Skip to content

امسك البوظة!

Buza_Comics

Buza_Comics

انطلاقة جديدة لمؤيدي برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين – لماذا؟

Palestine_in_Eye

وكيف يمكن أن نؤثر على معادلة الصراع؟

وجهة نظر شخصية بهدف إثراء الحوار

نطاق البحث، نطاق التحرك

ما هو نطاق التحرك الذي نسعى إليه؟ هل هو حركة أو حزب؟ من هو جمهور الهدف؟ وما هو أفق التحرك؟

يطرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة حلًا للمشاكل الوجودية الأساسية للاجئي فلسطين ولجميع سكانها، أبناء الأرض الأصليين العرب الفلسطينيين وأبناء المستعمرين…

يتطلب الوصول إلى الدولة الديمقراطية الواحدة هزيمة الحركة الصهيونية الاستعمارية العنصرية – وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال حراك نضالي يشمل الجماهير الشعبية الفلسطينية في كل المناطق في الشتات وفي الوطن. ومن هنا، فإن أساس الحراك لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة هو نهضة جديدة لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية على أسس حديثة تتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة.

يطرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة أمام الجماهير اليهودية في فلسطين الحل الأمثل للخلاص من الصهيونية ومن الصراع والحروب اللانهائية التي تدفع بهم إليها، للتخلص من الامتيازات العنصرية وللاندماج في فلسطين وفي المنطقة كمواطنين متساوي الحقوق. مع عزل المشروع الصهيوني في المنطقة والعالم وإظهار الطريق المسدود الذي يؤدي إليه، إننا نسعى لتجنيد قطاعات من الجماهير اليهودية لتأييد هذا المشروع.

معادلة الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي ليست معزولة بل هي في صلب نظام الهيمنة الإمبريالية-الصهيونية-الرجعية في العالم العربي وفي الشرق الأوسط. ومن هنا نرى أن الحليف الأساسي للنضال لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة هو كل من يعمل في المنطقة لمواجهة الامبريالية ولأجل حل ديمقراطي تعددي تقدمي يشمل جميع سكان المنطقة على مبادئ التطور المستقل لأجل الرفاهية للجميع.

لقد تحولت القضية الفلسطينية، بفضل نضال وتضحيات الشعب الفلسطيني المستمرة على مدار العقود، إلى رمز عالمي للنضال لأجل الحرية والعدالة. علينا أن نستثمر هذا الدعم العالمي من خلال طرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة كجزء لا يتجزأ من النضال العالمي للتحرر من رواسب الاستعمار ولخلق نظام عالمي جديد يتأسس على استقلالية الشعوب واحترام حقوق الانسان وضمانها للجميع.

المنطق السياسي يفرض التحرك اليوم

يعيش العالم اليوم مرحلة من التقلبات السياسية الكونية من أزمات اقتصادية تتحول إلى أزمات سياسية والانتقال من نظام عالمي تهيمن عليه قوة واحدة عظمى إلى نظام متعدد الأقطاب وتغيير ميزان القوى الاقتصادي والسياسي بين المراكز الامبريالية وبين الدول النامية…

كما تعاني منطقتنا من أعنف ظواهر الصراع العالمي والتناقضات المحلية، مع الغزوات والاحتلالات الأجنبية والأنظمة القمعية التي لا تمثل سوى نخبة فاسدة ضئيلة، كما تعاني من ويلات الحروب الأهلية وظواهر التطرف باسم الدين أو الطائفة…

في هذه المرحلة التي تتسم بالتغييرات السريعة والجوهرية، نرى قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية في حالة من فقدان الرؤيا التاريخية وهي تلاحق جثة الحل السياسي الامبريالي المجحف المسمى بـ”حل الدولتين”. والصحيح أنه هنالك تناقض غير قابل للتغلب عليه بين حمل الهموم اليومية للسلطة تحت وضع الاحتلال – الذي يتطلب دفع المعاشات الشهرية للعمال والموظفين وتوفير الخدمات الأساسية للموطنين – وبين مهام حركة التحرر التي تبدأ من تحدي نظام الحكم المحلي والعالمي برمته ومن أساسه.

علينا أن نتعلم الكثير من تجربة السنوات الأخيرة، وبالأخص من تجربة الحراك لأجل المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات – المعروف باسمه الإنجليزي BDS. انه من أبرز النجاحات للنضال التحرري الفلسطيني في المرحلة الراهنة، وقد تم التوصل إليه من خلال حراك جماهيري مفتوح مستقل عن كل الأطر والمؤسسات التقليدية.

ونشهد دور الحراكات الشبابية واللجان الشعبية على الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة – في المقاومة الشعبية ودعم الأسرى ومناهضة هدم البيوت وغيرها من القضايا – ما يشير إلى أن هنالك قدرة على خلق نمط جديد من العمل الجماهيري يستغل كل الامكانيات المتاحة من التكنولوجيا الجديدة.

ولكن نلاحظ، في نفس الوقت، أن حركة الـBDS حددت أفق عملها (لاسباب موضوعية مبررة) لتكتيك نضالي معين دون تحديد الاستراتيجية أو الحل السياسي. ونرى أن الحراكات الشبابية واللجان الشعبية تعاني من الموسمية وتتركز في نضالات عينية وبذلك لم تؤدي إلى تراكم حركة نضالية شاملة ولم تطرح حتى الآن بديلًا شاملًا لغياب استراتيجية التحرر.

هنا يأتي دور الحراك لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة: ليجمع الطاقات الشبابية والناشطات والناشطين من كل الأطر والقطاعات الاجتماعية والأحزاب والحراكات في سياق واحد وتحت سقف سياسي واحد جوهري يتحدى أسس نظام الظلم الموجود ويطرح حالًا شاملًا ويؤسس لبناء البديل.

