Skip to content

أين توقف مشروع “الدولة الواحدة”؟

Speak_for_Palestine_Latuff _3

ثلاث ملاحظات في أعقاب اليوم الدراسي لـ”اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي”

أعتقد، منذ زمن، بأن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني لا يمكنه النهوض من خلال حركة أو حزب أو تنظيم واحد، بل إنه يتطلب إعادة النظر في (بل والثورة على) مجموع مفاهيم العمل السياسي في جميع أرجاء القوس السياسي الفلسطيني، ومن ثم إعادة الوحدة النضالية تحت سقف استراتيجي واحد قادر على تجميع كل قطاعات الشعب الفلسطيني الجغرافية والسياسية والعقائدية.

كما وأنني أعتقد بأن التجمع الوطني الديمقراطي هو من أوائل المرشحين للقفز خارج دائرة الغموض السياسي، وتبني هذا المشروع. لذلك قبلت، بكل سرور، دعوة أحد رفاق التجمع لحضور اليوم الدراسي الذي نظمه “اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي” تحت عنوان “أزمة المشروع الوطني وآفاق الدولة الواحدة” في مقر التجمع في الناصرة يوم السبت 15\8\2015.

لحسن الحظ، سبقني موقع “عرب 48” فقام  بنشر تقرير حول هذا اليوم الدراسي. وقد ضم التقريرمقاطع فيديو من المداخلات. ولذلك يمكنني أن أكتفي هنا بطرح بعض الملاحظات… وإن أظهرت ملاحظاتي بعض الاشكاليات والانتقادات، فإن المقصود هنا ليس التقليل من أهمية اليوم الدراسي، فأنا أثمّن مجهود القائمين على هذا العمل المبارك، بل هو شعوري بأن وراء مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة طاقة هائلة لم تخرج حتى الآن إلى حيز التنفيذ، وبأن محدوديات اليوم الدراسي قد تُعبر بشكل جيّد عن الاشكاليات التي تعترض كل الجهود لبناء حراك يخطو نحو هذا الهدف السامي. ومن ثم، فإنه لا بد لنا من الوقوف أمام هذه القضايا ومواجهتها.

جيل الثورة

تطرق الأستاذ هاني المصري، مدير مركز مسارات للأبحاث، في مداخلته (الأولى والأشمل في هذا اليوم الدراسي) إلى عدم قيام القيادة الفلسطينية بتجديد صفوفها كجزء من ظواهر وعوامل الطريق المسدود الذي وصلت إليه حركة التحرر الوطنية.

فإذا كان أحد العوامل التي دفعت بالشباب العربي إلى قيادة الحراك الجماهيري في بداية الربيع العربي هو غياب أطر سياسية منظمة على مدار العقود، فإن الساحة الفلسطينية لم تعرف أي “فراغ سياسي”، بل شهدت، على النقيض، كثافة التنظيمات والحركات والنشاط بحكم الحاجة الملحّة دائمًا لمواجهة الاستعمار الصهيوني. ومع إفساد وافلاس العديد من القيادات، لم تخلُ الساحة من قيادات قديمة مخلصة وصادقة. وإذ يمكن القول ان الثورة قد شابت،  فإن القيادات القديمة قد لا تستطيع خلق التجديد والتحديث الضروريان لنهوض الحركة الوطنية من جديد.

تظهر، الآن، الحاجة لتجديد صفوف القيادة الفلسطينية، وهي ملحة جدًا – ليست أقل إلحاحًا من حاجة الحركة الوطنية إلى تجديد برامجها السياسية والنضالية.

وفي اليوم ذاته، السبت 15\8،  وفي الساعة السادسة مساءًا، قام الشباب الراديكاليون بتنظيم مظاهرة (قامت لجنة المتابعة، لاحقا، بتبنيها) على مدخل قرية عرعرة في المثلث تضامنًا مع الأسير المضرب عن الطعام محمد علّان – وقادوها نحو إغلاق الشارع الرئيسي في وادي عارة. في اليوم التالي، الأحد 16\8، قاد الشباب مظاهرة جبارة على مدخل مدينة عسقلان (التي مُنعوا من دخولها للتضامن مع علّان في مستشفى بارزيلاي) واشتبكوا مع الشرطة مما أدى إلى إغلاق المدخل الرئيسي للمدينة… هاتان خطوتان أخريان في سلسلة من الخطوات النضالية التي تظهر الدور الريادي الذي يتخذه الشباب في قيادة العمل الجماهيري خلال السنوات الأخيرة.

لكن، في الحديث عن “السياسة الكبيرة” ، بما فيها الحديث عن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في هذا اليوم الدراسي وفي غيره من المناسبات، نرى ان معظم الكلام يبقى عند الجيل القديم… وحتى إن باب المساءلة لدى الشباب المشاركين بقي ضيّقاً.

