تخطى إلى المحتوى

مجتمعنا الفلسطيني في حيفا يرفض التجنّد في ميليشيات بن جفير

بيان صادر عن حراك حيفا حول مشروع “حرس الأحياء”

في إطار سعي جهاز الشرطة الإسرائيلي إلى تجنيد وتحييد الشباب العرب في المدينة، تناقلت وسائل رسمية دعوات لإشراك أبناء الأحياء الفلسطينية في مشروع “حرس الأحياء” الذي أعلنت أنه سيقوم بمهام شرطية في المدينة.

إنّنا في حراك حيفا إذ نرفض ونستهجن هذه الدعوة غير البريئة لضم شبابنا إلى الميليشيات التي يقودها المتطرف اليميني بن جفير، الذي يعرف شعبنا برامجه المعلنة، نؤكد على التالي:

  1. بات شعبنا يدرك تماما أولويات الشرطة الإسرائيلية، منذ نكبة شعبنا عام 1948 وحتى اليوم، التي تلعب دور القوة الضاربة للمؤسسة العنصرية ضد بنات وأبناء شعبنا في كل مخططات القمع والمصادرة والهدم والتمييز وكم الأفواه.
  1. ظهر الدور العنصري للشرطة بأقبح وجه خلال هبّة الكرامة في أيار 2021، حيث ساهمت بصورة فعّالة ليس فقط في القمع الوحشي للاحتجاجات، واقتحام المنازل، وترويع الآمنين، بل أيضًا في توفير الحماية لقطعان المستوطنين الذين هاجموا المنازل والأحياء والعائلات العربية. وبعد الهبّة قامت الشرطة نفسها بحملة انتقامية مسعورة شملت الاعتقالات والتحقيقات والمحاكم التعسفية ضد أبناء مجتمعنا العربي الذين دافعوا عن بيوتنا وحاراتنا، بينما قامت في المقابل بإغلاق الملفات وتأمين الحصانة للمتطرفين الصهاينة الذين اعتدوا على السكان العزل.

  2. إن تحميل أبناء الأحياء العربية أعباء الشرطة، هو مخطط خبيث، لن يسهم سوى في تفريغ عناصر الشرطة الرسمية لمواصلة، بل والتشديد، في لعب دور البوليس السياسي. فالشرطة التي تخصص طواقم لمتابعة ما يكتبه طلاب الثانويات على وسائل التواصل الاجتماعي، وملاحقتهم، بدلا من النزول إلى الشارع ومجابهة الإجرام، لا تعاني من نقص في الكوادر. هذه الشرطة التي تركّز جهودها على قمع تحركاتنا الوطنية، وملاحقة الناشطين بتهم واهية تتراوح بين الهتاف، ورفع العلم الفلسطيني، تصل إلى حدّ رعاية الإجرام والتغاضي عنه، بهدف خلق مجتمع فلسطيني مأزوم، وليس أدلّ على ذلك من تصريح قائد الشرطة الإسرائيلي بأن جهاز الشاباك هو من يرعى رؤوس الإجرام في المجتمع العربي.

  3. يبدو أن الضرائب التي تسارع مؤسسات الدولة، على اختلافها، إلى جبايتها من جماهيرنا المعرضة للإفقار والتهميش، لم تعد كافية لتمويل حملات الاعتقالات والترهيبات، والتي نذكر منها الحملة شبه العسكرية التي نفذتها عناصر قوات الياسام في حي الحلّيصة سنة 2017، والتي اقتحم خلالها عناصر الياسام الملثمون منازلنا في الليل، وقاموا بترويع الأطفال، واعتقال الكبار، وأثبتوا أنهم لا يختلفون عن عناصر جيش الاحتلال ومسلكياته في الضفة الغربية.  وجماهير حيفا، حين ترغب بالتبرّع والتطوع، فهي بكل تأكيد لن تتطوع لتمويل ومساعدة الأجهزة القمعية والعنصرية.

  4. في سياق المسؤولية المجتمعية عن محاربة الإجرام، نذكّر بأن هذه الشرطة الإسرائيلية نفسها هي التي تحارب تجارب القرى العربية في تشكيل مجموعات الحراسة الشعبية، وليس أدلّ على ذلك من جريمة الشرطة الإسرائيلية في كفر قاسم سنة 2017، التي قتلت خلالها الشهيد محمد طه من مجموعة الحراسة الشعبية التي أخذت على عاتقها محاربة الإجرام في المدينة، نتيجة تقاعس الشرطة الإسرائيلية عن القيام بدورها. وقد ترافق قتل الشهيد بدم بارد مع اعتقال المتطوعين في لجان الحراسة الشعبية في كفر قاسم.

  5. كل ما ذكر أعلاه يثبت عدم وجود أي نقص في العناصر الشرطية، ولا في مقدّرات جهاز الشرطة.
    نحن نعلم ذلك جيّدا لأننا نلاقي هذه “العناية الشرطية الفائقة” في مظاهراتنا الاحتجاجية السلمية. ففي الوقت الذي يتجمّع فيه العشرات من عناصر الشرطة لقمع احتجاجاتنا في الحي الألماني، يُطلق العنان للإجرام والفلتان في الأحياء العربية، من دون أن تحرّك الشرطة ساكنا. وأخر دليل أوضح على ذلك مظاهرة الجمعة 27.1 التي استرجل فيها عناصر الشرطة لاعتقال 6 من المتظاهرات والمتظاهرين، وكان من بين المعتقلين المحامي عدي منصور من عدالة الذي اعتدى رجال الشرطة عليه بسبب مطالبته لهم بعدم مخالفة القانون.

يا أبناء شعبنا،

لقد تحسسنا على جلودنا، في هبّة أيّار، برنامج العمل الحقيقي للشرطة الإسرائيلية التي تلعب في حيفا دور القوة التنفيذية للاحتلال، والقمع السياسي والقومي. إننا نرفض، بوعي واعتزاز وطنيين، مبادرة الشرطة الإسرائيلية، إلى تحويل شبابنا لمتطوعين في ميليشيات بن جفير.

حراك حيفا

30.1.2023

كيف وقعت، كما لو كنت مبتدئًا، في خدعة التّحقيق

أربع ملاحظات:

  • أيّ ارتباط أو تشابه بين القصة الخياليّة أدناه وبين أشخاص معيّنين أو أحداث حصلت بالفعل ليس سوى صدفة تمامًا.
  • تم نشر هذه القصة القصيرة في جريدة “المدينة” الحيفاوية يوم الجمعة 6\1\2023.
  • في الصورة: ثلاثة معتقلي مظاهرة الحراك بعد إطلاق سراحهم، مع الرفيقات والرفاق والمحامي عدي منصور.
  • قد كتبت هذه القصة عقب محاولة الشرطة قمع مظاهرة حراك حيفا يوم السبت، 17\12\2022. وأرفق أدناه عدة تقارير حول هذه المظاهرة، مصورة من صفحات “المدينة”.  كما بإمكانكم قراءة تقرير مفصل باللغة العبرية حول هذه مظاهرة.