من أين نبدأ؟

الدولة الديمقراطية الواحدة ليست حركة أو حزب، بل هي رؤية تحررية تتسع لكل من يبحث عن بديل انساني لنظام النهب والتهجير والقمع والفصل العنصري في فلسطين. مؤيدو هذه الرؤيا التحررية موجودون في جميع التيارات والحركات والاحزاب الفلسطينية وبين الأوساط الشبابية والشعبية وبين المثقفين والأكاديميين…

ولذلك، علينا أن نبدأ بإعادة الأمل والإيمان بإمكانية التغيير، بيد أن هذا مرتبط في قدرتنا على التحرك… ونعمل على استثمار الدعم العفوي القائم بهدف خلق حراك فكري وشعبي وسياسي، وصولا إلى جمع المؤيدين من مختلف القطاعات والتوجهات كي يتشجع الجميع مع تنامي اعتناق المجاميع للفكرة وليشاركنا في صياغة الطريق لتحقيقها.

إحدى المهمّات الأولى التي يمكن العمل على إنجازها: خلق حراك شعبي عابر للجدران والحدود، يشمل الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم – باستغلال تقنيات الاتصال الحديثة.

في سياق آخر متصل، علينا أن نطرح برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة كقاعدة متينة ومبدأية للوحدة الوطنية الفلسطينية التي يمكن أن تجمع بين العلمانيين والاسلاميين وبين الاشتراكين والليبراليين، من دون تنازل أي طرف عن عقيدته ومن منطلق التعددية واحترام الآخر وتغليب المصلحة الوطنية العامة على خصوصية كل طرف.

كما ويمكّننا برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة من خلق قاعدة مبدئية للمشاركة في النضال بين العرب الفلسطينيين وبين مناصري الحق الفلسطيني من السكان اليهود في فلسطين، وبذلك يتم توضيح الخط الفاصل بين التطبيع مع الاحتلال وبين الشراكة في مشروع تحرري.

وعلى الصعيد العالمي، نرى ان الدعم لمشروع الدولة الديمقراطية الواحدة هو الخيار الطبيعي لحركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني. من خلال تبنّي ودعم هذا المشروع الاستراتيجي الانساني العادل تتمكن حركة التضامن العالمية من وضع الصهيونية في قفص الاتهام كحركة استعمارية عنصرية وتضمن أن مجهودها المثابر يصبّ لأجل حلّ حقيقي للقضية وليس كعمل تكتيتي يستهدف تمرير المشروع الامبريالي التصفوي.

إقامة لجنة تنسيق لمؤيدي مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين

Palestine_hand_and_flag

بيان لوسائل الاعلام

بعد مرحلة دامت حولي السنة من انقطاع التنسيق القطري بين الناشطين من أجل مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، انعقد يوم السبت، 30\5\2015، في مدينة رام الله، لقاء مصغر بين بعض الناشطين من الضفة الغربية ومن المناطق المحتلة منذ 1948 بهدف إعادة التنسيق وتنشيط العمل السياسي والجماهيري لأجل هذا المشروع.

حضر اللقاء ممثلون عن “الحركة الشعبية للدولة الديمقراطية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية” و”مجموعة يافا لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة” و”اللجنة من أجل دولة ديمقراطية علمانية” وناشطون مركزيون من “حركة أبناء البلد” ومن حراكات شبابية.

قدم الأخ راضي الجراعي تقريرا عن التطورات في “الحركة الشعبية” التي رفضت انضمام بعض ناشطيها لمشروع “دولتين في فضاء واحد” واعتبرت هذا المشروع متناقضاً مع مبادئ الدولة الديمقراطية الواحدة لكونه يشرعن الاستيطان ولا يضمن عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين. وقد دعم المشاركون موقف “الحركة الشعبية” ومجهودها لإعادة ترتيب صفوفها.

وقد جرى حوار مفتوح بمشاركة جميع الحضور شمل تقييم الأوضاع السياسية وضرورة طرح مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة كحل عادل للقضية الفلسطينية مبني على استرجاع الحقوق الوطنية المسلوبة للشعب الفلسطيني وهزيمة المشروع الصهيوني العنصري وبناء نظام جديد يعتمد على العودة والحرية وحقوق الانسان ويشمل جميع سكان البلاد على أساس المواطنة المتساوية في دولة مدنية ديمقراطية.

وقد تم الاتفاق، في ختام اللقاء، على تشكيل لجنة تنسيق مؤقتة مفوضة من قبل الاجتماع تأخذ على عاتقها:

  1. التواصل مع أوساط مختلفة لتشجيعها على دعم مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة والمشاركة في نشاطات مختلفة لهذا الهدف، مع التركيز في المرحلة الراهنة على التواصل مع الاحزاب والتيارات والشخصيات القريبة من هذا التوجه.
  2. اصدار بيانات سياسية لتوضيح مواقف مؤيدي الدولة الواحدة بما يتعلق بالأحداث الراهنة في كل مرحلة ومرحلة وذلك بهدف تحقيق حضور إعلامي لهذا الطرح.
  3. تنظيم لقاءات مناطقية وقُطرية لمؤيدي المشروع. وقد اقتُرِح أن يقام لقاء قطري يجمع لناشطات والناشطين مرة كل أربعة شهور.

وقد أجرت لجنة التنسيق لقاءين لها، وتمت إضافة ناشطين من قطاع غزة لعضوية لجنة التنسيق. وقد يكون عمل لجنة التنسيق تثبيتًا لمبدأ وحدة العمل النضالي في كل فلسطين. وتسعي لجنة التنسيق لتوسيع نشاطها من خلال إضافة ناشطات وناشطين من مجموعات أخرى مؤيدة لهذا المشروع.

اتفقت لجنة التنسيق على بدء التحضير لمؤتمر أوسع قريب لمؤيدي مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، يعقد على قاعدة الموافقة على المشروع كما طُرح في “إعلان ميونيخ“، وذلك في شهر أب 2015. وقبل المؤتمر تقدم لجنة التنسيق أوراق تصوّر بخصوص آفاق العمل المقترحة، بهدف تفعيل كل المشاركات والمشاركين في المؤتمر من خلال مجموعات عمل في مواضيع مختلفة وتوسيع أطر التنسيق.

