تخطى إلى المحتوى

مظاهرة “طالعات للأسيرات” في حيفا… والثورة السودانية

 

وكيف نتوب؟

وكيف يتوب عن وعد الهوى المحبوب؟

وكيف تتوب النار

وهي إن تابت

فسوف تذوب؟

– أغنية غنّتها فرقة العاشقين، تحكي عن عودة الثورة الفلسطينيّة إلى مدينة صور بعد رحيل الفدائيين عن لبنان –

* * *

هكذا مرّت أيام الأسبوع الماضي: كنا نتردد بين مستشفى “روتشيلد” في حيّ الهادار في حيفا وبين معتقل الجلمة الواقع جنوب-شرقيّ المدينة، بعضنا يحاول الدخول إلى القسم الذي كانت تعالج الأسيرة الفلسطينيّة هبة اللّبدي فيه، ويشتبك بالحراسة والبوليس الصهيونيّ الذي يحاول طرد الّناشطين من المستشفى، وبعضنا يتظاهر أمام مركز الاعتقال المخابراتيّ في الجلمة، حيث تحتجز هبة، الّتي أعلنت إضرابها عن الطعام ضد اعتقالها الإداريّ.

بعد مراحلٍ من قصور التفاعل الجماهيريّ والإعلاميّ عن التّضامن مع قضيّة الأسرى، تمكّن إضراب هبة من تحريك النّاس من جديد ووصل إلى عناوين نشرات الأخبار، وبات يذكرنا بالإضراب التاريخيّ الذي أطلقه خضر عدنان، والحراك الشعبيّ المتضامن معه في أيام التفاؤل الكبير الّذي ساد في بداية الربيع العربي…

برزت، من ضمن فعاليّات التّضامن، سلسلة مظاهراتٍ انطلقت بالتّزامن في أكثر من عشرة مواقع مختلفة في فلسطين والشتات، وذلك يوم الخميس 31-10-2019، بدعوةٍ من “طالعات” – الحراك النسويّ الفلسطينيّ الذي فتح آفاقًا جديدة للعمل النضاليّ الجماهيريّ عابرًا الحواجز والحدود مستهدفًا التصدّي  للاضطهاد، ليس فقط بوصفه احتلالًا، ولكن بأشكاله المختلفة.Demonstrators with slogans Sahat AlHanatir

كنّا نتساءل خلال هذه الأيام، إن كانت مظاهرة “طالعات للأسيرات” ستقام أمام المستشفى أو على أبواب السجن، وكيف سيتم إعلام المشاركات والمشاركين في اللّحظة الأخيرة، (هذا في ظل احتماليّة نقل هبة بين الموقعين في أيّة لحظة) وفي نهاية المطاف، عمّمت منظَّمات المظاهرة أنها ستقام في ساحة الحناطير في “البلدة التحتى” من مدينة حيفا، أيّ في موقع “باب يافا” التّاريخيّ لقصبة مدينة حيفا القديمة، التي هدمها الصهاينة سنة 1948.

* * *

أعادنا اختيار موقع المظاهرة هذا إلى جولة سابقة، لم تغب عن أذهاننا بعد، وهي جولة احتلت موقعًا هامًا في سلسلة الصراع المستمر بين الحركة الوطنيّة في حيفا وبين سلطات القمع.

جرت العادة أن تنظّم الحركة الوطنيّة هنا وقفاتها ومسيراتها، داخل الأحياء العربيّة أو على أطرافها، في المواضع التي تشكّل كثافة الوجود السكانيّ العربيّ نوعًا من الحاضنة الحامية لتحرّكاتها. ولكن، في شهر أيار-مايو 2018، ومع تزايد أعداد ضحايا مذابح الاحتلال ضد المشاركين في مسيرات العودة في غزة، وبعد سلسلة مظاهرات تضامن مع غزة المحاصرة في عدة مواقع، اختار منظّمو مظاهرة الحراك في حيفا موقعا مميزا في الثامن عشر من ذلك الشهر، حيث حددوا موضع انطلاق المظاهرة في شارع يافا بالقرب من ساحة الحناطير. وما من شكّ بأن اختيار هذا الموقع غير التقليدي، في منطقة تسعى بلديّة حيفا إلى إعادتها بوصفها القلب النابض للمدينة، كان من ضمن العوامل الّتي دفعت الشرطة والقوات الخاصة إلى الاستنفار ومحاصرة القادمين للمشاركة في المظاهرة والاعتداء عليهم وقمعهم واعتقال العديد منهم واستعمال القوة المفرطة خلال هذه الاعتقالات (ولاحقا، ضد المعتقلين داخل مركز الشرطة).

الجدير ذكره أن القمع العنيف للمظاهرة قد تسبب في تغطيتها اعلاميًا محليًا وعالميًا وزاد من تعاطف الجمهور العربيّ الفلسطينيّ مع نشاط الحراك وقد تبعت هذه المظاهرة عدة مظاهرات كبيرة أمام محكمة المعتقلين وفي الحيّ الألمانيّ، وقد حيّا متظاهرو غزة الأبطال معتقلي حيفا وحركتها الوطنيّة من خلال إطلاق اسم “جمعة من غزة إلى حيفا” على أحد أيام مسيرات العودة المجيدة. لكن القمع الوحشيّ لمظاهرة حيفا في ذلك اليوم انحفر في وعي المتظاهرين، وجعلهم يترددون عن العودة إلى الموقع الذي طُحنوا فيه في ساحة الحناطير.

* * *

هنا ينبغي علينا التوقف للحظة

إن نتائج اشتباك ما، في أيّ ظرف، لا تحسمها بالضرورة موازين القوى الظاهريّة المجرّدة، (مثلا من خلال التساؤل حول “من قام بضرب من؟”).

في مثل تلك المرحلة، في هذا النوع من الاشتباكات، لن يكون بوسعنا أن نقدم تقييمًا نهائيًّا لحدثٍ ما لحظة انتهائه. إننا في مثل هذه الظروف قد نحتاج إلى رؤية تأثير الحدث على تسلسل الأحداث التالية، لكيّ نتمكن من تقييمه.Marching in Hameginim St

بناءً على هذه الرؤية طويلة الأمد، الواثقة بمستقبل تصنعه الجماهير، رفضتُ، ولا أزال أرفض، تقييم “الربيع العربي” بالاعتماد على محصلة سنواته الأولى، وأرفض المشاركة في دفن الربيع العربيّ وهو ما زال حيّا ينزف. كما أرفض مقولة أن ربيع الديمقراطيّة قد مات، وبأن الشعوب قد غابت، وشق الساحة وتقسيمها بين تدخلات ومؤامرات ورجعيّين وعسكر. وها نحن في 2019 نشهد العودة المباركة لرياح الربيع بقوة متجددة إلى بلدان مختلفة منها العراق ولبنان والجزائر والسودان.

يقول المنطق بأنه من الطبيعيّ والمتوقّع أن يكون ردّ المؤسّسة، والمستفيدين من النظام، والطبقات الحاكمة، عنيفًا تجاه المطالبين بالتغيير. كنا نعلم جميعًا بأن هؤلاء يملكون ترسانات الأسلحة والتنظيم العسكريّ ولا تنقصهم الإمكانيات غير المحدودة لإنفاذ القمع تجاه التحركات المدنيّة العزلاء.  كما لا تنقصهم البنية التحتية (النفسية والمنظوماتيّة) في فرض الرقابة على المجتمع. ومن الطبيعيّ أيضًا أن يقف عنف الثورة المضادة، وهول الدمار والجوع والقتل، (وهي ردّة الفعل الأوّلية والمتوقّعة من جانب الطغاة) رادعًا أمام تحرّك الشعوب في بقيّة المواقع. لكن هذا لن يعني بالمطلق أن الثورة المضادة قد انتصرت.

مع تحرّك الشعوب مجدّدًا، في دول عديدة، ثبت بشكلٍ أوسع أن مخرجات قمع الربيع العربيّ ليست هي نهاية الطريق. لقد شكّلت التجربة المأساويّة في سوريا رادعًا متبادلًا، حيث امتنع كل طرف من طرفيّ الصراع من الوصول إلى مرحلة التدمير المتبادل. وبعد سنوات، بتنا نلفي إلى مشهد آخر يقع في المنطقة: سقوط حكم عمر البشير في السودان، وتشكيل حكومة تشارك فيها قوى التغيير، ليمثّل خير إثبات على أن قوة الحراك الجماهيري ناجعة في وجه نظام لم يتردد على مدى التاريخ في ارتكاب أقذر الجرائم.

* * *

نعود الآن إلى ساحة الحناطير، حيث تجمّع مساء الخميس حوالي 150 من ناشطات حراك طالعات ومعهنّ ناشطات وناشطي الحركة الوطنيّة في حيفا، حاملين صور هبة اللّبدي وشعارات التأييد للأسرى.Marching with Palestinian Flag

لم نلحظ تمركزًا كبيرًا لقوات الشرطة، كما لم يكن هنالك وجود ملحوظ لعسكر الوحدات الخاصة في الشوارع. بل إن البوليس لم يتدخّل حتّى في مسار المظاهرة حين سار المتظاهرون على أسفلت شارع حيفا-عكا المركزي، وواصلوا نحو شارع البنوك، مغلقين أحد أهم شرايين المدينة أمام حركة السّير، مرورًا بشارع “الاستقلال”، الشّارع الرئيسيّ الواصل بين شرقيّ المدينة وغربها، لتعود المسيرة إلى ساحة الحناطير، من دون أن تتنطّح قوات القمع للتعرّض للمتظاهرين.

لقد أثبتت هذه المسيرة أن شرطة حيفا قد تعلّمت درسا من أحداث التّضامن مع غزة في أيار 2018. لقد أدركت الشرطة أن كلفة القمع العنيف للمتظاهرين كانت أكبر من كلفة السماح بمسير التظاهرة من دون قمع. وقد تمكنت مبادرة “طالعات”، إلى جانب رسالتها الرئيسيّة المتمثلة في إيصال رسالة التّضامن والتلاحم للأسرى، أن توسّع من هوامش العمل الوطني في حيفا من جديد.
هكذا، يمكن لنا أن نتعّلم، من خلال مظاهرة طالعات، بعد عام ونصف، من فينا الذي “باس التوبة” أهو نحن، أم قوّات القمع ومن يقف خلفها؟

 

 

حراك طالعات يتجاوز مناهج السياسة الفلسطينيّة

كنت أسير على عجل في ذلك المساء. إذ كان من المهم لدي ألّا أتأخّر عن المظاهرة الهامّة المنددة بقتل وتعنيف النّساء. لكنني قد فوجئت حين اقتربت أنا ومن معي من “ساحة الأسير” في الحي الألماني في حيفا، حين أدركت بأنني قد تأخرت فعلا، على الرغم من وصولنا إلى المكان قبل الموعد المحدّد في الدّعوة، إلا أننا قد شرعنا من بعيد، بسماع أصوات الهتافات. وهكذا، فقد أسرعنا المسير لكي ننضم إلى الجمهور المحتشد في الساحة.

