

 

في طريقهم إلى حديقة الحيوان توقّف الباص عند مطعم… دخلت مريم الحمّام وانتبهت للمرّة الأولى أنّ ثيابها ممزّقة من أحد الأطراف، إضافة إلى كونها مبلّلة وعليها علامات حمراء من كرات الطِّلاء. لم تعلم ماذا تريد أن تطلب من قائمة الطعام، وعندما وصل الأكل شعرت بأنه غريب. جلست بين خالها أبو شادي وبين أخيها، وكانت تنظر إلى الأولاد وهم يتحدّثون ويضحكون…

في حديقة الحيوان قرّرت مريم أنها لن تبالي بالأولاد الذين لم يتوقّفوا عن الحديث والضحك، فقامت لتستغلّ الوقت في التعرف على الحيوانات التي لم ترَ مثلها من قبل. سارت لوحدها من قفص إلى قفص وهي تقرأ بعناية الشرح المكتوب على لوحات صغيرة على طرف كلّ قفص.  كانت تتوقّف عند كلّ قفص وتحدّق بالحيوان أو الحيوانات الساكنة فيه، وتفكّر: من أين أتوا بهذه الحيوانات، وكيف هي حياتها الطبيعية… كانت تتخيّل الطيور تحلّق في السماء، والقردة تقفز من شجرة إلى شجرة في الغابة. توقّفت طويلاً عند قفص الأسد، راقبت خطواته وهو يتمشّى من طرف إلى طرف داخل القفص.سمعت صوت أحد الأولاد:

– وينك يا مريم، الكل بِدوِّر عليك في كل الحديقة. بدنا نروّح…

* * *

رجعت مريم من الرحلة مسرورة ومنهكة، ولكنّها، وعندما سألتها أمها:

– كيّفتِ يُمّا حبيبتي؟ هذا أكيد كان أحلى عيد ميلاد مر عليكي بحياتك!

أجابت بمنتهى الجدية:

– كان اليوم حلو كتير. بسّ هادا مش عيد ميلادي. عيد ميلادي بدّي أحتفل فيه مع صاحباتي، حتى لو قعدنا هون نشرب شاي بساحة البيت…

* * *

وعدت أم مريم ابنتها بالاحتفال بعيد ميلادها في يوم السبت التالي، ولكن ليس في ساحة البيت بل في الوادي القريب من الحارة.

دعت مريم صديقاتها، ودعا أخوها أصدقاءه، كما قاما بدعوة بعض بنات وأولاد الحارة. اتصلت مريم بابن خالها شادي ودعته هو الآخر. أحضرت أمّ مريم كلّ اللوازم لكي تحضّر سلطة التبّولة للجميع، واستعارت مريم كرة قدم من أحد الجيران.

تجمّع الجميع صباح السبت لكي يسيروا معًا نحو الوادي. عاودت مريم الاتّصال بشادي، ولكنه لم يردّ على الهاتف. على الطريق النازل إلى الوادي التقوا بأحمد، ابن أبو أحمد، وهو أصغر من أخي مريم، لكنه لاعب كرة قدم ماهر وقادر على “تصميد” الكرة في الهواء وهو يركلها بقدمه لأكثر من عشرة مرّات… وقالوا له:

– البس بوتك وتعال، نازلين نلعب فوتبول في الواد… اليوم عيد ميلاد مريم.

فانضمّ إليهم.

* * *

تجاوزت مجموعة الأولاد آخر بيوت الحارة على مدخل الوادي، ومن ثم تقدّموا سيرًا على الأقدام ليدخلوا إلى الوادي، حيث يتحوّل الشارع إلى طريق ترابيّة تحيطها الأشجار من الجهتين. وصلوا إلى موقع اتّسعت فيه الطريق ووصلت إلى طرف الجبل. كأنّه محلّ لتخزين موادّ البناء لأحد المقاولين، ولكن الموقع كان شبه فارغ، وبدا لهم وكأنه ساحة ألعاب كبيرة خاصّة بهم.

جلست أم مريم في ظلّ الشجرة بالقرب من السّاحة، وجلب الأولاد أحجارًا  فوضعوا حجرين على كلّ من طرفي الساحة ليشيروا إلى منطقتي المرمى وبدأوا اللعب… لعبوا كرة القدم وألعاب أخرى، واخترعوا ألعابًا “من رؤوسهم” وهم يتنافسون ويتعاونون ويركضون ويجلسون، يصيحون ويضحكون.

بعد أن تعب الجميع من اللّعب، جلسوا حول أمّ مريم تحت الشجرة وأكلوا التبّولة من أطباق البلاستيك وشربوا العصير الحلو.

قالت لهم الأمّ:

– يا أولاد، هل تريدون أن تشاهدوا العصافير في الوادي؟ في هون ببغاوات خَضرا، فيش أحلى منها… بَسّ لازم تمشوا معي هاديين… ولا صوت!

على الطريق الصّاعد في محاذاة مجرى الوادي حدثت “معجزة”… خمسة عشر ولدًا، صبيانًا وبنات، ولا صوت! كلّهم يسيرون وراء أمّ مريم بهدوء تامّ… لربّما تعبوا لكثرة ما لعبوا، أو هو الفضول لرؤية الطيور. .

فجأة، وأثناء مشيهم على الطريق الترابية، وصلوا منعطفًا فرأوا أمامهم “واوي”، واقف في منتصف الطريق، لا يبعد عنهم أكثر من ثلاثين مترًا. جمد كلّ الأولاد في مواقعهم وأمّ مريم تشير لهم واضعة إصبعها على فمها: اصمتوا!

حدّق الأولاد في الواوي، وبدوره حدّق الواوي في الأولاد. بعد لحظة طويلة، ابتسم الواوي تجاههم واختفى مسرعًا بين الأعشاب على طرف الطريق من جهة الوادي.

* * *dream1

في الليل حلمت مريم أنّ الواوي جاء ليتكلّم معها… حكت للواوي عن الأسد الحزين الذي التقت به في حديقة الحيوان. اقترح أن يطلقا معًا سراح الأسد. ومشيا فعلًا إلى الحديقة، ففتح الواوي باب قفص الأسد. فجأة كانوا جميعًا في الوادي، وكان الواوي والأسد يضحكان بصوتٍ عالٍ. وبعدها اختفيا بين الأشجار.

* * *

في اليوم التالي اتّصل شادي بمريم:

– مريم، عم بتصل لأقولّك كلّ سنة وانتي سالمة! انت أحلى بنت عمّة. بتأمّل تكوني انبسطتي كتير في العيد امبارح. صدقيني، كنت بدّي أجي، بَسّ أبوي مسمحليش…

– ولا يهمّك، شادي. ماخسرتش إشي. بَسّ رُحنا عالواد. هالواد دائمًا موجود هناك، وكل واحد بنفع يروح عليه وقت ما بدّو.

رسومات – إيريس بار

The 2 birthdays in Al-Madina

القصة في جريدة المدينة

 

حيفا فلسطينية من جذورها ونحو مستقبلها

(تنشر هذه التدوينة، بمناسبة ذكرى سقوط مدينة حيفا 21-22\4\1948،  في كل من نشرة “إتجاه” الصادرة عن  حراك “نبض” الشبابي، ومدونة  “واحد إفتراضي”  التي يحررها الرفيق مهند ابو غوش.)

بقلم: مهند ابو غوش ويوآب حيفاوي

هناك مذهبان مختلفان لرواية قصة إنشاء مدينة حيفا الحديثة عام 1761. يشير المذهب الأول إلى أن “حيفا العتيقة”، قد كانت موجودة في موقع حي “محطة الكرمل” اليوم. هذا المذهب يشرح كيف قام ظاهر العمر بإصدار أمر بـ”نقل” المدينة إلى موقعها الجديد بين ساحة الحناطير (ساحة الحمراء) غربًا ومقبرة الاستقلال شرقًا. وهناك من يشدد على مسألة إنشاء حيفا كمدينة جديدة تم التخطيط لها ضمن مشروع بناء دولة حديثة في القرن الثامن عشر. ولا نخشى إعلان انتمائنا إلى المذهب الأخير في قراءتنا لتاريخ حيفا.

كلما أسهبنا في القراءة حول تجربة ظاهر العمر وإنشاء دولته شبه المستقلة (1730 – 1775)، التي امتدت في عزّها من بيروت وحتى غزة ومن شواطئ عكا وحيفا وحتى المناطق الجبلية ما بعد نهر الأردن، ألفينا إلى كونها قصة تاريخية عجيبة قادرة على إلهامنا حتى اليوم، وعلى مساعدتنا في صياغة تصوّر للمستقبل.  لقد كانت دولة ظاهر العمر، قبل كل شيء، محاولة للاستقلال، كما كانت محاولة للاستفادة من أموال الضرائب لبناء الاقتصاد المحلي بدلا من تحويلها إلى الآستانة عن طريق المتصرفين والجباة. بهذا، كانت تجربة ظاهر العمر تجربة سياسية وتنموية فلسطينية سبقت تجربة استقلال الولايات المتحدة الأمريكية نفسها سنة 1776. لم تكن هذه التجربة نتيجة للتعصب المحلي في مواجهة الحكم العثماني بل كانت جزءا من بداية المرحلة الحديثة في تاريخ الشعوب وانطلاقة الثورة الصناعية في أوروبا، وما استتبعها من تكثيف الطلب على شراء القطن من فلسطين. ولذلك كان إنشاء مدينة حيفا كميناء للتصدير ومركز للتجارة عابرة القارات جزءاً مهماً من هذا المشروع.