ينبغي أن نقول هنا، بكل وضوح: بأن أي نهضة في الحركة الوطنية الفلسطيني، بأن إعادة صياغة المشروع الوطني واخراجه من الطريق المسدود الذي وصل اليه، لم ولن يتحققا إلا عندما يأخذ الجيل الجديد، جيل الشباب، زمام الأمور ويكون قادرا على طرح كل الأسئلة الظاهرة والمبطنة، ويقوم بإعطاء الإجابات الكاملة بجرأة وبوضوح… وإذا لم يستلم الشباب الراديكالي زمام المبادرة والقيادة في الأمور السياسية  فإن كل جهوده وتضحياته ستبقى مجرد وقود لاستثمار سياسي في يد القيادات التقليدية لأجل مشاريع سياسية مهزومة تؤدي إلى الضياع.

بين اليوتوبيا والعمل النضالي

شعار الدولة الديمقراطية الواحدة، من طبيعة تحديده، يوصلنا للحديث عن الحل، أو، حول الواقع الذي نريده بعد “الحل”.  لقد ذكر جميع المتحدثين في اليوم الدراسي أن الشرط الأساسي لقيام هذا “الحل” هو هزيمة المشروع الصهيوني الاستعماري… كما ذكر جميعهم أن الصهيونية غير معنية بأي تسوية، ولو غير عادلة، مع العرب الفلسطينيين، سكان هذه الأرض الأصليين، بل وإنها تسعى إلى الاستمرار في سياسة التطهير العرقي، وأن أي حل ينبغي أن يكون مشروطاً بتغيير موازين القوى.

ونسأل، بكل جدية، ما هي أهمية الحديث عن النظام المنشود في فلسطين بعد تحريرها، إذا لم نعرف كيف نحررها؟

ونعلم أن الهدف، هنا، ليس منفصلا عن الأساليب…

فإذا كانت الاستراتيجية الفلسطينية خلال مرحلة طويلة تعتمد على السعي لحل متفق عليه مع الدولة الصهيونية وبوساطة ورعاية امبريالية، وهذا يتطلب تصرفًا معيّنًا، يشمل تهميش حق العودة وتجنب الحقوق القومية للفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948 والجهود لاثبات حسن النية للاستعمار… فكل هذه التجزئة والتراجع والتنازلات دون مقابل هي ما قد أوصلنا إلى حالة اليأس الراهنة.

إن السعي إلى تغيير موازين القوى يبدأ بجمع كل طاقات وكل قطاعات الشعب المضطهَّد تحت سقف نضالي واحد. إن وحدة الوطن الحر تبدأ، من هنا، بوحدة النضال الشعبي، وهذا هو الدور الأول لحراك الدولة الواحدة.

فلا بد من الوقوف أمام التناقضات المادية، قبل الفكرية. تلك التناقضات التي تعيق اليوم قيام نهضة شاملة للشعب الفلسطيني خلف برنامج وحركة تحرر شاملة… إن قيام السلطة الفلسطينية في ظل الاحتلال له استحقاقاته. إن أسئلة على غرار “من أين تأتي الميزانيات” و”من يدفع أجور الموظفين والعمال؟” وكذلك، وبدرجة أقل من الخطورة، تأتي مهام السلطة المحلية تحت حكم دولة الأبارتهايد الصهيونية والبحث عن نعمة “المواطنة الكاملة” في الدولة اليهودية العنصرية.

إذا أردنا ان نكون وقعيين، فإننا لا نستطيع أن نطلب، في هذه المرحلة الأولية من إعادة بناء الحركة الوطنية، من السلطة الوطنية الفلسطينية ان تلغي نفسها، كما وأننا لا نستطيع أن نطلب من “القائمة المشتركة” أن تترك مقاعدها في الكنيست. إن بناء حركة التحرر يجب أن يكون في أطار آخر، إطار يقع خارج نفوذ اعتبارات الربح والخسارة في ظل النظام الظالم، ومن خلال رؤية وجغرافية أخرى توحد الشعب الفلسطيني.

مسألة اليهود

أعجبني تحليل الأستاذ هاني المصري، عندما سُئل عن حقوق اليهود في إطار الدولة الديمقراطية الواحدة، فقد أجَاب أن الحديث في هذا الموضوع اليوم سابق آوانه، وهو يؤدي اليوم لخلاف بين الفلسطينيين في المرحلة التي يُطلب فيها التوحد في وجه الاعتداءات الصهيونية. وقد ذكر أن قضية التعامل مع اليهود في فلسطين قد تكون ناتجة عن ظروف الانتصار على الصهيونية وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية ويجب أن تُدرس في هذا السياق.

لقد شكلت الجلسة الثانية لليوم الدراسي مثالًا للمتاهات التي يقع فيها العديد من مؤيدي حل الدولة الديمقراطية الواحدة من خلال التلاعب في المصطلحات مثل “دولة ثنائية القومية” و”دولة المواطنين” و”الاعتماد على الشرعية الدولية”. وكأنه بإمكان أي عملية إعادة صياغة من طرفنا لمعادلة الصراع أن تخفف من حدية التناقض بين المشروع الاستعماري الصهيوني وبين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وهنا أعود وأؤكد أن مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة لا يمكن أن يتحقق من خلال القبول بموازين القوى باعتبارها “أمرا واقعا”. إن الخطر الأكبر الذي يواجه بناء هذه الحركة هو النظر إليها باعتبارها ناتجة عن “عدم إمكانية إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع” أو “تفشي الاستيطان وعدم إمكانية تفكيك المستوطنات”، أو “الحاجة إلى التأقلم مع الوضع”.

