Skip to content

اللاجئين في اليونان بحاجتك أنت

Shabab_Ara_Arara_Helping_refugees_on_the_Greece_Beach

حراك حيفا ينظم ندوة حول أحوال اللاجئين في اليونان

نُشر هذا التقرير – بقلم الرفيق محمد كبها – في جريدة “المدينة” الحيفاوية اليوم

عقدت مساء الأثنين، 28 كانون الأول 2015، في نادي حيفا الغد، ندوة تحت عنوان “اللاجئين في اليونان بحاجتك أنت”، حيث استضاف حراك حيفا نشطاء الحراك الشبابي عارة-عرعرة القائمين على حملة إغاثة اللاجئين “خيرك دفى”.

هذا وقد تحدث بداية الناشط محمد كبها عن نموذج الحراك الشبابي في عارة- عرعرة وعن نشاطاته المستمرة منذ عام 2010. ثم تطرق إلى حملة “خيرك دفى” التي يطلقها الحراك للسنة الثالثة على التوالي والتي تندرج ضمن برنامج الحراك السنوي.

Muhammad_Kabha_in_Haifa_AlGhad_Nadwa_On_Refugeesوذكر محمد بعض الإحصائيات حول عدد المتطوعات والمتطوعين خلال الحملات والذي وصل إلى 85، والمبلغ الذي تم جمعه خلال الحملات الثلاث والذي وصل الى 576 ألف شاقل بسواعد شبيبة معظمهم لم تتعدى أعمارهم العشرين.

تلاه الناشط محمد يونس الذي تحدث عن سفر 11 ناشطا من المجموعة إلى جزيرة كيوس اليونانية للتطوع هناك ولإيصال المساعدات.

وقد عرض يونس طريقة العمل المتبعة هناك لمساعدة اللاجئين، وشدد على أهمية السفر إلى اليونان لمن إستطاع إلى ذلك سبيلا، ففي ظل الغياب التام للمنظمات الرسمية، هناك حاجة ماسة لمتطوعين يقدمون المساعدة الأولية للاجئين عند وصولهم الشواطئ اليونانية وهناك أيضا حاجة لمهنيين يقدمون المساعدة الطبية.

وقال يونس خلال حديثه بأن عدد اللاجئين الذين يصلون جزيرة كيوس اخذ بالإزدياد في الاونة الأخيرة، حيث يصل الجزيرة حوالي 750 لاجئ بالمعدل يوميا منذ مطلع هذا الشهر.

فقد تحدثت الناشطة سلمى يونس (18) عن الأثر النفسي العميق الذي تركته التجربة داخلها، واستحضرت مواقف The_group_of_volunteers_in_Greeceصادفتها خلال فترة تطوعها، وقالت بأنها عادت بمشاعر مختلطة، فمن الناحية الأولى أنت تلتقي أناسا كانت حياتهم مثل حياتك تماما، وفجأة أخذت منحى جديد وأجبرتهم الحرب على ترك أغلى ما يملكون. فهم يصلونك مثقلين بقصة مأسوية من الناحية الأولى، ولكن وعند وصولهم أرض الجزيرة يشعرون بأن شبح الموت الذي كان يهددهم زال تماما وابتسمت في وجوههم الحياة وفتحت لهم ابوابها من جديد، فترى بعضهم مبتسم وفرح يلتقط الصور.
report_about_Herak_Haifa_Meeting_about_Refugees_in_AlMadinaواختتمت الندوة بأسئلة من قبل الحاضرين الذين ابدوا إهتماما كبيرا وأعرب بعضهم عن نيته بالسفر إلى اليونان للتطوع هناك.

(ملاحظة: للتطوع لمساعدة اللاجئين في اليونان يمكنكم التصال مع محمد كبها 0507141972)

الثائر الصادق جورج حبش… وجدلية تحرير فلسطين والثورة العربية

Georg_Habash_Book_Cover

مدرسة للأجيال

قبل عدة سنوات حضرتُ مؤتمرًا دوليًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني في إحدى المدن الأوروبية… وفي إحدى الليالي، بعد انتهاء الجلسات الرسمية، كان هناك لقاء تلقائي لنخبة من الناشطين المركزيين من الفلسطينيين ومن العرب الغير فلسطينيين ومن الأجانب، ويعمل كلّ منهم في بلدان مختلفة وفي مجالات متنوعة. وقد عرَّف المشاركون أنفسهم أمام بعضهم البعض، الواحد تلو الآخر: من أيْن أتى وكيف تكوَّنت شخصيته السياسية… وتبيَّن أن الكل قد تأثر، في مرحلة من المراحل، إما بحركة “القوميين العرب” ومشتقاتها أو بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد لخّص المشاركون جولة التعارف بالاستنتاج “أننا كلنا من خِرِّيجي نفس المدرسة!”

لقد كان لجورج حبش، مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية، دور مركزي في إنشاء هذا التيار اليساري العربي – أو المدرسة الفكرية والنضالية التي شكلها هذا التيار. فقد أصبح هذا التيار التيار اليساري الأبرز في العالم العربي، وقد انتشر تأثيره إلى دول المنطقة والعالم. ولم يحمل هذا التيار نظرية جديدة ولا يختلف في مبادئه عن تيارات يسارية أخرى، وسعى ليحافظ على علاقات التعاون والتفاهم مع تيارات يسارية وقومية وتحررية عديدة ومختلفة، ولكنَّه تميَّز باستقلاليته فلم يخضع لا لموسكو ولا لبكين ولا لعبد الناصر ولا للبعثيين. فما هي مميزات هذا التيار؟ وما هي الصفات التي مكنت هذا الرجل الثائر من انشاء وقيادة هذا التيار؟

قرأت كتاب ذكريات جورج حبش، “الثوريُّون لا يموتون أبدًا”، وأنا أبحث عن إجابات لهذه المسألة… (وترجع كل الاقتباسات أدناه من أقوال حبش لهذا الكتاب.)

القضية فرضت نفسها

يشرح جورج حبش ظروف انخراطه في العمل السياسي الثوري… ولم يكن هذا خياره “الطبيعي” – أو الأول.

لقد كان ابنًا لعائلة وطنية من مدينة اللّد، وفي طفولته تأثر كثيرًا بأحداث الاضراب العام ضد الاحتلال البريطاني ولمناهضة الاستيطان الصهيوني الذي استمرّ مدة نصف السنة عام 1936، كما تفاعل مع حالة الغليان الجماهيري في مرحلة الثورة الشعبية المسلحة ما بين 1936 وحتى 1939.

أمّا قبل حدوث النكبة عام 1948 فقد سافر حبش لدراسة الطّبّ في بيروت… ويروي حبش كيف أراد أن يتدرب على استعمال السلاح لكي يشارك في الدفاع عن فلسطين، ولكنه لم يتمكن من ذلك، وعاد إلى اللّد قبل بضعة أسابيع من سقوطها وتهجير أهلها. وبصفته طالب طبّ فقد كان هناك مساعدًا في أحد المستوصفات.

كانت النكبة وتهجير معظم سكان فلسطين كارثة غير متوقَّعة، واعتبر حبش أن الجماهير العربية كانت قادرة وعلى استعداد لمنع هذه الكارثة، ولكنه اتهم حكام الدول العربيّة، وبشكل خاص حكام مصر والأردن، بالتقاعس وتسهيل ضياع فلسطين. ومن هنا ظهرت ضرورة تشكيل حركة “القوميين العرب” التي نذرت  نفسها لتوحيد الأمة العربية كوسيلة لتحرير فلسطين ولإعادة أهلها إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم.

الالتزام بالقضية الفلسطينية حدد علاقة التيار الجديد بغيره من التيارات الفاعلة على الساحة – وقد كانت كلها حاضرة وناشطة في “الدفيئة السياسية” في الجامعة الأمريكية في بيروت في أوائل الخمسينات.

التأثير الأكبر على الطلاب الراديكاليين كان لحزب البعث، ولكن، من خلال نقاشاته مع قيادات هذا الحزب، استنتج حبش أنهم غير معنيين بوضع فلسطين على رأس أولوياتهم، وبالتالي فقد قرر عدم الالتحاق بهذا الحزب. ويروي كيف ترك العديد من النشطاء حزب البعث للانضمام إلى الحركة الجديدة الأكثر ثورية.

كما يذكر حبش الأحزاب الشيوعية “التقليدية” التي فقدت مصداقيتها في هذه المرحلة بسبب التزامها بموقف الاتحاد السوفياتي الذي دعم قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة وكان من أوائل المعترفين بدولة إسرائيل الناشئة.

بوصلة في متاهات الوحدة العربية

فَرَضَ التركيز على القضية الفلسطينية معادلة صعبة. فلا يمكن أن تتحرر فلسطين من دون حدوث تغيير جذري في العالم العربي من جهة، وبالتالي لا يمكن ان يرضى التيار الذي يعمل لأجل تحريرها بأنصاف الحلول، وقد أبقى مؤشره الدائم، بذا، تجاه الحلول الثورية. ولكن، ومن جهة ثانية، فإنه لا يمكن لمئات الملايين من العرب أن يقضوا حياتهم في سبيل القضية الفلسطينية، ولا يمكن لهم أن يحدثوا التغييرات الجذرية المطلوبة دون مواجهة كافة العقبات والقضايا التي تؤثر على حياتهم اليومية.

اصطدم حبش بهذا الواقع للمرة الأولى مع تجربة الوحدة المصرية السورية التي تأسست عام 1958 في إطار “الجمهورية العربية المتحدة” التي قادها رئيس مصر جمال عبد الناصر.