                                                                             لجنة التنسيق المؤقتة

                                                                   لأجل الدولة الديمقراطية الواحدة

                                                                                      فلسطين

‏28‏ حزيران‏، 2015

(هذا الإعلان نُشر أيضًا باللغة العبريّة والانجليزية)

مجموعة اصدقاء رمية تدعو للتظاهرة التضامنية مع سكان رمية يوم الجمعة القريب 12\6

Ramiya Baracks and Karmiel's Houses

بقلم: رفيق بكري

صلاح سواعد يناشد: أكثر من نصف سكان القرية أصيبوا بالأمراض المختلفة، منها القلب والأزمة والسكري، نتيجة ظروف المعيشة الصعبة التي يعيشونها في بيوت من الزينك، دون مياه وكهرباء

عقدت “مجموعة اصدقاء رمية” مساء أمس الأول الاحد (7\6\2015) جلسة عمل مع سكان قرية رمية في بيت السيد صلاح سواعد لمتابعة النشاط الجماهيري والقضائي لقضية رمية،  وكيفية مواجهة مضايقات بلدية كرميئيل لأهالي رمية ومحاولة إحباطهم وترحيلهم من أرضهم.

في الاجتماع عبّر أهالي رمية عن تذمّرهم ومعاناتهم خلال الـ40 سنة الأخيرة  من الملاحقات، وقال صلاح سواعد بمرارة مناشدا الرأي العام المحلي والعالمي لإنقاذ أهالي رمية من معاناتهم اليومية، مؤكدا أن أكثر من نصف سكان القرية أصيبوا بالأمراض المختلفة، منها القلب والأزمة والسكري، نتيجة ظروف المعيشة الصعبة التي يعيشونها في بيوت من الزينك، دون مياه وكهرباء، بالإضافة إلى المصاريف الباهضة التي تبقي شيئا من مصادر معيشتهم ورواتبهم، حيث تصرف على المحامين والغرامات المالية من أجل صيانة البقاء على أرضهم والعيش كاملي الحقوق في كرميئيل، الأمر الذي أدى إلى تراجع في أوضاعهم الاقتصادية.

وقرر الاجتماع تنظيم تظاهرة تضامن مع أهالي رمية وذلك يوم الجمعة القريب  12.6.2015 الساعة الواحدة والنصف على مفترق كرميئيل الغربي بالقرب من مفترق البعنة دير الاسد. كما وتقرر عقد جلسة مع جميع نواب القائمة المشتركة في جلستهم الاسبوعية في الكنيست يوم الاثنين القادم 15.6.2015.

girls_and_slogans_in_Ramiya

جلال الطنطوري…

Tantura view from the sea - 1935

بقلم: محمد عمر كبها

إنّ من اكثر ذكريات طفولتي إيلاما هو ذلك اليوم الذي كنت ابن 7 سنوات حيث أخذونا الى مخيم صيفي الى شاطئ الطنطورة الساحلية الواقعة 25 كيلومترا جنوبي مدينة حيفا لغرض الاستجمام والترفيه، وقام احد المرشدين بالحديث عن تاريخ الطنطورة، فحكى عن مدينة كنعانية قديمة، واشار الى بقايا بيوت قال انها تعود الى العهد الروماني، واستدل بأقوال علماء آثار تواجدوا هناك صدفة كانوا يقومون بأعمال حفر وتنقيب. ولكنه لم يلمح ولو بكلمة  واحدة الى البلدة الوادعة المزدهرة التي كانت تشمخ هنا حتى زمن قريب، وكان فيها مدرسة ومقهى ومحطة قطار ومسجد، وحافلة تذهب وتجيء إلى حيفا كل يوم. كان اهلها آمنين في بيوتهم حتى هاجمتها كتيبة السفاحين الصهاينة التابعة للواء إسكندروني لتجعلها خرابا.

في عام 2008 وخلال تواجدي في ندوة قدمتها ناشطة ألمانية  في إحدى قرى الريف الألماني حول المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967، وقف رجل هرم وتحدث بلهجة المانية متقنة معرفا نفسه بأنه فلسطيني- ألماني.

أثار الأمر فضولي وتوجهت إليه  فورا مع انتهاء الندوة للتعرف اليه فبادر بالقول إنه طنطوري وأن اسمه الدكتور جلال يحيى، مضيفا أنه شهد المجزرة ثم التجأ بعدها الى ألمانيا عام 1951، وهو يقيم فيها منذ ذلك الحين.

تبادلنا أرقام الهواتف. وفي اليوم التالي قمت بالاتصال به باكرا، فقد استغرقت طويلا قبل أن أنام تلك الليلة، فنبرة صوته التي تغيرت وعيناه اللتان اغرورقتا بالدموع حين اخبرته  بأنني فلسطيني من الداخل أستطيع الذهاب إلى الطنطورة متى أشاء ظلت ترافقني ذلك المساء وانتظرت بفارغ الصبر الصباح لألقاه.

مررت بالمخبز وتناولت بعض الشطائر قبل أن أواصل طريقي اليه..

استأنس الطبيب الذي بلغ من العمر آنذاك 78 عاما بزيارتي، فقد كانت له زوجة المانية أصابها مرض الشيخوخة (الزهايمر) الذي جعلها تتصرف بشكل غير سوي ولم يعد بمقدوره تدبر أمرها، فتم تحويلها الى ملجأ للعجزة. وكان له ابن هو ايضا طبيب اسمه بلال، يسكن في مدينة تبعد أكثر من 500 كم، ولم يكن نصيبه من العروبة غير اسمه، فكان يزور أباه على فترات متباعدة. وتوجد له ابنة هاجرت إلى أمريكا منذ سنين.

بدى الطبيب العجوز حزينا بعد ان أجهزت الوحدة والغربة على شموخه وكبرياءه. كان يتلهف للحديث عن فلسطين وعن الطنطورة تحديدا، ومنذ ذلك اليوم نشأت بيننا صداقة وصرت أتردد عليه كثيرا.