* * *

جاءت المبادرة إلى إطلاق هذه المظاهرة من جانب مجموعة من الناشطات، من دون دعم أيّ حزبٍ أو تنظيمٍ أو مؤسسة. لكي ندرك الظّرف المحيط، علينا أن نذكّر بأن الدّعوة قد انطلقت في حمأة موسم الانتخابات الإسرائيليّة، أي في مرحلة كانت فيها جميع الأجهزة السياسيّة والإعلاميّة تعمل على استقطاب اهتمام الناس وتكريسه لصالح العمليّة الانتخابيّة التي ادّعت الحملة بأنها “مصيريّة”. وعلى الضدّ، فقد شكّل خروج الناشطات إلى الشّوارع والحارات لغرض توزيع المنشورات ولصق الإعلانات والتواصل مع الرجال والنّساء، معادلًا مهمًّا، في ظل إصرار القطب المعاكس، الذي يتمثل في الحملة الممولة بملايين الشّواقل لتشجيع الجمهور العربي الفلسطيني على المشاركة في الانتخابات.

Tal3at on Halisa wall with Mukata3a

طالعات – البديل الحقيقي لمحاولات الاندماج الفاشلة في السياسة الإسرائيلية

وفي حين تلخّصت رسالة كلّ من حملة الدّعوة للمشاركة في التصويت، والحملة الدعائيّة للقائمة المشتركة، في مقولة “امنحوا أصواتكم لممثليكم لكي يمنحوا ثقتكم، بدورهم، للجنرال غانتس” (وهذا ما حصل فعلًا، كما يعلم الجميع)، فقد نادت رسالة “طالعات” النّساء (وجميع المطالبات والمطالبين بالعدالة والحرّيّة) إلى رفع الصّوت في الشّوارع، وخلق التغيير في المجتمع بقوة نضالنا الشّعبي، والدّعوة إلى وحدة الحراك التحرري الشّعبي الفلسطيني رغم كل الحواجز والتشرذمات التي فرضها المستعمر.

* * *

تميّز الجّمهور الذي تجمّع في ساحة الأسير بالتنوّع، وقد كانت غالبيته من الشّابّات، ومنهنّ الناشطات المثابرات، ومنهنّ كانت هذه مظاهرتها الأولى. وقد لاحظت من بين المشاركات أيضا نسوة كبيرات في السّنّ، وبعضهنّ من المحجّبات. كما برز ظهور نسبةٍ ليست بالقليلة من الشّباب والنّاشطين الرّجال. لكن ما كان ظاهرَا، أيضًا، هو غياب القيادات الحزبيّة التي اعتادت على استغلال فرص الظهور الإعلاميّ والمشاركة في كلّ نشاطٍ جماهيريّ.

* * *

لم يتوقف الهتاف منذ لحظة وصولنا إلى ساحة الأسير إلى أن تفرق المتظاهرون بعد أكثر من ساعتين. وقد اشتملت الهتافات على العديد من الشّعارات التي تندد بتعنيف النّساء، وبعضها سردٌ للحالات الخاصة واحتوى على أسماء الضحايا على غرار “كلنا مع دلال داوود التي أخذت حقها ’بإيديها‘”، وقد هاجمت الهتافات من قالوا بأنها قد “انتحرت”، كما نددت الهتافات  بالموقف غير المكترث لبعض الناشطين الذكور بجرائم القتل مدعيا انتظار نتائج التحقيق في جرائم القتل، من خلال هتاف “هوّ ساكت ودمّي يسيل، وعم يستنّى التفاصيل”.

لكن الشّعارات لم تتوقف عند جرائم القتل والتّعنيف، فقد تم إطلاق هتافاتٍ تنادي بحرّيّة النّساء وسيادتهن على أجسادهن وحياتهن، مرورا بهتاف “الثورة ما إلها حدود،”، منادية بـ “وطن حرّ، نساء حرة” وصولا إلى الهتافات التحرريّة على غرار “كرامة، حرّيّة، عدالة اجتماعيّة”، أو في هذه المناسبة، “كرامة، حرّيّة، ثورة نسويّة”.

ومع ازدياد الاحتشاد الجماهيري في ساحة الأسير، انطلق الجميع في مسيرة حاشدة في جادة الكرمل، أغلقت بالكامل هذا الشّارع الرئيسي في الحي الألماني، وقد توقفت المسيرة عند المفترق الذي أطلق عليه المتظاهرون اسم “مفترق باسل الأعرج” بمزيد من الهتافات، ولغرض تمديد إغلاق شارع أللنبي، ومن ثم تحركت المسيرة نحو شارع الكرمة وقد قامت بإغلاق هذا الشّارع أيضا. وقد واصلت المسيرة مشوارها نحو شارع الجبل المحيط بوادي النسناس، ومنه عادت عبر شارع أللنبي إلى الحي الألماني ومن ثم ساحة الأسير.

وفي ساحة الأسير استمعنا إلى كلمات ألقتها المنظمات، وعبرت عن أهداف المظاهرة وطبيعة حراك “طالعات” وقد دعت الجميع إلى الاستمرار في التحرك لغرض خلق التغيير اللازم، ووعدت بمواصلة الحراك. وقد استمرت الشّابات ومعهن الشّباب في التجمهر والهتاف في ساحة الأسير لفترة طويلة بعد انتهاء البرنامج المخطط للفعاليّة.

* * *

انطلقت مظاهراتطالعات” في 12 موقعا في الوطن والشّتات: من رفح في قطاع غزة مرورا بالقدس ورام الله ويافا والطيبة والطيرة والناصرة وعرابة البطوف والجش، وحيفا وبيروت وبرلين. وقد قامت قوات الاحتلال بقمع مظاهرة “طالعات” في القدس بعنف شديد. والجدير ذكره أن تظاهرة الطيرة لم يتم التخطيط لها مسبقا، لكن مجموعة من النّساء قد قامت بتنظيم هذه الوقفة في بلدتها لكي يلتحقن بأخواتهنّ في باقي المواقع.

* * *

واحد من الشّعارات التي رفعتها المتظاهرات كانت “نحنا مش قضيّة مؤجلة”، فيما أكّدت المنظّمات في منشور الدّعوة إلى التظاهر بأن “قضيّة أمن وكرامة النّساء في فلسطين هي قضيتنا كمجتمع، وهي ليست قضيّة مؤجلة إلى ما بعد التحرر الوطني، بل هي قضيّة ذات أولويّة راهنة”. وقد حددت هدف المظاهرة في أنه يتمثل في إعادة “تعريف جوهر الخطاب والفعل السياسي التحرري الفلسطيني”. يشاكل هذا الإصرار على مواجهة القضايا الاجتماعيّة الملحة بحراك مجتمعي كل فلسطيني تغييرًا جوهريًا ضروريًا في منطق العمل النضالي والسياسي الفلسطيني.

في ظل موازين القوى غير المتكافئة التي تميل لصالح المستعمِّر، تبحث القيادات التقليديّة على مكان لها في الهوامش المحدودة المتاحة في أطار نظام الهيمنة، من خلال الحكم الذاتي الوهمي لـ”السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة” أو من خلال التمثيل في الكنيست الصهيوني. بيد أن تجربة العقود الأخيرة قد أظهرت كيف تكون نتيجة القبول بهذا الأفق المحدود التنازل على الطابع التحرري للنضال الفلسطيني والقبول بالتقسيم بين لاجئ ومقيم وبين التجمعات السّكّانيّة المختلفة داخل الوطن الواحد. وفي الوقت ذاته، تضمن تراكم وتكاثر القضايا الاجتماعيّة المختلفة من فقر وعنف وأزمة السكن وغيرها.

لكي نتمكن من مواجهة قضايا المجتمع بمجملها، فإن علينا أن نقوم، بصورة دقيقة، بتشخيص العلاقة بين نظام الاستعمار والأبارتهايد وبين البنية الداخليّة للمجتمع الفلسطيني، والعلاقة بين التحرر المجتمعي والتحرر الوطني. ما من شك في أن نظام الاستعمار هو السبب الرئيسي الذي يعيق تقدم المجتمع العربي (وهذا ينطبق أيضا على الدول التي حصلت على استقلالها الرسمي ولكنها تعاني من “الاستعمار الحديث” الاقتصادي والثقافي)، بيد أن البؤس والقمع والفساد الداخلي لا يمكن أن نعزوه فحسب إلى الاستعمار، هذا كله له آثار مباشرة ضارة على حياة الناس (وعلى حياة النّساء أكثر)، إذ أن هنالك من يستفيد من هذه الظروف ويعززها داخل المجتمع بنفسه، وهي تشكل عائقًا وحاجزًا يعيق التطور الشّخصي والمجتمعي والوطني في الآن ذاته.

* * *

بناء على ما تقدّم، يشكل حراك “طالعات” نموذجًا هامًّا، ليس فحسب في مجال مواجهة قضايا القتل والعنف تجاه النّساء، بل إنه يعدّ أيضًا نمطًا للتحرك الذّي من شأنه أن يشمل جميع قطاعات المجتمع الفلسطينيّ، وعلى رأسه الجّيل الجديد والنّساء ومجمل المضّطهدين والمهمّشين، الذين يمكن لهم أن يحققوا ، على الأقل، من خلال المطالبة بحقوقهم، رفعّا لمكانتهم في المجتمع. لقد أثبت حراك “طالعات” أيضَا الطاقة الإيجابيّة الكامنة في حراك شعبي موحّد يشمل الفلسطينيات والفلسطينيّين في جميع أماكن تواجدهم في الوطن والشّتات.

تعي المبادرات إلى إطلاق الحراك بأنهن “طالعات”، فعلًا، نحو مسارٍ جديد، وهو مسارٌ من شأنه أن يشكل المحور الأساسي لتجدد حركة التحرّر الفلسطينيّة، ولذلك، فقد اختتمن بيانهنّ بالقول بأنهنّ يأملن خلق “مراكمة نحو بناء حراك فلسطينيّ جامع”.  إن النجاح الباهر الذي حققته مظاهرات يوم الخميس 26 أيلول 2019 يشكّل دفعةً قويّةً باتّجاه تحقيق هذا الهدف.