ويكتب حبش عن دور عبد الناصر: “كان عبد الناصر يجسّد، في أعين الناس، حلم الوحدة والانبعاث العربي الذي كان قد بدأ يتحقق. لم يعد الأمل بولادة دولة عربية واحدة مجرّد حلم. وكان الكثيرون يردّدون القول بأننا سنتمكّن قريبًا من إزالة إسرائيل من الوجود.” (ص 48)

وفي عز مرحلة التفاؤل من مشروع الوحدة مُورست ضغوط على حركة القوميين العرب لحل نفسها وللانضمام إلى الحزب الناصري، إلا أن حبش كان واعيًا لأخطاء في تطبيق الوحدة وبالتحديد لانعدام الديمقراطية ورأى من الضروري أن تستمر حركة القوميين العرب وتحافظ على استقلاليتها لكي تعمل على تصحيح المسار. وقد حدد حبش العلاقة بقوْله “إنّ عبد الناصر يمثّل القيادة الرسمية للثورة العربية، لكنّ حركتنا… يجب أن تبقى لتجسيد القيادة الشعبية لهذه الثورة.” (ص 49)

بالرغم من إدراكه للأخطاء على طريق الوحدة، فُوجئ حبش وفُوجئت حركة القوميين العرب بإعلان الانفصال من قبل القيادات السورية التي كان النظام الناصري يعمل على حل أحزابها… وفُوجئوا مرة أخرى بسبب عدم تحرك الجماهير السورية للدفاع عن هذه الوحدة. ويذكر حبش أن حركة القوميين العرب نظمت مظاهرة مناهضة لفك الوحدة ولكن الحضور فيها كان ضئيلاً.

بالمقابل يذكر أيضًا كيف أنه “عندما اجتمع البرلمان السوري، بعد عدّة أشهر، لإلغاء القوانين الاشتراكية، نُظّمت تظاهرات احتجاج أمام مبنى البرلمان امتدّت إلى سوق الحميدية، وقد شاركنا بقوّة في تلك المظاهرات.” وهكذا يمضي ويستنتج أن “الناس لا يتحرّكون إلا عندما تتعرّض مصالحهم للتهديد” ويؤكد “ضرورة اشراك الناس في الحياة السياسية… لتجنّب اخفاقات جديدة على مستوى الوحدة العربية”. (ص 53)

بين الإعجاب بشحصية جمال عبد الناصر والاصطدام بواقع نظامه

لا يوفّر حبش كلامًا لشرح اعجابه بشخصية القائد جمال عبد الناصر، وقد التقى به شخصيًا للمرة الأولى في 1964 وعاد والتقى به عدة مرات بعد ذلك، وهو يسرد ذكريات هذه اللقاءات بتفاصيلها أكثر من أي حدث آخر. ويلخص تقريره عن اللقاء الأول بالقول: “أمضيت أربع أو خمس ساعات مع الرئيس عبد الناصر… فقد كان يعتبرني صديقًا مقرّبًا… كنت شديد الإعجاب بذلك الرجل العظيم، الذي لا نظير له والمحاط بهالة غير عادية. كان يجمع بين القوة والبساطة والنزاهة وطهارة النفس، وتلك هي الصفات التي ميّزت ذلك الرمز الوطني. وبمرور الوقت، توثّقت علاقتنا وأصبحت حميمة جدّاً.” (ص 63)

فقد وصلت العلاقات بين حركة القوميين العرب وبين القيادة المصرية إلى مرحلة من الخلافات والتوتّر على خلفية تطوّر المقاومة للاحتلال البريطاني في منطقة جنوب اليمن. وقد كانت “الجبهة القومية”، أنصار القوميين العرب في جنوب اليمن، أول من أطلق الكفاح المسلح لطرد الاحتلال من هناك. أمّا النظام المصري، الذي كان منشغلًا في الحرب الأهلية في اليمن الشمالي، فقد دعم تيارًا آخر في جنوب اليمن، وهو “جبهة التحرير” بقيادة عبد ألله الأصنج، الذين اعتبرهم حبش “انتهازيين”.

ويسرد حبش كيف تدخّل جهاز الاستخبارات المصري ليفرض على “الجبهة القومية” الانضمام إلى “جبهة التحرير” من خلال الضغط على بعض العناصر الغير مخوَلة لاتخاذ هذا القرار، ومنعْ بعض القياديين في “الجبهة القومية”، منهم قحطان وفيصل الشعبي وآخرين، الذين صدف وكانوا موجودين في مصر، من العودة إلى بلادهم. وعندما حاول حبش، برفقة وفد من قيادة حركة القوميين العرب، العمل على معالجة هذا الخلاف، لم تحُل علاقة الصداقة بينه وبين الرئيس دون استمرار تعامل الاستخبارات مع الموضوع بأساليبها الخاصة…

يقول حبش: “أعربنا عن استنكارنا لتدخّل أجهزة المخابرات المصرية التي كانت بصدد تقويض التجربة الناصرية في اليمن. وكان ذلك وجهًا من أوجه التناقضات في النظام الناصري: فمن جهة هناك رصيده الشعبي، ومن جهة أخرى هناك البيروقراطية التي تعارض الإصلاحات. وفي تلك اللحظة أدركنا صعوبة التنسيق بين العمل الشعبي والأجهزة الأمنية.” (ص 66)

وبالرغم من رؤيتها السلبية للاندماج الذي فُرض على الجبهة القومية، أوصتْ قيادة “القوميين العرب” على القبول بهذا الاندماج كأمر واقع، لأن “القطيعة مع عبد الناصر لم تكن واردة لدينا” (ص 67)

إلا أن قيادة الجبهة القومية استمرت في فعلها المستقل وقادتْ الجماهير إلى التحرر من حكم بريطانية، وشكّلت جمهورية اشتراكية في اليمن الجنوبي بقيادتها، وقد كان قحطان الشعبي رئيسها الأول. ولا شك أن تحرير جنوب اليمن وقيادة التجربة الأكثر شعبية وأكثر اشتراكية في التاريخ العربي الحديث هي قمة انجازات مدرسة حركة القوميين العرب – وهي التجربة الوحيدة التي نجحت فيها قيادة من قياداتها القطرية أن تخرج من دور المُعارض أو المُصحح والمُساعد إلى فرض قوانين العمل السياسي في بلد ما.

وبعد أن قبل النظام المصري بقيادة القوميين العرب في اليمن الجنوبي كأمر واقع، عادت العلاقات إلى طبيعتها. إلا أنها عادت وتعكّرت من خلال خلاف حول فرع آخر للقوميين العرب – هذه المرّة في مصر نفسها. فقد شجعت قيادة القوميين العرب رفاقها في مصر على حل فرع الحركة محدود التأثير هناك، والانضمام إلى “الاتحاد الاشتراكي” الناصري.

ويروي حبش كيف وصل، ذات يوم، طلب عاجل من السفارة المصرية في بيروت لقيادة القوميين العرب للذهاب إلى القاهرة للقاء الرئيس عبد الناصر. ولما وصل الوفد إلى القاهرة أجبر على الانتظار أربعة أيام، و”كان اللقاء فاترًا، وطغت عليه الشكليات…” واشتكى عبد الناصر من ان “رفاقكم المصريين يثيرون المشاكل داخل الاتحاد الاشتراكي الذي انضمّوا إليه بناء على طلبكم. تلقّينا معلومات بهذا المعني. نحن نخشي أن يثيروا توتّرات داخلية، ونحن نشتبه فيكم من حيث التأثير عليهم… كنا نريد أن نتأكد من سلوككم خلال الأيام الأربعة التي أمضيتموها في القاهرة.” (ص 68)

أمّا الصدمة الحقيقية فقد أتت مع هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 واحتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية ولشبه جزيرة سيناء المصرية ولهضبة الجولان السورية خلال ستة أيام. ويقول حبش: “كنا قد وضعنا كل آمالنا في جمال عبد الناصر لاعتقادنا بأنه رجل التحرير. عندما طالب بانسحاب قوات الأمم المتحدة من سيناء لم أشعر بالقلق بوجه خاص إزاء نتائج قراره لأن ثقتي به كانت كبيرة جدًا.” (ص 72)

وبعد الهزيمة لم يبق مجال للاستمرار بهذا الإيمان بتحرير فلسطين من قبل (أو بقيادة) الأنظمة العربية الموجودة. “وقد اقترحتُ عقد اجتماع للحركة من أجل استخلاص دروس ذلك الإخفاق الكبير الذي مُني به النظام الرسمي العربي. أحد تلك الدروس مُفاده أن الشعوب وحدها يمكنها أن تتحكم في التاريخ. إني أكنّ احترامًا بالغًا لعبد الناصر القائد، لكن الشعوب، في نظري، هي التي يجب أن تشكّل المحرّك الأساسي للنضال ضد الامبريالية وإسرائيل.” (ص 73)

الكفاح المسلح الفلسطيني والنظام الأردني

وُوجهت هزيمة الأنظمة العربية برد فعل جماهيري ثوري من قبل الجماهير الفلسطينية، من خلال التركيز على الكفاح المسلّح ضد اسرائيل إما من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو عبر الحدود. وقد رافقت هذا التغيير في الأجندة النضالية إعادة صياغة الأطر التنظيمية مع إقامة “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” التي تم الاعلان عن انطلاقها في الـ11 من كانون أول – ديسمبر1967.