يمكن النظر للتّحقيق عند الشّرطة أو المخابرات بوصفه منافسة غير متساوية بين جهتين. في بعض الأحيان، تشبه هذه التجربة لعبة الشطرنج، وفي أحيان أخرى تشبه مطاردة القط للفار. منذ طفولتي السياسيّة تمت تربيتي على مبدأ السكوت في التّحقيقات. ومع تراكم تجربتي، وبعد متابعة مئات الحالات الّتي مرّ بها الرفاق والأحبّة، ازدادت قناعتي بأنّ الصمت هو أفضل وسيلة.

قام حراك حيفا بتنظيم مظاهرة لدعم أسرى هبة الكرمة وضد الأحكام الجائرة بحق العديد منهم. قبل موعد المظاهرة، الّتي حدّدت بتاريخ 17\12\2022، تمت دعوتي لمقابلة قائد شرطة حيفا، وقد حذّرني بشكل واضح أنّه لن يسمح برفع العلم الفلسطينيّ في المظاهرة، وأنّ من يرفع العلم، قد يعتقل على الفور. انطلقت المظاهرة في الوقت المقرر لها على دوار البهائيين، وعندما رفعت العلم الفلسطينيّ سارع رجال الشّرطة ليمزقوا العلم الّذي كنت أحمله، وقاموا بجري بقوة إلى سيارة الاعتقال، ومعي اثنين من الرفاق الشباب.

بعد ساعات من الانتظار، أدخلوني إلى غرفة التّحقيق. قامت المحقّقة بالتّعريف عن نفسها باسم “منار”. فدار بيننا الحوار التّالي

-أريد أن أعرف من تحقق معي

-“منار، توجد هنا منار واحدة فقط، والكل يعرفني”.

شرحت لها أن عليها التّعريف برتبتها في الشّرطة وتقديم اسمها الكامل. صرّحت المحققة برتبتها، ورددت قائلة بأنّ اسمها “منار”. فعدتُ لكي أتمسك بموقفي:

-إذا لم تقومي بالتّعريف عن نفسك باسمك الكامل، بموجب القانون، فلن أتعامل مع التّحقيق.

-تراجعت المحقّقة في نهاية المطاف، وصرحت باسمها. “منار عَمَر”.

وقعت عيني على الحائط فوجدت هناك شهادة تأهيل مقدمة لـ“منار عامِر”.

-عامر… كان هنالك شرطي في محطة مسغاف اسمه أحمد عامر.

-إنّه أبي

-التفاحة لا تسقط بعيدًا عن الشجرة

خرجت الكلمات من فمي دون تفكير. كنت أخشى أن أكون قد بالغت بكلامي، إذ لم أكن أنوي تحويل الحديث إلى مسألة شخصية. فحاولت تصحيح الأمور:

-أنا متأكد من أنّ لديك رأيًا جيدًا في والدك، لذلك لا ترين في كلامي أي أذى.

-كان إنسانًا قويًّا، فمن عرفه لن ينساه.

-“نعم”، صادقت على كلامها، “فقد ضرب العديد من رفاقي”.

بدأ التّحقيق في الاتهامات أخيرًا. سألتني المحقّقة إن كنت أعرف حقوقي، فرددتُ بالإيجاب. وسألتني إن كنت أفهم لماذا يُحقق معي فأجبتُ بالنفي. هنا شرحت موقفي. قلت أنّني لم أفعل أي أمر غير قانوني وأنّ اعتقالي بلا سبب هو، بحد ذاته، مخالف للقانون، وأنّ التّحقيق يهدف إلى تبرير اعتقالي غير القانونيّ، ولذلك فإنّني أعتزم ألا أتعاون مع التّحقيق. سألتني “من نظم المظاهرة”، فعدت إلى التأكيد على الموقف نفسه.

هنا، وأنا أشعر بقمة الثقة في النفس، وقعت في الفخ، حيث تصرّفت بعكس كل النصائح الّتي كنت أقدمها لغيري.

أخرجت المحقّقة هاتفها وأطلعتني على صور لأعلام فلسطينية، وطلبت مني الإشارة إلى العلم الّذي قمت برفعه.

من دون تفكير، تأملت الصور الّتي وُضعت أمامي، فلم أر أي فرق ملحوظ بينها. وهنا أدركت الخدعة. فإن قلت أنّني لا أميّز بين الأعلام، فإنّني بالفعل أعترف بأنّني قد رفعت علمًا.

كان بإمكاني، بالتأكيد، التراجع، ومحاولة تصحيح الخطأ، وأن أؤكد بأنّني لم أرفع أي علم. ولكنني قد رفعتُ العلم أمام كاميرات الشرطة والصحافة. وهكذا، فإنّ الكذب في كل الحالات، تقريبًا، هو الخيار الأسوأ. إنّ الكذب المفضوح، في موضوع واحد فقط، يجعل من السهل على الطرف الآخر كسر الثقة في مائة مقولة صادقة يمكن أن تثبت براءتك في المحكمة.

-“ليست لدي نظارات هنا ولا أرى شيئًا”، أجبتها.

-“يمكن أن أعطيك نظاراتي”، اقترحت علي.

-فأجبتها بأدب قائلا: “لستُ بحاجة أن أرى”، ملتزمًا من جديد بموقف عدم التعامل مع التّحقيق.

لا تقلقوا عليّ. فتهمة “رفع العلم” لا تشكل مخالفة قانونيّة. وقد تمّ إطلاق سراحنا نحن الثلاثة في ذات الليلة من دون أيّة شروط. أمّا في لعبة الشّطرنج بيني وبين المحقّقة، فقد سجلت لنفسي خسارة مهينة، بالرغم من الافتتاح الرائع.

أوقفوا الملاحقة السياسية ضدّ رفيقتنا سميّة فلاح!

بيان صادر عن حراك حيفا

 (تم نشر هذا البيان قبل قليل على موقع حراك حيفا)

لا يتوقّف العمل الوطنيّ الفلسطينيّ .. وأجهزة الأمن الصهيونيّة لا تتوقّف عن قمعه

في الـ 11 من الشهر الجاري اقتحمت أجهزة القمع الإسرائيلية (مخابرات وشرطة) منزل رفيقتنا سميّة فلاح، وصادرت حاسوبها، وفتشت هاتفها ثمّ اعتقلتها. وقد جرى التحقيق مع الرّفيقة سميّة في مكتب المخابرات في شرطة حيفا لمدّة 12 ساعة ومن ثم تحويلها إلى الحبس المنزلي مع الإبعاد عن منزلها ومدينتها في حيفا. فوق ذلك فرضت عليها الأجهزة الصهيونيّة قيوداً مشدّدة، من ضمنها منعها من التواصُل عبر الشبكة الرقمية وإجراء أيّ اتصال مع رفاقها في النضال.