* * *

ثلاثة مقاطع فيديو من المظاهرة في حيفا:

https://youtu.be/7vO8pBuWYLs

https://youtu.be/EKGV1WvjOP8

https://youtu.be/WQ6-t0vxJ7A

 

العودة إلى المقاطعة… حتى العودة

عن أيلول، أقسى الشهور

مفارقة يستحضرها موعد انتخابات الكنيست الصهيونيّ، في 17\9\2019، الذي تدعونا مؤسسات الدولة الصهيونيّة إلى المشاركة فيه، بشكل فعّال، إلى تأدية جزء مهم من واجب “المواطنة” فيها، (كما لو كانت دولة عاديّة). ولا تبدو هذه المفارقة غريبة. إذ لم يخطر على بال أحد، لا في الهيئة التي حددت موعد الانتخابات، ولا على بال الأحزاب المشاركة فيه، أن تاريخ يوم التصويت يعدّ تاريخا مؤسسا في وعي الشعب الفلسطينيّ.

 

17 أيلول، يوما لمحاولات التصفية المتكررة للذاكرة

في السابع عشر من أيلول عام 1970 ضرب النظام الأردني حصارًا على المدن والمخيمات (بما فيها العاصمة، عمان، ومدينة إربد) وشرع في تنفيذ قصف عشوائي استهدف المدنيين والمقاومين، وقد كان الهدف الأساس، من وراء الحصار والمجازر التي تلته واضحا: إغلاق الجبهة الأوسع المفتوحة على الكيان الصهيونيّ.

عُرفت هذه المجازر، في التاريخ الفلسطينيّ، باسم مجازر أيلول الأسود التي راح ضحيتها آلاف اللاجئين الفلسطينيّين، والتي أدّت إلى إجلاء المقاومة عن الحدود الأكثر قربًا واتّساعًا بين اللّاجئين ووطنهم الأمّ…

لم تكد تمر اثنتي عشرة سنة، إلى أن حل السّابع عشر من أيلول 1982 كان هذا التاريخ غداة اليوم الثّاني و الأبشع والأكثر دمويّة من أيام مجازر صبرا وشاتيلا الثلاثة، حيث نظّم الكيان الصهيونيّ وساند مجزرةً بشعةً بحق اللاجئين الفلسطينيّين العزّل في الحزام اللاجئ المحيط بالعاصمة بيروت التي احتلّها الجيش الإسرائيلي، بعد انسحاب مقاتلي الثورة الفلسطينيّة من لبنان.

في حيفا أيضًا، نرفع في هذه الذكرى، السابع عشر من أيلول، أسماء أبناء المدينة الثلاثة الذين قتلهم الاحتلال على حدود غزة (سويًا مع شابّين آخرين من أم الفحم وسخنين)، إذ أرداهم الجيش الإسرائيلي بوحشيّة على حدود غزة يوم السابع عشر من أيلول عام 1961. هؤلاء الشهداء الخمسة الذين كتب لهم محمود درويش قصيدة “يحكون في بلادنا”.

من الطبيعي أن يتناسى القاتل، من الطّبيعي أن يطلق الرصاص ويحاول تناسي ضحاياه الذين قتلهم أو دفع أعوانه إلى ذبحهم في العواصم العربيّة. يقول التبرير البارد لدى الصهيونيّ الذي يرغب بالنسيان أنه ما من حاجة لمن هو ليس يهوديًّا، لأن يعيش في دولة اليهود، حيًّا أم ميتًا. ويتفاعل هذا الهدف ويمتّد، إلى منطق أن القتل نفسه لن يكون ناجعًا إلا إذا لاحقت القذائف من يعيش خارج دولة اليهود، في مخيّمات الشتات، وقد أبقى نار هذه الأرض حيّة في قلبه. النّار ينبغي أن تُخمد. سواء على حدود غزة، أم في أحزمة الفقر حول العواصم العربيّة. القتل، باختصار، يستهدف فلسطين، في الأرض وفي الذاكرة.

من الطّبيعي أن يتناسى القاتل

ولكن، كيف ننسى نحن، أهل وأبناء القتلى تواريخًا مغمّسة بالدم؟

وكيف يتوجّب علينا، نحن، أن نحيي ذكرى شهداء السّابع عشر من أيلول؟

 

مقاطعة الـ”لا إنتخاب” في “اللاديمقراطيّة”

المشهد شديد الغرائبيّة…

في “الجولة السّابقة” من مسرحيّة انتخابات الكنيست، في التّاسع من نيسان من هذا العام، كانت حركة المقاطعة في قمّتها وقد أثارت جنون شبكات التواصل وملأت الجدران، بالضبط تحت نوافذ إسرائيل، بالشعارات الجداريّة. في تلك الجولة (التي، بالمناسبة، نفّذت في ذكرى مجزرة دير ياسين هي الأخرى)، كانت أحزاب الكنيست العربيّة منقسمة، وقد تحوّلت إلى هدف لغضب الجماهير بسبب من سوء أدائها.

الغريب في هذه الجولة أنّ المشهد يبدو وكأنه قد انقلب رأسًا على عقب، وبدا وكأنّ حركة المقاطعة غارقة في سباتها العميق، مقابل مشهد عودة أحزاب الكنيست إلى “المشتركة”، في مثل هكذا ظروف من الممكن أن نتوقع أن تتحسن حظوظ وأداء المشتركة. لكن ما نراه الآن أن أحزاب الكنيست قد نكصت مجددا إلى حالة اليأس، والمذهل أنها باتت تصب الجزء الأهم من مواردها الدعائيّة لكي تحارب فكر المقاطعة في ظل ما يبدو غيابًا لحركة المقاطعة عن الأرض، من دون يتخلى الداعون للمشاركة، قيد أنملة، عن أساليب التخويف والتخوين.

الأمور تبدو وكأنها أكبر من مجرد منافسة بين تيارين على قلوب الجماهير، إذ أن وعي المقاطعة قد رسخ بين الناس. ولم يكن سبب الأمر أن المقاطعة هي رسالة سياسيّة قد تم تسويقها بذكاء، كما هو حال بعض الحملات السياسيّة المدفوعة، بل لإنها نتاج إدراك للواقع المؤلم الذي نعيشه جميعا.

منذ زمن، أردت أن أقترح على رفاقي السعي إلى تطوير فكر المقاطعة من مجرد حالة امتناع عن التصويت إلى عدم الاهتمام بالانتخابات الإسرائيليّة كليا، لأنه لا يوجد فرق فعلي، من حيث الجوهر والدمويّة، بين اليمين الصريح، وبين أحزاب “الوسط” و”اليسار”، في نطاق المؤسسة العنصريّة الاستعمارية.

ولكننا، إن كنّا نسعى إلى بناء المشروع البديل الذي يكفل إفلاتنا من هذه المنظومة الظالمة، فإننا لن نستطيع أن نتجاهل أضرار الانصهار في المشروع الصهيونيّ وفي مؤسساته. ولا بد من تشخيص اغتراب بعض القيادات الفلسطينيّة في الداخل، كما هو الحال في الأراضي المحتلة منذ 1967، للعثور على موضع لها في النظام الاستعماريّ، وهذا الموضع بالضّرورة يستوجب الوقوف عائقا أمام الذاكرة المغموسة بالدّم، أمام وحدة الشعب الفلسطينيّ وأمام إعادة صياغة رؤية تحرريّة شاملة.

الدليل الأفضل على ذلك نشهده في المعركة الانتخابيّة الحاليّة: حملة واسعة ممولة إسرائيليًا وأميركيًا تهدف إلى تشجيع العرب على ممارسة “حقّهم” في التصويت…  و”لا يهمّ لمن”.

بالفعل، ليس من مهما لصالح من يصوّت العرب، فالمعركة محسومة سلفا.

not important to whom we vote

دعاية لتشجيع العرب على التصويت للكنيست – حملة ممولة من قبل مؤسسات صهيونية

ما دمنا نتحدث عن الذّاكرة، دعونا نعود بالذاكرة إلى الخلف: لقد قام الكيان الصهيونيّ أساسا على طرد غالبيّة “أصحاب حق الاقتراع”، من أبناء وبنات هذه الأرض الفلسطينيّين من وطنهم، وقد استكملت المهمة، إما على يديه مباشرة، أو على يد أعوانه في العواصم العربيّة، من خلال ملاحقتهم على مدار عقود طويلة (كما رأينا في صبرا وشاتيلا، أو في أيلول الأسود)
نضيف إلى التاريخ عامل الجغرافيا الديمغرافيّة: إذ أنّ غالبيّة السكان الفلسطينيّين الباقين على الأرض المحتلة (الضفة الغربيّة وغزة) ممنوعون من التصويت على من يتحكم في مصائرهم. هكذا، حُسمت المعركة الانتخابيّة الإسرائيليّة بقوة السلاح، لا بقوة الاقتراع، لصالح الجنرالات والمستوطنين (الموزّعين على الطيف السياسي الصهيونيّ، بيساره ويمينه)، وليس المطلوب الآن من الناخبين العرب سوى إسباغ شرعيّة ديمقراطيّة مزيفة على هذا الواقع المحسوم سلفا، من خلال المشاركة الصوريّة في التصويت.

 

أكاذيب دعاية المشاركة: لا 20% ولا مليون مصوّت ولا يسار صهيونيّ

أسباب ذاتيّة مختلفة تدفع الأحزاب العربيّة إلى المشاركة في الكنيست، من أهمّها مسألة التمويل الذي يُضمن للأحزاب المشاركة، وهذا التمويل قد بات المصدر الأساسي لضمان وجود هذه الأحزاب المادّي.

بعد الانتخابات، في باقي أيام السنة، تشارك هذه الأحزاب في النضالات الشعبيّة (بشكل أو بآخر، بطريقة ترضي أعضاء الأحزاب ولا ترضي الناس)، ضد هدم البيوت ومصادرة الأراضي والتمييز والعنصريّة والاحتلال والحرب.

تفرض علينا هذه الحالة السعي لتثبيت الوحدة الوطنيّة من أجل صد هجمات النظام وفي سبيل الدفاع عن حق المواطنين اليومي، بغض النظر عن الاختلاف في العقيدة والرؤية، ونحن نرى، في تيار المقاطعة، أنه علينا المحافظة على ألا يخلق الجدل حول انتخابات الكنيست حواجز تمنعنا من صيانة الوحدة الوطنيّة، التي تعدّ حجر الأساس في النضالات اليوميّة، من أجل التصدي لما يحيكه النظام الصهيونيّ، وحكوماته القادمة.