Daher_el-Omar_in_Akka

ظاهر العمر في عكا

لم تقتصر ايجابيات مشروع ظاهر العمر على الاستقلال المحلي والإعمار وتطوير الاقتصاد، فالتجربة نفسها تقدم لنا نموذجًا مميَّزًا عن علاقة الدولة بالناس حيث اعتمد الحكم على تنظيم الجماهير وبناء مليشيات محلية وتوجيه الاقتصاد لكي تتمكن الدولة من توفير حاجات الفلاحين. كانت الدولة، أيام ظاهر العمر، تقوم بتوزيع التقاوي (البذور) على الفلّاحين ليتمكنوا من زراعة أرضهم واستصلاح المزيد من الأراضي، كما قدمت إليهم القروض، ونظّمت عمليات بيع المحاصيل. إن هنالك مثالا واحدا “بسيطا” على “الحكم الراشد” يمكن أن يثير العجب حتى اليوم: عيّن ظاهر العمر ابنه حاكما لمدينة شفاعمرو. لكن أهالي المدينة قد رفضوا تعيينه، وهذا ما دفع ظاهر العمر إلى الوقوف إلى جانب أهالي شفاعمرو. وحين قابل ابنه رفض أهالي المدينة حكمه بقوة السلاح، قدّم العمر دعمه إلى مليشيات الفلاحين التي قاومت حكم ابنه.

عبر نشوئها في هذا السياق التاريخي، تختلف مدينة حيفا عن معظم مدن فلسطين. فالعديد من هذه المدن يعدّ من ضمن أقدم المدن في تاريخ البشرية وجذورها تمتد آلاف السنين، ومقابلها، هنالك العديد من المدن الجديدة التي تم تأسست في إطار المشروع الاستعماري الصهيوني ولا يتجاوز، عمرا، مائة سنة. ولكن حيفا يصل عمرها اليوم إلى  256 سنة وهي تشكل مثالا ملموسا على قيام مشروع نهضوي فلسطيني سبق المشروع الصهيوني بكثير. ولذلك نشهد إهمالا بل تجاهلا من قبل بلدية حيفا والمؤسسات الصهيونية لتاريخ هذه المدينة.  فحينما حلّت الذكرى الـ 250 سنة على تأسيس المدينة (عام 2011)، مثلا،  جرى الاحتفال بهذه الذكرى من قبل لجنة شعبية مكونة من ممثلي الجمهور العربي الفلسطيني وليس من قبل المؤسسات الحاكمة.

وبالرغم من سقوط دولة ظاهر العمر وقتله على يد البعثة العسكرية العثمانية بقيادة أحمد باشا الجزار، إلا أن مدينة حيفا واصلت تطورها وازدهارها باعتبارها ميناء ومركزا تجاريا كما خطط لها مؤسسها. وقد توسّعت المدينة خارج الأسوار في القرن التاسع عشر،  وتعزز دورها مع إنشاء خط سكة الحديد من حيفا الى درعا (سنة 1905) الذي تم ربطه بالخط الحجازي. كما تعزز دور المدينة أكثر أيام الاحتلال (الانتداب) البريطاني مع بناء الميناء الجديد والمطار وربط حيفا بسكة الحديد الواصلة من القاهرة إلى بيروت. وقد استقطبت المدينة المئات من العمال والموظفين الفلسطينيين  وعائلاتهم وهذا ما خلق شبكة علاقات “مدينية” حديثة، كوزموبوليتية بمقاييس تلك الأيام، تتجاوز الروابط القروية والمدينية التقليدية في سائر مدن فلسطين. هنالك مثلا عائلات حيفاوية تمتد جذورها إلى قرية سلواد، انتقل أفرادها للعمل في “كوبّانية” حيفا وظلّوا في المدينة بعد النكبة.  كما أن قسما من السجناء في معتقلها من قيادات ومناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية إبان الانتداب من مناطق مختلفة في فلسطين التاريخية، قد استقروا في المدينة بعد النكبة. بناء عليه، لم يكن من الغريب أن ينظم المجتمع نفسه وفق قوانين جديدة، وفي أطر مستحدثة منها نقابة عمال فلسطين، والأحزاب، والجمعيات الأدبية، والكشافة، بشكل حثيث، ويفوق سائر المدن الأخرى، بسبب انعدام العصبوية العشائرية والريفية والطائفية.Haifa 1920 1948

يصدر هذا المقال على أعتاب ذكرى سقوط حيفا (21-22\4\1948) وتهجير سكانها العرب وتدمير الجرافات الصهيونية لقلب المدينة النابض – المدينة التي بناها ظاهر العمر بين الأسوار. ونشهد في هذه الأيام، 69 سنة بعد النكبة، حملة صهيونية مكثفة لهدم بيوت حي وادي الصليب الذي ظلّ مهجورًا كمتحف حجري يشير إلى المأساة الفلسطينية ويشهد على جرائم التطهير العرقي ويرمز لانتظار المدينة عودة أهلها. وتعمل الصهيونية منذ 69 عام على محو هوية المدينة الفلسطينية العربية. ولكن الحاصل في هذه المواجهة هو معادلة فريدة، فكلّما قامت السلطات بهدم حجر، نمت هوية حيفا من جديد من خلال المزيد من البشر…

إسرائيليا، لم تعد مدينة حيفا المنكوبة إلى الازدهار تحت الحكم الصهيوني، فقد تحولت إلى حيّز ملحق بتل أبيب، وعُرفت كـ”المدينة النائمة”. إن حيفا لا يمكن لها أن تأخذ دورها في ظل عزلها عن فضائها الطبيعي المتمثل في بيروت ودمشق وعمان وغزّة والقاهرة ونابلس. أما في الزمن الصهيوني، فقد انتقلت  المدينة من المركز إلى الهامش. وقد تحولت إلى فندق ينام فيه المستوطنون الذين صارت تل أبيب مدينتهم ومركز حياتهم.

رغم ما سبق، فقد ظلّت حيفا مدينة مركزية للعرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948. وعلى مرّ السنين نشأت وتجمعت فيها مؤسسات المجتمع المدني وهي تشهد تطوّر الحياة الثقافية وتتركز فيها مختلف النشاطات الاجتماعية والوطنية، و فيها تنشأ علاقة فريدة  بين الفلسطينيين فيها، قائمة على التعاقد الفردي، لا العائلي والطائفي، وتنشط فيها الحراكات والأحزاب السياسية، والمؤسسات الثقافية والاجتماعية. وهكذا، بدأت حيفا تتنفس، من جديد، باعتبارها مدينة فلسطينية تتطلع إلى المستقبل.

Palestinian flag in Haifa

حملة علم فلسطين على كل شباك في حيفا

إن حيفا تشكّل، في الوعي الفلسطيني المصاب بلعنة النكبة، ترميزا عالي الكثافة للجنّة المفقودة. ففيها تم وأد واحدة من أهم تجارب التحديث والاستقلال الفلسطيني، وقصف  برعمها النامي بالقنابل الصهيونية. وبذا فإن أهلها وناشطيها يحملون على كواهلهم أيضا ثقلا إضافيا في نشاطهم السياسي والاجتماعي، هو عبء الدفاع عن حيفا المتشكلة في الوعي الفلسطيني المحروم منها، كموضع لا تختفي منه فلسطين، ولا تسقط بالتقادم، ولا تختنق وراء الحدود المصطنعة. ومن شواهد ذلك أن قسما كبيرا من النشاطات الوطنية فيها قد صار واحد من اشتراطاته غير المعلنة التنسيق لإقامتها بالتوازي مع مواقع الوجود الفلسطيني الأخرى، على الأرض المحتلة منذ 1967 وفي الشتات.

في الـ13 من نيسان، من خلال نشاطات تأبين الشهيد باسل الأعرج، أطلق ناشطون فلسطينيون إسمه على المفترق الذي تقام فيه العديد من تظاهراتهم. لقد أثبتت التجربة أن هذا الفعل قادر على الصمود والثبات، حيث يروي الناشطون قصة بقعة أخرى في المدينة، هي الساحة التي أطلق عليها المضربون عن الطعام في حيفا، إسنادا لإضراب الحركة الأسيرة في العام 2011، إسم “ساحة الأسير”. وعلى مدار خمسة أعوام تسلل هذا الإسم حتى إلى لسانيات المؤسسة الحاكمة. فهنالك أكثر من قصة اشتكت فيها البلدية من نشاط يتم في ساحة الأسير، أو يسأل فيها ضابط المخابرات ناشطا يتم التحقيق معه عما كان يفعله “في ساحة الأسير”.

هذا الاختراق، الانتصار في المعارك الصغيرة والرمزية، هو الآخر أمر مهم، لأن حيفا المدينة لا يمكن لها بالمطلق أن تنفصل في الوعي الفلسطيني عن المجاز، الرمز، حيث يشتبك مشروع الاستقلال الفلسطيني بمحاولات طمس المدينة، ومجازر قضائها، وقصص مقاومتها، تحت شعارات التعايش الموهومة.

شرطة الفكر: قصة تحقيق ودعوة لتقديم الشكاوى

ملابسات تحقيق شرطة الفكر مع الناشطة سهير بدارنة

(نُشر هذا المقال في موقع عرب 48)

يرجع مصطلح “شرطة الفكر” لرواية جورج أورويل “ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين”، التي صدرت في العام 1949. لقد تنبّأ أورويل خلال روايته كيف ستتحكم الشرطة بأفكار الناس وتقمع أي فكر لا يعبر عن الحب غير المشروط للنظام. ولكن تقدم البشرية تأخر ولم تتوفر أدوات المراقبة الشمولية على الفكر حتى السنوات الأخيرة عندما تطورت شبكات التواصل الاجتماعي وصار الجميع ينشر أفكاره من على صفحاتها.

فوجِئَت الناشطة الحيفاوية سهير بدارنة صباح يوم الأحد 26\2\2017، حين تلقت مكالمة هاتفية من رقم غير معروف، وقد عرّف الناطق نفسه كضابط تحقيقات في شرطة الناصرة، وأمرها أن تحضر حالًا للتحقيق في مكتبه. ولم يقبل الضابط أن يفصح عن سبب هذه الدعوة العاجلة أو ما هو موضوع التحقيق. ليست التحقيقات ولا تنكيل الشرطة غريبان على بدارنة، وهي ناشطة في حراك حيفا وأم لشابين ناشطين، منهم الصحفي والكاتب مجد كيال، الذي “أخفته” المخابرات الإسرائيلية شهر نيسان 2014 إثر عودته من زيارة مهنية في بيروت. ولكنّ حتّى هذه السهير لم تكن حتى قادرة على تخيّل السبب الذي ظهر لاحقا ليفسّر سبب طلبها للتحقيق لدى شرطة الناصرة!