كانت الأنظمة في حالة من الضعف في المرحلة الأولى بعد حرب 67، وقد حصلت المقاومة الشعبية على تعاطف الجماهير العربية، الأمر الذي أجبر الانظمة على الاعتراف بشرعية المقاومة الشعبية المسلحة ومنحها مساحة من حرية التحرك. وفي هذه المرحلة كان الأردن أهم ساحة للتحرك الفلسطيني، فقد تأسست فيه قواعد عسكرية لمختلف التنظيمات الفلسطينية المسلحة. و”كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي التنظيم الرئيسي خلال فترة النضال في الأردن. وكان ينضمّ إليها المنتسبون الجدد بالآلاف.” (ص 112)

بين العمليات التي تميّزت بها الجبهة الشعبية في هذه المرحلة برزت عمليات خطف الطائرات، ونستطيع أن نقرأ كيف فسرها حبش على خلفية التطورات الموضوعية على ساحة المواجهة: “كانت معظم الفصائل الفلسطينية تعتمد الاستراتيجية العسكرية نفسها، في بداية العام 1969، وهي محاربة إسرائيل عن طريق عمليات تسلل عبر الحدود. لكن مواصلة هذا الخط أصبح صعبًا مع اتخاذ تدابير مضادة من قِبل الصهاينة. كنا نخسر أعدادًا أكثر مما ينبغي من الفدائيين، بينما كان العدو يخسر أعدادًا أقلّ. وهنا ركّزنا على خطف الطائرات وعلى ضرورة توجيه ضربات مؤلمة إلى المصالح الإسرائيلية والإمبريالية أينما كانت… كان هدفنا هو التعريف بالقضية الفلسطينية على الصعيد الدولي.” (ص 85-86) “لكن ينبغي التوضيح أن الهدف الوحيد لعمليات خطف الطائرات تلك كان مبادلة أسرى إسرائيليين بسجناء فلسطينيين في سجون العدوّ.” (ص 105)

ومنذ بداية تصاعد الثورة الفلسطينية في الأردن، حيث طغت عليها مسألة العلاقات مع النظام الملكي الأردني. فقد أرادت الثورة، من جهة، أن توجّه كل قواتها لمحاربة المحتل، ومن جهة ثانية، فقد كان من المتوقع أن يؤدي تصعيد النضال ضد اسرائيل إلى صدام مع النظام الأردني.

وكانت الجبهة الشعبية أكثر إدراكًا لتبعيَّة النظام الأردني للمحور الامبريالي-الصهيوني-الرجعي، ولاحتمالية سعيه إلى قمع الثورة: “ثم اجتمعت مختلف الفصائل الفلسطينية في غياب أبو عمار الذي كان مسافرًا خارج الأردنّ… وقد اتفقنا على خمس نقاط لتتمّ المصادقة عليها، بعد ذلك، من قِبل دورة خاصة للمجلس الوطني الفلسطيني. وبذلك تمكنا من صياغة موقف فلسطيني موحّد. وشكّل ذلك انتصارًا كبيرًا للجبهة ولخطها السياسي الوحدوي. وعندما عاد أبو عمّار رفض، ويا للأسف، إحدى تلك النقاط، وهي النقطة التي تعتبر القوى الرجعية والعدو الإسرائيلي شيئًا واحدًا.” (ص 91)

هذا الادراك لم يؤدي إلى تراجع عن وتيرة المواجهة العسكرية مع اسرائيل، ولا إلى محاولة تطوير خطة ثورية لقلب النظام الأردني، بل كانت محاولة لتجنّب هذه المخاطر من خلال الدفاع عن شرعية المقاومة مع التأكيد على أنها لا تمس بسيادة الأردن. ولم ينجح “خط الدفاع” هذا بأن يمنع الهجوم المتوقع من قبل الجيش الأردني، بأوامر من الملك حسين، في أيلول الأسود 1970، ومحاصرة قواعد المقاومة والمخيمات الفلسطينية وتنفيذ المذابح الفظيعة ضد الثوار والمدنيين على حد سواء.

ويقول حبش: “أن ما لم يكن متوقعًا تمثّل بموقف النظامين العراقي والسوري اللذين لم تتحرّك جيوشهما لدعم المقاومة خلال أيلول/سبتمبر الأسود. ومع ذلك، كانت بغداد تؤكد، قبل المذابح، أنها لن تسمح بأي شكل بتصفية المقاومة في الأردنّ، وأنها ستقف إلى جانبها إذا ما تعرّضت للتهديد. وعندما بدأت الصدامات لم يفعل الجيش العراقي، الذي كان مرابطًا على الأراضي الأردنية، غير التفرج على الأحداث.” (ص 101)

وفي مراحل متأخرة من وجود الثورة الفلسطينية في الأردن، تغيّر تحديد العلاقة مع النظام الأردني: “وقد أصبح من بين أهدافنا للمرّة الأولى، منذ انسحابنا إلى جرش، قلب النظام في الأردن لأنه كان متحالفًا مع أميركا وإسرائيل ومصمّمًا على وضع حدّ نهائي لوجود المقاومة الفلسطينية.” (ص 102) ولكن في هذه المرحلة كانت التنظيمات الفلسطينية محاصرة وغير قادرة على التحرك بين الجماهير ولم يبق لها مفرّ إلا التخلّي عن وجودها المسلح في الأردن.

على وشك الانتصار في لبنان

وقد انتقل مركز الثورة الفلسطينية المسلحة، بعد هزيمتها في الأردن، إلى لبنان. وأعتمدت التنظيمات الفلسطينية خطة مواجهة شبيهة من خلال وجود القواعد العسكرية وانطلاق العمليات أو تبادل النيران عبر الحدود. ويذكر حبش أنه “بالنسبة إلينا كانت مقاومة إسرائيل هي الأمر الوحيد الذي يهمّنا.” (ص 137) و”لم نكن نرى في الحركة الوطنية (اللبنانية) غير عنصر دعم لقضيتنا.” (ص 138)

إلا أن الأمور فرضت نفسها، وقد كانت الساحة الداخلية اللبنانية مُهيأة لحدوث تغيرات ثورية في لبنان نفسها.

“بصفتي رجلًا يساريًا، كنت ألاحظ الفوارق الصارخة بين حياة البرجوازية الكبيرة في لبنان وبؤس الطبقات المحرومة في الجنوب والبقاع والكثير من المناطق اللبنانية الأخرى بما فيها بيروت حيث كانت توصف المناطق الفقيرة المحيطة ببيروت بـ”حزام البؤس”… كان المجتمع اللبناني يعاني الكثير من مظاهر الخلل الفاضحة، حيث كان الشيعة مهمّشين.” (ص 137)

و”بالفعل، سمح التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية بأطرافها كالحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والتيار الناصري، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، بتعزيز مواقع الجانبين. فالفلسطينيون، شأنهم شأن مناصري جنبلاط ومجمل أطراف الحركة الوطنية اللبنانية، كانوا يشعرون بأنهم مهمشّون. لذا كان هؤلاء يدعمون مطالبنا الرئيسية، وكنا نفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى مطالبهم… وعندما كان كمال جنبلاط يقول: “نحن نستند إلى القوة التي يمكنها أن توصلنا إلى السلطة”، فإن ذلك كان يُظهر مقدار قوتنا.” (ص 138)

واندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 بسبب المذابح التي قامت فيها مليشيات الكتائب الفاشية بحق الفلسطينيين، وبالفعل أثبت تحالف الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية أنه الطرف الأقوى على الساحة وكان قريبًا من الانتصار وإلغاء النظام الطائفي (الذي أسسته الامبريالية الفرنسية) وإنشاء نظام ديمقراطي.

ولكن ميزان القوى قد تغيّر مرة أخرى مع تدخّل الجيش النظامي السوري (عام 1976) لمنع انتصار القوى الوطنية اللبنانية وللحفاظ على النظام القديم في لبنان. وقد فسر حبش هذا التدخّل بقوله: “وهكذا، دفع الأميركيون بالسوريين إلى التدخّل لدعم الانعزاليين. وكان السوريون يخشون، من جهتهم، من انتصار الفلسطينيين والحركة الوطنية. كما كان لا يثقون بجنبلاط، لأنهم كانوا يرون فيه قوة ديمقراطية تشكّل خطرًا عليهم. ولولا التدخل السوري لكنّا ربحنا المعركة، ولكان جنبلاط قد أصبح زعيم لبنان الأوحد… ثم تعقّد الوضع في العام التالي، أي بعد اغتيال كمال جنبلاط عام 1977. وعندها بدا واضحًا أن دخول الجيش السوري كان يهدف إلى منع لبنان من التحوّل إلى بلد ديمقراطي داعم للثورة الفلسطينية… ” (ص 142-143)

الاستفادة من التجربة وتحديات المستقبل

آمل أن يستفيد القارئ من هذا السرد لبعض التجارب التاريخية ومن الاقتباسات المختارة من كتاب “الثوريون لا يموتون أبدًا”، لأنها، في رأيي، ليست مجموعة من القضايا والمواقف التاريخية فقط، بل محاولات متنامية من قبل أحد أشد وأصدق القادة الثوريين لمواجهة المعادلة الصعبة التي ما زلنا نواجهها.

وإذا كانت ميول جورج حبش الأولى نحو الوحدة العربية “الغير مشروطة” كوسيلة لتحرير فلسطين، فقد اثبتت التجربة أن هناك شروط موضوعية كثيرة لتحقيق الوحدة فقد لا تتحقق دون توفيرها. وإذا ثار الفلسطينيون وفتحوا جبهات مواجهة غير مشروطة مع الصهاينة، دون محاولة تغيير الوضع العربي، فقد يفتقدون العمق الاستراتيجي بل ويُضربون من الخلف. وإذا تمكنوا من خلق تحالفٍ ثوريٍ يحتوى على ثقة الجماهير في إحدى بلدان العالم العربي فيمكن أن يُضرب هذا التحالف من خلال وحدة القوى الرجعية بالرغم من اختلاف أطيافها.