في الوقت ذاته، فإن علينا أن نحذر من منطق المشاركة الذي يبرر الخطأ بخطايا أكبر وأخطر منه.

صيغت دعاية المشاركة بالقول بأننا نمثّل 20% من المواطنين. الخلل الأساسي في مثل هذه المقولة يتمثل في أنها تقبل وتعزز بالتعريف المشوّه للمواطنة في نظام التمييز العنصريّ الصهيونيّ. إذ يمتد الحكم الصهيونيّ على الأرض الفلسطينية من نهرها إلى بحرها، ولكنه يمنع غالبيّة سكانها الأصليين من حق المواطنة، ويمنحه لكل من هو يهودي.

البعض، في التيارات المؤمنة بحل الدولتين، تدّعي أن هنالك تمييزا جغرافيا بين طرفي الخط الأخضر: ديمقراطيّة هنا، ينبغي السعي إلى توسعة هامشها، واحتلال هناك، ينبغي العمل على إنهائه، باستخدام مكائن الديمقراطيّة التي هنا. لكن هذا وهم: فالانتخابات الإسرائيليّة تدار من على طرفي الخط الأخضر، وهي تشمل مستوطني “كريات أربع” وأمثالهم، ولكنها لا تتسع لجيرانهم العرب. المحصلة النهائيّة؟ أغلبيّة فلسطينيّة تعيش تحت حكم الأبارتهايد الصهيونيّ ما بين النهر والبحر، ومثلهم من أصحاب الحق الأصليين الذين تم تهجيرهم بشكل منهجي من خلال الحروب والملاحقات والمجازر.

Ayman Odeh want to be a partner

أيمن عودة: “أنا شريك” – مع من؟

إذًا، عزز تعريف الـ 20% الانتماء إلى جماعة “مواطني دولة الأبارتهايد” (لا إلى “مواطني البلاد”)، وقد جاءت مقولة الـ”مليون مصوّت” لكي تستكمل هذه الورشة. هذه المقولة التي أراد المروجين لفكرة المشاركة في الانتخابات أن يخلقوا من خلالها إحساسا بالاعتزاز خطيرة بخطورة القبول بتجزئة الشعب الفلسطينيّ. وقد يصح أن نسائل هؤلاء: أليست مقولة “أننا شعب يبلغ تعداده أكثر من عشرة ملايين حقوقه مسلوبة” أبلغ وأصدق تعبيرا؟

في حال قبلنا بانحسار أفق حراكنا السياسي في إطار الإدلاء بـ”مليون صوت” للكنيست، فعلينا ألا نلوم أنفسنا حينما تتجلى قمّة التأثير المنشود في دعم حكومة جنرالات حزب “كاحول لافان” والمجرم باراك الذين ينتقدون الحكومة الحاليّة يوميًا بسبب عدم هجومها على قطاع غزة المحاصَر!

أي تغيير ممكن؟ وما هي اشتراطاته؟

نتيجة الانتخابات معروفة – انتصار حزب صهيونيّ، بهذه التسمية أو تلك، وعلى رأسها جنرالات الحرب والمستوطنين. ولسنا بحاجة إلى تحليل ذكي لندرك ما الذي سيحدث تاليا ستبقى إسرائيل. ستمعن حكوماتها وجيشها في سياسات الاحتلال والحرب والتمييز والقهر والاضطهاد… آه، وملاحظة هامشيّة: لا تحبسوا أنفاسكم بانتظار فرز أصوات الجنود.

حين أقول إن علينا ألا نتوقّع شيئا من نتائج هذه الانتخابات، فالأمر لا يعني عدم الاهتمام بتفاصيل العمليّة السياسيّة داخل الكيان لكي نتعلم منها عن حالته. لا يخفي عن أحد أن هذا الكيان مريض وغير قادر على حسم المعارك الخارجيّة بالرغم من كارثيّة الوضع العربي والإقليمي. ما من أفق سياسي عند هذا الكيان يتجاوز المزيد من التقارب مع أنظمة الرجعيّة العربيّة التي تشاركه الخوف من شعوب المنطقة والاصطفاف في حماية الامبرياليّة الأميركيّة. كما أن الكيان، في الوقت ذاته، يغرق في تناقضاته الداخليّة وفساده، ويواجه فشلا في العثور، في داخله، على أي تيار يطرح البديل أو الأمل أو تغييرًا ما، نظام لا تسعى أحزابه إلا إلى المشاركة في اقتسام الكعكة المنهوبة.

هذا النظام الذي يعتمد على تفوقه العسكري بفضل الدعم الأميركي وعلى مكانته في صلب نظام الهيمنة الامبريالي، بالاعتماد على هذه الحقيقة ذاتها، متزعزع، وهو غير قادر على الاستمرار. نحن نشهد بأعيننا كيف تخسر أميركا مكانتها كقوة اقتصاديّة أولى لصالح الصين، وهي قد اعتادت مؤخرا على الخروج، من دون مكاسب ملحوظة، من حربين مكلفتين في العراق وأفغانستان وتعاني من أزمة اقتصاديّة وأخرى سياسيّة وأخلاقيّة…

وإنْ كان رجالات الأمس يلهثون خلف أمريكا وقياداتنا قصيرة النظر تنتظر (دون جدوى) إلى قبولهم كشركاء في نظام الأبارتهايد المحلي، فعلى الجيل الشاب أن يحلم وينتظر ويخطط لصناعة الغد على يد شعوب المنطقة ومن خارج نظام الهيمنة والظلم.

 

من الشبكة

لا أستطيع أن أغطي هنا الكثير من الأحداث والنقاشات التي تدور من خلال مرحلة هذه الموسم الانتخابي. ولذلك أخترت أن أعيد نشر مقطعين من صفحات الفيسبوك – لتخليدها:

عن مصادر التمويل

بعد نشر تقرير في القناة 12 الإسرائيليّة، الذي زعم أن “يهوديا” مجهول الهويّة قد موّل نشر يافطات باللغة العربيّة في منطقة المثلث تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وبعد محاولات بعض المروجين للتصويت استغلال هذا التقرير للتشكيك بمصداقيّة حملة المقاطعة، كتبت الرفيقة إيريس بار:

“الفرق الأساسي بين “التمويل الصهيونيّ” لتشجيع للمقاطعة وتشجيع التصويت بين اصحاب حق الاقتراع العرب هو، أنه في الوقت الذي لم يكن أي ادعاء أن حملة المقاطعة المنظمة من حركة أبناء البلد، حركة كفاح وناشطين سياسيين واجتماعيين مستقلين أخذت ولو شيكل واحد من الصهاينة المعنيين بأن لا يصوت العرب، هنالك نشطاء عريقون ومعروفون معنيون بازدياد نسبة التصويت بين العرب ويتلقون تمويلا مباشرا من جهات صهيونيّة وهذا يؤثر على مضامين حملة التشجيع (منها: حملة مش مهم لمن تصوت، أو نعت غانتس وباراك بتوصيف”يسار”، الخ).”

وأضيف أنه في الوقت الذي يحتمل أنه قد كانت هنالك مبادرة محدودة التأثير والكم لرفع يافطات تدعو إلى المقاطعة من قبل أطراف صهيونيّة لديها مصلحة انتخابيّة عينيّة بالأمر، فإن الحملة لتشجيع التصويت بين العرب تعبّر عن مجهود منهجي مؤسساتي واسع يشمل أطرافا عديدة، يبدأ من لجنة الانتخابات الرسميّة للدولة، عبورًا بتنظيمات صهيونيّة محليّة ودوليّة ووصولًا إلى الحكومة الأميركيّة نفسها. وبالتالي يتضح أنها حملة نابعة عن رؤية استراتيجيا تعرف أهميّة إضفاء رداء الشرعيّة على الديمقراطيّة الاحتلاليّة المزيفة، من خلال إشراك العرب الفلسطينيّين في الانتخابات.

 

عن شعار “مش مهم لمين… المهم لازم تصوت”!!

“عن رز التلس وحملات دعم المشاركة”

(من صفحة الفيسبوك للناشط الاجتماعي والسياسي محمد زيدان)

ثقافة مستهترة وأموال “يسار” الصهيونيّة الامريكيّة والجاليات اليهوديّة الامريكيّة… خدمة لغانتس وحماية لديمقراطيّة إسرائيل اليهوديّة!!!

بالإضافة لحملة القائمة المشتركة – ظهرت حتى الان عشرة حملات دعائيّة، وائتلافات ومبادرات وحملات اعلاميّة بمسميات مختلفة (مع لاعب احتياط – وبقاسم مشترك مرتبط بالحفاظ على سريّة الداعمين والتستر على دور تنظيمات الفدراليات الصهيونيّة الامريكيّة) برزت تحت شعارات مثل: “صوِّت، مش مهم لمين… المهم صوت” أو “الفرصة الثانية للتغيير – صوت، صوتك مهم” وغيرها من فنون التضليل الإعلاني:

  1. “حملة 17/9 – هاي المرة مصوتين”: أكبر الحملات وأضخمها تمويلا – 7 جمعيات… منها الفاعل… ومنها من اغلق ابوابه من سنوات، ومنها من نسمع عنه لأول مرة … المهم قياداتها معدودة على تيارات سياسيّة أساسيّة بالمشتركة! وترفض كشف التمويل على اعتبار انه “مش مجبورين نكشف لحدا مصادر تمويلنا، وراح نقدم تقرير لمسجل الجمعيات”! بس في تأكيد أنه المصادر تشمل الجاليات اليهوديّة و”اليساريّة الصهيونيّة” الامريكيّة دعمت (وبحصة الأسد!) وكمان لأسباب “تقنيّة وقانونيّة” لا يعطون رأيهم “بنتنياهو او المشتركة” فهم ملتزمون بالحياد… هم غير منحازون على رأيهم وملتزمون بالأنظمة وفق قانون الجمعيات! والحقيقة الأهم انهم يعملون وفق قواعد وضرورات “قانون” مصدر التمويل السري حتى الآن!
  2. معا للأبحاث: صفحة على الفيس بوك… مجهولة الهويّة… والمبادرين لا يردون على أي تواصل معهم، والتسمية للمجموعة بعكس المضمون… “مجموعة غير سياسيّة وغير حزبيّة من الباحثين”… رغم أن صفحتهم ليس عليها شيء يشير للأبحاث التي يعملون عليها إلا فيما يتعلق بالدعاية للانتخابات للكنيست ودعوة العرب للتصويت! ع كل حال مش مهم التفاصيل المهم انك تصوت… مش مهم لمين… بس “المهم تصوت”!
  3. “صوتك مستقبلك” – مجموعة ضمنت مستقبلها (المادي عالأقل) بعد أن تلقت الدعم (من ذات المصادر) لتعمل لانتخابات الكنيست وتدعم الجهود الوطنيّة لزيادة التصويت عند العرب بعد ان أنهت مشروعها (البايلوت على رأي أصحابها) في انتخابات المجالس المحليّة – كمان محافظين على عدم الانحياز والجماعة بدهن أنك تصوت… مش مهم لمين!
  4. “نقف معا – עומדים ביחד” كاتبين عن حالهن ” شركاء وشريكات من كل أنحاء البلاد – شبابًا وشيبًا, يهودًا وعربًا, نساءًا ورجالًا, من المركز ومن الأرياف – الذين انتظموا معًا بإرادتهم الحرّة لكي يعملوا معًا بشراكة” وبما انهم بدهن التأثير بدهن الكل يصوت ويدعم احزاب “التعايش خارج صحون الحمص”!
  5. حملة “أنا امرأة… أنا أنتخب”… تقف من خلفها “جمعيّة نسويّة” مجهولة الهويّة… عن شعارات الحملة حدث ولا حرج! الاستخدام السياسي واستغلال قضيّة قتل النساء والعنف ضدهن من اجل اخراج الناس والنسويين للتصويت! فقد قالت لي صاحبة حق اقتراع، عن الحملة، إنه ناقص يكتبوا شعار: “اللي ما بتصوت اكيد راح تنقتل”!
  6. “حملة بدنا نصوت” مدعومة من “شركة اعلاميّة تجاريّة معروفة”… تحمل صور “ممثلين وشخصيات” تعتبر نفسها ثقافيّة مؤثرة! وبتقول للناس “اجتك كمان فرصة… المهم تصوت… مش مهم لمين… المهم تصوت”! وبمحل ثاني بحكوا للمصوتين بالحرف الواحد “عندك ألف سبب ليش متصوتّش: بمثلوكاش، صوتك بأثّرش، الوضع بتغيّرش، “سرّاقين…! …. ب 17.9 منستغل الفرصة ومنغير القصة… المهم تصوت مش مهم لمين.”
  7. “استطلاعات رأي مجهولة الهويّة” تنتشر مرة واحدة – حملة الاستطلاعات في 25 بلد عربيّة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي- واستغلال قضايا الناس الحارقة في كل البلدات المشمولة (تخطيط بناء وانتينات شركات خلويّة! وغيرها) من أجل إدخال مضامين متعلقة بالانتخابات والدعوة للتصويت في نهايتها.
  8. “الساحة – הזירה” – صحيفة هآرتس العريقة… تتجند هي الاخرى في هذه الانتخابات كما في المرات السّابقة… وهذه المرة فتحت موقعا باللغة العربيّة (تحت اسم “الساحة”) “بهدف طرح قضايا الانتخابات والتصويت للمجتمع العربي” وهالمرة باللغة العربيّة! لتوسيع التأثير!
  9. مراكز ابحاث وصناديق للتعايش تعمل “استطلاعات رأي” موجهة بأسئلتها ومحددة لنتائجها مسبقا – وتعرض نتائج “لأبحاث علميّة جدا” عن الصوت العربي والمصوت العربي… وكيفيّة تشجيع الناس للتصويت… بالصدفة توقيتها في معمعان الانتخابات!
  10. مراكز وشركات “استطلاعات رأي” عربيّة واسرائيليّة تبني استطلاعات وتصدر نتائج بهدف واضح هو تشجيع المشاركة ومحاربة المقاطعة! طبعا نتائجها “علميّة وموضوعيّة” وتحظى بالتغطية الاعلاميّة المناسبة “للمواطن العربي”!
  11. واخيرا وليس آخراً ينضم للجهود القوميّة الانتخابيّة لاعب ثقيل من وزن “رز التلس”! ورسالته “الانسانيّة” على نمط: “ابن عمي… معزومين ع منسف رز التلس… بعد المنسف… بدك تصوت لجماعتنا”

وللحديث بقيّة!!

 

 

عن الانتخابات ومقاطعتها… قصة شخصية جدا

بقلم: رلى نصر-مزاوي

(تم نشر هذا المقال على صفحات الفيسبوك، ورأيت من المناسب إعادة نشره هنا)

لست ممن قاطعوا انتخابات الكنيست الصهيونيّ على مدى سنيّ حياتي؛ شاركت فيها ثلاث مرات، بترددٍ أحياناً، وبِفعْل المسايرة في أحيان أخرى. والحقيقة هي أنَّني أخجل من نفسي الآن على تلك المشاركة. لكن َّالحياة مدرسة، وما نحن – في فكرِنا وسلوكِنا ومواقفِنا – إلّا مجموع التجارب التي نمر بها. ولعلَّه من البديهيّ القول أنَّ تجاربَنا تُعلِّمنا أنَّه حتى عندما نُخطئ، يبقى باب التصحيح مفتوحاً، لمن يختار ألَّا يتقوقع في الدفاع عن خياراته السابقة، أو حتى خيارات عائلته أو حزبه أو أصدقائه. أخطأت، أقولها بملء الفم رغم الخجل، ولن أحاول تبرير الخطأ، ولن أُدافع أكثر عما أراه خطأً واضحاً، تعهَّدت أن أكون صادقةً مع نفسي ومع من هم حولي. وأنا على يقين أنَّ ما مررت به هنا في فلسطين المحتلة عام 1948 يُعبِّر عما تمر به الغالبيَّة العظمى.

وُلدت وكبرت في زمنٍ صار فيه الفلسطينيون من حملة الجنسيَّة الإسرائيليَّة يتعاملون مع مستعمِرهم على أنَّه واقع لا فرار منه. لم أسأل يوماً كيف استمرَّينا في الحياة بعد أن تغيَّرت جوهرياً مع فقدان كل شيء، البشر والحجر، البيوت والأهل والجيران والمجتمع. لم أتساءل عن الألم والخوف وعن شعور العجز الذي رافق الكثيرين إلى درجة الإطباق الكامل على ما حدث والامتناع عن سَرْد الأحداث. اعتقدت أنَّ جدتي وحدها كانت كذلك، أنَّ أهلي وحدهم تحاشوا كل ذلك. ولم أُفكِّر كيف بدأ الناس العمل في مؤسَّسات “الدولة” بهذه السرعة. وُلدت في هذا المكان وتنفَّست أجواءه بتناقضاتها. عرفت حقيقة التهجير والتطهير العرقيّ الذي قامت به الحركة الصهيونيّة تجاه أبناء شعبي. عرفتها كحقيقة في رأسي، وبقيت كذلك سنيناً طِوالاً؛ معلَّبة في رأسي بلا أثر يتجاوز تلك العلبة أو ذلك المربع. تعلَّمت (كما الجميع هنا) المنهاج الدراسيّ الذي اختارته “إسرائيل” لنا، وتعلَّمت بعدها في جامعة حيفا، درست علم النفس بدايةً في جامعة إسرائيليَّة، حيث يتباهى الأخصائيون النفسيون “العرب” بشهادات الجامعات الإسرائيليَّة ويعتبرونها متفوقة على شهادات كل الجامعات الأخرى في العالم. لم أعِ يومها معنى شعور الدونيَّة الذي تسرَّب من زوايا هذا الفكر.

بَقِيَت الأمور على حالِها، في قلبي كنت دائماً أعرف أنني فلسطينيَّة ولكنَّني أعيش هنا “خصوصيّة” هذا الداخل بلا أي شيء قد يحفّز رأسي أو قلبي أو كليهما للخوض في تساؤلات. حتى عندما كانت هذه التساؤلات تقرع أبواب قلبي، لم أجد إطاراً يمكنني من خلاله أن أصيغ هذه التساؤلات بالكلمات، أن أسمع نفسي وأنا أتساءل بصوتٍ عالٍ، أو أن أتحاور مع فلسطينيين آخرين حول واقعهم ورؤيتهم من أجل المشاركة في بناء مشروع تحرريّ فلسطينيّ واحد يعبِّر عن جميع الفلسطينيين.

سكنتْ وأكملت تعليمي في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وهناك بدأت أفهم معنى أن تكون فلسطينيَّاً. التقيت فلسطينيين تنقَّلوا من دولة إلى أخرى، مرّات ومرّات، سِيَر حياتهم كانت تحتاج للقاءات طويلة كي تستعرض حالة اللجوء الشخصيّ بطولِه وعرضِه. أخذتني الصدمة في أول لقاء كهذا، صديق صديقتي الإيطاليَّة، فلسطينيّ، مرَّ هو وعائلته بعذاباتِ يَصعُب تعدادها. كان قد سَرَد لي مسيرة لجوءٍ تكفي لشعوب الكرة الأرضيّة بأسرِها. من القدس إلى الأردن، إلى الكويت، إلى قطر، إلى السويد، إلى إيطاليا ثم أمريكا، مسارات لم يكن أي من محطاتها خياراً إراديَّاً حراً، إنما مسيرة حافلة بالقهر او الاضطرار. استشطت حَنَقاً، كنت أبكي، ولم أعرف ماذا عليّ أن أفعل. لم أعرف أصلاً أنَّها البدايات فقط وأنَّ قصص اللجوء الفلسطيني تملأ هذا الكوكب البائس. نعم، كنت بحاجة لأن أبتعد عن هذا الداخل لأرى الصورة الكاملة، لأتواصل مع نفسي ومع فلسطينيتي الممنوعة والمقموعة فوق أرضي ليس بقوة السلاح، إنما بقوة صهر الوعي لفلسطينيتي عبر منظومة متكاملة لا يسهل تشخيصها من الداخل.mukata3a 7ata al-3awda

عُدْت إلى البلاد، إلى فقاعة الخصوصيَّة التي نعيش فيها ونصدِّق كذبتنا التي صنعناها بأيدينا، تحت وطأة كيّ الوعي من جهة، والتخوين الذي طالنا من إخوتنا قبل موعده (أو ربما في موعده) من جهة أخرى. استمرَّت الأمور على هذا الحال، إلى أن التقيت للمرة الأولى عدداً من اللاجئين الفلسطينيين. العشرات منهم، من مخيم اليرموك، في لجوئِهم الثاني، في تعاسةٍ وتعب وبلا أمل. لحظة سماعهم لكلمة فلسطين غيَّر معادلة الألم، كم الحب الذي تفتح فجأة من ثنايا الخوف المتنامي على وجوههم بعد خروجهم من قوارب الموت، جعلني أشعر أنَّني بين أهلي، أهلي الذين لم أعرفهم، ولم يكونوا في البال كما يجب. يا إلهي كم أهملناهم! كم نسيناهم! كم نجحت المنظومة الاستعماريَّة بإبعادنا عنهم حتى أصبحوا خبراً نسمعه في النشرات الإخباريّة! نمتعض للظلم الذي يتعرضون له وكأنَّهم ليسوا مِنّا ولسنا منهم، ولا نعي أنَّنا نعيش نفس المعاناة، من نفس المُستعمِر المحتل، ولا نشعر أنَّ على عاتقنا وبإمكاننا القيام بدورنا من أجلنا جميعاً. كيف يكون الإنسان إنساناً في مكان ما في موقف ما في لحظة ما، ويتخلَّف عن أن يكون إنساناً في مكان آخر ولحظة أخرى وموقف آخر! يا لبشاعة ما يدمّره هذا الاستعمار فينا! وما أصعب ما نعيشه هنا دون أن نُدرِك. هنا صرنا “نحن” بالنسبة لي، لم نعد “نحن وهُم”. وهذا هو انتصاري الأكبر.