رفضت بدارنة الحضور للتحقيق من دون دعوة مكتوبة، وقد أصرت على تنسيق موعد ملائم أكثر، أما الشرطي فقد شدد على أهمية الموضوع قائلا بأنّه لا يتحمل التأجيل. وقد اتفقا في نهاية المطاف على أن يجري التحقيق في صباح الغد فقد قام الشرطي بإرسال دعوة مكتوبة إلى رقم فاكس أعطته له بدارنة.

أخبرت بدارنة محل عملها أنها مضطرة إلى الغياب يوم الاثنين. في ذلك اليوم، استيقظت في ساعة مبكّرة من يوم العطلة الذي فرض عليها فرضا، لكي تتمكن من اللحاق بالحافلة الذاهبة من حيفا إلى الناصرة. وحين وصلت، أضاعت بدارنة طريقها وهي تبحث عن محطة “القشلة” المخفية بين الأزقة في منطقة “العين”. وأخيرًا وصلت الى المحطة وعرضت على الشرطيين الدعوة، ليتم توجيهها إلى ضابط التحقيق.

موضوع خطير

“هل تريدين استشارة محامي؟”، سألها الضابط لدى حضورها. “لا أعلم ما هو موضوع التحقيق ولذلك لا استطيع ان اقيِّم هل احتاج للإستشارة” أجابته.Police women picture - FB status

وأخيرًا، أخبرها المحقق أنها متهمة بالتحريض ضد شرطية، في منشور (ستاتوس) نشرته على الفيسبوك. في تلك اللحظة فقط أدركت بدارنة سبب التحقيق، فتنفّست الصعداء، ثم أخبرت المحقق أنها لا تظن أنها بحاجة لاستشارة قانونية.

أخرج الضابط من مكتبه ملف كبير مليء بأوراق مصورة وأخرج منه صورة من صفحة الفيسبوك الشخصية لبدارنة تظهر فيها صورة شرطية عربية ترتدي زي الشرطة الإسرائيلية وحجاب أسود. لقد نُشرت هذه الصورة سابقًا من قبل دائرة العلاقات العامة في الشرطة نفسها، أما بدارنة فقد أعادت نشر الصورة تحت العنوان “الأسود يليق بك”.

شرحت بدارنة للمحقق أن “الأسود يليق بك” اسم كتاب مشهور للكاتبة الجزائرية احلام المستغانمي، وأن تعبيرها بهذا الشكل لا يمكن أن يُعتبر تحريضًا أو مخالفة لأي قانون كان.

المحقق، من جهته، صرّح أنه يعرف الشرطية شخصيًا، وقد قال أنها شعرت بالضيق الشديد بسبب نشر صورتها، وخصوصا لأن الكثير من تعليقات المعلّقين على منشور بدارنة قد احتوت على الشتائم موجهة للشرطيّة. لكنّ المحقق قد أكّد أن الشرطية نفسها وعائلتها لم يتقدموا بشكوى رسمية ضد هذا النشر.

تحقيق سياسي

لم يقتصر التحقيق على نشر الصورة موضوع “الاتهام”، فقد تطرق المحقق لمواقف بدارنة ولنشاطها السياسي ولـ”تأثيرها” من على شبكات التواصل الاجتماعي.

سأل الشرطي بدارنة إن كانت تعترض على التجنيد للشرطة الإسرائيلية. وقد أكدت سهير على ذلك.  وحين استفسر منها عن سبب معارضتها، أهو بسبب تجنيد البنات؟  أو أن السبب هو معارضة انضمام المسلمين إلى الشرطة؟ فأجابت أنها لا تعترض بشكل خاص على تجنيد البنات أو المسلمين، ولكنها تعارض، من حيث المبدأ، خدمة أي عربي في الشرطة الإسرائيلية.

Sueir Badarneh 2

سهير بدارنة

سألها المحقق إن كانت ناشطة سياسية، وقد رفضت سهير الإجابة على هذا السؤال، ما دفعه إلى القول بأنه يعلم عن نشاطها، وقد نصحها بأن تخفف من هذا النشاط.

في لحظة ما، من خلال التحقيق، قال لها المحقق، صراحة، بأنه يبدو أن مواقفه السياسية تختلف كثيرًا عن مواقفها…

وتفاخر المحقق بعمله في جهاز الشرطة الذي يراقب من خلاله كتابات الشباب على الفيسبوك، مضيفا أنه يدعو إلى التحقيق أربعة أو خمسة شباب في كل يوم في هذا الإطار.

ومن جانبها سألت بدارنة المحقق إن كان قد سمع عن العنف المتفشي في المجتمع العربي وعن انتشار السرقات وحالات الاغتصاب وهل كل هذه القضايا المؤلمة لا تهتم بها الشرطة لكي يجد المحقق نفسه متفرّغا تماما لمهمة قراءة الستاتوسات واستدعاء الشباب بسبب تعبيرهم عن آرائهم.

التحقيق كطريقة للمضايقة والتحرّش

بعد حديث طويل عريض دون تسجيل بروتوكول، أعلن المحقق أن الأوان قد آن للتحقيق الرسمي. وأخبر بدارنة رسميًا أنها “متهمة في التسبب بضرر نفسي للشرطية”  وقد أخذ يوجه إليها للمرة الثانية الأسئلة التافهة ذاتها، ويسجل الحديث على الحاسوب.Police invitation edited

استمر التحقيق حوالي ثلاث ساعات. وفي أخره قال المحقق لبدارنة أنه سيأخذ الهاتف منها لأن عليه أن يفككه ويفحص محتوياته. هنا استفزت بدارنة وأمسكت الهاتف بيدها ورفضت ان تعطيه للمحقق وقالت أنها غير متهمة في أية مخالفة ولا يوجد أي سبب لمصادرة هاتفها، فإذا ما أصرّ المحقق على ذلك فهي تطلب حقها باستشارة محامي. خرج المحقق  ليستشير هو من يستشيره، ولدى عودته إلى المكتب، أعلن لها أنه يتنازل عن مسألة التفتيش في الهاتف، ثم سمح لها بالمغادرة.

يشكل التحقيق، في الكثير من الحالات، نوعا من العقاب ليس ضد المتهم بمخالفة القانون ولكن ضد من يعبر عن رأي مخالف للنظام، أو ضدّ من لا تعجب تصرفاته الشرطة. لقد أثبتت هذه التجربة البسيطة، التي تتكرر يوميًا، أن الوعي وإدراك الإنسان لحقوقه يمكن له أن يخفف الضرر الذي قد يترتب على هذه التحقيقات، في الكثير من الحالات. لقد تمكّنت بدارنة من تأجيل موعد التحقيق ومن الحصول على دعوة مكتوبة ومن منع مصادرة هاتفها.

كان من الممكن أن يكون الوضع ابسط والتحقيق أقصر إنْ لم تحضر بدارنة هاتفها معها. ومن حق أي شخص منّا أن يطلب توثيق التحقيق في بروتوكول من اللحظة الأولى، حيث لا يوجد أي إلزام للحديث مع الشرطة “بشكل غير رسمي” لمن لا يريد ذلك. كما أنه من حقنا أن نرفض الحديث حول أي موضوع لا علاقة له بالتحقيق نفسه.

هل تعرضتم للتحقيق بسبب نشر الرأي؟

بعد نشر تفاصيل التحقيق مع بدارنة اتصلت مؤسسة عدالة وجمعية حقوق المواطن بها، وتم تسجيل إفاداتها. وقد علمنا بأن الجمعيّتان تجمعان تفاصيلا حول قضايا التحقيقات بسبب نشر الرأي. وهما تفحصان إمكانية معالجة هذه القضايا على المستويين المبدئي والشخصي.

إن تعرضت لتحقيق من هذا النوع، أو كنت تعرف شخصًا آخر تعرض أو تعرضت له ومستعد\ة لتقديم الشكوى، يمكنك الاتصال مع أي من الجمعيتين، كما يمكنك التوجه إليّ عن طريق هاتف رقم 0544790989 أو البريد الإلكتروني yoav.haifawi@gmail.com

(نُشر أيضًا تقرير في اللغة العبرية حول التحقيق ذاته)

هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء

بقلم: محمد كبها

(نشر هذا المقال للرفيق محمد كبها في موقع “لاجئين – بوابو اللاجئين الفلسطينيين” يوم الأحد 15\1\2017 وبعدها في موقع عرب 48)

استيقظنا، مرة أخرى، خلال الأسبوع الماضي على خبر هزّ أعماقنا. فقد اجتاحت جرافات الاحتلال الصهيوني في وضح النهار بلدة قلنسوة الواقعة في الداخل الفلسطيني (غربي طولكرم) وقامت بهدم أحد عشر منزلًا.

تشبه هذه البيوت التي هدمت بحجة عدم الترخيص، أكثر من 70 ألف بيت في الداخل الفلسطيني تفتقد للتراخيص، وهنالك الآلاف منها مهددة بالهدم الفوري. ويعود ذلك طبعًا لعدم إصدار السلطات “الإسرائيلية” لهذه التراخيص. فالخرائط الهيكلية للبلدات العربية لم تتوسع أبداً منذ قيام دولة “إسرائيل”. هذا، على الرغم من تضاعف عدد الفلسطينيين بسبعة أضعاف. كما أن الحكومة “الإسرائيلية” لم تسعَ إلى بناء مدينة أو قرية عربية واحدة، مقابل بناء أكثر من 700 مستوطنة لليهود.

لقد صدر قرار الهدم بحق بيوت قلنسوة قبل يومين فقط من تنفيذه، وبتوجيه القيادة السياسية الصهيونية وعلى رأسها بنيامين نتنياهو الذي وعد بذلك في الأسابيع الأخيرة خلال مسرحية النقاش حول نقل مستوطنة عامونا، ولم يتَح لأصحاب البيوت الفلسطينيين حتى تقديم الاستئناف ضد هذا القرار.

بعد تنفيذ الهدم مباشرة، سارع نتنياهو إلى تبشير جمهور مشجعيه الفاشيين متفاخرًا بمشاركة الخبر عن صفحة أخبار صهيونية عنونته بـ”قواتنا هدمت 12 بيتا عربيا في قلنسوة”.