على مدار الأياّم اللاحقة استدعى جهاز المخابرات الرفيقة إلى جولات تحقيق مختلفة ومتعدّدة، كما جرى تمديد اعتقالها المنزلي لفترات متواصلة وتشديد العقوبات وظروف الاعتقال. إضافة إلى ذلك بادرت أجهزة القمع إلى شنّ حملة تحريض عنصريّ مسموم ضد رفيقتنا عبر الإعلام الصهيوني مع ذكر تُهم “امنية” و”خطيرة” لا أساس لها في الواقع.

هذه الأساليب الوحشية التي تستعملها أجهزة القمع ضدّ رفيقتنا سميّة اليوم نحن نعرفُها عن قرب، ونعرف أيضاً الأساليب الأصعب منها، مثل التحقيقات والعزل طيلة أسابيع في زنازين المخابرات ومنع الاتصال بالمحامي. إنّه روتين نشاط المخابرات في مواجهة ناشطي النضال الفلسطينيّ، وقد مارسته من قبْل ضدّ العديد من نشطاء الحراك… ولكن هيهاتَ لهُم أن يكسروا عزيمتنا وإصرارنا على مواصلة النضال في سبيل حقوقنا المشروعة.

يستخدم الاحتلال تهمة “الاتصال بعميل أجنبيّ” بالجُملة لتجريم التواصُل بيننا نحن أبناء الشعب الفلسطينيّ في الوطن والشتات – لكنّ هذا لن يغيّر من حقيقة أنّ الأجنبيّ في هذه المنطقة هم المستوطنون الذين يحالولون تثبيت وُجودهم هنا بالقوّة وبشتّى الأساليب الاستعماريّة. نحن شعب هذه الأرض والتواصُل مع بنات وأبناء شعبنا هو حقّ طبيعيّ لنا. من هُنا نؤكّد للعدوّ قبل الصديق أنّه لا توجد قوّة تقدر على ردْعنا عن ممارسة هذا الحقّ – لا الترهيب، ولا الاعتقالات، ولا كلّ ما في جُعبة جهاز الشاباك.

الحريّة للرفيقة سميّة فلاح!

وليكُن ردّنا تكثيف التواصُل النضالي بين كافّة بنات وأبناء الشعب الفلسطينيّ.

معاً وسويّة حتى التحرير! ولا عودة عن حقّ العودة!

معركة الدفاع عن مقبرة القسام المهددة بالتجريف تدخل مرحلة جديدة

(تم نشر هذا التقرير على صفحة “حراك حيفا” في موقع فيسبوك)

تعرف “مقبرة القسام”، الواقعة في بلدة “بلد الشيخ” المهجرة، بأنها “أكبر مقبرة شهداء” في الداخل الفلسطيني.

تم إنشاء المقبرة الإسلامية في قرية بلد الشيخ، في ثلاثينات القرن الماضي، جنوب-شرق مدينة حيفا، لخدمة سكان حيفا والقرى المجاورة، وقد اشتهرت المقبرة باسم “مقبرة القسام” بعد أن دُفن فيها الشيخ المجاهد عز الدين القسام ومرافقيْه الاثنين الذين استشهدا معه في معركة ضد جيش الاحتلال البريطاني بالقرب من يعبد في شهر تشرين ثاني عام 1935. كما دُفن في المقبرة العديد من الثوار وشهداء الثورة الفلسطينية في سنوات 1936-1939 وضحايا المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد المواطنين العرب الفلسطينيين مثل مجزرة المصفى ومجازر بلد الشيخ والحواسة.

بعد نكبة عام 1948 وتهجير غالبية سكان حيفا وقرى المنطقة، صارت المقبرة هدفًا لمطامع السيطرة الصهيونية من قبل الدولة ومن قبل أوساط رأسمالية، وكلهما شريكة في عملية السرقة والنهب برعاية المحاكم الصوَرية الاستعمارية. ولكن، لحسن الحظ، كانت المقبرة مسجلة باسم “وقف الاستقلال” التابع للطائفة الإسلامية في حيفا. وعلى الرغم من النكبة، فقد حافظت الطائفة على استمرارية وجودها، ولم يتمكن الطامعون من الاستيلاء على أراضي هذا الوقف، بما فيها مقبرة القسام، بادعاء أنه مصنف كـ “أملاك غائبين”، كما كان مصير العديد من المساجد والمقابر والمؤسسات وأراضي الوقف.

صورة قديمة لمدخل مقبرة القسام قبل بناء شارع 752

من هذه النقطة، بدأت حلقات مسلسل طويل من محاولات التحايل، منذ خمسينيات القرن الماضي، بهدف شطب قدسية المقبرة وملكية الوقف وتحويلها إلى أراضي عقارات لأغراض المضاربة. فقد تم تقسيم أرض المقبرة إلى ثلاث “قسائم” أرض يعترف بواحدة منها فقط كأرض مقبرة، وتمّت مصادرة القسيمتين الأخريين. وقامت “الدولة” بتأجير، ومن ثم بيع، إحدى القسائم لشركة خاصة اسمها “كيرور أحزكوت”. وقامت أجهزة النهب بتعيين “متولي للوقف” متعاون مع الحكومة لا علاقة له بأصحاب الحق، حيث أبرمت معه “صفقات” مشبوهة لتبرير عمليات الاستيلاء…

إلا أن الجمهور العربي لم ينسَ المقبرة مع مرور السنين، بعد تهدمها نتيجة للإهمال وعمليات التخريب، كما خططت السلطات، فقد تحوّلت قضية مقبرة القسام إلى قضية مركزية للجمهور العربي الفلسطيني في حيفا والمنطقة.

في عام 1989 قامت حركة ابناء البلد بيوم عمل تطوعي كشفت فيه معالم القبور من تحت غابة من الشوك. وقد اندلعت معركة جماهيرية طويلة في بداية الالفين ضد بناء شارع 752 في أرض المقبرة، بما فيها اعتصام شباب الحركة الإسلامية ليلًا ونهار في أرض المقبرة، وانتهت بالانتصار الرمزي مع تمرير الشارع فوق جسر بشكل يمنع المس بالقبور. ومع مر السنين استطعت الطائفة الإسلامية في حيفا أن تتخلص من سيطرة العملاء على لجنة متولي الوقف وتم تعين لجنة أخرى تعمل على استرجاع الأراضي المصادرة والحفاظ على قدسية المقابر.

وفد حراك حيفا في خيمة الاعتصام في مقبرة القسام – مع متولي وقف الاستقلال وممثلي أهلي المدفونين – 17 كانون أول 2021

في المراحل الأخيرة من المؤامرات ظهرت شركة “كيرور أحزكوت” بدور المبادر والفاعل الأساسي، مع تقديم شكوى قضائية ضد متولي وقف الاستقلال (عام 2014) بادعاء منعها من التصرف “بممتلكاتها”، وطلبت من المحكمة الاعتراف أن “قسيمتها” من أرض المقبرة خالية من القبور، وقد طلبت المحكمة أن تفرض على المتولين إخلاء القبور في حال ثبت غير ذلك. وصار رد الفعل الجماهيري أقوى هذه المرة وتم تنظيم أهالي الأموات المدفونين في المقبرة، والاثبات نهائيًا أن منطقة المقبرة كلها تحتوي على قبور. وفي نهاية المطاف فرض الضغط الجماهيري وأحقية الموقف والعمل المهني للمدافعين عن القضية من متولين ومحامين ومخططين على المحكمة أن ترفض طلبات المعتدين.