إن نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية تحت راية الدولة الديمقراطية الواحدة يعتمد على إعادة الروح الثورية والأمل بامكانية العودة وتحرير كامل الوطن. ومن هذه الرؤية وبهذه الروحية، يمكن أن تبنى شراكة حقيقية مع المناضلين اليهود المخلصين للقضية.

إن فقط من خلال الانتصار على الصهيونية وضمان الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني، ستتمكن حركة التحرر الفلسطيني من التعامل الإيجابي مع المواطنين اليهود في فلسطين أيضًا وطرح الحلول الديمقراطية عليهم.

امسك البوظة!

Buza_Comics

Buza_Comics

انطلاقة جديدة لمؤيدي برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين – لماذا؟

Palestine_in_Eye

وكيف يمكن أن نؤثر على معادلة الصراع؟

وجهة نظر شخصية بهدف إثراء الحوار

نطاق البحث، نطاق التحرك

ما هو نطاق التحرك الذي نسعى إليه؟ هل هو حركة أو حزب؟ من هو جمهور الهدف؟ وما هو أفق التحرك؟

يطرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة حلًا للمشاكل الوجودية الأساسية للاجئي فلسطين ولجميع سكانها، أبناء الأرض الأصليين العرب الفلسطينيين وأبناء المستعمرين…

يتطلب الوصول إلى الدولة الديمقراطية الواحدة هزيمة الحركة الصهيونية الاستعمارية العنصرية – وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال حراك نضالي يشمل الجماهير الشعبية الفلسطينية في كل المناطق في الشتات وفي الوطن. ومن هنا، فإن أساس الحراك لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة هو نهضة جديدة لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية على أسس حديثة تتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة.

يطرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة أمام الجماهير اليهودية في فلسطين الحل الأمثل للخلاص من الصهيونية ومن الصراع والحروب اللانهائية التي تدفع بهم إليها، للتخلص من الامتيازات العنصرية وللاندماج في فلسطين وفي المنطقة كمواطنين متساوي الحقوق. مع عزل المشروع الصهيوني في المنطقة والعالم وإظهار الطريق المسدود الذي يؤدي إليه، إننا نسعى لتجنيد قطاعات من الجماهير اليهودية لتأييد هذا المشروع.

معادلة الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي ليست معزولة بل هي في صلب نظام الهيمنة الإمبريالية-الصهيونية-الرجعية في العالم العربي وفي الشرق الأوسط. ومن هنا نرى أن الحليف الأساسي للنضال لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة هو كل من يعمل في المنطقة لمواجهة الامبريالية ولأجل حل ديمقراطي تعددي تقدمي يشمل جميع سكان المنطقة على مبادئ التطور المستقل لأجل الرفاهية للجميع.

لقد تحولت القضية الفلسطينية، بفضل نضال وتضحيات الشعب الفلسطيني المستمرة على مدار العقود، إلى رمز عالمي للنضال لأجل الحرية والعدالة. علينا أن نستثمر هذا الدعم العالمي من خلال طرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة كجزء لا يتجزأ من النضال العالمي للتحرر من رواسب الاستعمار ولخلق نظام عالمي جديد يتأسس على استقلالية الشعوب واحترام حقوق الانسان وضمانها للجميع.

المنطق السياسي يفرض التحرك اليوم

يعيش العالم اليوم مرحلة من التقلبات السياسية الكونية من أزمات اقتصادية تتحول إلى أزمات سياسية والانتقال من نظام عالمي تهيمن عليه قوة واحدة عظمى إلى نظام متعدد الأقطاب وتغيير ميزان القوى الاقتصادي والسياسي بين المراكز الامبريالية وبين الدول النامية…

كما تعاني منطقتنا من أعنف ظواهر الصراع العالمي والتناقضات المحلية، مع الغزوات والاحتلالات الأجنبية والأنظمة القمعية التي لا تمثل سوى نخبة فاسدة ضئيلة، كما تعاني من ويلات الحروب الأهلية وظواهر التطرف باسم الدين أو الطائفة…

في هذه المرحلة التي تتسم بالتغييرات السريعة والجوهرية، نرى قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية في حالة من فقدان الرؤيا التاريخية وهي تلاحق جثة الحل السياسي الامبريالي المجحف المسمى بـ”حل الدولتين”. والصحيح أنه هنالك تناقض غير قابل للتغلب عليه بين حمل الهموم اليومية للسلطة تحت وضع الاحتلال – الذي يتطلب دفع المعاشات الشهرية للعمال والموظفين وتوفير الخدمات الأساسية للموطنين – وبين مهام حركة التحرر التي تبدأ من تحدي نظام الحكم المحلي والعالمي برمته ومن أساسه.