وتشهد تصريحات نتانياهو بأن هذا الهدم هو فصل آخر من فصول معركة التطهير العرقي التي يمارسها الاستعمار الصهيوني والتي بدأت مع غزو بلادنا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وهي هجمة مستمرة حتى يومنا هذا، بهدف التضييق على الفلسطينيين من أجل اقتلاعهم والتخلص منهم بشتّى السبل. هنا يتمثّل جوهر السياسة الصهيونية في جميع أنحاء فلسطين التاريخية رغم التجزئة الرسمية واختلاف آليات التحكّم في المناطق المختلفة، والتي ابتدعتها “إسرائيل” من أجل تجزئة المقاومة الفلسطينية ضدّ مشروعها.

لاحقاً، قامت جرافات الاحتلال بهدم قرية العراقيب الفلسطينية في النقب للمرة الـ 108. وقد سلمت إخطارات بهدم منازل في مدينة باقة الغربية وقرية عرعرة. فما الذي يجعل “إسرائيل” تطلق هذه الحملة في هذا الوقت بالذات؟

الانفلات “الإسرائيلي” بدعم أمريكي

يتنافس الساسة “الإسرائيليون” فيما بينهم، في الأعوام الأخيرة، على الإفصاح عن عنصريتهم، فقد شكّلت المحاكمة الوهميّة للجندي القاتل إليؤور أزاريا خلال الأسبوع الماضي مسرحًا للمنافسة على دعم واحتضان القاتل، وقد دعا قادة ما يسمى باليسار الصهيوني، قبل اليمين، لمنحه العفو.

ومنذ بداية الانتفاضة الثالثة التي انطلقت في تشرين الأول من العام 2015، صدرت أوامر قتل الفلسطينيين من القيادة السياسية لتصل مباشرة عبر وسائل الإعلام إلى الجنود في الميدان وإلى المستوطنين “الإسرائيليين” الذين يحمل معظمهم السلاح، وقد مهّد هذا إلى ما يقارب مائتي عملية قتل لفلسطينيين.

وتيرة الانفلات هذه تتسارع على جميع الأصعدة وفي جميع أنحاء فلسطين التاريخية، فهدم المنازل وإزالة أحياء وقرى بأكملها في النقب والقدس وغور الأردن على حد سواء، من جهة، وعمليات الإعدام الميداني للفتيان والفتيات الفلسطينيين في شوارع الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتكثيف حملة الاستيطان في حي سلوان المقدسي. و تشديد الخناق على قطاع غزّة المهدد بكارثة إنسانية لو استمرّ الحال على ما هو عليه في الوقت ذاته، علمًا بأن غزة تعاني في هذه الأيام الباردة، فوق معاناتها المستمرة، من أزمة حادة في تزويد المواطنين بالكهرباء، سببها الأول، والمسؤول المباشر عن ذلك هو الحصار الصهيوني الذي بدأ مع إعلان مجلس الكابينِت في 2007 بالبدء في حصار غزة للتضييق على حكومة حماس، والذي ضرب في عدة مناسبات محطة توليد الطاقة الغزّية، ويتحكم بضخ الوقود لمحطات التوليد، ما يتسبب في هذه الأزمة الخانقة. بل إن المطّلع على تفاصيل هذا الحصار يدهش لدى علمه بأن قوائم الحظر تشمل من ضمن ما تشمله: زيت الخروع، مثلا، الذي من غير الواضح سبب منع إدخاله إلى القطاع. أو مادة الألياف الزجاجية (الفايبر غلاس) الضرورية لترميم قوارب الصيد التي تتعرض لإطلاق النار تحت أوهى الذرائع من قبل البحرية “الإسرائيلية”. أو رش المنطقة الزراعية في غزة بالمبيدات الكيماوية. كل هذا يتضاءل أمام المعادلة الرياضية التي وضعها الحكم العسكري “الإسرائيلي”، والتي تهدف إلى تقليص المواد الغذائية الداخلة إلى قطاع غزة إلى الحد الأدنى، لإبقاء 2 مليون فلسطينيًا أحياء على حافة الكارثة الإنسانية.

تتبدى ملامح وحشية التصعيد هذه أيضاً في المصادقة على قوانين تمنح المستوطنين في الضفة الغربية مزيدًا من الصلاحيات من أجل سلب الأراضي الفلسطينية وترهيب المواطنين، إلى جانب الهجمة الشرسة على الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، المتمثلة في إخراج الحركة الإسلامية عن القانون وحتى ملاحقة حزب التجمع الوطني الديموقراطي والاعتقالات المستمرة للناشطين الفلسطينيين.

تجد الأفكار المجنونة مكانًا لها في الخطاب “الإسرائيلي” اليوم، وخاصة في ظل تراجع دور النخبة “العقلانية” الصهيونية. حيث تقوم النخب السياسية بتقديم اقتراحات مثل الاقتراح بتهجير عائلات منفذي العمليات الاستشهادية إلى سوريا، أو الدعوة إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه، أو دعوة بعض الوزراء إلى ضمّ الضفة والإعلان عن دولة يهودية من النهر إلى البحر.

هذه التطورات، جميعها، هي نتاج طبيعي للدعم التاريخي المطلق ولإفلات الحبل الذي تلقته “إسرائيل” من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، للتغطية على الجرائم بحق الإنسانية التي ترتكبها.

تأتي إدارة ترامب للاستمرار في النهج ذاته والذي يمهّد للمرحلة القادمة، فبعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير طمأنَ ترامب “الإسرائيليين” قائلًا بأن كل شيء سيتغير عند استلامه إدارة البيت الأبيض في العشرين من الشهر الجاري. وخلال الأسابيع الماضية زارت بيكي نورتون دانلوب، إحدى مستشارات ترامب فلسطين المحتلة، وصرّحت خلال زيارتها بأنها تبدي تعاطفها مع ما سمته “الشعب الإسرائيلي” و”دعمها لحقه الطبيعي في التوسّع على أراضيه وتطوير مجتمعه بما في ذلك على أراضي الضفة الغربية” التي تعتبرها نورتون جزءاً لا يتجزأ من “إسرائيل.”

هذا، وسيعين ترامب، على ما يبدو، دافيد فريدمان اليهودي، سفيرًا أمريكياً في “إسرائيل”، وهو صهيوني متعصب يربطه رابط قوي بدولة الكيان، وقد زار “إسرائيل” وفق تصريحاته أكثر من 100 مرة خلال الثلاثين سنة الماضية، وقد أسس وترأّس جمعية “أصدقاء مستوطنة بيت إيل” ، وهو من داعمي الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، وقد أعلن بدوره بأن أولى خطواته عند استلام مهامه ستكون نقل السفارة “الإسرائيلية” من “تل أبيب” إلى القدس.

سقوط وهم حلّ الدولتين وأزمة السياسة الفلسطينية

لمدة تجاوزت الـ 40 عامًا سقط الكثير من الفلسطينيين في فخّ وهم حل الدولتين الذي رسمته الصهيونية بناءً على قرار الإمبريالية بتقسيم البلاد، لقد ركضت بعض القيادات الفلسطينية لاهثة وراء ذلك الحل المضلل مثلما يركض تائه عطش في الصحراء وراء السراب.

إن سقوط الأقنعة الصهيونية والأمريكية يكشف لمن تمّ التغرير به من الفلسطينيين بأن “إسرائيل” لم تسعَ ومنذ إقامتها الى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وكما هو معهود من قبل حركات الاستعمار الاستيطاني، فإن هدف “إسرائيل” كان ومازال، التوسع واقتلاع السكان الأصلانيين من أراضيهم والتخلص منهم بشتى الوسائل.

لا تتوافق سياسة إسقاط الأقنعة مع توجّه ما يسمى باليسار الصهيوني، أو من أطلقنا عليهم تسمية “العقلانيين” الصهاينة لخوفهم على مشروعهم، فبعد قرار الأمم المتحدة الذي يقضي بوقف الاستيطان في الضفة والقدس، وبعد خطاب كيري الذي تلاه كان ردّ رئيس الوزراء “الإسرائيلي” وحاشيته شرسًا، وقد اتهم هؤلاء الدول المبادرة للقرار بمعاداة السامية، وبدأوا بخطوات قطع العلاقات معها، ووجهوا تهم “خيانة الديموقراطية” لإدارة أوباما وكيري.

تعقيبًا على كلّ ذلك قال إيهود باراك والذي يعتبر أحد رموز معسكر ما يسمى باليسار الصهيوني، بأن حكومة نتنياهو المتعنتة وغير الحكيمة تجرّ “إسرائيل” نحو الهاوية. لقد انتقد باراك وبشدّة ما يفعله نتنياهو الذي يعلن الحرب على العالم، وقال بأنّ ذلك سيعزز من قوة حركة مقاطعة “إسرائيل”. اللافت في تصريح باراك هو توضيحه بأن وتيرة بناء المستوطنات في الضفة قد بلغت أربعة أضعاف ما كانت عليه في فترات حكم نتنياهو، ولكن، يقول باراك، كنا نوهم العالم بأننا نسعى لتحقيق السلام، وكنا نحاور الفلسطينيين ونوهمهم بأننا مهتمين بالتوصل الى حل نهائي معهم.

في الأستوديو إلى جانب باراك جلس المحلل السياسي “الإسرائيلي” المعروف، أمنون أبراموفيتش وقال بأنه وخلال استماعه لخطاب نتنياهو الذي أعلن فيه الحرب على العالم شعر بأنه ماضٍ باتجاه دولة أبارتهايد، وبأنه قد خيّل له أنه عاد في الزمن إلى العام 1986 وقد كان يستمع للتو لخطاب رئيس حكومة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

ما من شك بأن إدارة ترامب ستدعم توجّه حكومة “إسرائيل”، تمامًا كما دعم الغرب وعلى رأسه مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في الثمانينيات، نظام الأبارتهايد.

قد نستفيق في الغد لنقرأ في الصحف عن إعلان حكومة نتنياهو دولة يهودية في جميع أنحاء فلسطين، ولن يفاجئ ذلك أحدًا.