نجد أنفسنا اليوم أمام موجة جديدة من المؤامرات من قبل “المستثمرين” وهيئات التخطيط والسلطات المختلفة للاستيلاء على أرض المقبرة وطرد سكانها الأموات – الصامدين حتى بعد وفاتهم. لذلك، أقام متولي وقف الاستقلال، مرة أخرى، خيمة اعتصام على أطراف المقبرة (تحت رعاية لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية الفلسطينية في الأراضي المحتلة منذ 1948) وتم إطلاق دعوة عامّة للالتفاف حول الخيمة وللمشاركة الفعالة في النضال لإنقاذ المقبرة وإفشال هذه المؤامرات الجديدة أيضًا.

المقبرة وخيمة الاعتصام

يوم الجمعة، 17\12\2021، بدعوة من حراك حيفا، قمنا بزيارة خيمة الاعتصام والتقينا بمتولي الوقف وممثلي اهالي المدفونين في المقبرة. وقد شرح لنا، باسم لجنة المتولين، كلّا من الحاج فؤاد أبو قمير والمحامي خالد دغش عن حيثيات القضية من تاريخ المقبرة ومسلسل المؤامرات للاستيلاء عنها والمعركة الجماهيرية والقانونية للحفاظ عليها. وبحثنا معًا سُبل استمرار النضال، باعتباره نضالا من أجل الحق ومبادئ الإنسانية ورمزًا وطنيًا يوحد أهل حيفا، هذه المدينة التي كانت وما زالت عربية فلسطينية. وقمنا بزيارة المقبرة برفقة الأخ طلب أبو عيشة، العضو في لجنة أهالي المدفونين في المقبرة، ودلّنا على موقع قبر جده الشهيد. وقد وعدناه بالعودة إلى الخيمة في وقت قريب لكي نواصل النضال.

(تم نشر تقريرَيْن أخرَيْن حول قضية مقبرة القسام باللغة الإنجليزية في مدونة “Free Haifa” وباللغة العبرية في مدونة “חיפה החופשית”)

لإنقاذ حياة مقداد القواسمي وكايد الفسفوس – مطلوب التحرك العاجل

بيان حراك حيفا

تم اعتقال مقداد القواسمي بسبب مشاركته في الاحتفال بخروج ابن عمّه من السجن بعد 10 سنوات اعتقال. حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة 5 شهور، وفور انتهائها تم اعتقاله إداريا مجددا.

هذه معلومة ينبغي علينا جميعا التأمل فيها: نحن جميعا معرّضون للاعتقال، ليس بناء على ما قمنا به أم لم نقم به، بل كإجراء تنكيل قرره ضابط ما يجلس خلف مكتبه، بحجّة أو بدون حجّة. (فخر الرنتيسي، مثلا، معتقل لأنه قام، في زمن ما غير محدد، بالصلاة في المسجد الأقصى.)

بهذا المعنى: مقداد القواسمي الآن، وهو على سريره في مستشفى كابلان، يرقد مكان أحدنا. لقد سدّ بجسده مكانا قد أكون أنا أو أنت معرضين لنكون فيه.

من دون مبالغة في توصيف الحال: بعد تسعين يوما وتسعين ليلة من الامتناع عن الطعام والمدعّمات، يبلغ معدل نبضات قلب القواسمي الآن 50 نبضة في الدقيقة. أشار الأطباء إلى وجود تراجع في جهازه العصبي. يعاني من متلازمة “ترجرج الحدقة الاضطراري”. يبلغ وزنه الكلّي الآن أقل من 50 كيلوغراما. ورغم فقدانه الجزئي للقدرة على النطق، وشهادة الطبيبة لينة قاسم التي عاينته مطلع هذا الأسبوع بأنه يلاقي مصاعب في التركيز والتواصل، إلا أنّه مصر على عدم بلع الطعم الذي وضعته له المخابرات: إنه يرفض وقف إضرابه عن الطعام بعد تجميد اعتقاله الإداري، لأنه يدرك تماما أنه سيعاد اعتقاله إداريا فور وقفه للإضراب عن الطعام. ويبدو أن القواسمي الآن يقف في البرزخ الفاصل بين حياة يتحكّم في تفاصيلها ضابط ضجر وحقير قرر ملاحقة القواسمي من دون سبب يستحق، وبين العبور نحو قائمة شهداء الحركة الأسيرة.

المطلوب الآن: التحرك العاجل من أجل مقداد، ومن أجل كايد الفسفوس، وباقي المعتقلين المضربين عن الطعام، وإلى جانب الأسيرات البطلات الثلاثة اللواتي فتحن في سجنهنّ أيضا إضرابا مفتوحا عن الطعام.

  • الدعم، كل الدعم، للأسرى المضربين عن الطعام!
  • لتلغى الاعتقالات الإدارية!
  • الحرية لجميع أسرى وأسيرات الحرية!

حيفا، 22\10\2021

بيان حملة الدولة الديمقراطية الواحدة حول اغتيال نزار بنات

لتسقط سلطة العار!

“لا تحرّر بدون حرّية ولا تحرير مع الإستبداد والفساد والتعاون مع المستعمر”

تسود شعبنا هذه اللّحظات حالة من الصّدمة والذهول والفجيعة تجاه الجريمة المروّعة التي إرتكبتها أجهزة سلطة أوسلو بحقّ الناشط المعارض نزار البنات، وبات من شبه المؤكّد أنّ ما كان لن يكون، وأنّ العدّ التنازلي لسلطة العار قد بدأ.

وقد تبيّن أنّ هذه الاجهزة القمعية التي تدرّبت على يد جنرال السي آي إي، كيث دايتون، أقدمت على اغتيال نزار بنات عمداً، وبصورة وحشية، بعد أن اقتحمت بيت أقربائه في مدينة الخليل، ونقلته إلى مقرّاتها في المدينة. هذه الجريمة صبّت الزيت على النار المتأجّجة أصلاً في صدور أبناء وبنات شعبنا، والغضب المتراكم تجاه النظام الفلسطينيّ جرّاء استفحال الفساد، والقمع، والتعاون مع المستعمر، وبسبب الانعزال الكامل عن طموحات هذا الشعب، وعن آماله بالتحرّر والحرّية والعدالة، إضافة إلى تنصّله من دوره في المعركة والهبّة الشعبية المجيدة والحراكات المتواصلة.