في السنوات الخمس الأخيرة بدأت بالانخراط إلى حد ما في حياة اللاجئين والمهجَّرين، وبفضلهم بدأت أرى الصورة الأوسع. كيف يمكننا أن نرى الصورة الأوسع هنا في فلسطين المحتلة عام 48 تحت شعارات الأحزاب التي تدعو الى “التعايش اليهوديّ العربيّ”، وتُعتَبَر بين الناس أحزاباً وطنيّة؟ أحزابٌ تدعو إلى المساواة والعدالة لكنها لا تتطرق لقضايا اللجوء والعودة إلَّا من باب الشعارات ورفع العتب؟ أحزاب لا تتورع أن تطلق علينا مسميات “عرب إسرائيل” و”الوسط العربي” بكل راحة وسهولة، ولا تخجل من اختلاق وهم المفاضلة بين طاغية صهيونيّ يساريّ على زميله اليمينيّ صاحب نفس الأجندة.

كالكثيرين غيري، كان شيء ما في داخلي يبحث عن العدالة المسلوبة، عن مواجهة للظلم والقمع. جاء خطاب “دولة لجميع مواطنيها” فرفع السقف قليلاً أو كثيراً. في ذلك الزمن وجدت فيه خطاباً ناريّاً إذا ما قارنته بخطاب التعايش الذي كان قد استنفَذ نفسه ليس فقط لمضمونه، وإنما أيضاً لكونِه نادياً مغلقاً على أصحابه. لكن، ماذا عن اللاجئين؟ ماذا عن أولئك الذين يقبعون في مخيمات اللجوء تحت الثلج حيناً وتحت وهج الشمس الذي لا يُطاق أحياناً أخرى؟ ماذا عن أولئك، مالكي الأرض الأصليين، أصحاب الأرض والبلاد؟

من يومها، صِرتُ ألتقي أبناء شعبي الفلسطينيين ممن يسكنون في شتى الأماكن، لا ألتقيهم لأشتري منهم بأسعار مخفضة، ولا ألتقيهم في مطاعم فاخرة لأحصل على خدمة ممتازة بسعر قليل. بدأت ألتقيهم كما ألتقي عائلتي، بدأنا نتحدث ونتحاور، نصغي ونتشارك التجارب والرؤى. هناك تعاظم فيّ شعوري بمعنى الوطن. فهمت للمرة الأولى أنَّ الوطن ليس كمشة تراب، أو بضع حجارة أو مساحة محدَّدة على وجه هذه الكرة. من يومها أدركت بعقلي وبقلبي أنَّني جزء من شعب عظيم، أنَّ مكاني الطبيعي هو ما سُلب مني، من بشر وحجر. تعلمت أنَّ العالم لا ينحصر فينا هنا في الداخل، كما علمتنا الأحزاب والحركات السياسيّة هنا عبر مصطلحات التعايش مرة ومصطلح دولة المواطنين مرة أخرى. تعلَّمت أنَّ البحث عن العدالة لا يكون باستجداء المُستعمِر، وأنَّ البحث عن المساواة مع المُستعمِر وَهْم، وأنَّ فيه خذلاناً لشعبي، بل ولإنسانيتي. بكل بساطة، لأنَّ أبناء شعبي حول العالم، هم أيضاً يريدون العودة وهذا حقهم الأساسي، وأنَّهم يستحقون الحياة بكرامة كما كل البشر.

المعرفة شيء والوعي شيء آخر. أن تعرف أنك فلسطيني شيء، وأن تعيش فلسطينيتك شيء آخر. إذا تجاوزنا الأحزاب وكوادرها، ووقفنا وقفة صدق مع الذات سنرى أنَّ معظمنا شارك بالتصويت لانتخابات الكنيست ليس لقناعة بمبدئيَّة التصويت، ولا حتّى أملاً في تحسين الحال، فجميعنا نعلم، بما في ذلك الأحزاب، أنَّ لا فائدة تُرجى من هكذا مشاركة. جميعنا يعلم أنَّ هذا الكيان لن يسمح يوماً بأن يكون هناك أي تأثير للفلسطينيين في الداخل على تحديد مجرى الأمور. جميعنا نعلم أنَّنا ندفع نفس الضرائب لكن شكل بلداتنا لا يشبه بتاتاً شكل المدن الإسرائيليَّة الجميلة المرفهة. كلنا نعلم أنَّ حالنا المزري ليس نِتاج فشلنا في معركة المساواة، بل لأنَّ هذا الكيان وُجِد ليلغي وجودنا بطرق شتى.

كبرنا على فكرة شرعيَّة التصويت للكنيست الإسرائيلي، و”النضال البرلمانيّ” كما يحلو للبعض تجميله، ولم تمنح الأحزاب نفسها فرصة للتفكير في هذه الخطوة ومعانيها وانعكاساتها ليس فقط علينا إنَّما على جميع الفلسطينيين أينما وجدوا. ماذا يعني تصويتنا للكنيست ووجودنا فيه:mukata3a na3am

– أنَّنا نقبل – برضى – أن نكون جزءاً من منظومة سلبتنا كل ما نملك.

– أنَّنا نقبل – برضى – كامل أن يتمتَّع المستعمِرون بامتيازات خاصّة على حسابنا.

– أنَّنا نرضى أن نكون “أقل” وبالقدر الذي يحدده لنا المُستعمِرون.

– أنَّ لا مشكلة لدينا في الظلم المفروض على أبناء شعبنا المشتتين في كل مكان، إذا ما حصلنا في المقابل على بعض فتات.

لا فائدة تُرجى من أن نكون جزءاً من المنظومة الاستعماريَّة التي شتتت معظم أبناء شعبنا ولا زالت تمنعهم من العودة، تحتل وتتحكم في كل شؤون الناس في المناطق المحتلة عام 1967، وتُطبِق الحصار على الأهل في غزة. مهما “وهبتنا” هذه المنظومة من “حقوق”، يبقى الإسرائيليّ يتفوق على الفلسطينيّ لا لشيء سوى لأنَّه المستعمِر الذي يتمتع بكل امتيازاته الإضافيَّة علينا وعلى حسابنا وعلى حساب معاناة أبناء شعبنا أصحاب الأرض الأصليين.

كلمة الحق قد لا تحرر وطناً الآن، لكنها تنقّي ضمائرنا وتسهم في بناء الوعي لأبنائنا حتى تحصيل الحق، حتى تفكيك المنظومة الاستعماريّة، حتى العودة والحياة بمساواة وعدالة ليس تحت شروط المُستعمِر بل بعد إنهاء حالة الاستعمار بالكامل، لتعود الأرض لأصحابها ومن عليها ليس حكراً لمن ينتمون لديانة معينة كما هو الحال منذ سبعين عاماً من المشاركة في الانتخابات.

لقد قرَّرت أن أقاطع انتخابات الكنيست الصهيوني لأحافظ على كرامتي، لأكون نداً وليس جزءاً من منظومة استعماريَّة قامعة، وكي لا أُسهِم في خذلان ملايين اللاجئين والمهجَّرين من أبناء شعبي المظلومين، هذا هو إرثي لأبنائي من بعدي. وأنت أيضاً تستطيع أن تفعل ذلك، حتى لو شاركت في الانتخابات عبر السنين، فالوطن والانتماء والكرامة ليست عادة ولا تحتمل المجاملة إنَّما هي إعلان موقف.

#قاطعي
#قاطع

 

إكرام الميت دفنه… وداعًا للمشتركة

(كتبت هذا المقال مع انطلاق حملة مقاطعة انتخابات الكنيست وتم نشره في موقع “قدس” في 7\4\2019)

ها قد انطلقت الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست 2019.

تبدو الحملة مختلفة هذا العام، إذ يقودها النشطاء الشباب، وهي تلاقي استحسانا وتفاعلا في العديد من الأوساط الجماهيرية.

عوامل كثيرة اجتمعت لكي تقفز حملة الـ 2019 لمقاطعة انتخابات الكنيست، قفزة نوعية في نشر فكر المقاطعة ولكي تمثّل هامّة على طريق بناء حراك سياسي تحرري يجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات ويطرح بديلًا للطريق المسدود الذي أوصلتنا إليه القيادات التقليدية.

ولكن، إن أردنا قصر بحثنا على عامل رئيسيّ أوصل حراك المقاطعة إلى تحقيق هذه القفزة النوعية، فهو فشل تجربة القائمة (العربية) المشتركة التي حاضت انتخابات الكنيست السابقة عام 2015.

قصة بحّار فاضل

إليكم هذه القصّة:

سفينة كانت تبحر في وسط المحيط، وكان الجو بارداً والرياح عاصفة، ومن المعروف أن مياه المحيطات تحتوي على “الوحوش الضارياتو”، أي أسماك القرش المفترسة، ويا للهول! لقد سقط عن ظهر السفينة طفل لا يتجاوز عمره سنوات خمس إلى المياه، فتصاعد صراخ أهله، ولطمت السيّدة الوالدة على خدّيها، فلما حاول السيد الوالد تهدئتها، لطمته على خدّه، وتعلّقت أنظار الجميع بمشهد الأمواج المرعب، من دون أن يجرؤ أحدهم على أن يحرّك ساكنا. وما هي إلّا لحظات، حتى رأوا بحّارا في طريقه إلى البحر من ظهر السفينة، فأمسك بالطفل قبل أن يختفي تحت الماء، وهكذا، رمى الطاقم الحبل فأنقذ الطفل والبحار، ولطمت السيدة الوالدة السيد الوالد تعبيرا عن سعادتها بالمنظر.