علينا أن نتعلم الكثير من تجربة السنوات الأخيرة، وبالأخص من تجربة الحراك لأجل المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات – المعروف باسمه الإنجليزي BDS. انه من أبرز النجاحات للنضال التحرري الفلسطيني في المرحلة الراهنة، وقد تم التوصل إليه من خلال حراك جماهيري مفتوح مستقل عن كل الأطر والمؤسسات التقليدية.

ونشهد دور الحراكات الشبابية واللجان الشعبية على الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة – في المقاومة الشعبية ودعم الأسرى ومناهضة هدم البيوت وغيرها من القضايا – ما يشير إلى أن هنالك قدرة على خلق نمط جديد من العمل الجماهيري يستغل كل الامكانيات المتاحة من التكنولوجيا الجديدة.

ولكن نلاحظ، في نفس الوقت، أن حركة الـBDS حددت أفق عملها (لاسباب موضوعية مبررة) لتكتيك نضالي معين دون تحديد الاستراتيجية أو الحل السياسي. ونرى أن الحراكات الشبابية واللجان الشعبية تعاني من الموسمية وتتركز في نضالات عينية وبذلك لم تؤدي إلى تراكم حركة نضالية شاملة ولم تطرح حتى الآن بديلًا شاملًا لغياب استراتيجية التحرر.

هنا يأتي دور الحراك لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة: ليجمع الطاقات الشبابية والناشطات والناشطين من كل الأطر والقطاعات الاجتماعية والأحزاب والحراكات في سياق واحد وتحت سقف سياسي واحد جوهري يتحدى أسس نظام الظلم الموجود ويطرح حالًا شاملًا ويؤسس لبناء البديل.

من أين نبدأ؟

الدولة الديمقراطية الواحدة ليست حركة أو حزب، بل هي رؤية تحررية تتسع لكل من يبحث عن بديل انساني لنظام النهب والتهجير والقمع والفصل العنصري في فلسطين. مؤيدو هذه الرؤيا التحررية موجودون في جميع التيارات والحركات والاحزاب الفلسطينية وبين الأوساط الشبابية والشعبية وبين المثقفين والأكاديميين…

ولذلك، علينا أن نبدأ بإعادة الأمل والإيمان بإمكانية التغيير، بيد أن هذا مرتبط في قدرتنا على التحرك… ونعمل على استثمار الدعم العفوي القائم بهدف خلق حراك فكري وشعبي وسياسي، وصولا إلى جمع المؤيدين من مختلف القطاعات والتوجهات كي يتشجع الجميع مع تنامي اعتناق المجاميع للفكرة وليشاركنا في صياغة الطريق لتحقيقها.

إحدى المهمّات الأولى التي يمكن العمل على إنجازها: خلق حراك شعبي عابر للجدران والحدود، يشمل الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم – باستغلال تقنيات الاتصال الحديثة.

في سياق آخر متصل، علينا أن نطرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة كقاعدة متينة ومبدأية للوحدة الوطنية الفلسطينية التي يمكن أن تجمع بين العلمانيين والاسلاميين وبين الاشتراكين والليبراليين، من دون تنازل أي طرف عن عقيدته ومن منطلق التعددية واحترام الآخر وتغليب المصلحة الوطنية العامة على خصوصية كل طرف.

كما ويمكّننا برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة من خلق قاعدة مبدئية للمشاركة في النضال بين العرب الفلسطينيين وبين مناصري الحق الفلسطيني من السكان اليهود في فلسطين، وبذلك يتم توضيح الخط الفاصل بين التطبيع مع الاحتلال وبين الشراكة في مشروع تحرري.

وعلى الصعيد العالمي، نرى ان الدعم لمشروع الدولة الديمقراطية الواحدة هو الخيار الطبيعي لحركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني. من خلال تبنّي ودعم هذا المشروع الاستراتيجي الانساني العادل تتمكن حركة التضامن العالمية من وضع الصهيونية في قفص الاتهام كحركة استعمارية عنصرية وتضمن أن مجهودها المثابر يصبّ لأجل حلّ حقيقي للقضية وليس كعمل تكتيتي يستهدف تمرير المشروع الامبريالي التصفوي.

إقامة لجنة تنسيق لمؤيدي مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين

Palestine_hand_and_flag

بيان لوسائل الاعلام

بعد مرحلة دامت حولي السنة من انقطاع التنسيق القطري بين الناشطين من أجل مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، انعقد يوم السبت، 30\5\2015، في مدينة رام الله، لقاء مصغر بين بعض الناشطين من الضفة الغربية ومن المناطق المحتلة منذ 1948 بهدف إعادة التنسيق وتنشيط العمل السياسي والجماهيري لأجل هذا المشروع.

حضر اللقاء ممثلون عن “الحركة الشعبية للدولة الديمقراطية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية” و”مجموعة يافا لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة” و”اللجنة من أجل دولة ديمقراطية علمانية” وناشطون مركزيون من “حركة أبناء البلد” ومن حراكات شبابية.