لم أكن أتحدث تقريبا خلال ساعات طويلة كنا نقضيها سويا، فكنت بالنسبة اليه ملاكا هبط من السماء ليصغي اليه بكل جوارحه فيما هو يقص تفاصيل حكاياته المكبوتة  في صدره منذ سنين.

حدثني الدكتور جلال عن والده ذو الهيبة والوقار الذي كان تاجرا وكثيراً ما كان يسافر الى بيروت، حيث تزوج هناك وأحضر زوجته التي هي والدة الدكتور جلال إلى الطنطورة، ومن يومها اشتهر هو واخوانه بين أهالي الطنطورة والبلدات المجاورة، إجزم وعين غزال والفريدس وجسر الزرقاء وقيساريا بكنية “أولاد اللبنانية”، وكانت لهجتهم في الكلام خليطا من الطنطورية واللبنانية.

حدثني أيضاً عن طفولته وعن صباه وعن شجرة التين التي أشعل سيجارته الاولى تحتها وعن البحر. وعن تلك الليلة المشئومة  ما بين ال-22 وال- 23 من شهر أيار من عام النكبة التي هاجمت فيها العصابات الصهيونية القرية واحتلتها وجمعت أهلها عند البيدر وصلبتهم ساعات طوال حتى عصر اليوم التالي فيما جثث المقاومين كانت ملقاة في كل مكان، وشاهد والده واخوانا له يعدمون أمام عينيه، ودفنهم وهو ينتظر دوره ليلحق بهم، ولكنه وفي تلك اللحظة التي ما زال يتذكرها جيدا ويتردد كثيرا هل كانت سعيدة ً ام تعيسة، فلربما لقسوة المشهد الذي لن يغيب عن مخيلته أبدا، ربما كان الذين لقوا الموت أكثر حظا، فلم تطلق عليه تلك الرصاصة.

في تلك الليلة ارتكبت العصابات الصهيونية مجزرة اخرى من مجازرها البشعة، وهذه المرة  في الطنطورة، قال الدكتور. فقد قتلت بدم بارد ما يقدر عددهم ب 230- 250 من أبناء القرية جعلتهم يحفرون قبورهم الجماعية بأيديهم، وشردت من تبقى من الاهالي الذين بلغ عددهم في ذلك اليوم ما يقارب ال 1500 نسمة وحولت منازلهم إلى ركام. وسيق هو وبعض الصبيان ممن كتبت لهم الحياة الى السجن في مستوطنة زمرين القريبة ومن ثم الى سجن ام خالد ليمكث فيه قرابة سنة.

بعد خروجه التحق بوالدته التي كانت مع من نجى من اخوانه الثمانية  في بيروت التي وصلوها بعد عناء رحلة شاقة استغرقت أشهرا طويلة.

محمد عمر كبها

محمد عمر كبها

ومن شُح فرص العمل وضيق العيش قرر وصديقيه السفر إلى ألمانيا. كان الطريق مضنيا وخطيرا، وصلها في النهاية تهريبا عبر البحر في سفينة بضائع كانت قد رست في ميناء بيروت ومن هناك اتجهت الى مرسيليا الفرنسية، وعند وصوله فرنسا لم يكن بحوزته إلا مبلغا زهيدا من المال،  فقطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام، وركب القطار حينا مختفيا عن الأنظار، حتى وصل الى مدينة فرانكفورت.

منذ وصوله الى تلك المدينة  شرع يعمل ليلا ويتعلم اللغة الألمانية نهارا.  وسكن في بيت سيدة المانية عجوز عطفت عليه حينما علمت بأنه فلسطيني.

تعلم جلال الشاب المثابر الطموح الألمانية بسرعة، وذهب بعدها الى المدرسة لإنهاء امتحانات التوجيهي التي ستمكنه من دخول الجامعة، فتفوق فيها والتحق بالجامعة ليدرس الطب البشري فتبدأ حياته تأخذ مَنْحًى جديد.

لم يزر الدكتور جلال فلسطين منذ سنين طويلة حتى صيف عام 1991، حيث تمكن بعد غياب استمر 42 سنة أن يعود الى فلسطين بجواز سفر ألماني، ولكنه وعند وصول طنطورته لم يجدها!

فقد طمس المحتل معالمها ليخفي آثار جريمته النكراء ظنا منه بأن هذا سيضمن له بأن يكون من سيأتي بعدهم مثل ذلك المرشد، لكن هيهات.. إنه شعب يرشده قلبه النابض الذي يهديه الى طريق الحق آبياً التضليل والنسيان.

(تنويه: احداث القصة كلها حقيقية لكن أسماء شخصياتها مستعارة)

شهداءٌ تحتَ الرمالِ ينتظرونُ العائدينَ

Tantura massacre victims - just before their execution

بقلم: محمود غنيم – الفريديس نت

لذكرى سقوط الطنطورة وقع خاص على نفسي، فالطنطورة كانت وما زالت جزءًا من القلب، لن أستطيع تفسير مدى تعلقي بهذا المكان، فالطنطورة ليست شاطئ فحسب، بل قرية مقاومة، قرية مناضلين اشاوس تهجرت عوائلهم ودمرت بيوتهم وارتقى أبناؤهم بين لاجئ وشهيد.

يروي الحاج رسلان حسن أيوب أعمر أحد الناجين من مجزرة الطنطورة: “أثناء وجودي بين الرجال أمرني أحد الجنود بانتشال جثة أحد الشهداء الملقاة بين أشواك الصبار فرفضت وعندها وجه فوهة البندقية إلى رأسي فرميت نفسي بين شجيرات الصبار وسحبت جثث الشهداء وجسدي يرشح دما جراء الأشواك. جمعنا نحو 70 جثة.”