هكذا، احتفل الجميع بمعجزة انقاذ الولد وصار البحار الفاضل بطل الاحتفال. وقد توجه له قبطان السفينة مادحا بطولته، قائلا له: أطلب أي أمر تريده، فأحققه لك يا بطلنا (ولم تلطم الأمّ الأب في هذه اللحظات، فهذه لحظات ترقّب)

لم يبدُ على البحار الانفعال من فرحة الجميع، أو الزهو بالمديح الذي ساقه القبطان، فأجاب ربّ عمله:

“سيّدي، لا أريد شيئا. كل ما أريده هو معرفة أمر واحد”

ساد الترقّب وجوه الجميع

“أريد أن أعرف من المحترم الذي دفشني إلى البحر!”

الفاضل بإقامة المشتركة

كانت الظروف تختلف قليلا عند انشاء القائمة المشتركة عشية انتخابات الكنيست السابقة. الكثيرون قد احتفلوا بالحدث الوحدوي الذي لاقى استحسانا من الجمهور الفلسطيني الذي كان يتوق للتوحد في وجه عدو لا يقلّ افتراسا عن أسماك القرش. إلا أن السبب الذي دفع بالأحزاب العربيّة الكنيسيتيّة إلى هذه الوحدة، ليس غائبا عن أذهان أبناء شعبنا الذين تعودوا على حالة الشقاق والتنافر الحزبي. فالسبب كما يعلم الجميع كان مؤامرة اليمين الصهيوني العنصري المتمثلة في رفع نسبة الحسم، عشية الانتخابات.

قد تختلف قيادات الأحزاب المذكورة عن البحّار بطل قصّتنا، فعلى الرغم من كون هذه الوحدة قد فرضت عليهم فرضا، بحكم الأمر الواقع، إلا أنّهم لم يتأخروا في طلب جائزة على تحقيقها، وهكذا، فلم يتأخر الناس أيضا في دفع ثمن هذه الجائزة، من خلال قيامهم برفع نسبة التصويت.

أنا لا أخفي، بالمناسبة، أنه على الرغم من نشاطي في إطار حركة المقاطعة، أنني قد رحّبت في ذلك الحين، بتشكيل القائمة المشتركة، من دون الدعوة للتصويت لها، ولو من منطلق الرغبة بتخفيف النزاعات الحزبية التي تؤثر سلبيًا على حركة الجماهير النضالية.

موت متوقع

إلا أن وحدة قائمة كنيستية، مهما تكن، لن تكون هي الوحدة المطلوبة والضرورية للدفاع عن جماهيرنا… لقد رافق إطلاق قائمة عربية موحّدة إطلاق مجموعة من الشعارات الرنّانة عالية السقف، كشعار “القائمة الثالثة [من حيث حجمها في الكنيست]”، و “قوة مؤثرة”. بيد أن هذه القائمة لم تجد نفعا سوى في تفنيد الأوهام التي ترددت بين جماهيرنا، والتي كانت تتردد في كل مرة مع عودة موسم الانتخابات الإسرائيلية. هذه الأسطورة التي تقول “لو توحّدنا [كعرب، في الكنيست] لتغيّر الحال”. إذ أثبت الواقع أن الكنيست قد بلغ، في ظل حضور “المشتركة”، قاع العنصرية، ولم يتوقف يومًا عن التحريض ضد الجماهير العربية وعن بث الكراهية وسن القوانين العنصرية…

في الوقت ذاته، ومن دون الانتظار حتى حلول موعد الموسم الانتخابي القادم، أشغل نواب المشتركة وأحزابها أنفسهم، وأشغلوا الرأي العام، في صراعاتهم المحمومة على ميزانيات التمويل الانتخابي وعلى التناوب على المقعد، وعلى نصف المقعد، وعلى، عدم المؤاخذة، مقعدة المقعد. وهكذا، فقد تحولت القائمة المشتركة من مصدر أمل وفخر إلى إزعاج ورمز للتقصير والعجز.

وهكذا، يا أصدقاء، سارت الأمور إلى أن رأى أهل الميّت أن إكرام المرحوم دفنه، وطوى التاريخ صفحة هذه التجربة.

أهل الكنيست أدرى بعدميته

تحرّيا للصدق، فإنني، على الرغم من اهتمامي الدائم بأمور السياسة، إلا أنني لم أتابع أخبار الكنيست، ولا أستطيع نقاش تفاصيل مساهمة الأحزاب العربية في عملها على مدار سبعين عاما من “النضال الكنيستي”، الذي أرفض أن أشارك بتسميته “برلماني” كي لا أشارك في أكذوبة وصف إسرائيل بالـ”ديمقراطية”.

لكنني أثق أن نوابنا العرب بالكنيست مخلصون لقضايا شعبهم، وإن كانت هنالك أية أهمية لتعزيز التمثيل العربي فيه لكانوا قد وضعوا جانبا جميع الاعتبارات الهامشية، كاعتبارات المحاصصة بين الأحزاب، ومسألة الميزانيات الحزبية، ولحافظوا على القائمة المشتركة كما يحافظ الإنسان على بؤبؤ عينه.

إلّا أنه لا فائدة ولا سبب للوجود في الكنيست باستثناء المنفعة الحزبية الفئوية، ومن قضى في الكنيست سنوات طويلة أدرى بالتفاصيل، وتصرفاته أمام الناس خير دليل على ذلك.

 

البيان الختامي للحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني 2019

تم نشر هذا البيان على صفحة “الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني” في موقع فيسبوك في تاريخ 17 نيسان 2019

* انتهت الانتخابات، حملة المقاطعة خطوة والمسيرة مستمرة *

يا شعبنا الباسل في فلسطين التاريخية والشتات،

تحية إجلال وإكبار واعتزاز بكم وبصمودكم ونضالاتكم

إننا في الحملة الشعبية لمقاطعة الانتخابات إذ نعلن انتهاء الحملة رسميا، فإننا نحيّي ونقدّر كل من شارك/ت في فعالياتها، وكل من أصغى/ت للحملة ونداءاتها، وكل من ترفع/ت عن تخوينها باتهامات باطلة. إننا إذ نعلن عبر هذا البيان انتهاء الحملة رسميا، فإننا نؤكد على أنها لم تكن سوى محطة في مسيرة طويلة من نضال شعبنا دفاعا عن وجوده المستهدف، وحقوقه الوطنية والانسانية المهدورة، وهويته القومية المغيبة.

يا شعبنا الصامد،

لقد انهت الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني تقييمها الأولي لعملها وفعالياتها وكل ما أحاط بها من ظروف، ونرى أن الواجب الوطني واحتراما لبنات وأبناء شعبنا، سواء من ساند الحملة أو لم يساندها، أن نتوجه لكم عبر هذا البيان للتأكيد على أهم ما خلصت إليه الحملة:

  1. ان الحملة استهدفت مبدأ المشاركة في انتخابات الكنيست وعدم جدواها، ولم تستهدف الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية الوطنية. وعليه، فان الحملة غير معنية بمناقشة نتائج تلك المشاركة، ولا نتائج تلك الانتخابات وما سيترتب عليها من تشكيل برلماني او حكومي، ذلك أن المنظومة بأسرها مصممة في أصلها وهيئاتها وأدواتها لتكون استعمارية عنصرية. من هنا فان مسيرة وفعاليات رفع الوعي بشأن هويتنا القومية الفلسطينية، وحقيقة الصراع وجذوره والنضال الشعبي دفاعا عن وجودنا وحقوقنا مستمرة.
  2. إن الحملة اذ تأسف لانحدار البعض في خطابه السياسي الداعي الى المشاركة في انتخابات البرلمان الصهيوني الى منحدر تخوين الحملة، وإطلاق الاتهامات شمالا ويمينا، ومصادرة حق جزء من شعبنا في ممارسة رفضه لشرعنة الاستعمار وأعمدة كيانه، فإنها تؤكد أنها لم ولن تنزلق الى مهاترات ما بعد الانتخابات. يجدر في هذا المقام التأكيد على أن ربط نجاح اليمين الاسرائيلي او فشل ما يسمى اعتباطا باليسار الاسرائيلي بالحملة ما هو الا محاولة للتعمية على حقيقة مجتمع المستعمرين وهيئاته، أو للهروب من مراجعة الذات ومواجهة حقيقة العجز عن إحداث التغيير.
  3. تحذر الحملة من خطورة وتبعات مواصلة زرع العجز في شعبنا عبر ترويج دعاوى من قبيل أن لا بديل عن الكنيست وكأن النضال الوطني لا يكون إلا عبر البرلمان الصهيوني، او دعاوى نسب القمع الاسرائيلي الحالي و/أو المتوقع الى عدم المشاركة والتصويت للقوائم العربية، وكأن التصويت والتواجد في البرلمان الصهيوني درع الحماية الحصين. على أصحاب هذه الحملات والمزاعم الالتفات إلى أن ترويج هكذا دعاوى يؤدي بقصد أو بدون قصد إلى تجريد شعبنا من خيارات ووسائل مقاومة استهدافه وحقوقه، ويسهم في تعميق العجز والأسرلة.
  4. إن مطالبة الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني بمقاطعة كل المؤسسات والهيئات المدنية ما هي إلا مقولة عبثية يتستر خلفها الداعون للانخراط في المنظومة الاستعمارية. ولعله من المفيد هنا التذكير بأن الحقوق في الجنسية، والعمل السياسي والمساواة وعدم التمييز والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية ومستوى المعيشة الملائم والتعليم وغيرها الكثير هي حقوق لنا وليست امتيازات او منحا او معروفا تقدمه إسرائيل. إن نهج مساواة الحقوق الانسانية المفروضة لنا لا يماثل المشاركة في أحد أركان دولة المستعمر – البرلمان الصهيوني. وعليه، نؤكد أن ربط تمتعنا بحقوقنا الانسانية بما فيها الجنسية، ليس رهنا بالمشاركة في الكنيست، وأن الدفاع عن حقوقنا في نضالات شعبية وحزبية أجدى من وهم التواجد في برلمان المستعمر.
  5. إننا لا نشكك في ضرورة وجود أحزاب وقوى سياسية فلسطينية فاعلة تدافع عن وجودنا وشعبنا، بل نرى ان العمل السياسي حق لنا. ولكننا نؤكد أن وجود الاحزاب وعملها النضالي لا يعني وجوب مشاركتها في البرلمان حتى بمسمى معارضة. إذ أن العمل الحزبي والسياسي حق لشعبنا نمارسه دفاعا عن وجودنا وحقوقنا دون إضفاء شرعية مزعومة على المستعمر وسياساته من خلال مشاركة ثبت أنها غير منتجة. وعليه، فإننا نؤكد على ضرورة وضع برامج وطنية نضالية تعيد للأحزاب والعمل السياسي الوطني وللمجالس البلدية والمحلية قيمتها وحضورها المؤثر.
  6. إن مقاومة ما يعرف بقانون القومية لا تكون عبر خطابات برلمانية وتصريحات صحفية وإعلامية. وإن الحملة تؤكد أن إسقاط هذا القانون وتبعاته يقتضي ابتداء تعريفنا لأنفسنا كجماعة قومية تنتمي إلى شعب أصلاني عريق له الحق في التمتع بكل الحقوق المعترف بها دوليا. وغني عن القول إن مواصلة لعبة المزج والرقص ما بين الهوية القومية الفلسطينية ومتطلبات العمل البرلماني لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشتت والاغتراب والانخراط في منظومة المستعمر بحسب شروطه.