ونرى كيف يتميّز “الحكيم”، هذا الثائر الصادق، بالتمسك بأهداف الثورة مع البحث الدائم عن الأساليب الملائمة للحصول عليها. كما نرى إيمانه الكبير بالجماهير الشعبية كالمصدر الأول والأخير للتغيير الثوري ومن هنا تأكيده على الديمقراطية والإشراك الحقيقي للجماهير في العملية الثورية.

فقد شهدت هذه المعادلة الصعبة والغير محلولة مراحل تاريخية مختلفة فيما بعد. منها محاولات فلسطينية متزايدة لإيجاد “حل فلسطيني للقضية الفلسطينية” في الانتفاضتين الأولى والثانية وفي اتفاقيات أوسلو. ومنها انفجار انتفاضة شعبية عربية، سُمِّيت “الربيع العربي”، وهزّت أركان النظام العربي في كافة أنحاء المنطقة وما زالت موضوع صراع منطقي وعالمي شديد التناقضات وسريع التقلبات.

ولا بد من الاستنتاج أنَّ البديل الذي طرحه جورج حبش، وهو البديل الثوري اليساري المعادي للامبريالية وللصهيونية، والمسلح بروح الانسانية والديمقراطية والاشتراكية، القابل دائمًا للتعلم والتطوير ولكنه يتمسك دون تنازل بالإيمان بالجماهير والإخلاص لها، هذا البديل هو الغائب الكبير في المرحلة الراهنة، وكلنا ندفع ثمن غيابه.

 

 

قرار الحظر – انتصار اخلاقي للحركة الإسلامية

Stronger_than_your_band_poster

نحن لا نسعى، في الصراع بيننا وبين السلطة الغاشمة، إلى الحصول على رضى السلطة. إن الحال الأفضل، لهذه السلطة هو أن تتمكن من تجاهل احتجاجاتنا وتواصل تسير على طريقها العنصري وكأنها لا تسمعنا. لذلك لا بد من النظر إلى قرار السلطة الصهيونية بحظر الحركة الاسلامية “الشمالية” كانجاز لعمل هذه الحركة. انها في عملها السياسي والمجتمعي، ودون ان تخرق القانون، تمكنت من أن تشكل ازعاجًا لجهاز القمع لدرجة لا يتمكن فيها من احتمال استمرار هذا النشاط ويفضل أن يمزق بيديه قناع الديمقراطية ويظهر وجهه البشع الحقيقي كسلطة احتلال.

مع صدور قرار الحظر، قمت بنشر موقف تحت عنوان “كلنا حركة إسلامية” وذلك باللغة العبرية وبالانجليزية بعدها.  لقد رأيت في هذا النشر نوع من التحدي… أما بالنسبة للموقف “بالعربية”، فقد شاركت في الاضراب العام يوم الخميس 19\11\2015 وفي المظاهرة الجماهيرية الموحدة في أم الفحم يوم السبت 28\11 وفي عدة نشاطات محلية ولم ألمس الحاجة إلى نشر موقف خاص.

Um_AlFahm_Demo_protesting_the_ban_of_the_Islamic_Movement

مظاهرة أم الفحم ضد حظر الحركة الإسلامية، 28\11\2015

إلا انني يوم الاثنين، 7\12، حضرت ندوة ضد الحظر أقامتها جمعية بلدنا للشباب العرب في مكتبها في حيفا. وبالرغم من توقعي المسبق بأن الموضوع هو موضوع إجماع وطني ولا يوجد ما أضيف إليه، فقد رأيت أن هناك إساءة لفهم قرار الحظر ولسياق النضال ضده. ولذلك أسجل في ما يلي بعض الملاحظات…

 

لا لجلد الذات

أوصي بأن لا نجلد انفسنا – في الوقت الذي تتفرغ فيه السلطة كلها لجلد الجماهير العربية…

فقد سمعت عدة محللين، في الندوة المذكورة وفي مناسبات أخرى، يتحدثون عن “رد الفعل الفاتر” الذي لا يتلاءم مع خطورة قرار الحظر… وأرى بأنها لا تعدو عن كونها قراءة خاطئة لقوانين الصراع الذي نعيشه. إن الجماهير العربية تعاني من احتلال استيطاني عنصري يهدف إلى اقتلاعها من أرض الوطن، وتجاهد وتناضل يوميًا للدفاع عن وجودها. انه صراع طويل الأمد نخوضه بامكانيات غير متكافئة، وشروط النصر غير متوفرة  دائما، فلا بد لأي مرحلة مدّ من مرحلة جزر تتلوها.

تابعت النقاش في الأوساط الاسرائيلية بخصوص قرار الحظر، ولمستُ تباينًا بين موقف الشرطة وموقف المخابرات. الشرطة دعمت قرار الحظر وتوقعت بأنه لن يؤدي إلى صدامات في الشوارع… أما موقف جهاز المخابرات، والذي عارض قرار الحظر إلى أن تم فرضه عليها فرضاً، فلم يكن “سطحيا” مثل موقف الشرطة. ولم يكن نابعاً عن تخوّف من ردة الفعل الجماهيرية المباشرة لقرار الحظر، بل يتأسس على سهولة مراقبة العمل السياسي القانوني مقابل خطورة ردود الفعل العنيفة عندما يُحظر التعبير السلمي عن الرأي.

ويمكن أن نُرجع “خيبة الأمل” من “فتور الرد” لقراءة خاطئة لنجاح الاحتجاج الجماهيري ضد “مخطط برافر” لاقتلاع عرب النقب. فبعد النجاح في إسقاط “برافر” كان هناك من يقول في كل حالة جديدة: “لو تظاهرنا وقمنا بإغلاق الشوارع فقد نحصل على مطالبنا”. إلا أن لكل معركة ظروفها الخاصة… فلا أعتقد بأن المظاهرات والصدامات الجماهيرية بإمكانها تغيير قرار الحظر.

سعى مخطط برافر لاقتلاع عشرات القرى في النقب، واعتمدت سياسة الحكومة على تمريره من خلال الفصل بين الأغلبية التي تقبل بالتسوية وبين الأقلية المعارضة. وكانت النتيجة بعكس ذلك: ان نشر المخطط والنضال الجماهيري وحد الجماهير العربية ضد مشاريع التهجير… وكانت مظاهرات الشباب، والصمود ومقاومة التهجير من قبل أهل النقب بأنفسهم هي القوة الحاسمة.

الحركة الاسلامية موجودة ومتجّذرة ولا تستطيع السلطات اقتلاعها من قلوب الناس، واقتلاع الايمان بقوة القوانين والقمع، هو أصعب من اقتلاع الفلاح من أرضه.  إن كون الحركة الاسلامية، او غيرها، مسموح بها أو ممنوعة بحسب القانون الاسرائيلي، فهذا شأن اسرائيلي بالأساس.  إننا لا نقدر على “انقاذ الديمقراطية الاسرئيلية” – وهي وهم لا أساس له – من هجوم قادتها الصهاينة وفساد وعنصرية أجهزتها الاعلامية والسياسية والقضائية.

لقد قدم الشباب الفلسطيني في الداخل ما لديهم خلال مظاهرات وصدامات منذ بداية انتفاضة القدس والأقصى الجديدة منذ أوائل شهر أكتوبر، وسُجن المئات منهم والعديد منهم لا يزال من وراء القضبان ضحايا سياسات انتقامية جديدة لجهاز الشرطة والمخابرات والمحاكم. وقد أتى قرار حظر الحركة الاسلامية في مرحلة الجزر كجزء من “جنون التطرف” التي تمارسه المؤسسة الصهيونية.

ولذلك، وإلى جانب الموقف المشرّف للجماهير العربية التي وقفت ضد قرار الحظر وأضربت وتظاهرت، فلا بد من امتصاص الضربة والاستعداد للعمل في الظروف الجديدة.

“اللّي بيقول الحق بتنخزق طاقيته”

ملاحظة ثانية لا بد منها: إن قرار الحظر يرتكز على دور الحركة الاسلامية في الدفاع عن المسجد الأقصى، وقرار الحظر هذا، هو إثبات آخر بأن”الأقصى في خطر”!

فإذا لم يقف الزعماء الصهاينة وراء الاستفزازات المتكررة في الأٌقصى، فلماذا يزعجهم أن يدافع الآخرون عن هذا المسجد، حين يصلون فيه، ويقسمون يمين الولاء له؟

أتفهم كل من يصف الأمر بأنه “جنون” – ولكن الجنون ظاهرة طبيعية ومنتشرة. بحث سريع باللغة العبرية عن حركات تعمل على “بناء الهيكل” يثبت ان هناك نشاط مكثف يهدف إلى هدم مسجد الأقصى:

والأمثلة عديدة…Israel_digs_under_AlAqsa

هنالك من يحاول أن يزاود على الحركة الاسلامية بأنه لا مجال لـ”الدفاع على الوضع الراهن” في الأقصى لأن الوضع الراهن هو وجود الأقصى تحت الاحتلال… ولكن الدفاع عن المقدسات، مثل الدفاع عن الأرض والبيت، يقعان في صلب مهمة الصمود تحت الاحتلال، ولا مجال للتقليل من شأنه. وفي حالة الأقصى، فقد يكون التصدي للمشروع الصهيوني “الجنوني” دفاعًا عن جميع سكان المنطقة، بما فيهم اليهود، من سعي الصهيونية لجرّنا جميعاً نحو الجحيم…

لا أعرف الكثير عن الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تم حظرها مع حظر الحركة الاسلامية، ولكن منع نشاطات إنسانية مثل كفالة الأيتام وبناء المدارس ودعم للأسر المحتاجة يكشف نوايا السلطات إلى ضرب البنية التحتية للمجتمع العربي الفلسطيني.