في ظل هذا كلّه، مازالت معظم القيادات الفلسطينية على جانبي الجدار، وحتى في غزّة، تتحدث عن “حلّ الدولتين”، الفكرة التي لم تكن منطقية وواقعية في أية مرحلة من المراحل، عدا عن مدى الظلم المتجسد فيها لشعبنا، فهي تتخلّى عن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني (اللاجئين وفلسطينيي الداخل) ولم تكن لتحقق العدل لشعبنا. إن تخليد وضع يتم فيه تقسيم فلسطين إلى مركز استعماري وهامش خاضع وتابع للاستعمار ومحاصر تمامًا بالإرادة الاستعمارية لن يحقق سلامًا أبدًا في فلسطين، وهو يكرّس الظلم والاضطهاد بموافقة المضطّهَدين وتنازلهم التاريخي عن حقوقهم. إن شعبنا الذي دفع ضريبة الدم منذ ما قبل عام 48 ولا زال يدفعها حتى اليوم يستحق ما هو أكبر من استقلال البلديات. فصراعنا مع الاحتلال لم يكن ولن يكون إداريًا حول صلاحيات جمع القمامة ومد خطوط الكهرباء والبنية التحتية. بل إنه صراع نحو التحرر وتقرير المصير، وفي صلبه مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين.

الأمر الواقع في فلسطين يدعونا للتفكّر في إعادة الاعتبار لبرنامج الإجماع الوطني الفلسطيني الذي سقط من أجله غسان كنفاني ودلال المغربي والآلاف من شهداء شعبنا في المجازر وفي المعارك، من أجل حل عادل لقضية شعبنا، أسس هذا الحل تكمن في تفكيك البنية الصهيونية للكيان “الإسرائيلي”، وفي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم، هذا هو صلب الحل الكامن في الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي تم اغتياله على مراحل متعددة، وصولاً إلى شطبه في العام 1997. هذه الرؤية المتمثلة في إقامة نظام ديمقراطي في فلسطين ستشكّل حلًا ليس للفلسطينيين وحدهم، بل وستحرر مستوطني الكيان الصهيوني نفسه من الكارثة التي ألحقوها بأنفسهم وبشعبنا.

احتلال الحليصة للمرة الـ…

(على خلفية هجوم الشرطة الأخير على حي الحليصة في حيفا، تم نشر هذا المقال تحت عنوان “حيفا المخيّم” في موقع “فلسطين ultra”)

مقدمة الرفيق مهند

يسألك سائق التاكسي: “جنين البلد ولا المخيّم؟” ومثله، يسأل الناس في أماكن شتّى من فلسطين أسئلة كهذه: طولكرم المخيّم؟ شعفاط البلد؟  قلنديا الحاجز أم البلد أم المخيّم؟ هكذا صارت في المفردات الفلسطينية ثنائيات تشير إلى وجود حيّزات مدينية متوازية لا تختلف في التسميات فحسب، بل وفي تعامل المؤسسة الرسمية معها.

المفارقة التي قد لا يعرفها البعض هو أنك بإمكانك أن تسأل أيضا، شخصا آتيا من حيفا، إن كان آتيا من حيفا البلد أم حيفا المخيّم. مجازا طبعا. فنحن الفلسطينيين نعيش أيضا في هامش المجاز.

احتلال الحليصة للمرة الـ…

خلال الأيام الأخيرة، داهمت قوات كبيرة من الشرطة والوحدات الخاصة ورجال الشاباك والكلاب حي الحليصة الفقير المنكوب الواقع على منحدرات جبل الكرمل شرقي حيفا. حيث اقتحمت القوات بيوت المواطنين من دون أمر قضائي أو استئذان أو انتظار، وقامت بإلقاء النساء والأطفال الذين كانوا نائمين في أسرّتهم إلى برد الليل  أثناء عمليات تفتيش البيوت والعبث في محتوياتها.

police-plane-in-halisa

طائرة الشرطة فوق الحليصة

قامت الشرطة بكل ذلك بحجة البحث عن شاب من أبناء الحي، تقول أنها تشتبه بضلوعه في مقتل مواطن يهودي في حي الهادار المجاور صباح يوم الثلاثاء 3\1\2017. لكن عمليات المداهمة العشوائية البربرية لم تكن مجرد إجراءات تحقيق شرطي عادي بل كانت عملية انتقام وترهيب موجّهة ضد سكان الحي بشكل عام. فرجال الشرطة، حينما يقومون بتغطية وجوههم بالأقنعة السوداء، لا يكونون رجال قانون بل عصابة إجرامية تأتي لكي تنفذ جرائما بحق المواطنين من دون أن يتاح التعرف على هوية المنفذين.

اقتحم رجال الشرطة الحي وهم يحملون البنادق التي تستعمل في العمليات القتالية. وكانت تصرفاتهم جميعها تشهد بأنهم  لم يأتوا بهدف اعتقال المشتبه به بل بهدف قتله. بذا، يقوم هؤلاء بـ”إغلاق الملف” من  دون التحقيق فيه. بل إن بعض ضبّاطهم قد صرّح بهذه الغاية بشكل مكشوف، لوالد الشابّ المطلوب وقالوا له “قل ’الله يرحمه‘ وأحضر التمر…”hooded-police-in-halisa

بعد يومين من هذه الحملة المسعورة قام الشاب المطلوب بتسليم نفسه في مركز الشرطة في عكا ونُقل إلى زنازين المخابرات بهدف انتزاع الاعتراف منه.  ويبقى أمر التعتيم على حيثيات التحقيق ساري المفعول. ولكن، كما نُشر من اقرباء المعتقل، فهو ينفي أي علاقة بالمنسوب له.

أمَّا الاعتداء الصهيوني على حي الحليصة وسكانها فهو ليس أمرا جديدا، وقد اخترتُ، في هذه المناسبة أن اتذكر وأذكّر  ببعض سوابقه.

الاحتلال الأول – 1948

الحليصة حي جبلي صغير، بُنيّ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وقد كان في الحليصة مقر اتحاد لجان الأحياء العربية ـ على شارع صلاح الدين الرابط بين حي الهادار اليهودي وبين مدخل حيفا الشرقيّ.  تحوّل مركز لجان الاحياء لاحقًا إلى مقرّ لـ”حركة النجادة” التي اجتهدت للدفاع عن حيفا قبل سقوطها وتهجير سكانها في شهر نيسان 1948. وقد  كانت الحليصة ميدان المقاومة الأشدّ في حيفا، حيث كان القتال يتركّز هنالك من منزل إلى منزل. ولا أزال أذكر، حين تعرّفت على هذا الحي للمرة الأولى في سنوات الثمانينيات، مشاهدتي لآثار الرصاص، من آثار معركة الحليصة، على العديد من جدران منازل الحي.

بعد تهجير سكان الحي الأصليين استولت ’دولة إسرائيل‘ (وبعض السماسرة) على ممتلكات هؤلاء، وقامت بإسكان المهاجرين اليهود فيها. وقد ظل الحيّ على هذه الحال إلى أن عادت إليه هويته العربية الأصلية بعد عقود، حين تحول إلى أفقر أحياء المدينة. حيث تمكّن بعض لاجئي حيفا والقرى والمدن المهجرة الأخرى شراء حق السكن (“الأجر بالمفتاحية”) في منازل الحي. أتذكر بأن أحد سكان الحي قد روى لي بأنه حين حضر لكي يوقّع على اتفاقية الاستئجار مع شركة “عميدار” [وهي شركة الإسكان الحكومية] بأن  الموظف قد قال له “لقد كلّفنا احتلال الحليصة  الكثير من الدماء وها انتم تشترونها منّا”.

تحولت الحليصة إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين في وسط حيفا  بإمكان المرء فيه أن يجد العائلات الناجية من مجزرة بلد الشيخ أو مجزرة الطنطورة، إلى جانب مهجري أم الزينات وصفورية وسحماتا والياجور وغيرها.

ذكريات التهجير الثاني 1967

كنت ساكنا جديدا في الحي، عندما حلّ موعد انتخابات الكنيست في العام 1984. أصدرت حركة أبناء البلد التي انتمي لها، وقتذاك، بيانًا يدعو لمقاطعة الانتخابات. ولكنني وجدت بأن الأحزاب الصهيونية تقتحم الحي. في الوقت الذي كان فيه الحزب الشيوعي، الذي يملك جذورا في الحي، لا يجرؤ على توزيع بيانه الانتخابي هناك. ولذلك، فقد  تجاوبت مع مبادرة  “الكابتن”، وهو ناشط كان أهل الحي يطلقون عليه هذا اللقب لأنه كان مدرّبا لفريق كرة القدم الخاص بالحليصة، وخرجنا سويا لتوزيع بيان الجبهة الديمقراطية على منازل الحارة. وقد فوجئت عندما قال لنا العديد من المواطنين الذين زرنا بيوتهم بأنهم يخشون من التصويت للجبهة، ويخشون أكثر من المقاطعة، خوفًا من أن تقوم السلطات بقطع الماء والكهرباء عنهم.

علمت، فيما بعد، بأن هذه المخاوف لم تكن وهمية، بل نتاج لتجربة السكان المريرة، الذين تجمّعوا في غالبيتهم في مخيم للاجئين الفلسطينيين بعد الحرب على ساحل حيفا، في حي “البراكسات” وهو حي مكون من أكواخ تم بناؤها كيفما اتفق، في المنطقة الصناعية المجاورة “أرض الرمل” (خوف شيمن)، من دون أن يتلقوا أبسط الخدمات البلدية.

في العام 1967، استغلت بلدية حيفا الصهيونية أجواء الحرب، وأتت، من دون سابق إنذار في صباح يوم من أيامها لكي تسوي الحيّ الفقير بالبلدوزرات وتمسحه تماما من على وجه الأرض. وهكذا، فقد عاد لاجئي العام 1948 من جديد إلى اللجوء، وعادوا بعد “تمتعهم بميزة السكنى في بيوت الصفيح” إلى السكنى في الكهوف وبقايا المنازل المهدومة في وادي رشميا القريب، من دون ماء جار أو كهرباء. لقد كانت مجرد مسألة الحصول على منزل في حي الحليصة تعد إنجازا كبيرا لهم، بعد مرور عشرات السنوات من دون أن يكون لهؤلاء سقف ثابت فوق رؤوسهم ورؤوس أطفالهم.