ان تشبثي بهذا المكان منذ نعومة أظافري، لم يكن محض صدفة، فهذا المكان ساحرٌ حقًّا، اشرحوا لي كيف لمحمود البيتوتي، كثير الحركة، سريع الملل، أن يعشق مكانا هادئا خاليا من البشرية، هذا المكان الساحر بجماله والمميز بكل تفاصيله، له وقعٌ خاص على قلبي، أتأمل الأفق البعيد مراقبًا الشمس، ظانًّا انها لا تبرح مكانها، فهي تخرج من رحم البحر للعمل وتعود الى مكانها بعد انتهاء دوامها، فتضيع حائرا متسائلا، أيهما أجمل، شروق الشمس أم غروبها.

حكاية الطنطورة تبدأ من المدخل الرئيسي للشاطئ، من موقف السيارات تحديدًا، ففي تلك البقعة يتساوى المُستعمِر والمُستعمَر كليًّا، فكلٌّ له رقعته الخاصة، كلٌّ يعرف حدوده فيلزمها، بضع أمتارٍ تحتهم مقبرةُ جماعية لشهداء مجزرة الطنطورة، قبورا حفرها أهل الطنطورة بأيديهم مدركين مصيرهم.

ويستذكر الحاج اعمر كيف جاء جندي مصاب بيده واستأذن الضابط بإعدام اثنين منا انتقاما لجرحه من معركة الليلة الماضية فأشار للشخص الذي يقف جانبي بلا اكتراث وأضاف كان ذاك الرجل قد انتهى للتو من دفن جثتي شقيقيه فسار مسافة 100 متر وأطلق عليه النار وأرداه قتيلا.”

تهرول مسرعًا الى الشاطئ، فترى الفنادق وشققا فخمة ضخمة، لا يسكنها غير الأغنياء، تصب عيناك على بناية بعيدة قريبة تناديك من زمن آخر، بيت قديم كان ملكًا لآل يحيى، لا أدري كيف نجى، ولا أظن انه اراد النجاة، فمن يشهد مأساة كهذه سيأبى الاستمرار في الحياة، لكن البيت بقي صامدًا، شامخًا، مقاومًا، متمردًا على نهج من حوله، فهو لم ولن يستسلم مُذكرًا ايانا أن الصراع مستمرٌّ ولم ينتهي النضال، فمهما تغيرت الظروف والمعالم حوله سيبقى هو كما كان، طنطوريًّا!

ويتابع الحاج رسلان وقد تجهم وجهه وتصبب العرق من جبينه وهو يتابع “تقدم جندي آخر مني وصوب سلاحه نحوي واستنهضني من مكاني وهو يدفعني بأعقاب بندقيته بقوة فسقطت أرضاً.” ويضيف: “داخل المقبرة أجبرونا على حفر قبورنا بأيدينا ولولا تدخل بعض يهود زخرون يعقوب لكنت في عداد الموتى فقد اقترحوا على الجنود أخذنا للأسر بدلا من قتلنا فمكثت وآخرون ثماني ساعات في معتقل زمارين قبل نقلنا إلى سجن أم خالد ثم إلى إجليل حيث مكثت 11 شهرا.”

تسمع صوتًا قويًا يناديك، تتلفت حولك مستغربا من عساه يعرف مكانك، فيعود الصوت مرة أخرى لتكتشف انها الأمواج، حيث تناديك لتستكمل قصة البيت القديم، فهي أيضًا تقاوم، مقارعةً الصخور بلا كلل، غير آبهةٍ لحجم النقوش التي خلفتها في الصخور، فهي على يقينٍ أنها ستتغلب على الصخور يومًا، ناهجةً نهج الطنطوري الأصيل مرددة ما قاله الحاج رسلان:

“دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى يوم قيام الساعة.”

لنتذكر شهداءنا، قرانا، تاريخنا، نكبتنا ولا ننسى، فمن يهدم بيوتنا اليوم بحجة القانونية هو نفسه من قام بتشريدنا ونكبتنا في ماض ليس بالبعيد، لنحافظ على الأرض ولنتمسك بها أكثر فأكثر، فهي أساس الصراع، لن نتنازل ولن نهاجر، بل سنبقى، فلنا لغة مشتركة مع هذه الأرض، نفهمها وتفهمنا، تشاركنا تفاصيل حياتنا، فالمال يذهب والناس تذهب، لكن الأرض تبقى مخلصةَ لأهلها.

للطنطوريين المحرومين من هواء الطنطورة، أبشركم أنا ابن الفرديس، أن قريتكم كما هي لم تغير ثوبها يومًا وما زالت بانتظاركم لتعودوا إليها، محافظةً على عطرها العريق المميز، عذرا تميم، فانّ في الطنطورةِ من في الطنطورةِ ولكن الطنطورةَ لا ترى سوى أهلها.

*الفقرات المشددة عبارة عن شهادة أحد الناجين من مجزرة الطنطورة، نقلت هذه الشهادة عن صفحة جمعية فلسطينيات.

محمود غنيم

محمود غنيم

Tantura_massacre_dawn

Soldiers in Tantura - at the time of the massacre

Soldiers in Tantura – at the time of the massacre

Tantura view from the sea - 1935

Tantura view from the sea – 1935

Tantura_Families_1 Tantura_Families_2 Tantura_Families_3

Tanturam map

Tanturam map

Tantura Holy Tomb

Tantura Holy Tomb

ماذا تعلمت من اليسار الكردي؟

YPJ

إنطباعات من مؤتمر كردي في هامبورغ يبحث مستقبل اليسار العالمي

لو كنّا نتحدث عن مصير الأكراد قبل عدة سنوات، كنّا نفترض أن قضية حريتهم ونضالهم شبه ميؤوس منها…

يقدر عدد الأكراد بأربعين مليون نسمة، وأعتقد أنهم أكبر مجموعة قومية لا تزال محرومة من حق تقرير المصير. وقد كانت كردستان من ضحايا التقسيم الامبريالي للشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، عندما تم تقسيمها بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. وزادت معاناة الأكراد مع سيطرة نموذج الدولة القومية المركزية ومحاولات طمس أو تهميش الهوية الكردية.