يؤكّد هذا السلوك الفاسد والاجرامي – وهو سلوك بنيويّ يعيد باستمرار إنتاج طبقة سياسية اجتماعية معتمدٌ وجودها واستمرارها على الدعم الخارجي – أنّ الوضع قد بلغ الزبى، وما عاد ممكناً السّكوت على نظام هجين ومُنسلخ عن الشعب، قد أصبح عبئاً ثقيلاً لم يعد يحتمّله الشعب، وعائقاً خطيراً أمام مسيرة التحرّر وتحقيق كرامة الإنسان.

إن هذه الجريمة التي تضاف إلى الجرائم المتراكمة، كالقمع والفساد والتعاون مع المستعمر، تضع كل دُعاة التغيير والتحرّر والتحرير، أمام تحدٍّ كبير؛ كيف يوضع حدّ لهذه الطبقة السياسية غير القابلة للشفاء، وكيف تشقّ قوى التغيير طريقاً بديلاً يلتف حوله الجميع، طريقاً تأسر خيال الشعب، وتشدّه نحو الفعل المنظم والمنسّق، طريقاً لا يفصل بين مقاومة المستعمر ومقاومة نظام الاستبداد والفساد.

صورة الشهيد نزار بنات في وادي النسناس، حيفا، 24\6\2021

إن حملة الدولة الديمقراطية الواحدة، تطرح تصوّرها لفلسطين المستقبل، كبلد ديمقراطيّ يقوم على أنقاض نظام الاستعمار والأبرتهايد والاستبداد الداخلي؛ وطنٌ حر وإنسانٌ حر، ورؤية لمجتمع تعدّدي، يتساوى فيه المواطنون، تُحفظ فيه حرية التعبير، يحافظ على كرامة الإنسان، وتُصانُ فيه حرية المرأة. هذا لأنّ الحرية لا تتجزأ، ولا تقبل أيّ انتهاك لحق معارض أو حرية المواطنين بشكل عامّ تحت أيّ من الذّرائع والشعارات البالية مثل “أمن الوطن، ودرء الفتنة” او “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” والتي لا تزال سارية في معظم الأنظمة العربية.

إن الفلسطينيّ الثائر يرفض أن يقوم في وطنه نظامٌ شبيه بأنظمة القمع والتوحّش كما هو حال أنظمة العالم العربي، هذه الأنظمة التي حوّلت دولها الى سجون ومسالخ، وإلى مزارع لها، وألحقتها بالخارج، فثارت الشعوب وحطّمت حاجز الخوف.

لقد بات واضحاً، خاصّة في ضوء الهبّة الشعبية ومعركة القدس، أنّ الجيل الجديد وطلائعه الصاعدة، وعموم الثوريّين المخضرمين، الديمقراطيين، الذين تخلّصوا من رواسب الماضي وازدواجية معاييره، وشعارات الأنظمة العربية البالية، هم القوّة المـؤهّلة لقيادة حركة وطنية ديمقراطية تحرّرية تستند إلى قيم الحرية وكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية. هم القوّة المؤهّلة التي ستشكّل جريمة اغتيال نزار بنات وقوداً جديداً يدفعها لمواصلة مقارعة الاستعمار ومواجهة وكيله، نظام الاستبداد الفلسطيني، ويربط نضالها مع نضال الشعوب العربية من أجل استرداد أوطانها من الأنظمة المتوحّشة.

إنّ هذه الجريمة وضعت شعبنا أمام لحظة فارقة سيكون لها ما بعدها. شعبنا يستحق الحياة، والكرامة والأمن والعيش الكريم.

الخزي والعار للقتلة والفاسدين والمتعاونين مع المستعمر!

لتسقط سلطة العار!

الحرية لشعبنا والمجد لشهداء التحرير والكلمة!

وقفة احتجاجية في يوم استشهاد نزار بنات على دوار أميل حبيبي في وادي النسناس

خيار المقاطعة – تمسك بالتفاؤل

(تم نشر هذا المقال في جريدة “المدينة” الحيفاوية اليوم)

“التفاؤل ليس مزاجا، بل هو موقف سياسي”…

يتحوّل هذا العالم ويتغيّر بلا هوادة، كما أن المجتمعات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية تتقلب هي الأخرى. التغيير دائم، ولا يترك إنسانا أو مجتمعا على حاله. لكن ما من ضمانة بأن يكون التغيير إيجابيا دائما. لا يحصل التغيير بالاتجاه المطلوب، غالبا، من دون مجهود مستمر من أصحاب الشأن. ولن يمكننا أن نؤثر ونحسّن الأوضاع من دون أن نؤمن بأن تحسّن الأوضاع ممكن. وهكذا يصبح التفاؤل من شروط التغيير.

التفاؤل المؤثر يجب أن يُبنى على الحقائق، وكذلك على فهم تناقضات الوضع. لو كنّا، مثلا، متفائلين جدّا بأن حمارتنا ستلد حصانا، فإن تفاؤلنا لن يؤثر بتاتا على طبيعة المولود. هنا بالذات يمكنني أن أؤكد بأن الانتخابات الإسرائيلية هي الأخرى، لن تلد إلا كما ولدت سابقاتها: حكومة صهيونية يمينية وعنصرية، لأن الانتخابات تُعقد في دولة أبارتهايد تم تهجير معظم سكانها الأصليين، حيث يرجع القرار إلى أصوات “الأغلبية اليهودية” المصطنعة التي صارت اغلبية بعد التهجير والنكبة.

ولكن، قد يسأل القارئ، هل لدينا بديل؟ أليس أقصى ما نطمح إليه يتمثل في الفتات الذي يمكن أن نحصل عليه من خلال المشاركة في هذه “اللعبة المبيوعة”؟ هنا يأتي دور المقاطعة، صرخة المظلومين الرافضين قبول قوانين اللعبة العنصرية. هل لهذا الموقف المتفائل أسس متينة في قراءة الخريطة السياسية؟

لا مجال لدينا هنا لإجراء تحليل للساحة المحلية وشؤون المنطقة والصراعات العالمية – وكلها مهمة لفهم فرص التغيير. لكننا نعلم أن “التفوّق الاستراتيجي” لدولة الاحتلال في صراعها ضد شعوب المنطقة نابع من موقعها كـ”قلعة أمامية” في نظام الهيمنة الإمبريالية الامريكية وفي الدعم الأمريكي غير المشروط لها، لأسباب أمريكية داخلية. ولذلك، فإن أهم تغيير يمكن أن نتمناه يتمثل بسقوط أمريكا من موقع القوة العظمة المسيطرة على عالمنا، وهذا ما يحصل اليوم أمام عيوننا مع صعود الصين كقوة اقتصادية أولى ومع تراكم الأزمات الداخلية في أمريكا نفسها.