منع تجول

لم تنتهِ معاناة السكان في نقطة تثبيت وجودهم في حي الحليصة. فلطالما اعتبرتهم بلدية حيفا “غرباء” رغم وجود أغلبيتهم في حيفا منذ 1948، ورغم أن العديد منهم كانوا يعيشون في حيفا قبل النكبة وقبل معظم السكان اليهود في حيفا. وقد مارست البلدية، والهيئات الحكومية سياسة التمييز والإهمال تجاه الحي، وذلك على أمل أن يتسببوا في نزوح السكان الفلسطينيين من المدينة. فكانت هذه المؤسسات حال تمكنها من إخلاء أحد المنازل من ساكنيه، تقوم بهدمه. وقد حدث أيضا أن الحكومة قد قامت بهدم أنصاف المنازل، قبل رحيل كل سكانها، وحولوها إلى مواقع غير صالحة للسكنى.we-will-not-be-quiet

تبنت شرطة حيفا، أيضا، سياسة مقصودة لتحويل حي الحليصة إلى مركز لتجارة المخدرات، وذلك بهدف ابعاد هذه التجارة عن الأحياء اليهودية. لقد تسبب هذا الأمر في ضياع جيل كامل من الشباب في سنوات السبعينيات والثمانينيات. وقد استمرّ الأمر إلى أن قام السكان بتنظيم أنفسهم لإبعاد هذا الوباء عن الحي. وقد كان الإجرام في الوقت ذاته يتفشى في الحي من دون أن تقوم الشرطة بأدنى مجهود لمنعه وبالمقابل تبنّت الشرطة سياسة “الغزوات الانتقامية” لمعاقبة الحي بأكمله. ولا زلت أذكر الأيام التي كانت فيها الشرطة تعتدي على الشباب وتهينهم في الشارع الرئيسي، شارع احمد شوقي الواصل إلى جامع الحج عبد الله، وتطور الأمور إلى مواجهات مفتوحة بين راشقي الحجارة  وقوات القمع، حيث كانت هذه المواجهات تستمر لساعات طويلة وتنتشر  في كل موقع من مواقع الحي.protesting-police-violence-in-halisa

في مرحلة متأخرة، أصابت مصيبة أخرى الحي، تتمثل في ظاهرة الصراعات الداخلية وانتشار السلاح وتنفيذ حالات قتل. وعلى الرغم من انتقال مقر الشرطة المركزي في حيفا إلى حي “الحليصة التحتى” فإن هذه الشرطة لم تتدخل  للكشف عن منفذي جرائم القتل، أو لمنع العنف طالما طال هذا العنف سكان الحي الفلسطينيين. وتحضرني في هذا السياق قصة حصلت في شهر حزيران 2008، حين أتت الشرطة في أحد الأيام التي شهدت فيها شوارع الحليصة اشتباكا بالسلاح الناري، وقد ادعى رجال الشرطة بأن بعض الشبّان قد قاموا بتصويب أسلحتهم نحو رجال الشرطة، علما أن أحدا من هؤلاء لم يصب.

قررت الشرطة معاقبة الحي بأكمله، لاستعادة هيبة الدولة، وعادت مساء اليوم ذاته إلى الحي بقوات معززة من الوحدات الخاصة وتلك التابعة لحرس الحدود، وأعلنت عن فرض حظر التجول في الحيّ بأكمله. وانشغلوا أثناء قيامهم بفرض الحظر بإيقاف ركاب السيارات العائدة إلى الحي، من دون علم أصحابها بأن هنالك حظر تجول مفروض، حيث كانوا يجرون الناس من السيارات في الشوارع ويقومون بضربهم ضربا مبرحا على جانب الشارع الرئيسي. فإذا ما حاول أحد السكان الخروج من منازلهم لوقف الاعتداء على أقاربهم أو ضيوفهم، تحول هو نفسه إلى ضحية لوحشية الميليشيات الشرطية.

الهدم والترحيل

لم تقتصر المواجهات بين الشرطة وسكان الحليصة على الكرامة فحسب وعلى الاحتلالات المتكررة، بل إن لدينا أيضا حصتنا من النضالات المطلبية.

قمة هذه النضالات كانت في عزّ برد الشتاء في مثل هذا الشهر، كانون ثاني 2005، عندما أصدرت المحكمة، بطلب من البلدية، أمر هدم لبعض الشرفات، كمقدمة لمشروع كبير لتوسيع الشوارع على حساب البيوت والساحات والحدائق.  قام سكّأن الحي بنصب خيمة اعتصام أمام المنازل المهددة ونظموا الحراسة ليلًا ونهارًا. لقد جهّز أهل الحي أنفسهم في هذه المرة جميعا لمجابهة القمع ولمنع احتلاله مرة أخرى. وقد أدى ذلك، في النتيجة، إلى امتناع الشرطة عن اقتحام الحي، وهذا ما أجبر البلدية على التنازل عن مشروع الهدم والمصادرة.demonstration-against-house-demolition-in-halisa

لم يتأخر، بعدذاك، انتقام الشرطة من انتصار السكان عليها. فقد اختارت البلدية هدفا آخرا للهدم، وهو منزل عائلة بشكار، على مدخل مدينة حيفا الرئيسي، وهو منزل منزو عن منازل الحي. قامت الشرطة بإغلاق مداخل حيفا الرئيسية طيلة ساعات وحاصرت المتمترسين في المنزل (الذين بلغ عددهم نحو مئة من النشطاء)، وقامت بالاعتداء عليهم بالضرب قبل أن تقوم بهدم المنزل. إلا أن السكّان قد قاموا بجمع التبرعات ووضع بيت نقّال جاهز، في موقع المنزل المهدوم.

إن حادثة هدم منزل عائلة بشكار، لم تروِ غليل الشرطة ورغبتها في الانتقام من سكان الحليصة، فقد استغلّت الشرطة، ثانية، أمر إخلاء ثان صدر ضد أحد سكان الحي، وفاجأت السكان صباح أحد الأيام بإغلاق جميع مداخل الحي، واقتحام الشوارع باستخدام مئات العناصر من بلطجية الوحدات الخاصة، واستخدام الطيران في سماء الحي.  وقامت قوات الكوماندو الشرطي باقتحام المنزل المستهدف من الشبابيك، وهو على الطابق الثالث، لكي تقوم باعتقال سكانه: رجل عجوز يعاني من أمراض القلب، مع زوجته وبناته اللواتي كنّ في الفراش. وانتصرت الشرطة مجددا باعتقال العائلة وتدمير كل محتويات منزلها.

إننا، إن قلنا بأن الحلّيصة محتلة  فهذا لا يعني كلاما مبدئيا مجردا أو حقيقة تاريخية فحسب. بل إن هذا الاحتلال عملية مستمرة، ويأتي على شكل سلسلة رعب متكررة يعيشها السكان جيلا وراء جيل.

على هامش اعتقال الدكتور باسل غطاس

(تم نشر هذا المقال على موقع “فلسطين ultra” – وأضافت هنا فصل خاص حول مساهمة “حراك حيفا”)

علينا أن نفهم: نحن الآن في خضمّ مرحلة من الرّدة في العمل السياسي. يتبدّى هذا بشكل واضح مع توجه المؤسسة الاسرائيلية نحو القمع الفاشي دون اضطرارها هذه المرة لارتداء قناع “عملية السلام” او مكياج “الديمقراطية”، ومع احتدام الثورة المضادة في البلدان العربية باستخدام كافة أساليب البطش والقمع الوحشي لوقف، بل معاقبة، مطالب الجماهير بالحرية والعدالة، ومع استفحال اليأس وبلوغ الضياع حدّا يجعل بعضنا يدافع عن الإجرام السلطوي أو الساديّة باسم الدين أو الطائفة باعتبارهما طريقا إلى الخلاص، ووصولاً إلى انزلاق مجتمعات الدول الامبريالية باتجاه كراهية البشر والتطرف الشوفيني.

لقد أثبت التاريخ ان المحرّك الرئيسي لتطور البشرية بشكل عام، ولنمو الفعل الجماهيري الثوري نحو إسقاط المؤسسات القمعية القديمة وإنشاء قاعدة جديدة لتطور المجتمعات، هو الأمل والإيمان بقدرتنا على بناء مستقبل أفضل. فالعمل السياسي يخضع لقوانين التطور البشري، وهذا التطور، بدوره، يعتريه المدّ والجزر، الفعل وردّ الفعل. وبناء عليه، فمن الطبيعي في مرحلة الردة، أن يتركز نضالنا على الدفاع والتكاتف والتضامن في وجه العدو الذي يحاول أن يستغل اختلال موازين القوى ليغيِّر قوانين اللعبة لصالحه.

كان من المتوقع أن نكون أكثر صلابة في معارك الدفاع عن النفس. فهذه المعارك لا تطلب منا إبداعاً وطرح أفكار أو مفاهيم جديدة يمكن أن نختلف عليها او نخطئ في صياغتها، فنحن في هذه الحالة، ندافع عن وجودنا وعن حقوقنا التي اكتسبناها خلال عقود من النضال. بناء عليه، فإنني أرى أهمّية لمراجعة بعض التجارب الأخيرة خصوصا تلك التي تمحورت حول قضية اعتقال الدكتور باسل غطاس.

الحقيقة والتحقيقات

يرى حكام اسرائيل العنصريين (وأنا هنا أعني القيادة الإسرائيلية تاريخيا، منذ نشوئها وحتى اليوم، وبما يشمل الـ “معارضين” و “حماة الديمقراطية الاسرائيلية” أيضا) بأن العرب يشكلون خطراً وجودياً على مشروعهم الاستعماري الاقتلاعي بناء على بقاء العرب على هذه الأرض. ونحن نشهد الآن، كما شهدنا سابقا، كيف افتعلت القيادات السياسية وتفتعل التحريض ضد العرب، وكيف تلاحق “أجهزة الأمن” المواطنين العرب، فيما يتعامل الجهاز القضائي مع العرب مدفوعا بالعدوانيّة ورغبات الانتقام. ولذلك فمن المستحيل أن نتعامل مع أي تحقيق تمارسه هذه الأجهزة باعتباره محاولة للبحث عن الحقيقة. كما أنه من المستحيل أن نتعامل مع قرارات هذه الدوائر القضائية الحاقدة بأنها تجسيد للعدالة.