وصل قمع الأكراد ذروته في تركيا، حيث مُنع (عام 1983) أي نشر أو تعليم باللغة الكردية… ووصل نضال الأكراد إلى أعلى درجاته مع اعلان الحرب الشعبية من أجل تحرير واستقلال كردستان، بقيادة “حزب العمال الكردي”، وذلك منذ عام 1984.

في أول أيامه كان يمكن أن يُعتبر “حزب العمال الكردي”، الذي تأسس من قبل مجموعة طلاب يساريين بقيادة عبد الله أوجلان  عام 1978، الأخ الأصغر لليسار الفلسطيني. وقد تدربت كوادر الحزب في معسكرات اليسار الفلسطيني في لبنان وتعلمت من تجربته. ولكن، مع مرور السنين، حصل حزب العمال الكردي على موقع مميّز كالتيار المركزي لحركة التحرر الكردية في تركيا. حافظ الحزب على هذا الموقع بالرغم من مراحل الجزر في نضاله وأعتقال زعيمه أوجلان (عام 1999) وملاحقته كـ”تنظيم ارهابي” من قبل القوى الامبريالية. مع تراجع دور اليسار الفلسطيني (والعربي) واستقطاب الصراع السياسي بين معسكر البرجوازية الرجعية وبين الإسلام الراديكالي، أرى أهمية لدراسة التجربة المختلفة وانجازات اليسار الكردي في ظروف تحمل العديد من الصفات الشبيهة بظروفنا.

كان لنا الحظ أن زارَنا قبل سنتين الناشط الكردي إرجان أيبوجا، واستضافه “حراك حيفا” في نادي “حيفا الغد” لمحاضرة قيِّمة عن تاريخ ومتجددات النضال الكردي. ولمّا وصلني خبر قيام مؤتمر بمبادرة كردية، في مدينة همبورغ في ألمانيا، تحت عنوان “متحدو الحداثة الرأسمالية”، وجدتها فرصة لأتعرّف أكثر على هذه التجربة…  وقد اشتركت في اليومين الأولين من ثلاثة أيام هذا المؤتمر، أعني يومي الجمعة والسبت 3 و4 من نيسان هذه السنة (2015). وأريد أن أقدم لكم، فيما يلي، بعض الأمور التي تعلمتها والانطباعات التي أخذتها من هذا المؤتمر…

Some of the speakers in the Kurdish conference in Hamburg

Some of the speakers in the Kurdish conference in Hamburg

التجديدات النظرية

منذ زمان يقلقني الاحساس ان العديد من التيارات اليسارية تتعامل مع النظرية الماركسية ليس كتحليل علمي الذي من المفروض أن يتجدد بالاستمرار بل ككتب مقدسة “منزلة” لا تسمح بالاجتهاد. عند بعض التيارات تَكْمُل الماركسية بكتب لنين، وعند الأخرين يستمر تطوير الخط الثوري مع ماؤو أو تروتسكي، ولكن من الذي يعمل اليوم على تطوير هذه النظريات وتحليل ومواجهة التطورات المتسارعة في العهد الحديث؟ لقد فوجئت حين علمت أنّ “حزب العمال الكردي” لم يغلق باب الاجتهاد وانه يعمل باستمرار على محاولات لتجديد نظريته جنبًا إلى جنب مع محاولات إعادة صياغة طريقه النضالي.

لا ننسى أن حزب العمال نفسه لا يزال مُدْرَج في قائمة التنظيمات الارهابية عند العديد من الدول الامبريالية، وكان المؤتمر الذي حضرته مؤتمرًا أكاديميًا، بعيدًا عن الأطر الحزبية… ولكن صورة أوجلان  كانت تُهيْمن على المنصة، مرفقة بشعار “الحرية لأوجلان” في عشرين لغة، وقد وقعنا في قاعة الاستقبال على عريضة تُطَلب بشطب الحزب من القوائم السوداء. وكانت “نظريات أوجلان” هي الخيط الرابط بين عشرات المداخلات في جلسات المؤتمر.

باختصار شديد يمكن أن نذكر هنا أن نظرية أوجلان  اليوم هي مزيج من الماركسية والـ”لاسلطوية” وتأتي تحت عنوان “الكونفيدرالية الديمقراطية”. هذه النظرية تجمع بين نقض النظام الرأسمالي وبين معارضة نموذج الدولة القومية وتطرح نوع مختلف من النظام يعتمد على تنظيم الجماهير في كل موقع وموقع من خلال مجالس جماهيرية وبناء شبكات تواصل وتنسيق بين المجالس في مختلف المناطق.

كان اختيار عناوين الجلسات بحسب فصول هذه النظرية، من “تحليل الحداثة الرأسمالية” و”الحداثة الديمقراطية” و”الصناعة البيئية والاقتصاد المجتمعي” و”التغلب على عقبات النظرية الثورية” و”الدروس التي يمكن استخلاصها من الممارسات البديلة”.

شكلت قائمة المتكلمين الذين سمعتهم من خارج الحركة الكردية خليط غير منهجي ولكن مثير للتفكير ومتحدٍّ للعقل في اجتهادات متنوِّعة لصياغة الروابط بين النظريات الثورية المعروفة وبين تحليل ومواجهة الأزمات الجديدة في النظام الرأسمالي العالمي… منهم من إعتمد على الماركسية واقترح نظرة لتحديثها ومنهم من بنى تحليله على تصحيح “أغلاط الماركسية” (أو، بنظري، على قراءة سطحية ومغلوطة لها). وقد أعجبتُ بمحاضرة عالم “عِلم الإنسان” ديفيد غرايبر (David Graeber) اللاسلطوي، الذي شرح بشكل حادٍّ ومثير العديد من التناقضات التي نعيشها وقد تعوّدنا على تجاهلها.