كما ونذكر أن أمريكا موجودة في منطقتنا بالأساس بسبب أهمية النفط للاقتصاد العالمي. ونعلم أن سيطرة قلة من الملوك والأمراء والطغاة على مصادر النفط، من خلال التقسيم الامبريالي للمنطقة، قد منحها الإمكانيات الهائلة لقمع شعوب المنطقة وحرمانها من أي تطوّر نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فقد شهدنا في العقد الأخير ثورات الربيع العربي، التي تُعد من أكبر أمثلة النضال التحرري في العالم، تُقمع بأنهار من الدم. إلا أن دوام الحال من المحال، والنفط نفسه بدأ يفقد دوره في انتاج الطاقة وفي الاقتصاد، حيث صار انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح أرخص، ولا بد أن يولد هذا التغيير إعادة صياغة شاملة لموازين القوة والسياسات في المنطقة.

وفي الوقت الذي لا نرى فيه أي تقدم في السياسة الإسرائيلية، كان من الأهمية لتقرير منظمة “بتسيلم” الحقوقية، الذي نُشِر قبل شهرين، وقد وصف نظام دولة إسرائيل بأنه “نظام فصل عنصري – أبارتهايد”، ليس على مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، ولكن إسرائيل كلها، وهذا يعني، بحسب مفاهيم القانون الدولي، أنه نظام اجرام معادي للإنسانية. كما بُشّرنا أخيرا، لأول مرة، بفتح تحقيق بجرائم الحرب الإسرائيلية من قبل المحكمة الدولية في لاهاي.

إن كان دعاة حقوق الانسان في المجتمع الإسرائيلي وفي العالم قد وصلوا (بتأخير 72 عام) إلى الاستنتاج باننا أمام نظام مجرم يجب معاقبته، فقد آن الأوان أن يرفع ضحايا هذا النظام صرخة صريحة تكشف الجريمة ولا تغطي عليها، لكي نوجّه عملية التغيير إلى مسارها الطبيعي: التخلص من الاستعمار وانشاء ديمقراطية حقيقية.

انا مقاطع… بِدافع المحبّة

(تم نشر هذا المقال اليوم في جريدة “المدينة” الحيفاوية)

للديمقراطية معانٍ عديدة، قد يكون من أبرزها انتخاب سكان الدولة لمن يدير شؤونها. حين تسعى العديد من شعوب العالم إلى كسب حقها في الديمقراطية، تظهر أزمة الأنظمة الديمقراطية في الكثير من الدول التي تمارسها، حيث يشتري أصحب رؤوس المال ولاء الساسة، الذين بدورهم يكسبون أصوات الجمهور من خلال التحريض العنصري والوعود والأخبار الزائفة. أما نحن، الذين ليس لنا حظّ في العيش تحت حكم ديمقراطي حقيقي، فنستطيع، “أقلّ ما فيها”، ان “نتمتع” بكل أمراض الديمقراطية البرجوازية… ومنها تحوّل الانتخابات إلى مهرجان للكذب والكراهية وإنكار إنسانية الآخر. بناء عليه، قررت، كمقاطع لهذه الانتخابات، أن اقاطع هذه العادة السيئة أيضًا وأن أكتفي بالكتابة عن الأمور الإيجابية التي يمكن أن أصف بها المشهد.

حب الوحدة وحب الجديّة

رغم مقاطعتي للانتخابات، رحبت بتشكيل “المشتركة” في حينه، لأننا جميعًا، مقاطعين ومشاركين، شركاء في نضالات مهمة ضد الاحتلال والحروب والعنصرية. رأيت أن خوض الانتخابات في قائمة واحدة يقصي الخلافات المسيئة لوحدة الصف. لقد كان توق الجمهور الفلسطيني إلى الوحدة سببا في ارتفاع التصويت، تماما كما عاقب هذا الجمهور نفسه مركبات “المشتركة”، حين انشقت، بتوسيع صفوف المقاطعة.

قلنا نحن، المقاطعون المبدئيون، بأن الكنيست هي من تشرعن العنصرية، وقلنا بأنه لا يمكنها أن تكون “ساحة نضال” لنيل الحقوق الوطنية أو المساواة والعدالة. وقلنا بأن نجاح المشتركة في محاولات “التأثير” داخل “اللعبة البرلمانية” الصهيونية أخطر عليها من الفشل. يمكن تلخيص التجربة، (بإيجابية طبعا)، بالقول بأن المشتركة قد قطعت كل الخطوط الحمراء بهدف تحقيق وعدها لناخبيها في “التأثير” من داخل الساحة السياسية الإسرائيلية. وأوصت على تعيين مجرم الحرب “غانتس” لرئاسة الحكومة، وانتهت القصة المؤلمة دون انجاز ملموس للناخب الفلسطيني، لكنّها تمكنت من فضح هذا الجنرال المنتفخ اعلاميًا الذي فضل أن يكون كرسيّا يجلس عليه نتنياهو، على أن ترفعه أكتاف عربية.

من باب المعارضة للتورط في مستنقع الكنيست، علينا أن ننصف الجميع، ونعترف بأن خطوة النائب منصور عباس في محاولة انقاذ نتنياهو ليست إلا استمرارا طبيعيا لنفس محاولات التأثير داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، العنصري من الحائط إلى الحائط، لأن الشمبانيا التي شربها نتنياهو والسيجار الذي دخنه “خاوة” لا يمكن أن تهمّنا أكثر من دماء أطفال غزّة.

ومع خيبة أملنا من شق “المشتركة”، فإنني أرى هناك تقدّمًا… في الماضي كان سبب الخلاف توزيع الكراسي، وقد شلّت أحزاب وقيادات بسبب ربع الكرسي أو ساق كرسي. وها نحن الآن نلحظ تطورا ما بحدوث انشقاق بناء على خلفية سياسية.

الحب للجميع

أقاطع انتخابات لإيماني بالديمقراطية ولأنني أرفض زيف “اليهودية الديمقراطية” العنصرية بديلًا لها. أقاطع لأنني أحب الناس ولأنني أسعى إلى حقوق كاملة للجميع.

أقاطع لأنني أؤمن بشعب فلسطين الذي صار رمزًا عالميًا للنضال. أقاطع لأنني أؤمن بأن الأمة العربية وكافة شعوب المنطقة لا بد أن تتحرر.

أقاطع لأنني أؤمن بأن ضمير العالم حي. فإن أردنا أن ينتصر الحق، فإن علينا أن نبدأ بنبذ الكذب وكشف الجرائم والمطالبة بالحق كاملا.

أنا، للحقّ، أشارك “المشتركة” في أملها و”وهمهما” التأثير على المجتمع الإسرائيلي، ولكن ليس من خلال اقناع السادة الفاسدين في تحسين ظروف الاستعباد، بل عبر التوجه لعامة الناس. إنّ أية دعوة للتغيير تبدأ في التأكيد على أن لعبتهم “الديمقراطية العنصرية” مرفوضة ولا مستقبل لها.

أقاطع الانتخابات لأنني أؤمن بالدولة الديمقراطية الواحدة في كل فلسطين، وضمان عودة جميع اللاجئين، وضمان كامل الحقوق لجميع المواطنين.