ما العمل؟

أكد رد الفعل الأول الذي أصدرته لجنة المتابعة باسم الجماهير العربية في اجتماعها الطارئ يوم الثلاثاء 17\11 ان قرار الحظر يستهدف الجماهير العربية ككل. ووعد محمد بركة، الذي أنتخب قبل ذلك بأيام لرئاسة لجنة المتابعة، بأن “ما تمثله الحركة الاسلامية (الجناح الشمالي) سيبقى حاضرا في المتابعة ونشاطاتها”. وهذا هو الموقف الصحيح…

لكن لا بد من التطرق لموقف بعض الناشطين الذين أعلنوا عدم استعدادهم للدفاع عن الحركة الاسلامية لاسباب مختلفة، إما بسبب معارضة الإسلام السياسي بشكل عام او تخوّفا من مواقف الحركة ضد الحريات الشخصية أو كنتيجة لخلاف سياسي معها في قضايا “الربيع العربي” أو بسبب خلافات محلية مختلفة. ونقول لهؤلاء ان القمع الاسرائيلي للحركة الاسلامية لن يزيد من حريّة أحد، ولا يمكن ان يكون سلاحًا لتصفية الحسابات الداخلية داخل المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال. فالمطلوب هو عكس ذلك: أن نتوحد للدفاع عن الحركة الاسلامية دون شروط اليوم، فقد يكون والتلاحم بين كل بنات وابناء الشعب الواحد ضد الحملة القمعية وضد النظام العنصري مؤشرا للطريق نحو تحسين العلاقات داخل المجتمع وخلق ثقافة جديدة من التسامح والتفهّم ومنح الأولوية للتناقض مع السلطة.

بعض الآخرين، وإلى جانب وقوفهم مع الحركة الإسلامية ضد الحظر، يدعون هذه الحركة إلى إعادة تقييم طريقها… ومع إن إعادة التقييم عامل إجابي وضروري للجميع في كل الأحوال، إلا أنني أعتقد أن قرار الحظر وتجريم الدفاع عن الأقصى ومنع كفالة الأيتام – وكل ما إلى ذلك من ظواهر القمع المفضوح – تشير أولًا إلى ضرورة إعادة التقييم لدى كل من يراهن على أكذوبة “الديمقراطية الإسرائيلية”.

nadwat_baladna

بعض المتكلمين في ندوة “بلدنا” ضد الحظر

في ندوة “بلدنا” صرح الدكتور مهند مصطفى “ان الحركة الاسلامية تقف اليوم امام محطة وسؤال هام، وهو هل تريد ان تكون حركة وطنية تتبنى مشروع اسلامي؟ ام حركة اسلامية تعمل في مشروع وطني؟” فأرى انه طرح خاطئ لأسس الوحدة الوطنية المطلوبة. الحركة الإسلامية تحمل عقيدة شاملة وليس مطلوبا منها التنازل عن هذه العقيدة لكي تشارك بشكل كامل في المشروع الوطني الفلسطيني وفي صناعة الوحدة الوطنية. استطيع القول بأن أي حركة جدية تحمل عقيدة شاملة تخص الانسانية جميعًا – إذا كانت العقيدة الاشتراكية أو الليبرالية أو غيرها – ولكننا، جميعا، نعيش ونناضل في ظرف محلي ونطرح الحلول لخصوصيات هذا الوضع. ولذا، فإن وحدة الجماهير الفلسطينية في مقاومة الاحتلال هي المطلب الضروري من منظر إسلامي واشتراكي وليبرالي وعملي على حد سواء. ولذلك علينا أن نتوحد حول مشروع التحرير كمشروع ديمقراطي يجمع الجميع حول الهدف المشترك.

Stronger_than_your_band_poster_for_demo

دولة واحدة، دولتان، وقصة “تجريس” القط

Belling_the_Cat

انطباعات عقب مناظرة في معهد إميل توما

عشيّة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وبمناسبة مرور 30 عاما على رحيل المؤرخ الشيوعي الفلسطيني إميل توما، أقام المعهد المسمى على اسمه مؤتمرًا… ولـ”حسن الحظ” قررت بلدية حيفا منع مسرح الميدان (الرهينة) من تأجير قاعته لهذا المؤتمر، وبذلك زادت حصة المؤتمر من الانتباه الإعلامي.

أما الذي أثار اهتمامي كان تخصيص مناظرة صباح السبت 28\11\2015  لموضوع “إميل توما، والشيوعيون، وقرار التقسيم – الحل في إطار دولتين أو دولة واحدة؟” بمشاركة البروفيسور أسعد غانم ورئيس المعهد عصام مخول.

آمل أن ينشر المعهد تقريرا شاملا عن مؤتمره وتفاصيل المداخلات التي احتوت على العديد من المعلومات التاريخية والمواقف، وأختصرُ الحديث هنا حول سؤال واحد لا أتوقف عن متابعته: أين نحن من مشروع تحرير فلسطين؟ هل اقتربنا من تحقيق هذا الحلم؟ وهل اتضحت أم تعكّرت رؤيتنا له؟

أسعد غانم يدعو إلى تغيير موقف الشيوعيين

كانت المحاضرة الأولى، الأطول والأشمل، هي مداخلة البروفيسور أسعد غانم، والذي عرّف نفسه كمؤيد لحل الدولة الواحدة “ثنائية القومية”. وقد أثارت هذه المداخلة اهتمام الحضور، وهم، في معظمهم، من أنصار وأصدقاء الحزب الشيوعي الاسرائيلي، كما تبيّن في فقرة أسئلة الجمهور، والتي وُجهت في غالبيتها الساحقة إلى غانم.

Asad_Ghanem

البروفيسور أسعد غانم

شدد غانم من خلال القسم التاريخي من مداخلته، كما ردد بعده مخول، بأن الموقف الأصلي للشيوعيين في فلسطين لم يكن مع التقسيم، بل على العكس تماما. فقد نادى الشيوعيون إلى تحرير فلسطين من الانتداب البريطاني وإلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة على كل أرض فلسطين لكل سكان هذه البلاد.

لم يتطرق غانم إلى أسباب تغيير موقف الشيوعيين من قرار التقسيم كما لم يذكر تفاصيل موقف إميل توما الذي برز بموقفه المعارض لقرار التقسيم حتى بعد دعم هذا القرار من قبل الاتحاد السوفياتي (عام 1947) وما تبعه من تغيير موقف “الحزب الشيوعي الفلسطيني” عقب ذلك. ولكنه شدد على أهمية دور الحزب الشيوعي في المجتمع الفلسطيني خلال مراحل ما بعد التقسيم ونكبة 1948.

وعندما وصل غانم إلى الوضع الراهن، قام بتحليل التطورات على الساحة الفلسطينية والأزمة العميقة التي تمر بها حركة التحرر، وعلى الساحة الاسرائيلية التي يرى بأن التطرف اليميني العنصري الذي يميز سياساتها ليس ظاهرة سطحية بل له جذور في المجتمع اليهودي الاسرائيلي. ومن ثم تطرق إلى أزمة العالم العربي واختتم بموقف القوى الامبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي، بحسب تقديره، يخطئ كل من يتوقع بأنها تنوي أو تستطيع أن تضغط على اسرائيل للقبول بحل عادل للقضية الفلسطينية، وذلك بسبب سياساتها الداخلية وقوة اللوبي الصهيوني فيها.

وفي معرض شرحه حول إمكانيات تحقق حل الدولة الواحدة، اعتمد غانم على سقوط أوهام حل “الدولتين” وعلى ضرورة إعادة صياغة استراتيجية حركة التحرر الفلسطينية للخروج من المأزق الذي تعيشه. وقد أكد بأن للشيوعيين الفلسطينيين، باعتبارهم قوة مهمة داخل المجتمع، دور مهم في التحول المطلوب. وأن عودتهم إلى الموقف الشيوعي الأصلي الذي يطالب بإقامة دولة ديمقراطية واحدة في كل فلسطين سيكون إسهاما مهما في بناء رؤية موحدة وجديدة قائمة على الحل الشامل الذي يجمع جميع قطاعات الشعب الفلسطيني في الوطن ولاشتات ويضمن حق العودة وتقرير المصير.

عصام مخول يشدد على الحق الفلسطيني

لم تغلق مداخلة عصام مخول الباب أمام أمل غانم بإعادة الشيوعيين الاعتبار لموقفهم بخصوص الدولة الواحدة. وقد أكد مخول بأن الدافع الأساسي من وراء موقف الشيوعيين لم يكن التمسك بصيغة الحل، سواء كان دولة أو دولتين، بل البحث عن أي سبيل ممكن لضمان الحقوق الفلسطينية التي لخصها بنقاط ثلاث: التحرر من الاحتلال وحق العودة والمساواة للفلسطينيين داخل اسرائيل.

Emil_Tuma

المأرخ إميل توما – عارض قرار التقسيم

كما وأضاف بأن تحصيل الحقوق الفلسطينية لا يعتمد على حسن نية المحتل ولا على السياسات الدولية، بل يتطلب نضالا شاقّا وعنيدا من قبل الفلسطينيين أنفسهم. وأشار إلى تصعيد النضال ضد الاحتلال كخطوة في الاتجاه الصحيح. وبرر مخول موقف الحزب الشيوعي الذي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كهدف أكثر واقعية وإمكانية للإنجاز، وذلك بسبب صعوبة النضال والخلل في موازين القوى لصالح إسرائيل.

كانت اللحظة الأكثر إثارة في كلام مخول في مداخلته الأخيرة بعد اختتام مرحلة الأسئلة، عندما قرأ على الحضور مقطعا من مقالة إميل توما في جريدة “الاتحاد” بعد نشر موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لقرار التقسيم. وقد شرح فيها توما موقفه المبدئي المتمسك بمشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة.