يبدو لي مستهجناً، أولًا، قول البعض بأنهم “ينتظرون انتهاء التحقيق”. بيد أن الأسوأ من أولئك هم من يحاكمون المتهم قبل أن يصدر جهاز القمع والتلفيق حكمه بحقّه. إنّ هذا يعدّ ظلما، حتى بحسب قوانين الاحتلال العنصرية.free-basel-ghattas

لدى الاطلاع على الكثير مما نُشر في الصحف العربية والعبرية حول قضية اعتقال الدكتور باسل غطاس، وبعد قيامنا بزيارته ليلة الافراج عنه، أعتقد بأن القضية شديدة البساطة. أنا لا استطيع أن أقول بأن هذه هي حقيقة مثبتة، ولكن، كما فهمت، فقد قام الدكتور باسل باستلام مغلّفات احتوت على بعض الكتب أو الرسائل وقد قام بتسليمها للأسيرين اللذين التقى بهما. وفيما بعد، ادّعت السلطات بأنها قد عثرت على هواتف نقالة داخل هذه المغلّفات.

بناء عليه، فإن من يدعي بأن الدكتور باسل قد تصرّف بشكل غير مسؤول أو خطير، إلى جانب أولئك الذين يدّعون بأنّه قد قام بعمل بطولي، فإن هؤلاء، معاً، يصدّقون رواية الأجهزة الأمنية ويرددونها. إن هذا التصرف هو تصرّف غير مسؤول، وخطير، ولا مبرر له وطنيا. إلى جانب ذلك، فلا يوجد تفسير لادعاء البعض بأنه كان على الدكتور باسل أن يفحص المغلّفات أو يشكك في محتوياتها، لأن أصحاب هذا الادعاء يتبنّون، ولو ضمنيًا، النظرة الاسرائيلية العنصرية التي ترى في كل عربي خطرًا. وإن كان هنالك من يستبعد إمكانية تلفيق التهم وتزوير الأدلة من قبل المخابرات الاسرائيلية فإن علينا أن نوجه له سؤالا إن كان قد سمع في السابق عن عمليات قتل الأطفال واغتيال القيادات والناشطين؟ فهل من المستهجن أن يرتكب نفس الجهاز أساليبا أخرى لتنفيذ “الاغتيالات السياسية”، بحق حزب وطني فلسطيني سبق وأن أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بأنه لا يرغب في بقائه في الكنيست؟

أما إن انتهى التحقيق و “ثبتت” التهم في المحاكم الاسرائيلية فإن هذا لا يعني شيئا بالطبع. فنحن نعلم، من تجارب طويلة أمام المحاكم بأن أجهزة القمع الاسرائيلية متخصصة في انتزاع الاعترافات الكاذبة. كما فعلت محاكم التفتيش في القرون الوسطى التي عرف عنها بأنها كانت تربط حجرًا بعنق المشتبه به وترميه في البحر. فإذا غرق فإن الأمر يعني إثباتا لبراءته، أما إذا طفى، بقدرة قادر، فإن الأمر يعني أنه مدعوم من الشيطان، وبذا فيتوجّب قتله حرقا.

هنالك حقيقة أخرى قرأناها في الصحف وسمعناها من الدكتور باسل، هي أن أحد اسباب تمديد اعتقاله كان رفضه إخبار المحققين باسم الشخص الذي قام بتسليمه المغلّفات. رغم أن معلومة كهذه تعدّ أمراً لا يصعب على السلطات الحصول عليه. إن عمل د. باسل، في هذا الجانب يعدّ عملا أخلاقيا، بل وبطوليا فعلا.

حراك حيفا

يحاول حراك حيفا التصرف بموضوعية وتقديم نموذج من المسؤولية والتضامن والوحدة الوطنية. فقد اعتبرنا بأنّ الهجوم السلطوي على التجمع يعدّ حلقة أخرى من مسلسل القمع السلطوي، تماما كما حدث إبّان اعتقال قيادات حركة أبناء البلد والحركة الاسلامية سابقًا، إلى جانب الإعلان عن حظر الحركة الاسلامية “الشمالية” قانونيا، ناهيك عن الملاحقات المستمرة المرتكبة بحق ناشطي الحراكات الشبابية. إننا لا نرغب، ولن نستطيع، إنقاذ ما تبقى من كذبة “الديمقراطية الاسرائيلية”. بل إن علينا أن نعتبر بأن التصدي لمحاولات تجريم العمل السياسي الفلسطيني هو جبهة أخرى من جبهات النضال التي سننتصر فيها من خلال تعزيز صمودنا وتمتين وحدتنا، ومن خلال عدم السماح لعدوّنا بالاستفراد بمناضلينا.

بناء عليه، كان يهمنا أن نطلق مبادرة لمظاهرة في حيفا دفاعًا عن باسل غطاس من خارج التجمع، تماما كما حدث في شهر أيلول الفائت إبّان اعتقال عدد من قيادات وكوادر التجمع بحجة التحقيق معهم في شؤون تجاوزات مالية.
إننا نفضّل، في أغلب الحالات، أن نجري تنسيقا للنشاط بين كافة القوى والأحزاب الوطنية في حيفا ومع ممثلي الجمهور العربي في المدينة. وبناء عليه، فقد تم تعيين مظاهرة حيفا هذه المرة، وبالرغم من سوء الأحوال الجوية ، لمساء الثلاثاء 27\12. وكان سرورنا مضاعفا مع وصول خبر اطلاق سراح المعتقل وتحويله الى الاعتقال المنزلي، أولًا بفرحة تحريره وثانيًا لتحررنا من واجب الوقوف في الشارع في هذه الظرف. وقد أكمل بعض الرفاق المشوار لزيارة الدكتور باسل في بيته في الرامة وتهنئه على الافراج.

تمّ توجيه انتقادات إلينا بسبب الغاء المظاهرة. كانت حجّة الانتقادات هي استهجان إلغاء وقفة أعلنّاها تضامنًا مع د. غطاس وجميع الأسرى، بعد إطلاق سراح شخص واحد قضى أياما معدودة رهن الاعتقال، في الوقت الذي لا يزال هنالك فيه آلاف السجناء خلف القضبان؟

إنَّ قضية الأسرى كانت وستبقى على رأس اهتمام حراك حيفا، فقد تظاهرنا ولا تزال أمامنا الكثير من التظاهرات التي سنخوضها حتّى الإفراج عن جميع الأسرى. ولكن، ينبغي ملاحظة التالي: إن لكلّ عمل سياسي له حيثياته. فسبب هذه المظاهرة بالتحديد ليس لأن د. باسل كفرد هو معتقل، بل باعتبارها تصدّيا لتصرف السلطة التي تحاول ردع جماهيرنا عن العمل الوطني من خلال استهداف التجمع كحزب سياسي.

الشرطة في خدمة الشعب

سمعنا الكثير حول السياسات الجديدة لحكومة اسرائيل التي وضعت نصب عينيها تدليل “عرب الداخل” فقد خصصت لذلك ميزانيات هائلة. وها نحن نرى كيف تم اهمال سكان مستوطنة “عمونة” الذين كانوا ينتظرون إخلائهم قبل انقضاء العام وتعويضهم بملايين الشواكل، وبناء مستوطنة أخرى أكبر لهم. كلّ هذا لم يتحقق في نهاية الأمر. بل علمنا بأن نتانياهو قد أصدر أمره للبولدوزرات بالتوجه إلى القرى العربية والمدن المختلطة في النقب والسهل والمثلث والجليل لهدم بيوت العرب. لا تستغربوا، ولا تستهينوا بتكلفة يوم عمل لجرّافات الـ D9، بل وزيدوا، فوق ذلك، تكاليف نشر المئات من بلطجية الوحدات الخاصة، ولا تقولوا أن الحكومة تتصرف ببخل مع العرب.

نقطة أخرى تشير إلى هذا الكرم الفائض: أثناء زيارتنا للدكتور باسل علمنا بأن استفادة العرب على حساب مستوطني “عمونة” لم تقتصر على البولدوزرات وقوات الياسام الخاصّة. فقد جهّزت سلطة السجون قسما خاص ومرتّبا في السجن لاستقبال معتقلي “عمونة” في حالة مقاومتهم الاخلاء – وقد دشنت هذا القسم باعتقال د باسل فيه. وقد أطرى الدكتور على جودة البطّانيات الجديدة النظيفة الناعمة في هذا القسم، بعكس البطانيات الخشنة الوسخة في باقي السجون. خذوا هذا وتخيّلوا الآن: كيف سيجنّ جنون المستوطنين قهرا إن علموا بأن كل هذا النعيم الذي حضّرته لهم حكومتهم قد صار مصيره، في نهاية المطاف، أنّ سجينا عربيّا قد استفاد منه!

الهواتف والعالم الشفاف

مع اعتقال الدكتور باسل كتبت مقالا باللغتين العبرية والإنجليزية يوضح بأن تهريب الهواتف للأسرى هو مساعدة إنسانية وليس خطراً أمنيا. فهذا بناء على الأمر الواضح بأن يتم التنصت على جميع محادثات الهواتف في كل البلاد، كما يتم تحليل مضامين المحادثات وتحديد موقع طرفي المحادثة بدقّة. تحت هذه الظروف، وتحت علم الأسرى بالأمر، فإن دور الهاتف ينحصر في مقاومة الظروف اللاإنسانية للأسر، لا غير، وذلك من خلال توفير مجال للأسير للإتصال بأحبّائه. ولكن الأسرى أيضا يعلمون أنهم يدفعون مقابل ذلك ثمنا معروفا ومبررا (رغم كونه غير مقبول)، هو أن هذه الهواتف تساعد السلطات أيضا على  تكثيف عملها الرقابي.