قدم الأخ راضي الجراعي تقريرا عن التطورات في “الحركة الشعبية” التي رفضت انضمام بعض ناشطيها لمشروع “دولتين في فضاء واحد” واعتبرت هذا المشروع متناقضاً مع مبادئ الدولة الديمقراطية الواحدة لكونه يشرعن الاستيطان ولا يضمن عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين. وقد دعم المشاركون موقف “الحركة الشعبية” ومجهودها لإعادة ترتيب صفوفها.

وقد جرى حوار مفتوح بمشاركة جميع الحضور شمل تقييم الأوضاع السياسية وضرورة طرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة كحل عادل للقضية الفلسطينية مبني على استرجاع الحقوق الوطنية المسلوبة للشعب الفلسطيني وهزيمة المشروع الصهيوني العنصري وبناء نظام جديد يعتمد على العودة والحرية وحقوق الانسان ويشمل جميع سكان البلاد على أساس المواطنة المتساوية في دولة مدنية ديمقراطية.

وقد تم الاتفاق، في ختام اللقاء، على تشكيل لجنة تنسيق مؤقتة مفوضة من قبل الاجتماع تأخذ على عاتقها:

  1. التواصل مع أوساط مختلفة لتشجيعها على دعم مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة والمشاركة في نشاطات مختلفة لهذا الهدف، مع التركيز في المرحلة الراهنة على التواصل مع الاحزاب والتيارات والشخصيات القريبة من هذا التوجه.
  2. اصدار بيانات سياسية لتوضيح مواقف مؤيدي الدولة الواحدة بما يتعلق بالأحداث الراهنة في كل مرحلة ومرحلة وذلك بهدف تحقيق حضور إعلامي لهذا الطرح.
  3. تنظيم لقاءات مناطقية وقُطرية لمؤيدي المشروع. وقد اقتُرِح أن يقام لقاء قطري يجمع لناشطات والناشطين مرة كل أربعة شهور.

وقد أجرت لجنة التنسيق لقاءين لها، وتمت إضافة ناشطين من قطاع غزة لعضوية لجنة التنسيق. وقد يكون عمل لجنة التنسيق تثبيتًا لمبدأ وحدة العمل النضالي في كل فلسطين. وتسعي لجنة التنسيق لتوسيع نشاطها من خلال إضافة ناشطات وناشطين من مجموعات أخرى مؤيدة لهذا المشروع.

اتفقت لجنة التنسيق على بدء التحضير لمؤتمر أوسع قريب لمؤيدي مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، يعقد على قاعدة الموافقة على المشروع كما طُرح في “إعلان ميونيخ“، وذلك في شهر أب 2015. وقبل المؤتمر تقدم لجنة التنسيق أوراق تصوّر بخصوص آفاق العمل المقترحة، بهدف تفعيل كل المشاركات والمشاركين في المؤتمر من خلال مجموعات عمل في مواضيع مختلفة وتوسيع أطر التنسيق.

                                                                             لجنة التنسيق المؤقتة

                                                                   لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة

                                                                                      فلسطين

‏28‏ حزيران‏، 2015

(هذا الإعلان نُشر أيضًا باللغة العبريّة والانجليزية)

مجموعة اصدقاء رمية تدعو للتظاهرة التضامنية مع سكان رمية يوم الجمعة القريب 12\6

Ramiya Baracks and Karmiel's Houses

بقلم: رفيق بكري

صلاح سواعد يناشد: أكثر من نصف سكان القرية أصيبوا بالأمراض المختلفة، منها القلب والأزمة والسكري، نتيجة ظروف المعيشة الصعبة التي يعيشونها في بيوت من الزينك، دون مياه وكهرباء

عقدت “مجموعة اصدقاء رمية” مساء أمس الأول الاحد (7\6\2015) جلسة عمل مع سكان قرية رمية في بيت السيد صلاح سواعد لمتابعة النشاط الجماهيري والقضائي لقضية رمية،  وكيفية مواجهة مضايقات بلدية كرميئيل لأهالي رمية ومحاولة إحباطهم وترحيلهم من أرضهم.

في الاجتماع عبّر أهالي رمية عن تذمّرهم ومعاناتهم خلال الـ40 سنة الأخيرة  من الملاحقات، وقال صلاح سواعد بمرارة مناشدا الرأي العام المحلي والعالمي لإنقاذ أهالي رمية من معاناتهم اليومية، مؤكدا أن أكثر من نصف سكان القرية أصيبوا بالأمراض المختلفة، منها القلب والأزمة والسكري، نتيجة ظروف المعيشة الصعبة التي يعيشونها في بيوت من الزينك، دون مياه وكهرباء، بالإضافة إلى المصاريف الباهضة التي تبقي شيئا من مصادر معيشتهم ورواتبهم، حيث تصرف على المحامين والغرامات المالية من أجل صيانة البقاء على أرضهم والعيش كاملي الحقوق في كرميئيل، الأمر الذي أدى إلى تراجع في أوضاعهم الاقتصادية.