المأزق المشترك

تقارب الآراء بين غانم ومخول لم يكن دافعه الوحيد محاولتهما الالتزام بآداب الحوار وتشجيع بعضهما البعض. بل كوننا جميعا نعيش مأزقا واحدا – حتى لو كنا نعلم إلى أين نريد أن نصل ولم نعرف الطريق للوصول إلى هناك. لذلك يحاول الكل أن يصغر أحلامه… فيشدد مخول على صعوبة ظروف الصراع الذي لا بد منه ويصغر الهدف لكي لا تكون مهمتنا أصعب من الحد الأدنى الضروري. فيما يرى غانم تعنت اسرائيل ويطرح حلولا بعيدة الأمد ويتوقع الانتقال التدريجي إلى الدولة الواحدة “ثنائية القومية”.

هذا الحوار حول الحلول المطروحة يذكرني في القصة الشعبية الشهيرة عن مجموعة فئران عانت من اجتياح قط شرس غدار إلى موقع سكناهم. فاجتمع الفئران لكي يبحثوا عن حل لصد العدوان ولضمان سلامتهم. فاقترح أحدهم أن يقوموا بربط جرس حول رقبة القط لكي يصدر صوتا وينذرهم كلما اقترب الخطر. وافق الجميع على هذا الحل بفرح وابتهاج… ولكن سؤالا واحدا بقي معلّقا: “من يربط الجرس على رقبة القط؟

في ظل غياب رؤيا عملية لكيفية تغيير الوضع واجتياز الحواجز وصولا الى الحل المنشود، يقع أصحاب كل من الموقفين في فخ التناقض بين محاولة اعتماد حل “أكثر واقعية” وبين التأكيد على أن هذا الحل يلبي مطالب وحقوق الشعب الفلسطيني. فمخول يدعو للاكتفاء بدولة على 22% من الأرض الفلسطينية لأن حتى هذا الحل صعب التحقق، وفي ذات الوقت يؤكد على أنه لم ولن يتنازل عن حق العودة. وغانم يؤكد بأن إسرائيل لم تقبل بحل الدولتين وبأنه من شبه المستحيل إزالة المستوطنات، ويؤكد بأن حل الدولة الواحدة هو الحل الوحيد الممكن الذي يضمن وحدة الشعب الفلسطيني وحق العودة إلى كل مناطق الوطن.

إنها أزمة واحدة وسؤال واحد لا بد منه: من يفرض على اسرائيل القبول بالحق الفلسطيني؟ أو، بلغة أوضح، كيف نقوم بتغيير موازين القوى التي لا تسمح بالحل، أي حل؟

لحسن الحظ، فإن تاريخ البشر قابل للتغيير بأسرع مما هو عليه في عالم الحيوانات… فما من قدر يفرض على الفلسطينيين بأن يظلوا ملاحقين ومضطهدين حتى نهاية التاريخ.

في لحظة نادرة خلال هذه المناظرة ذكر غانم سيناريو من ضمن سيناريوهات المستقبل، وهو إمكانية أن تصبح فلسطين دولة إسلامية (ليس بمفهوم “داعش”) تحت وطء التغييرات الجارية في المنطقة العربية. وقد كانت هذه النافذة هي الوحيدة لرؤية تاريخية للصراع بسياقه الأشمل.

فقد تخصص إميل توما بتأريخ قضية فلسطين من منظور كونها جزءا من الصراع بين الشعوب العربية وبين القوى الامبريالية والرجعية، ولم يتردد من الحديث عن الحركات والحلول الثورية. فماذا إذا لو انتصرت الديمقراطية في دول المنطقة؟ هل بقاء العرب عبيدا خلال العقود القادمة هو حتمية تاريخية؟ وكيف سيؤثر سقوط الهيمنة الامبريالية علينا؟ أليس من الطبيعي أن يفرز هذا الوضع افرازاته المحلية؟ أليس من الطبيعي أن تنتصر الديمقراطية في فلسطين أيضا؟

Emil_Tuma_Invitation

عوض عبد الفتاح حول الدولة الواحدة ورؤية لنهضة حركة التحرير الفلسطينية

Awad_Abdelfattah

فيما يلي خطاب عوض عبد الفتاح، السكرتير العام للتجمع الوطني الديمقراطي، امام الكتلة البرلمانية للمؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في جنوب افريقيا

أنشر هنا في الكامل محاضرة عوض عبد الفتاح (من تاريخ 10\9\2015) كمساهمة في البحث على سبل الخلاص من الأزمة التي تعيشها حركة التحرر الفلسطينية. وأدعو القراء لكتابة التعليقات أو لنشر مواقفهم لمتابعة هذا الحوار الضروري.

(بامكانكم قراءة النص باللغة الانجليزية أيضًا)

* * *

صباح الخير أيها الأصدقاء والرفاق

نائب الرئيس، سيريل رامافوسا

رئيس الجمعية الوطنية، باليكا مبيتي

رئيس المجلس الوطني للمقاطعات، تاندي موديسي

حامل السوط الرئيسي، ستون سيزاني

مع حفظ الألقاب للجميع

أنا متأثر جداً لكوني هنا، في هذا البرلمان بينكم، أنتم الذين تشكلون دائماً مثالاً مُلهماً لشعوب كثيرة في أنحاء العالم، ومن ضمنها شعبي. الذي يناضل منذ أكثر من مائة عام من أجل التحرر من نظام الأبارتهايد الكولونيالي الإسرائيلي. إن هذه الفرصة التي أتحتموها لي لمخاطبتكم مباشرة عن التطورات الأخيرة في النضال الفلسطيني تملئني بالغبطة والأمل- الأمل في أننا نستطيع تعزيز التعاون المتبادل من أجل تحقيق العدالة والحرية لشعبنا.

وعندما أجيء إلى جنوب أفريقيا أشعر بأنني وصلت إلى وطني الثاني. أشعر، ومعي فلسطينيون آخرون، وأيضاً مناضلون من أجل الحرية في العالم، بمعنى الروح الرفاقية مع شعب جنوب أفريقيا.

أشعر أنني مرتبط روحانياً بشعب جنوب أفريقيا العظيم، وبرحلتهم الطويلة والشاقة من أجل التحرير. لقد أصبحت الأسماء المقرونة بهذا النضال جزءاً لا يتجزأ من ذكرياتنا الفردية والجماعية: نيلسون مانديلا، سيسولو، أحمد كاثرادا، ستيفن بيكو وآخرون كثيرون. هؤلاء عانوا سنوات طويلة في السجون أو قُتلوا أو جرى اغتيالهم، أو واصلوا بشجاعة المسيرة نحو العدالة الاجتماعية والتطور المستقل. ومن كل هؤلاء القادة العظماء، ومن النضال البطولي الذي خاضه شعب جنوب أفريقيا، نحن نستمد الأمل والشجاعة وقوة الاستمرار في نضالنا من أجل تحرير فلسطين وبناء مجتمع ديمقراطي يستطيع فيه الجميع – الفلسطينيون العرب والإسرائيليون – العيش في مساواة كاملة.

لا أحد في الحركة الوطنية الفلسطينية ينسى الوعد الصادق والمخلص من قبل الرفيق القائد الراحل نلسون مانديلا، القائل بأن حرية جنوب أفريقيا ستبقى غير كاملة إلى أن تتحرر فلسطين.

إن سقوط نظام الأبارتهايد عام 1994، بفضل النضال البطولي الذي خاضه شعب جنوب أفريقيا، والقيادة المتزنة والحكيمة، والتضامن الدولي، هو لحظة عظيمة سعيدة بالنسبة لي شخصياً ولكل فلسطيني، وكذلك بالنسبة لكل شخص عاشق للحرية في الأسرة العالمية.

اعتبر الفلسطينيون هذا الانتصار خطوة كبيرة نحو إزالة الظُلم في العالم، بما في ذلك آخر نظام كولونيالي في عصرنا، وهو القائم في فلسطين. كانت نضالات شعبنا من أجل الحرية والتحرر من النظام الصهيوني أكثر تضافراً في ذلك الوقت. وفي الحقيقة، البعض منا، مثل ادوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الأمريكي الشهير، كان قد تساءل حتى في ذلك الحين: هل لدينا قيادة مثل أولئك الذين قادوا شعب جنوب أفريقيا إلى الحرية.

نحن نذكر أن نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا اقترح ذات مرة على قادة المؤتمر الوطني الأفريقي صفقة مشابهة لتلك التي عرضت على الفلسطينيين في اتفاقيات أوسلو عام 1993. وقد رفض المؤتمر الوطني الأفريقي بحكمه سياسة مثل هذه الصفقة. وأما القيادة الفلسطينية فقد قبلت اتفاقية أوسلو، معتبرة إياها في ذلك الوقت خطوة نحو الدولة المستقلة. وبدلا من ذلك، مأسست هذه الاتفاقية الأبارتهايد والكولونيالية والطرد والسلب والقتل المتعمد لأبناء شعبنا. واعتقدت القيادة الفلسطينية أن أوسلو كانت الطريق الوحيد للخروج من المأزق الذي وصلت إليه الحركة الوطنية الفلسطينية، بعد الخروج القسري من بيروت، إثر الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. لقد جرى توقيع الاتفاقيات على مَرجة العشب الأخضر في البيت الأبيض وتم الاحتفال بها بأسلوب هوليووديّ. وقد استقبل ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية، بحفاوة لدى عودته إلى غزة. الكثيرون أمِلوا بأن تكون هذه الاتفاقيات اختراقاً وتقدماً حقيقياً.