حملة الدولة الديمقراطية الواحدة: انتخابات الكنيست مفسدة للأحزاب وللنسيج الوطني

بما يلي نص بيان حملة الدولة الديمقراطية الواحدة حول الانتخابات المرتقبة لـ”السلطة الوطنية الفلسطينية” تحت الاحتلال… ويتطرق البيان بفصله الأخير لانتخابات الكنيست.

الانتخابات تحت نظام الأبارتهايد ليست بديلاً عن استعادة المشروع الوطني وشعبنا يتوق لنظام يعبر عن إرادته الحرة ويحقق التحرير والعودة

بيان صادر عن “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية”

 ليس مفاجئاً تحوّل قضية إجراء إنتخابات فلسطينية في الضفة والقطاع إلى حديث الساعة، ومحور اهتمام أبناء شعبنا في هذه المناطق المستعمرة، وكذلك النخب الفلسطينية في الشتات وداخل المنطقة المحتلة عام ١٩٤٨، وأن تُطلق تفاعلات ونقاشات ساخنة، وجدلاً كبيراً حول آفاقها وكيفية المشاركة، أو عدم المشاركة، أو حول شرعيتها، رغم أنها قفزة في المجهول. ففي ظل الواقع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، والحصار الوحشي، وواقع اللجوء والتشتت، الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وفي ظل نظام سياسي فلسطيني متآكل وعاجز، الذي بات عبئا وطنياً على شعبنا، وحاجزاً أمام حركة الكفاح من أجل التحرر، تصبح مسألة الانتخابات، رغم أنها تجري تحت الاحتلال وقيوده، وسلطة أوسلو وضغوطها، كالقشة الي يتعلق بها الغريق.

ولا نرى، نحن في “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة”، حركة التسجيل الواسعة للإنتخابات، سوى تعبير عن توجه احتجاجي شعبي ضد هذا الواقع، وضد النظام السياسي الفلسطيني الذي خذلهم عشرات المرات، منذ اتفاق أوسلو، وعن توق صادق للتغيير وللخروج من الأزمة الخانقة التي تشتد على رقاب الناس كل يوم. فبعد أن عجز الانسان الفلسطيني عن التغيير بالثورة الشعبية، وتحطيم الحاجز، المتمثل بسلطة أوسلو، الفاصل بين الشعب، يأمل، أو يظنُّ أن لديه فرصةً لإحداث التغيير من خلال صندوق الإنتخابات، الذي يمكن أن يقوده إلى الانعتاق والحرية. لقد ضيّق المستعمر، عبر سياساته الوحشية، المدعومة من الإمبريالية الأمريكية والغربية، وأنظمة عربية عميلة، وعبر تحويل سلطة الحكم الذاتي إلى جهاز يحمي أمنه، الفرص والإمكانيات أمام المواطن الفلسطيني، لخوض عملية تحرر فعالة.

لكنّ هذه الانتخابات، وبحسب ما تمخض عن إتفاق القاهرة، ستجري تحت سقف إتفاق أوسلو، خاصة بنوده الأمنية، أي استمرار التنسيق الأمني، من أجل تجديد شرعية النظام السياسي الذي أنتجه هذا الاتفاق الكارثي، والمسؤول عن الإخفاقات المتراكمة، وعن تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية ومشروعها التحرري. كما أن القرار بتنظيمها ليس تعبيراً عن إرادة فلسطينية داخلية بقدر ما هو حصيلة ضغوط دولية وعربية وإقليمية، أو مدفوع بالإعتقاد بأن القوى الدولية، وتحديداً الإدارة الأمريكية الديمقراطية، الجديدة القديمة، بقيادة جو بايدن، ستستأنف المفاوضات او ما يسمى “العملية السلمية” حول “حل الدولتين” الظالم، الذي أماتته إسرائيل وأشبعته موتاً في ظل صمت ودعم هذه الإدارة ذاتها. 

ولذلك كان لا بد من تهيئة الظروف والشروط التي تسمح للقيادة الفلسطينية الرسمية، والتي تتوافق مع توقعات وشروط القوى الدولية، وتتمثل في تجديد شرعية سلطة أوسلو، وجلب حركة حماس، المنهكة من الحروب العدوانية والحصار، إلى داخل النظام السياسي الأُوسلوي بعد دفعها للتكيّف مع هذه الشروط، وهي التي كانت عدّلت ميثاقها السياسي، نحو قبول حل الدولتين، عام ٢٠١٧. وكان غريباً أيضاً قبول فصائل يسارية المشاركة في هذه الإنتخابات رغم رفض سلطة رام الله مطلب هذه الفصائل إلغاء التنسيق الأمني وغيره من بنود أوسلو. فليس الاعتقاد بانه من الممكن تحدي إتفاق أُوسلو من خلال المشاركة في الانتخابات، او حتى بعد الفوز بتمثيل لها في المجلس التشريعي، واقعيًّا، وخاصة أن الجدية في عقد انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني معدومة.

إن إسرائيل، وحلفائها الامبرياليين، لن يعترفوا بما ستتمخض عنه هذه الانتخابات، إذا جرت، إلا بقبول شروط الرباعية الدولية، وأبرزها الاعتراف بإسرائيل وإدانة المقاومة الفلسطينية.

ليس ما جرى في القاهرة، برعاية جهاز مخابرات نظام الدكتاتور عبد الفتاح السيسي، سوى صفقة لتقاسم المصالح، وقوننة الانقسام، وتكريس رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس حركة فتح، والمتحكم باللجنة الدستورية، محمود عباس، على رأس جميع هذه المناصب. هل يسمى كل هذا عملية ديمقراطية! أليست الانتخابات آلية ديمقراطية للتغيير، ويجب أن تجري في بيئة صحية ومنفتحة، وبدون ضغوط داخلية أو خارجية، وتكون القيادة خاضعة للمحاسبة! وكيف تجري انتخابات ديمقراطية، في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بتهديد شخصيات من حركة حماس في الضفة الغربية، بعدم الترشح، وشن حملة اعتقالات متواصلة، ضد نشطاء حركة حماس ونشطاء يساريين، وأعضاء في حراكات شبابية، بلغت في الشهر الماضي وحده ٤٥٦ معتقلا! ثم كيف تكون انتخابات وطنية تمثيلية، في حين أن غالبية الشعب الفلسطيني، في مخيمات اللجوء، وداخل الخط الأخضر، محرومون من المشاركة في انتخابات وطنية حرة! أليس خلوّ إتفاق القاهرة من برنامج سياسي ورؤية تحررية، متفق عليها، دليلاً على نيّة الطبقة السياسية وتوجهها نحو الانخراط مجدداً في عبثية المفاوضات وأوهام التسوية، مع أن المرحلة الحالية ليست مرحلة حلول، بل مرحلة صمود وإعادة بناء، ووحدة وطنية، والانخراط في حملة المقاطعة!   

كل ذلك يشكل تكريساً للتجزئة الجغرافية والديمغرافية والوطنية للشعب الفلسطيني، وإطالة عمر الازمة الفلسطينية، وتعميقاً للكارثة التي نعيشها، وتعطيلاً لإمكانية النهوض بالحركة الوطنية الفلسطينية.