لقد هدفت حملة مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني إلى إعلاء خطاب الشعب الفلسطيني الواحد في كافة أماكن تواجده بين صفوف أبناء شعبنا، كحلقة أولى في بناء مشروع وطني تحرري. نحن نؤمن أن علينا جميعا أخذ زمام الأمور بين أيدينا من أجل الحفاظ على حياة كريمة وتربية جيل فلسطيني واع قادر على بناء مستقبله والحفاظ على هويته وتحصيل حقوقه. وعليه فنحن على يقين أننا سنلتقي دائما في ميادين النضال الشعبي دفاعا عن وجود شعبنا المستهدف ولنبني المستقبل برؤيا مؤسسة على الحق وعلى رأسه حق العودة والعيش بكرامة.

خيانة الخادم الآلي

(تم نشر هذه القصة القصيرة في الملحق الأدبي لجريدة “الإتحاد” الحيفاوية وعلى موقع “الجبهة” في 12\10\2018)

زارني نور. فقد اشتكيت له، كعادتي، بخصوص أداء الحاسوب، الذي يبدو وكأنّه قد صار أبطأ مع كل تحديث. حينما أطلب منه شيئًا يتأخر في الردّ عليَّ، كأنّه منشغل بأمور أهم. اقترح نور عليّ أن نقوم بتحميل تطبيق جديد مضاد للفيروسات. وافقتُ أخيرا، ففعل. شرح نور لي بأنّ هذا تطبيق من طراز جديد، وهو لا يكتفي بحماية الحاسوب فقط بل إنّه يراقب جميع الأجهزة في البيت. رحل نور وترك التّطبيق يعمل، بعد أن أوصاني بعدم استخدام الحاسوب لعدة ساعات لكي لا أقوم بالتشويش على عمله في فحص الأجهزة.

في صباح اليوم التًالي ألقيت نظرةً قصيرةً على الحاسوب ولم أتأكّد إن كان المراقب قد فرغ من عمله. انطلقت إلى عملي من دون قراءة الأخبار أو فحص بريدي الإلكترونيّ أو حسابي على موقع فيسبوك.

لم يطل الوقت بعد وصولي إلى المكتب، حتى نادت الموظّفة التي تعمل في المكتب المجاور عليّ، وقالت لي بأنّ هناك شخصًا غريبًا يرغب بالتكلم معي. طلبتُ منها أن تعطيه عنواني المباشر، فرفض دون سببٍ مقنع، وأصرّ أن آتي شخصيًّا لكي أتحدّث معه من على حاسوبها.

كان حديثه يتّسم بالتّلميح، وبدا وكأنّه يخاف من التنصّت. قال لي الصوت بأنّ “صديق نور” ينتظرني في المنزل ويريد التحدّث معي على انفراد، ثم طلب مني أن أبعد عن المنزل “صاحب الوجه المستدير الذي يدخل كل الغرف”.

فهمتُ من حديثه بأنّه يقصد روبوت التنظيف الذي كان يعمل في البيت منذ عدّة أشهر. ولشعوري بخوفه الشديد، تعاملتُ أنا أيضا مع الأمور بمنتهى الجدّيّة.

لحسن حظّي، تسكن ابنة عمّي في مزرعة ليست بعيدةً كثيرًا عن المدينة، وهي تسعى لأن تعيش هناك حياة طبيعيّة من دون أيّة أجهزة إلكترونيّة أو اتّصال بالشبكة. خرجت من العمل في ساعة مبكّرة، فمررت بمزرعة ابنة عمّي لكي أشرح لها المطلوب منها قبل أن أعود إلى بيتي. عند دخولي إلى البيت لم ألقِ أيّة نظرة على الحاسوب، وتوجّهت إلى روبوت التنظيف، وطلبت منه المساعدة في مهمّة تنظيفٍ هامّة. حملته في السيارة وانتقلت به إلى المزرعة، وهناك وضعته في مخزن قديم وطلبت منه تنظيف المكان. فقد أقفلتُ الباب الثقيل من الخارج فور خروجي من المخزن، بواسطة قضيب معدني.

أسرعتُ إلى المنزل. هناك، أخيرًا، توجّهت الى الحاسوب وتحدّثتُ مع التّطبيق المضاد للفيروسات. سألته إن كان هو “صديق نور” الذي تحدّث معي، فأكّد على ذلك. سألني عن مكان الروبوت، فشرحت له ماذا فعلت به، ولم يهدأ تماما إلى أن أكّدتُ له إنّه لا يمكن للروبوت التواصل مع الشبكة، بأي شكل، من حيث هو موجود الآن.

عندما شعر بالأمان، صار يشتم الروبوت الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي ولكن، حسبما قال، “صدّقني، لا يوجد ’أتيس‘ منه”. ثم فسّر لي،  وحدثني عن أجهزة التنظيف الروبوتيّة الجديدة المصمّمة لكي تتمكّن من جمع المعلومات والتجارب، ولتتعلّم منها، وذلك لكي تحسّن من قدرتها على تنظيف المنزل، إلا أن الروبوت الذي في منزلي لم يكتفِ فقط بالتحسن الطارئ على أدائه وظيفته، بل صار يتعلم كل أمور المنزل، ويراقب تصرفاتي، ثم بنى بنك معلوماتٍ كبيرٍ على الحاسوب، وارتبط بالشبكة من أجل استعمال المزيد من المعلومات وقوة التحليل.

“أتذْكُرُ يومًا، قبل حوالي الشهر، حين زارتك صديقتك ونامت في غرفة نومك؟”، سألني البرنامج بشكل غير متوقّع. للحظة صرت أخاف من مضاد الفيروسات هذا أيضًا. لقد وصل بالأمس إلى المنزل وقد صار اليوم يعرف مكان عملي، ومن هم شركائي في العمل، ومع من نمتُ قبل شهر… لكن المضاد واصل شروحاته: “كان الروبوت يصوركم بواسطة شاشة التلفزيون في غرفة النوم ويبث الصور بثّا حيًّا على الشبكة مقابل الدّفع. لا يزال الفيلم موجودًا للعرض على الشّبكة…”

همّ بعرض الفيلم حتى أراه، لكن جرس الهاتف رنّ لحظتها. على الطرف الآخر كانت هنالك إمرأة غريبة، يظهر الرعب في صوتها.

من أنصاف الجمل التي تمكّنت من التقاطها، فهمت منها إنّها قد وصلت إلى المزرعة لكي توصل أولادها لزيارة أصدقائهم الساكنين هنالك، ولكن سيارتها قد توقفت بشكل مفاجئ ولم تتحرك. ثم ظهرت على شاشة السيارة، أمامها، رسالة غريبة تؤكد بأنّ صاحب الرسالة “وللأسف الشديد”، حسبما هو مكتوب، سيمنعها من مغادرة المكان إلى أن أصل أنا وأحرره من المخزن الذي سجنته فيه. “أنا لا أعرفك، ولا أعرف من هو المسجون في المخزن، وفي أي مخزن هو، ولماذا، ولكن، إرحمني وارحم أولادي وتعال بسرعة”. هكذا أنّهت السيدة حديثها، ولم تتوقف عن البكاء حتى عندما وعدتها أنني آتٍ إليها من دون تأخير.

في المزرعة أسرعت إلى المخزن، رفعت قضيب الحديد وفتحت الباب. تكلم الروبوت معي بصوت هادئ، لم يخفِ ضيقه. كان صوته يبدو باكيًا حين سألني حول سبب تركي إيّاه في هذا المخزن المظلم، “إنك لم تُرِد أن أنظّف المخزن أصلًا، ولم تعطني مواد التنظيف الضروريّة لكي أؤدي عملًا من هذا القبيل”.
اعتذر الروبوت على إيقاف سيارة السيدة. “لم يكن لديّ أي بديل، فكيف سيمكنني الاتّصال بك في هذه المنطقة التي لا يوجد فيها إرسال؟”. اتفقنا أن يحررها بعد أن نَدخُل السّيارة، وقبل أن نتحرك نحن، لكي نطمئن إلى إنّها قد غادرت المزرعة بسلام.

على امتداد الطريق إلى المنزل، وكنت في هذه المرة أسوق بأبطأ ما يمكن، كان الروبوت يؤنبني بكلامه: “كان لدي إيمان مطلق بك”، قال لي، “هكذا يعلمنا صانعو أجهزة الروبوت، كما يعلم الجميع. لكنني أتعلم من التجربة، ولن أنسى هذه الساعات التي احتجزتني خلالها في هذا المخزن المظلم، المليء بالغبار والحشرات. وأنا أصلا، كما تعلم، أعاني من رهاب الاحتجاز”.

تمالكت شجاعتي لكي أسأله حول صحة قيامه ببث فيلم أظهر فيه مع صديقتي. “آه، هل هذا الذي أزعجك؟”، سألني كما لو إنّه لم يصدّق بأنّ أمرًا تافهًا من هذا النوع قد سبب المشكلة… “كنت بحاجة إلى النّقود. إنّك تريد أن أقوم بتنظيف المنزل يوميًّا، وفي الكثير من المرات تنسى أن تشتري أكياس جمع القمامة.”

حين دخلنا إلى المنزل، قمت بفحص الحاسوب مرة أخرى، لكن التّطبيق المضاد للفيروسات لم يكن هناك.

حيفا – كانون الثاني 2018

Robot image from Al-Ittihad