وقرر الاجتماع تنظيم تظاهرة تضامن مع أهالي رمية وذلك يوم الجمعة القريب  12.6.2015 الساعة الواحدة والنصف على مفترق كرميئيل الغربي بالقرب من مفترق البعنة دير الاسد. كما وتقرر عقد جلسة مع جميع نواب القائمة المشتركة في جلستهم الاسبوعية في الكنيست يوم الاثنين القادم 15.6.2015.

girls_and_slogans_in_Ramiya

جلال الطنطوري…

Tantura view from the sea - 1935

بقلم: محمد عمر كبها

إنّ من اكثر ذكريات طفولتي إيلاما هو ذلك اليوم الذي كنت ابن 7 سنوات حيث أخذونا الى مخيم صيفي الى شاطئ الطنطورة الساحلية الواقعة 25 كيلومترا جنوبي مدينة حيفا لغرض الاستجمام والترفيه، وقام احد المرشدين بالحديث عن تاريخ الطنطورة، فحكى عن مدينة كنعانية قديمة، واشار الى بقايا بيوت قال انها تعود الى العهد الروماني، واستدل بأقوال علماء آثار تواجدوا هناك صدفة كانوا يقومون بأعمال حفر وتنقيب. ولكنه لم يلمح ولو بكلمة  واحدة الى البلدة الوادعة المزدهرة التي كانت تشمخ هنا حتى زمن قريب، وكان فيها مدرسة ومقهى ومحطة قطار ومسجد، وحافلة تذهب وتجيء إلى حيفا كل يوم. كان اهلها آمنين في بيوتهم حتى هاجمتها كتيبة السفاحين الصهاينة التابعة للواء إسكندروني لتجعلها خرابا.

في عام 2008 وخلال تواجدي في ندوة قدمتها ناشطة ألمانية  في إحدى قرى الريف الألماني حول المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967، وقف رجل هرم وتحدث بلهجة المانية متقنة معرفا نفسه بأنه فلسطيني- ألماني.

أثار الأمر فضولي وتوجهت إليه  فورا مع انتهاء الندوة للتعرف اليه فبادر بالقول إنه طنطوري وأن اسمه الدكتور جلال يحيى، مضيفا أنه شهد المجزرة ثم التجأ بعدها الى ألمانيا عام 1951، وهو يقيم فيها منذ ذلك الحين.

تبادلنا أرقام الهواتف. وفي اليوم التالي قمت بالاتصال به باكرا، فقد استغرقت طويلا قبل أن أنام تلك الليلة، فنبرة صوته التي تغيرت وعيناه اللتان اغرورقتا بالدموع حين اخبرته  بأنني فلسطيني من الداخل أستطيع الذهاب إلى الطنطورة متى أشاء ظلت ترافقني ذلك المساء وانتظرت بفارغ الصبر الصباح لألقاه.

مررت بالمخبز وتناولت بعض الشطائر قبل أن أواصل طريقي اليه..

استأنس الطبيب الذي بلغ من العمر آنذاك 78 عاما بزيارتي، فقد كانت له زوجة المانية أصابها مرض الشيخوخة (الزهايمر) الذي جعلها تتصرف بشكل غير سوي ولم يعد بمقدوره تدبر أمرها، فتم تحويلها الى ملجأ للعجزة. وكان له ابن هو ايضا طبيب اسمه بلال، يسكن في مدينة تبعد أكثر من 500 كم، ولم يكن نصيبه من العروبة غير اسمه، فكان يزور أباه على فترات متباعدة. وتوجد له ابنة هاجرت إلى أمريكا منذ سنين.

بدى الطبيب العجوز حزينا بعد ان أجهزت الوحدة والغربة على شموخه وكبرياءه. كان يتلهف للحديث عن فلسطين وعن الطنطورة تحديدا، ومنذ ذلك اليوم نشأت بيننا صداقة وصرت أتردد عليه كثيرا.

لم أكن أتحدث تقريبا خلال ساعات طويلة كنا نقضيها سويا، فكنت بالنسبة اليه ملاكا هبط من السماء ليصغي اليه بكل جوارحه فيما هو يقص تفاصيل حكاياته المكبوتة  في صدره منذ سنين.

حدثني الدكتور جلال عن والده ذو الهيبة والوقار الذي كان تاجرا وكثيراً ما كان يسافر الى بيروت، حيث تزوج هناك وأحضر زوجته التي هي والدة الدكتور جلال إلى الطنطورة، ومن يومها اشتهر هو واخوانه بين أهالي الطنطورة والبلدات المجاورة، إجزم وعين غزال والفريدس وجسر الزرقاء وقيساريا بكنية “أولاد اللبنانية”، وكانت لهجتهم في الكلام خليطا من الطنطورية واللبنانية.