ومع مرور السنين أصبحت نوايا ومقاصد النظام الكولونيالي الإسرائيلي واضحة أكثر: استمر الاستيطان في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بوتيرة أسرع؛ وبدا الحل النهائي المنشود فلسطينياً بعيداً أكثر من ذي قبل.

كان الشعور بالتضليل والخداع والغدر من قبل إسرائيل كبير جداً لدى قيادة التيار الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية. وبلغ الغضب والإحباط مستويات لم يسبق لها مثيل. ازداد الوضع سوءاً بعد فشل قمة كامب ديفيد عام 2000م. التي رعتها الولايات المتحدة، الوسيط غير النزيه، في التوصل إلى اتفاقية، مما أضاف زيتاً على النار. كانت شرارة واحدة كافية لإشعال المنطقة بأكملها – وهذه الشرارة  وفرها دخول أريئيل شارون سيء الصيت المسجد الأقصى في 28 أيلول من العام نفسه.

هذا الحدث الدراماتيكي (دخول الأقصى) “بشّر” باندلاع الانتفاضة الثانية، التي اتخذت، وبشكل مضلل، مظهر المواجهة بين جيشين وتمخضت عن استشهاد أكثر من 5000 فلسطيني ومقتل أكثر من ألف إسرائيلي. هذا الانفجار الهائل انتشر بسرعة ليصل إلى الفلسطينيين في إسرائيل، ويتحول إلى هَبّة عارمة لم يسبق لها مثيل من حيث الشمولية والطول والكثافة؛ استمرت ثمانية أيام دامية، قبل أن تسحقها قوات الشرطة الإسرائيلية بوحشية، مؤدية إلى مقتل 13 مواطناً فلسطينياً وإصابة المئات بجروح. لقد تعامل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي مع المواطنين الفلسطينيين باعتبارهم أعداء أو جزء من الجبهة الفلسطينية الواسعة.

لقد مرّ الكثير من الوقت لكي يستوعب العالم حقيقة ما كان يجري. الكثيرون في الأسرة الدولية افترضوا أن المشكلة الفلسطينية كانت في طريقها نحو الحل. وبعض الأطراف الدولية اتهمت القادة الفلسطينيين بأنهم كانوا يخرقون اتفاقيات أوسلو. ونتيجة لذلك أساءت تماماً الأسرة الدولية فهم الهجوم الضاري الإسرائيلي على الفلسطينيين. كما أن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني، التي كانت متعاطفة مع المسألة الفلسطينية، أوقفت نشاطاتها ضد السياسات الإسرائيلية.

في أعقاب موت ياسر عرفات المكتنف بالأسرار عام 2004، والذي لا تزال إسرائيل تعتبر المشتبه الرئيسي به، توقفت الانتفاضة. واستؤنفت عملية السلام مع قيادة جديدة اعتبرها الأمريكيون أنها أكثر اعتدالاً من القيادة السابقة برئاسة عرفات، ويُمثل هذه القيادة الرئيس الحالي، محمود عباس.

أعربت القيادة الجديدة عن معارضتها للانتفاضات الشعبية وتبنّت المفاوضات كطريق معبر نحو السلام وتمسكت بها بشدة. وتحت مظلة مسيرة السلام، قام الجنرال الأمريكي، كيث دايتون، بتدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بهدف المحافظة على الهدوء في المناطق الفلسطينية المحتلة وقمع أي شكل من أشكال المقاومة. وأصبح التعاون الأمني مع إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من هذه العقيدة. كما قامت ولا تزال الولايات المتحدة وأوروبا بتقديم المنح والهيئات لخزينة السلطة الفلسطينية من أجل المحافظة والإبقاء على عملية السلام كهدف بحد ذاته. السلطة الفلسطينية خضعت وأذعنت للإملاءات الأمريكية، معتقدة وبشكل ساذج بأنها ستستحق الدولة المستقلة في نهاية المطاف. هذه التنازلات المُذلة لم تؤدِ إلى تغيرات في السياسة الإسرائيلية، بل عززت جشع إسرائيل في المزيد من الأرض.

في استغلالها لعملية السلام، رسخت إسرائيل الاستيطان في الضفة الغربية وفي القدس وشدّدت حصارها لقطاع غزة. وقامت ببناء جدار الفصل العنصري الذي ابتلع الكثير من الأراضي وفرّق وفصل ما بين التجمعات الفلسطينية، مولّداً جيوباً معزولة. وتحت غطاء ما يسمى عملية السلام ازدادت معاناة الفلسطينيين بشكل كبير. كما سببت الحروب الثلاثة الضارية التي شنتها إسرائيل منذ عام 2009 ضد الفلسطينيين المسجونين في قطاع غزة إلى مقتل وجرح آلاف الفلسطينيين. وهدم آلاف البيوت.

جميع جرائم الحرب وسلب الأراضي وعنف المستوطنين مرت بدون عقوبة. وما يسمى الأسرة الدولية، وبشكل خاص الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، واصلت وتواصل دعمها لإسرائيل بدون خجل، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهي مسؤولة أخلاقياً وعملياً عن جرائم إسرائيل ضد الإنسانية. وهذه الحكومات تعمل وتتصرف ضد إرادة مواطنيها ومؤسسات المجتمع المدني فيها، علماً بأنهم أبدوا في مناسبات كثيرة اشمئزازهم إزاء سلوك إسرائيل البربريّ تجاه الشعب الفلسطيني وينظمون المظاهرات الحاشدة نصرة لقضية فلسطين.

تأثيرات أوسلو

بعد مرور 20 عاماً على صناعة السلام، استيقظ الفلسطينيون على واقع أشد قساوة. لم يحرروا أرضهم ولم يحققوا الدولة، كما لم يحتفظوا بأداة التحرير المتمثلة بمنظمة التحرير، التي جرى تفريغها من مضمونها واستقلاليتها وأصبحت تابعة للسلطة الفلسطينية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك. فالصراع الكولونيالي الاستيطاني جرى اختزاله إلى نزاع إقليمي في نظر العالم إذ يجري تصوير المشكلة وكأنه نزاع بين طرفين متساويين، مع أنها في الحقيقة نزاع بين نظام كولونيالي بربري وشعب مُستَعمَر. وبالتالي فإن الواقع القائم هو وجود دولة يهودية كولونيالية ودولة فلسطينية افتراضية فقط.

تحت الضغط الدولي وسوء تقدير الحسابات الداخلية اقتيدت القيادة الفلسطينية أو تمَّ جرّها إلى مَصيدة تسمى أوسلو: اليوم يواجه القادة وطناً مستعمراً بالكامل تقريباً، مُشظّى جغرافياً وديمغرافياَ. لقد تُرِكوا تقريباً بدون أدوات للتحرير (منظمة التحرير بمضمونها التحرري والعديد من الاتحادات والمنظمات الشعبية الفاعلة). إضافة لذلك فإن قيم حركة التحرر الوطني قد تآكلت. الكثير من المجتمع الفلسطيني أصبح فردانياً ومجزءاً وجرى إخضاعه لنمط الاقتصاد النيوليبرالي المشوه، وتُرك بدون مُثل أعلى تُحرّكه. لا توجد هناك قيادة جديرة بالثقة ولا رؤية مشتركة. والأمر الذي جعل وضع الفلسطينيين أسوأ مما كان هو الانقسام العميق بين الحركتين الرئيسيتين: فتح وحماس. محاولات المصالحة الفاشلة عززت فقط مشاعر الإحباط واليأس.

الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، التي تبنت دائما استراتيجية ترمى إلى تجزئة الشعب الفلسطيني كوسيلة للسيطرة الكولونيالية، عملت وبشكل منهجي للإبقاء على الصدع الكارثيّ بين الحركتين الأساسيتين.

إن  إسرائيل التي تتحدر باستمرار واضطراد إلى أقصى اليمين، إلى العنصرية غير المخفية، وباتجاه خيار الطرد والتطهير العرقي، هي الآن وبشكل صريح ضد حل الدولتين الذي يدور الحديث عنه منذ وقت طويل.

المراقبون يناقشون ويقولون أن الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية عام 1967 هو الاحتلال الأرخص في تاريخ الاستعمار. وتستفيد القيادة الإسرائيلية أيضاً من أربعة عوامل:

 

  1. غياب النضال الشعبي الجماهيري.

لقد جرى تحويل السلطة الفلسطينية إلى مقاول ثانوي للاحتلال الإسرائيلي. ولم تحترم هذه السلطة القرار الذي اتخذه المجلس المركزي لمنظمة التحرير في العام الماضي بوقف التعاون الأمني مع إسرائيل.

  1. غياب رد الفعل القوي من قبل الأسرة الدولية، واستمرار وزيادة الدعم الأمريكي لإسرائيل. وهذا الأمر يوفر بشكل فعلي الغطاء لجرائم إسرائيل والاستيطان المستمر في الأراضي الفلسطينية.
  2. غياب الوحدة الوطنية، واستراتيجية مقاومة موحدّة، وهدف مشترك باستطاعته توحيد جميع شرائح الشعب الفلسطيني.
  3. الفوضى التي اجتاحت العالم العربي جرّاء فشل الجولة الأولى في الانتفاضات العربية، والتي تحولت إلى كابوس، خصوصاً في أعقاب تدخل الأنظمة الامبريالية والرجعية العربية  وظهور المنظمات الجهادية المتوحشة.. هذه الأنظمة الدكتاتورية المستبدة تكافح الآن من أجل بقائها، وبناء على ذلك، دفعت القضية الفلسطينية إلى مؤخرة أجنداتها.