شملت قائمة المتكلمين فلاسفة مختصين قارنوا نظريات أوجلان  بنظريات أخرى مثل نظريات “فوكو” و”غرامشي” (ولم تستطع المترجمة أن تحبس بكاءها وقت المحاضرة عن نظريات فوكو…) ومن الطرف الآخر شمل المؤتمر مداخلات لناشطات وناشطين ميدانيين من مناطق مختلفة. أذكر من بينهم “بني فونيسيو” اليونانيّة، التي روت تجربة بناء تعاونيات محلية في اليونان في ظل الأزمة الاقتصادية الغير مسبوقة في تاريخ أوروبا الحديث. كما أذكر “د رضا دسوسا” الهندية التي تحدثت عن تجربة تنظيم الفلاحين الفقراء في بعض مناطق بلادها، وكيف نجحوا في مواجهة نمط التطوير الهدام للشركات الكبيرة وبناء مشاريع تطوير تتلاءم مع حاجاتهم، مثل بناء سدود صغيرة لتخزين المياه للري وانتاج الكهرباء من هذه السدود.

رؤية جديدة لحل القضية الكردية

كلنا سمعنا وقرأنا عن “عملية السلام” بين الحكومة التركية وبين حزب العمال الكردي، التي من خلالها أعلن الحزب قبل سنتين عن وقف اطلاق النار. وقد دعى أوجلان حزبه، في شهر آذار الأخير، إلى التنازل المشروط عن خيار الكفاح المسلح كوسيلة للحصول على حقوق الأكراد في تركيا، ومحاولة التركيز على النضال السياسي. هذا التغيير يعتمد على امكانية الأكراد كسب لمزيد من الحقوق الديمقراطية من خلال الضغط المستمر على الحكومة التركية والتعاون مع قطاعات مختلفة من الجماهير في تركيا للتقدم في المسار الديمقراطي والصراع لأجل حقوق المسحوقين في تركيا بغض النظر عن قوميتهم.

“عملية السلام” لم تظهر بين مواضيع المؤتمر، وفي الأحاديث الغير رسمية التي كانت لي الفرصة أن أشارك فيها كان انطباعي أن النشطاء لا يعلّقون عليها آمال كبيرة… ولكن نظرية “الكونفيدرالية الديمقراطية” تعبر عن تغيير عميق في رؤية حزب العمال، مع التركيز على الحقوق الديمقراطية للجماهير في دولة لا-مركزية، ورفض نمط الدولة القومية (الكردية أو غيرها) التي كان يسعى لها الحزب بأول طريقه.

أعرف أنه يوجد بين رفاقنا في فلسطين من يرى في تغيير موقف حزب العمال تنازلًا بل وخُضُوعًا أمام قمع الدولة التركية، ونحن نشأنا على عدم تقديم التنازلات بغض النظر عن موازين القوى، وان الثورة تصنع المستحيل… كما أعلم أن الكثير من النشطاء العرب يعارضون حق تقرير المصير للأكراد إن اشتمل الأمر على المس في وحدة أراضي سوريا أو العراق… ولا أريد أن أدخل هنا في نقاش المبادئ أو الدفاع على مصداقية حزب العمال، ولكن أوصي المنتقدين من الجهتين أن يحاولو فهم طرح الحزب ومعرفة منطلقاته قبل اتخاذ أي موقف منه.

يؤكد أوجلان أن موقف حزب العمال هو موقف يساري قبل ان يكون قومي وهو يعتمد على طلب الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان والحقوق الاجتماعية لكل الناس، ويذكر أن المجموعات القومية والأثنية في الشرق الأوسط متداخلة في بعضها البعض وعاشت ومارست ثقافة تعددية قبل المحاولات الدموية لفرض دولة أحاديّة القومية. كما يؤكد أن الحزب لا يهدف تحرير الأكراد وحدهم بل يمكن أن يشكل موقفه الأساس لحياة حرة لجميع شعوب المنطقة ولحل الصراعات الداخلية والأقليمية. ومع ان حزب العمال يحاول تحفيف التناقضات في صراعه مع الدولة التركية ويعلن انه يمكن أن يحقق أهدافه الديمقراطية في ظل وجود هذه الدولة، فأنه يحاول أيضًا أن يصيغ نظرة أبعد إلى المستقبل يتغيَّر فيها ميزان القوّة بين الدولة وبين المجتمع لصالح الناس.

ولا شك أنه كان للتطورات الأخيرة في المنطقة تأثيرها على صياغة هذه المواقف. ومن بين هذه التطورات امكانية تشكيل دولة قومية كردية تحت قيادة رجعية في جنوب كردستان (شمال العراق) – ويعلن حزب العمال أن هذا ليس الهدف الذي كان يناضل لأجله. وبالمقابل، وبالرغم من تقليل حزب العمال من ذلك، فأن التغييرات الديمقراطية الجزئية في تركيا تحت حكم “حزب العدالة والتنمية” بقيادة أردوغان أمكنت الأكراد من متابعة المسار الديمقراطي… فقد سمعنا في المؤتمر عن المخاطر البيئية النابعة من مشاريع التطوير التي تُنَفَّذْ اليوم في المناطق الكردية، ورأيت انه موضوع مهم جدًا لكنّه يختلف كليًا عن قلق الفلسطينيين الذين يعانون من غياب أي تطوير.

The big hall in the Hamburg University was almost full

The big hall in the Hamburg University was almost full

روجافا

كلمة “روجافا” تعني “غرب” باللغة الكردية، وعند الحركة الوطنية الكردية تُشير إلى المناطق الكردية في سوريا، كما أنها تسمى المناطق الكردية الواقعة تحت سلطة تركيا “الشمال”، والمناطق المحكومة من قبل إيران “شرق كردستان” وشمال العراق هو “جنوب كردستان”.

الثورة السورية، التي انطلقت في بداية عام 2011 ضمن “الربيع العربي”، أدت إلى تطورات دراماتيكية غير متوقعة في روجافا. بعد احتدام المعارك مع المعارضة الاسلامية سحب النظام السوري غالبية قواته من المناطق الكردية، وترك فراغًا سلطويًا وعسكريًا سمح للسكان المحليين من الأكراد ومن أبناء مختلف الأثنيات والديانات الذين يعيشون بينهم بتشكيل حكم ذاتي فعلي.