حدثني أيضاً عن طفولته وعن صباه وعن شجرة التين التي أشعل سيجارته الاولى تحتها وعن البحر. وعن تلك الليلة المشئومة  ما بين ال-22 وال- 23 من شهر أيار من عام النكبة التي هاجمت فيها العصابات الصهيونية القرية واحتلتها وجمعت أهلها عند البيدر وصلبتهم ساعات طوال حتى عصر اليوم التالي فيما جثث المقاومين كانت ملقاة في كل مكان، وشاهد والده واخوانا له يعدمون أمام عينيه، ودفنهم وهو ينتظر دوره ليلحق بهم، ولكنه وفي تلك اللحظة التي ما زال يتذكرها جيدا ويتردد كثيرا هل كانت سعيدة ً ام تعيسة، فلربما لقسوة المشهد الذي لن يغيب عن مخيلته أبدا، ربما كان الذين لقوا الموت أكثر حظا، فلم تطلق عليه تلك الرصاصة.

في تلك الليلة ارتكبت العصابات الصهيونية مجزرة اخرى من مجازرها البشعة، وهذه المرة  في الطنطورة، قال الدكتور. فقد قتلت بدم بارد ما يقدر عددهم ب 230- 250 من أبناء القرية جعلتهم يحفرون قبورهم الجماعية بأيديهم، وشردت من تبقى من الاهالي الذين بلغ عددهم في ذلك اليوم ما يقارب ال 1500 نسمة وحولت منازلهم إلى ركام. وسيق هو وبعض الصبيان ممن كتبت لهم الحياة الى السجن في مستوطنة زمرين القريبة ومن ثم الى سجن ام خالد ليمكث فيه قرابة سنة.

بعد خروجه التحق بوالدته التي كانت مع من نجى من اخوانه الثمانية  في بيروت التي وصلوها بعد عناء رحلة شاقة استغرقت أشهرا طويلة.

محمد عمر كبها

محمد عمر كبها

ومن شُح فرص العمل وضيق العيش قرر وصديقيه السفر إلى ألمانيا. كان الطريق مضنيا وخطيرا، وصلها في النهاية تهريبا عبر البحر في سفينة بضائع كانت قد رست في ميناء بيروت ومن هناك اتجهت الى مرسيليا الفرنسية، وعند وصوله فرنسا لم يكن بحوزته إلا مبلغا زهيدا من المال،  فقطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام، وركب القطار حينا مختفيا عن الأنظار، حتى وصل الى مدينة فرانكفورت.

منذ وصوله الى تلك المدينة  شرع يعمل ليلا ويتعلم اللغة الألمانية نهارا.  وسكن في بيت سيدة المانية عجوز عطفت عليه حينما علمت بأنه فلسطيني.

تعلم جلال الشاب المثابر الطموح الألمانية بسرعة، وذهب بعدها الى المدرسة لإنهاء امتحانات التوجيهي التي ستمكنه من دخول الجامعة، فتفوق فيها والتحق بالجامعة ليدرس الطب البشري فتبدأ حياته تأخذ مَنْحًى جديد.

لم يزر الدكتور جلال فلسطين منذ سنين طويلة حتى صيف عام 1991، حيث تمكن بعد غياب استمر 42 سنة أن يعود الى فلسطين بجواز سفر ألماني، ولكنه وعند وصول طنطورته لم يجدها!

فقد طمس المحتل معالمها ليخفي آثار جريمته النكراء ظنا منه بأن هذا سيضمن له بأن يكون من سيأتي بعدهم مثل ذلك المرشد، لكن هيهات.. إنه شعب يرشده قلبه النابض الذي يهديه الى طريق الحق آبياً التضليل والنسيان.

(تنويه: احداث القصة كلها حقيقية لكن أسماء شخصياتها مستعارة)

شهداءٌ تحتَ الرمالِ ينتظرونُ العائدينَ

Tantura massacre victims - just before their execution

بقلم: محمود غنيم – الفريديس نت

لذكرى سقوط الطنطورة وقع خاص على نفسي، فالطنطورة كانت وما زالت جزءًا من القلب، لن أستطيع تفسير مدى تعلقي بهذا المكان، فالطنطورة ليست شاطئ فحسب، بل قرية مقاومة، قرية مناضلين اشاوس تهجرت عوائلهم ودمرت بيوتهم وارتقى أبناؤهم بين لاجئ وشهيد.

يروي الحاج رسلان حسن أيوب أعمر أحد الناجين من مجزرة الطنطورة: “أثناء وجودي بين الرجال أمرني أحد الجنود بانتشال جثة أحد الشهداء الملقاة بين أشواك الصبار فرفضت وعندها وجه فوهة البندقية إلى رأسي فرميت نفسي بين شجيرات الصبار وسحبت جثث الشهداء وجسدي يرشح دما جراء الأشواك. جمعنا نحو 70 جثة.”

ان تشبثي بهذا المكان منذ نعومة أظافري، لم يكن محض صدفة، فهذا المكان ساحرٌ حقًّا، اشرحوا لي كيف لمحمود البيتوتي، كثير الحركة، سريع الملل، أن يعشق مكانا هادئا خاليا من البشرية، هذا المكان الساحر بجماله والمميز بكل تفاصيله، له وقعٌ خاص على قلبي، أتأمل الأفق البعيد مراقبًا الشمس، ظانًّا انها لا تبرح مكانها، فهي تخرج من رحم البحر للعمل وتعود الى مكانها بعد انتهاء دوامها، فتضيع حائرا متسائلا، أيهما أجمل، شروق الشمس أم غروبها.