ليس مبدأ الانتخابات مرفوضاً، وليست الديمقراطية والتعددية غريبة عن إرث الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد مارستها الحركة منذ أواخر الستينات، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسساتها التمثيلية، المتعددة، التي اشتملت على فصائل مختلفة ايديولوجياً، واتحادات مهنية؛ نقابية، عمالية، وطلابية ونسائية، وغيرها. كما عرفت سنوات الثمانينات، وخاصة في فترة الإنتفاضة الأولى المجيدة، أرقى أشكال الديمقراطية الشعبية، التي عرفت بالديمقراطية الثورية، والتي تمت كلها تحت مظلة الحركة الوطنية التحررية الموحدة. هذا ما تحتاجه الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم، إي إحياء هذه الديمقراطية، وتجلياتها التنظيمية والشعبية، التي قوّضها اتفاق أوسلو وركز القرار في طبقة صغيرة، حولت السلطة إلى مؤسسة فاسدة وعاجزة وسلطوية. لا تخوض حركات التحرر الوطني انتخابات على سلطة تحت الاستعمار، بل تبني ديمقراطيتها الشعبية من تحت، ديمقراطية مؤسسة على الثورة والنضال والتنمية الشعبية، وجبهة تحرير وطني، مع برنامج سياسي واضح، وهدف نهائي، وإستراتيجية نضال فعالة.

إن مواجهة نظام الأبارتهايد الكولونيالي الذي وحّد فلسطين تحت هيمنته الكامنة، وكذلك أدوات قمعه، تتم عبر إعادة بناء كياناته التمثيلية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، واستعادة برنامج التحرير والعودة، وحل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية. وفي إطار هذا الهدف، تشكل إنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، المصل المضاد للتجزئة، وتعيد تكريس فكرة فلسطين الواحدة في الوعي العام، بديلاً عن الانتخابات للمجلس التشريعي، الذي يختزل شعبنا في أقل من خمس فلسطين، وعن انتخابات الكنيست التي باتت تشكل مفسدة للأحزاب السياسية وللنسيج الوطني لفلسطينيي ال٤٨، وعائقاً أمام مهمة بناء مؤسساتهم الوطنية التمثيلية الجامعة، وحائلاً أمام تمكين وتحصين مجتمعهم في مواجهة السياسات الاستعمارية التدميرية وافرازاتها. هذا فضلاً عن تجميل نظام الأبارتهايد خاصة بعد تمرير قانون القومية العنصري والاستعماري.

لقد آن الأوان لإطلاق مسار تحرري شامل، يوحد شعب فلسطين، نحو التحرر والعدالة.

“حملة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية”

الخميس الموافق ٢٥ شباط ٢٠٢١                  

الحرية للرفيق المناضل مهند أبو غوش!

بيان عاجل صادر عن حراك حيفا

لطالما كان الشباب والشابات الفلسطيني يتعرض للقمع من قبل سلطات المستعمر على امتداد فلسطين بحدودها التاريخية. ولقد لوحظ في الآونة الأخيرة اشتداد الهجمة القمعية عبر الاعتقالات التعسفية التي تستهدف شبابنا في فلسطين المحتلة عام 48 كما في القدس والضفة الغربية، من قبل أجهزة “إسرائيل” الأمنية وبتحريض دؤوب من المستوى السياسي وتواطئ مفضوح للقضاء الإسرائيلي. تأتي حملات الاعتقالات هذه بدعوى “التواصل غير المشروع” بالتركيز على تواصل الفلسطيني مع أبناء شعبه.  فالمنظومة الاستعمارية الإسرائيلية ترى في مجرد تواصلنا الاجتماعي – الثقافي مع أبناء شعبنا تهديداً أمنياً يمسها، وهو ما يساق لتبرير ترهيب الفلسطينيين ومنع تواصلهم/ن مع بعضهم البعض. هذا الترهيب يجري عبر وسائل مختلفة أبرزها الاعتقالات التعسفية التي إما تكون باختطاف الشباب فجرا والتنكيل بهم وإرهاب عائلاتهم، أو من خلال الضغط على الشباب لتسليم أنفسهم لأجهزة التحقيق والتعذيب عبر تهديد العائلات ونزع سلامها.

يوم الاثنين، الموافق 25 كانون ثاني، اعتقل الرفيق مهند أبو غوش من قبل شرطة الاحتلال من بيته فجراً. اعتقل اعتقالا تعسفيا آخراً من ضمن سلسلة الملاحقات الصهيونية للناشطين الفلسطينيين.

يُعرف مهند أبو غوش كواحد من مؤسسي حراك حيفا ومن أبرز الأصوات الفلسطينية الحرة المميزة في النشاط الجماهيري وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، الذي لا يتوانى عن مواجهة أية ظاهرة من القمع والظلم والفساد. تمت ملاحقته في مراحل مختلفة من قبل سلطات الاحتلال الصهيونية، وحتى من قبل سلطة أوسلو، بهدف إسكات صوته المنادي بالحرية والعدالة.

بعد اعتقال مهند مددت المحكمة الصهيونية، دون وجه حق، اعتقاله لمدة أسبوع كامل مع أمر بمنعه من لقاء محاميه. هذا التعسف في الاعتقال والتمديد يهدف الى عزله عن العالم، ويفسح لهم المجال لاستعمال أقصى الضغوط غير الشرعية لكسر إرادة المعتقل، وتحطيم روحه الصامدة. إننا نحمّل سلطات المنظومة الاستعمارية المسؤولية كاملة عن سلامة مهند، خصوصا وأنه يعاني من آلام مزمنة في ظهره نتيجة التعذيب الذي تعرض له خلال الاعتقالات السابقة.

وقفة تضامن مع مهند أبو غوش امام محكمة الاحتلال في حيفا – الثلاثاء 26\1\2021

في الوقت الذي يثق فيه حراك حيفا من بطلان كل الاشاعات التي تبثها الأجهزة الأمنية وأعوانها حول أسباب اعتقال مهند، ونعتبر أن بث هذه الاشاعات جزء من سياسة الترهيب والعزل، فان حراك حيفا يطالب جميع القوى الوطنية والديمقراطية الفلسطينية وجميع مؤسسات حقوق الانسان وجميع أصحاب الضمائر الحية للتحرك السريع لأجل إطلاق سراح الرفيق المناضل مهند أبو غوش.

كما ونؤكد في حراك حيفا لأبناء شعبنا في كل مكان أن جميع محاولات الترهيب هذه لن تنجح لأننا شعب واحد، وإننا دائما سنحافظ على التواصل فيما بين أبناء وبنات شعبنا في فلسطين المحتلة عام 48، والضفة وغزة والشتات.

  • ليطلق سراح مهند أبو غوش فورًا!
  • الحرية لأسرى الحرية!

حيفا، 27 يناير-كانون ثاني، 2021

(بامكانكم قراءة تقرير باللغة الانجليزية حول اعتقال مهند هنا)