الحزب المركزي بين أكراد روجافا هو “حزب الاتحاد الديموقراطي” (PYD) الذي يتوافق مع مواقف “حزب العمال الكردي”، واصبح الحزب خلال مرحلة قصيرة في مركز الحكم في منطقته دون أن يخوض معارك لتحريرها. حزب الاتحاد استطاع أن يشكل تحالفات مع معظم القوى الكردية لبناء وصيانة الحكم الذاتي، وأقام ذراعًا عسكريًا يُسمى “وحدات حماية الشعب” (YPG) للدفاع عن المناطق الموجودة تحت سيطرته. في نهاية 2013 وأوائل 2014 أخذت المؤسسات الكردية بقيادة حزب الاتحاد سلسلة من الخطوات القانونية والعملية لتثبيت الحكم الذاتي في روجافا، المقسم جيوغرافيًا لثلاث مناطق غير مُتَّصلة.

بناء حكم كردي شبه مستقل بقيادة تيار اليسار الجذري فتح المجال أمام تجربة سياسية إجتماعية فريدة من نوعها في منطقتنا، لا تُشبه إلا، لحد معيَّن، تجربة ثورة جنوب اليمن عام 1967. ويعمل نظام الحكم الذاتي في روجافا على تطبيق نظرية “الكونفيدرالية الديمقراطية” مع اعتماد المجالس الشعبية واللا-مركزية والتشديد على مساواة المرأة وحقوقها ومشاركتها الفعالة في جميع مجالات الحياة بما فيها السلطة والعسكر والتطوير الاقتصادي لمصلحة الجماهير الشعبية مع المحفاظة على البيئة.

وأخذت التطورات الميدانية في روجافا منعطفًا مصيريًا آخر مع ظهور تنظيم “داعش” الفاشي، الذي سمي نفسها “الدولة الإسلامية”، وسيطرته على المناطق المجاورة لرجافا ومن ثم محاولاتها لاحتلال المناطق الكردية بقوة السلاح المتطور الذي استوْلى عليه من مخازن الجيشين السوري والعراقي. وصار الوجود الكردي في روجافا مهددًا ليس سياسيًا فقط بل وجودًا، كما شهدنا هروب المواطنين من مئات القرى في منطقة كوباني (عين العرب) أثر احتلالها. ولكن وحدات حماية الشعب واجهت هجوم داعش بمقاومة بطولية أسطورية، وأدى الخوف من وحشية “داعش” إلى تعاطف عالمي غير مسبوق مع المدافعين الأكراد وحلفائهم، وأمكن التيار الذي ما زال يعتبر “إرهابيًا” في العديد من العواصم الغربية يظهر في ضوء جديد…

كانت أخبار روجافا وتجربتها الاجتماعية الفريدة مركز الاهتمام في مؤتمر هامبورغ. آسيا عبد الله، الرئيسة المشاركة لحزب الاتحاد تكلمت في المؤتمر عن تجربة روجافا. أمّا  أشد تصفيق منحه الجمهور لبعض المقاتلات الكرديات اللواتي تحدثن معنا من أرض روجافا في بث حي. ووقف الجميع على أرجلهم وهتفوا للنصر ولحرية روجافا.

Liberation Fighters spoke live from Rojava

Liberation Fighters spoke live from Rojava

دور النساء

أهم درس تعلمته من تجربة اليسار الكردي هو أن علينا ألّا ننتظر التحرير أو الانتصار في الصراع من أجل الديمقراطية لكي نبدأ في التغييرات الاجتماعية التي نسعي إليها، بل بالعكس. التغييرات المجتمعية هي جزء ضروري من تقوية المجتمع تحت ظروف الاحتلال والقمع وهي التي تمكننا من خوض المعركة الكبيرة المصيرية ضد السلطة القمعية التي تختص باستغلال أي نقطة ضعف عندنا.

إن الانجاز الأكبر، الذي لا يمكن تجاهُّله، في تجربة تيار اليسار الكردي هو الاهتمام المنهجي بأوضاع النساء والعمل الدؤوب على مشاركة النساء في كل المجالات. كان للنساء دور بارز في المؤتمر كمنظمات ومشاركات ومتكلمات، وأخذت قضايا تحرير المرأة موقعًا مركزيًّا خلال كل تطرق للأجندة الثورية.

سمعنا عن تجربة الوحدات العسكرية الخاصة بالنساء وبالقيادة النسائية. وتعلمت أن في روجافا تخصص 40% من مقاعد كل هئة منتخبة للنساء، مقابل 40% مخصصة للرجال و-20% لكل من يحصل على تأييد أكبر. كما تعلمت أن التشديد على دور المرأة عند “حزب العمال الكردي” في ارتفاع مستمر، وقد اقرت هيْئات عديدة مبدأ الرئيسين، أحدهما على الأقل من النساء.

غياب الشركاء من المنطقة

في ختام هذا التقرير، مع كل الدروس الإيجابية التي تعلمتها، فلا بد لي من واجب النقد البناء…

وأرى أن أهم غائب في المؤتمر كان الشركاء الطبيعيين للنضال الكردي من الأترك والعرب وباقي شعوب المنطقة. كما شرحت أعلاه، فقد حدد “حزب العمال الكردي” سياسته الجديدة من منطلق احتياجات جميع سكان المنطقة ويطرح رؤية لحل ديمقراطي شامل. ولكن الظاهر أنه، بسبب المعاناة التاريخية في مختلف الساحات، لا يزال الأكراد ينظرون إلى “جيرانهم” الأتراك والعرب والإيرانيين كمضطهديهم ويتصعّبون أن بناء علاقة الشراكة معهم.

وتبقى مهمة التغلب على عدم الثقة وبناء النضال المشترك للتخلص من أنظمة الظلم ولبناء الأسس المتينة للمجتمع الحر مهمتنا جميعًا.

Kurdish Cultural Evening - singing liberation songs

Kurdish Cultural Evening – singing liberation songs

Dancing Kurdish Debka in front of the stage

Dancing Kurdish Debka in front of the stage

Going to defend her family and freedom

Going to defend her family and freedom

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 29 متابعون آخرين