من الواضح أن السلطات تعرف بحقيقة وجود الهواتف في السجون، ولكنه من الواضح أيضا بأنها معنية بأن يتم تهريبها وتمنع ادخالها بطرق رسمية، وذلك بهدف تحميل الأسرى وعائلاتهم تكاليفا اضافية. وفوق ذلك كلّه، استخدام مسألة تهريب الهواتف واستعمالها الـ”غير قانوني” كذريعة للملاحقة والعقاب متى شاءت.

محاولة فهم عزمي بشارة

جانب آخر من قضية اعتقال د باسل غطاس، كان الادعاء بأن المقالات التي استلمها منه الأسير وليد دقة كانت تحتوي على تعليمات مشفرة. وبعد الاستفسار حول الموضوع علمنا انها مقالات للدكتور عزمي بشارة. لقد اتضح بأن رجال الشرطة قد حاولوا قراءة هذه المقالات، ولكنهم، بالطبع، لم يفهموا شيئاً منها. ومن هناك نبع اعتقادهم بأن هذه المقالات مشفرة. وها هو الاسير وليد دقّة يقبع في ظروف العزل والعقاب إلى أن يتمكن أحد من عباقرة جهاز الشرطة من تحليل المضامين “الخفيّة” في هذه المقالات.

دم أهلك حلب لن يذهب هدرًا

بطولة الشّعب السوريّ نموذجٌ للنضال لأجل مستقبل شعوب المنطقة والبشريّة

ما اّلذي يستطيع الكاتب أن يكتبه حينما يتمّ ذبح الأطفال بالآلاف، حينما تُقصف المستشفيات قبل البيوت لكي لا يبقى ملجأ آمن؟ ماذا يمكن للمواطن في “دول الجوار” أن يفعله عندما تجتمع روسيا العظمى وإيران المدفوعة بشكل محموم بدوافع طائفية والميليشيات التابعة لها من أجل سفك دماء السوريّين واستئصال روح الحرّيّة التي ملأت النفوس أملاً وهزّت أركان الأنظمة في المنطقة منذ سنة 2011؟ ومع تكرار هذه المذابح الجماعيّة لأكثر من خمسة سنوات، يومًا بعد يوم، دون هوادة؟

وكيف يمكن أن نستمر في حياتنا اليوميّة وأن نرى أمام عيوننا معاناة الشّعب السوريّ الذي دفع بأرواح أكثر من نصف مليون شهيد ويتعرّض لأبشع جرائم الحرب في تاريخ البشريّة المليء بالفظائع، في الوقت الذي لم نقم نحن فيه بالتحرّك قيد أنملة من أجل وقف هذه الجرائم؟ كيف يمكن لنا أن نتحدث عن حقوقنا ومعاناتنا ونحن نتجاهل ما يجري في سوريّا الآن؟ إنّ التفكير بأحداث سوريّا يترك جرحاً مفتوحاً في قلب كلّ واحد منّا، إلا أن تجاهل هذه الأحداث له معنىً واحد: هو موت الرّوح الانسانيّة في الجسم الحيّ…

لن نتمنّى لكم إلا الحياة الكريمة

لا معنى للكلام أمام بطولة شعبٍ يواجه آليّات الموت والدمّار بجسده وروحه وإرادته للحياة والحرّيّة… إنّ هذه البطولة لا تقتصر على المقاتلين فقط بل إنّ بطولة الدفاع المدني والأطباء وكل أم أو أب يعمل المستحيل لكي ينقذ حياة اطفاله وكل من يخاطر بحياته ليفتش عن قطعة من الخبز ليعيش فصول هذه المأساة يوما إضافيا، لا تقل عن بطولة المقاتلين.

نعرف بأنه ما من قانون تاريخي يضمن انتصار الحق على الباطل أو يقضي أن تتحرر الشعوب وبإزالة الظلم عن المقهورين. لقد عانت الانسانيّة من قرون من التخلف وقرون من الاستعمار وابادة الشعوب المستَعمَرة وحروب احتلاليّة دمويّة راح ضحيتها عشرات الملايين… ولكن لا بد للانسان أن يستمر في البحث عن حياة أفضل ويسعى إلى الحرّيّة والعدالة. ولا بدّ للإنسانيّة أن تكمل مشوار التاريخ وأن تخلق تجاربا تنتج نوعا آخرا من الأنظمة يخدمها بشكل أفضل.

منذ أن كسر الشّعب السوريّ حواجز الخوف والترهيب وطالب بحريته، اعتمد النظام اسلوباً واحداً وهو التّصعيد الدائم في مستوى القمع والقتل لكي يثبت بأنه لا إمكانيّة للحياة خارج سيطرته. إنّني أعتقد بأنّ النظام السوريّ هو أكثر نظام، في التاريخ، استخدم جميع وسائل الحرب والتدمير لهدم بلده على رأس أبناء شعبه. وكلّما تصاعد عنف النظام صار الخضوع له مكروهاً وأكثر مرارة.

الصراع بين الآلة والانسان

حمل ربيع الشّعوب العربيّة في طيّاته أملاً كبيراً، بعد عقودٍ من القمع والغرق في مستنقعات الفساد وانتشار الظّلم والقهر في منطقتنا، بل وتعميمهما. فكان ملخّص هذا الأمل واضحاً جدًا للجميع: إنّ الروح الانسانيّة لا تقبل بالقيود، وأن إرادة الحرّيّة أقوى من آليّات القمع… لقد انتشرت هذه الرسالة وشكّلت حركات احتجاجٍ شبيهةٍ في أوروبا، بل إنّ حركة “أوكيوباي” التي احتلت ميادين المدن المركزيّة في الولايات والمتحدة قد استلهمت روح هذا الرّبيع وانتفاضاته…

ليس غريباً أن يحاول أصحاب السلطة والامتيازات قمع روح التغيير والحرّيّة… فقد اعتاد هؤلاء على استغلال الشّعب وعلى اعتبار خيرات البلد ملكًا لهم. وهكذا، فقد اندلعت الحرب المفتوحة بين آليات القمع وبين إرادة الشّعب السّاعي نحو الحرّيّة على كلّ الجبهات، بدءاً من تدخّل جيوش ملوك وأمراء الخليج لقمع الثّورة في البحرين، وانقلاب السيسي في مصر، و”كرامة” جنرال الـCIA حفتّر في ليبيا، والقصف السعودي-الإماراتي على اليمن الفقير الجائع.aleppoboy-large_trans

إلا أنّ الموقع الأول في هجمة الثورة المضادة محفوظٌ لجيش الأسد في سوريّا، هذا النظام الذي لا يأنف عن ارتكاب أيّة جريمة للحفاظ على سلطته… أما النموذج الأعلى من البطولة الثورية، بالمقابل، فهو كامنٌ في مقاومة الشّعب السّوريّ البطل خلال السنوات الستّ الأخيرة، حيث واجه الجيش بجسده ولم يتراجع عن مطالبه بالحرّيّة والكرامة الانسانيّة. فقبل سنة، بعد تحرير إدلب وتقدّم المعارضة على كلّ الجبهات، كان من المحتمل أن ينتصر هذا الشّعب ويثبت للعالم أجمع بأن إرادة الشّعب أقوى من جيش نظامي يستعمل كلّ الامكانيات العسكريّة…

ومن ثم أتى التدخل الروسي، ممثلاً بثاني أعظم قوّة عسكريّة في العالم، ليغيِّر ميزان القوى لصالح النّظام.

لكم المستقبل

انها مرحلةٌ سوداءٌ في تاريخ البشريّة… فكما بثّ الرّبيع العربيّ الأمل في انحاء العالم، فإن العبث والتّخلف والعنصريّة ينتشران عندما نرى ردود الفعل في دول الغرب على أزمة الاقتصاد الرأسماليّ باتهام “الأجانب” واللاجئين والتّركيز على “الحرب ضد الارهاب” التي تحوَّلت الى حربٍ ضد المسلمين. فيا للعجب! عندما يصبح رجل عصابات مثل “بوتين”، الذي نهبت جماعته ثروات الشّعب الموروثة من الاتّحاد السوفياتيّ وحولوها الى ممتلكاتهم الخاصة، هذا البوتين صار هو المنقذ والنموذج  الذي يُحتذى به، لدى بعض الضعفاء في اليمين و”اليسار” على حد سواء.

لا أقول هذا من باب النقد، بل من باب النّظر نحو المستقبل، إنّ علينا أن نذكر أن الطاقة الثوريّة عند الشعوب، وعند الشّعب السوريّ بشكل خاص، قد كانت أكثر بكثير ممّا تم استغلاله لصالح الثورة، وقد تمّ استنزاف قسم كبير منها في الخلافات الداخليّة، كما قد تحوَّل قسم آخر من الطاقات الثوريّة ومن قدرات الشّعب من خلال جنون “داعش” الى قوة معادية للثورة وهدامة للانسانيّة.

إننا نرى محاولة القوى الكرديّة التقدميّة لخلق نموذجٍ آخرٍ من التّعاون من خلال تجربة “سوريّة الديمقراطيّة” في أقليم “روجافا” – ونتعلم أن انعدام الوحدة بين القوى الرئيسيّة للثورة السوريّة وبين القوى الكرديّة ليس قدرا تاريخيّاّ بل هو نتاجٌ لقصر النظر، وغياب برنامجٍ ديمقراطيٍّ شاملٍ يضمن حقوق الجميع.

طالما بقي انسانٌ واحدٌ يطالب بالحرّيّة ويرفض أن يخضع للبطش والقمع فإننا سنظل معه – وسنحلم بأن يتغيَّر الظرف السّيء فتعود الثورة السوريّة منتصرة. ولكن، وحتّى لو انتصرت قوى الظلم، فإن انتصارها هذا يظل انتصاراً مؤقّتاً وملغوماً، لأنّ الحكم الذي الذي ينبنى على انقاض شعبٍ وتدمير وطنه لا يدوم. أمّا بطولة الشّعب السوريّ في نضاله من أجل الحرّيّة فهي محفوظٌة في تاريخ البشريّة لتبقى الشّعلة التي تضيء الطّريق الى أيامٍ أفضل.