حكاية الطنطورة تبدأ من المدخل الرئيسي للشاطئ، من موقف السيارات تحديدًا، ففي تلك البقعة يتساوى المُستعمِر والمُستعمَر كليًّا، فكلٌّ له رقعته الخاصة، كلٌّ يعرف حدوده فيلزمها، بضع أمتارٍ تحتهم مقبرةُ جماعية لشهداء مجزرة الطنطورة، قبورا حفرها أهل الطنطورة بأيديهم مدركين مصيرهم.

ويستذكر الحاج اعمر كيف جاء جندي مصاب بيده واستأذن الضابط بإعدام اثنين منا انتقاما لجرحه من معركة الليلة الماضية فأشار للشخص الذي يقف جانبي بلا اكتراث وأضاف كان ذاك الرجل قد انتهى للتو من دفن جثتي شقيقيه فسار مسافة 100 متر وأطلق عليه النار وأرداه قتيلا.”

تهرول مسرعًا الى الشاطئ، فترى الفنادق وشققا فخمة ضخمة، لا يسكنها غير الأغنياء، تصب عيناك على بناية بعيدة قريبة تناديك من زمن آخر، بيت قديم كان ملكًا لآل يحيى، لا أدري كيف نجى، ولا أظن انه اراد النجاة، فمن يشهد مأساة كهذه سيأبى الاستمرار في الحياة، لكن البيت بقي صامدًا، شامخًا، مقاومًا، متمردًا على نهج من حوله، فهو لم ولن يستسلم مُذكرًا ايانا أن الصراع مستمرٌّ ولم ينتهي النضال، فمهما تغيرت الظروف والمعالم حوله سيبقى هو كما كان، طنطوريًّا!

ويتابع الحاج رسلان وقد تجهم وجهه وتصبب العرق من جبينه وهو يتابع “تقدم جندي آخر مني وصوب سلاحه نحوي واستنهضني من مكاني وهو يدفعني بأعقاب بندقيته بقوة فسقطت أرضاً.” ويضيف: “داخل المقبرة أجبرونا على حفر قبورنا بأيدينا ولولا تدخل بعض يهود زخرون يعقوب لكنت في عداد الموتى فقد اقترحوا على الجنود أخذنا للأسر بدلا من قتلنا فمكثت وآخرون ثماني ساعات في معتقل زمارين قبل نقلنا إلى سجن أم خالد ثم إلى إجليل حيث مكثت 11 شهرا.”

تسمع صوتًا قويًا يناديك، تتلفت حولك مستغربا من عساه يعرف مكانك، فيعود الصوت مرة أخرى لتكتشف انها الأمواج، حيث تناديك لتستكمل قصة البيت القديم، فهي أيضًا تقاوم، مقارعةً الصخور بلا كلل، غير آبهةٍ لحجم النقوش التي خلفتها في الصخور، فهي على يقينٍ أنها ستتغلب على الصخور يومًا، ناهجةً نهج الطنطوري الأصيل مرددة ما قاله الحاج رسلان:

“دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى يوم قيام الساعة.”

لنتذكر شهداءنا، قرانا، تاريخنا، نكبتنا ولا ننسى، فمن يهدم بيوتنا اليوم بحجة القانونية هو نفسه من قام بتشريدنا ونكبتنا في ماض ليس بالبعيد، لنحافظ على الأرض ولنتمسك بها أكثر فأكثر، فهي أساس الصراع، لن نتنازل ولن نهاجر، بل سنبقى، فلنا لغة مشتركة مع هذه الأرض، نفهمها وتفهمنا، تشاركنا تفاصيل حياتنا، فالمال يذهب والناس تذهب، لكن الأرض تبقى مخلصةَ لأهلها.

للطنطوريين المحرومين من هواء الطنطورة، أبشركم أنا ابن الفرديس، أن قريتكم كما هي لم تغير ثوبها يومًا وما زالت بانتظاركم لتعودوا إليها، محافظةً على عطرها العريق المميز، عذرا تميم، فانّ في الطنطورةِ من في الطنطورةِ ولكن الطنطورةَ لا ترى سوى أهلها.

*الفقرات المشددة عبارة عن شهادة أحد الناجين من مجزرة الطنطورة، نقلت هذه الشهادة عن صفحة جمعية فلسطينيات.

محمود غنيم

محمود غنيم

Tantura_massacre_dawn

Soldiers in Tantura - at the time of the massacre

Soldiers in Tantura – at the time of the massacre

Tantura view from the sea - 1935

Tantura view from the sea – 1935

Tantura_Families_1 Tantura_Families_2 Tantura_Families_3

Tanturam map

Tanturam map

Tantura Holy Tomb

Tantura Holy Tomb

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 30 متابعون آخرين