نقاط مضيئة

من داخل هذا الواقع القائم هناك نقاط ضوء هامة:

الأولى: انبعاث حركة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني منذ انطلاق حملة المقاطعة التي يقودها الفلسطينيون عام 2004. وقد اكتسبت هذه الحركة بشكل خاص زخماً كبيراً ومتزايداً في أوساط المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد قللت إسرائيل حتى عهدٍ قريب من أهمية تأثير المقاطعة ونزع الاستثمارات والعقوبات وأمِلت في تجاهلها. ولكن حين وصلت إلى الجماهير الواسعة ونما وتعاظم تأثيرها، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى توظيف موارِد بشرية ومالية لمواجهتها.

سبب ثانٍ للتفاؤل: إحياء النضال الشعبي

على الرغم من أنه لا يزال محدوداً جغرافياً ومن حيث الحجم، فإن الانتفاضة الصغيرة في القدس وضواحيها في العام الماضي 2014 كانت من ضمن المؤشرات اللافتة للنظر إلى إحياء النضال الشعبي. استمرت هذه الانتفاضة عدة أيام في أعقاب طعن طفل فلسطيني وحرقه وهو حي. كما أن مناطق عديدة في الضفة الغربية جرت وتجري موجات متكررة من الاحتجاجات السلمية وهجومات مسلحة متفرقة وفردية ضد أهداف إسرائيلية، خاصة بعد تصعيد الاعتداءات على المسجد الأقصى وتعميق التهويد والحصار لمدينة القدس. وكان بإمكان هذه المواجهات أن تمتد إلى مناطق أخرى وأن ترتقي إلى انتفاضة شاملة لولا قوات أمن السلطة الفلسطينية التي قمعت هذه الاحتجاجات. كل ذلك مرشح أن يتسع.

نقطة ثالثة:  عودة النقاش حول الدولة الواحدة

ثمة جهود ومبادرات ناشطة لإعادة بناء الخطاب الوطني الفلسطيني وتعريف الصراع من جديد، وإعادة اعتباره صراعاً كولونيالياً استيطانياً وليس صراعاً على حدود. يشارك في هذه المبادرات ناشطون، وأكاديميون، وشباب طلائعيون من كل تجمعات الشعب الفلسطيني، من ضمن ذلك الفلسطينيون الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل لعام 1948. وتجدر الإشارة إلى حقيقة بأن الكثيرين من الذين كانوا قد التزموا بحل الدولتين وناصروا هذا الحل منخرطون الآن في هذا الجدال والبحث أيضاً. هؤلاء المبادرون إلى هذا البحث مدفوعون بالخوف من كون المشروع الوطني الفلسطيني بل الهوية الفلسطينية في خطر حقيقي وبشعور مُلّح بالنسبة لأهمية إحياء وبناء الخطاب الوطني الفلسطيني الذي يقوم على الحقوق التاريخية قبل فوات الأوان.

نقطة رابعة: تأثير المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل

إن نجاح الأحزاب السياسية الفلسطينية في إسرائيل في التوحد وتشكيل قائمة فلسطينية مشتركة في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة هو أمر استثنائي في المشهد السياسي الفلسطيني، بل وحتى في العالم العربي الأوسع.

وقد برزت القائمة العربية المشتركة بعد الانتخابات باعتبارها القوة السياسية الثالثة في البرلمان الإسرائيلي. وحدتنا هذه فاجأت وأدهشت الكثيرين  ومن ضمنهم أشقاؤنا في الأراضي المحتلة عام 67 وأولئك الموجودون في الشتات. وقد يكون ذلك بتأثير احباطاتهم من فشلهم في تحقيق الوحدة، وليس فقط بتأثير إدراكهم للثقل المتنامي لهذا الجزء من شعب فلسطين في الصراع… والآن لا تستطيع الأسرة الدولية أن تستمر في تجاهل حالة ومأزق هذا الجزء المنسي والمهمل طويلاً من الشعب الفلسطيني، الذي يشكل 20% من مجمل السكان في إسرائيل.

ومن الضروري أن ننتبه أن هناك شعوراً متنامياً بأن الفلسطينيين الباقين داخل إسرائيل يقتربون من نقطة التحول.

الفلسطينيون في “إسرائيل”

لم تنشأ القائمة العربية المشتركة من فراغ. إنها الحلقة الأخيرة في سلسلة التطورات السياسية والثقافية التي مرت بها “الأقلية الفلسطينية” في إسرائيل، المكونة من 1.4 مليون شخص، منذ انتفاضتها الشاملة التي استمرت يوما واحداً عام 1976 ضد سرقة الأرض والجهود الإسرائيلية لتجريدها من أرضها وحقوقها القومية. لقد أُخضعت “الأقلية الفلسطينية” في إسرائيل للحكم العسكري طيلة 18 عاماً (1966-1948). كذلك امتدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اندلعت عام 2000م، إلى الفلسطينيين في إسرائيل، ليصبح واقعها والظلم الذي تعيشه محط واهتمام اللاعبين الدوليين والإقليميين.

وقبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية جرى التغاضي عن إهمال مكانة ودور هذه الأقلية في الصراع. وقد عملت إسرائيل بدون كلل من أجل فصل مسألة حقوق هذا الجزء من شعب فلسطين عن قضية الفلسطينيين في المناطق المحتلة وأولئك الذين يعيشون في الشتات.

اليوم لم يبق للأقلية الفلسطينية سوى 3 % من أراضيها. ويشكل النقص الحاد في الأراضي خطراً جدياً، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، بالنسبة لمستقبل عشرات آلاف الشبان الفلسطينيين. فقد كتب بعض الباحثين الإسرائيليين مؤخراً أن تجاهل مشكلة “عرب إسرائيل” سيجعلهم قنبلة موقوتة وعامل عدم استقرار حتى بعد التوصل إلى حل يستثنيهم. فقد تحولت القرى والمدن الفلسطينية داخل إسرائيل إلى غيتوات بدون مصادر بديلة للمعيشة وللتطور الطبيعي.

ومع ذلك اتجه الفلسطينيون بأعداد كبيرة جداً إلى التعليم كبديل أو تعويض عن فقدان أراضيهم. ورغم أنهم يواجهون صعوبة جدية في دخول المعاهيد الأكاديمية أو في إيجاد عمل في المكاتب الحكومية والشركات، فإن الكثيرين منهم حققوا تقدماً في جهاز التعليم العربي وفي القطاع الإسرائيلي الخاص. ورغم ذلك، فإن البطالة مرتفعة، ونصف السكان الفلسطينيين في إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر.

لقد أحدث ارتفاع مستوى التعليم لدى الفلسطينيين في إسرائيل ارتفاعاً في وعيهم السياسي والتنظيمي. وخلال العشرين سنة الأخيرة ارتفع وبشكل كبير مستوى التفكير والتعبير السياسي، وبدأت الأحزاب السياسية بطرح تحدٍ للأسس الأيديولوجية العنصرية التي بُنيت دولة إسرائيل عليها. وأدركت الأقلية الفلسطينية بشكل خاص، وضعها المميّز بصفتهم فلسطينيون عرب ومواطنون إسرائيليون، وبناء على ذلك سلكوا طريق النضال الجماهيري والمدني السلمي والأيديولوجي في مواجهة الفكرة الصهيونية-العنصرية.

وفي الفترة ما بين عام 2013 وعام 2014 أرغم الفلسطينيون في إسرائيل الحكومة الإسرائيلية على إلغاء مخطط ترحيل عشرات آلاف الفلسطينيين البدو في جنوب البلاد من قراهم إلى مدن صغيرة. وقد تحقق ذلك من خلال نضال شعبي جماهيري ارتقى إلى مواجهات عديدة مع قوات الشرطة الإسرائيلية. ورغم ذلك فإن هدم المنازل ما زال مستمراً وسياسة التهويد الإسرائيلية تتصاعد.

في السنوات الأخيرة، في أعقاب الانتفاضة الثانية، وحين أصبح الفلسطينيون في إسرائيل أكثر تأكيداً لهويتهم القومية وأكثر إصراراً على تحقيق المساواة والمواطنة الكاملتين، أعادت الحكومة الإسرائيلية تصويرهم وتشخيصهم معتبرة إياهم طابوراً خامساً وتهديداً أمنياً وخطراً ديمغرافياً. وبدلاً من أن تتبع سياسات ديمقراطية ومساواتية، واصلت إسرائيل وبشكل ثابت اعتماد وتطوير سياسات أكثر عدوانية، وتبنت قوانين عنصرية سافرة وسياسة هدم البيوت ومصادرة الأراضي. هذه السياسات فاقمت غضب الفلسطينيين في إسرائيل. وتصاعدت هذه النزعة في ظل الحكومة اليمينية الحالية التي تسعى إلى تعميق استعمارها الكامل في كل فلسطين.

وخلال العقد الأخير شددت حكومات إسرائيل على معارضتها أيديولوجيا المساواة الكاملة لمواطنيها الفلسطينيين والانسحاب الكامل من المناطق المحتلة عام 1967 وحقوق اللاجئين. وعملياً لدينا اليوم دولتان: دولة يهودية أخرى داخل حدود عام 1948، ودولة يهودية يديرها المستوطنون والجيش في المناطق المحتلة عام 1967.

تطوير التحدي الأيديولوجي

ما هو الدور الذي يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل أن يلعبوه في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، أو بشكل أكثر دقة، في هزيمة نظام الأبارتهايد الاستيطاني هذا؟ من الواضح الآن أنهم جزء من الصراع ولذلك فإنهم أيضاً جزء من الحل. فسياسة إسرائيل التقليدية التي كانت تميز في التعامل بين الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر بدأت تتلاشى. هذه الحقيقة دفعت الكثيرين من المفكرين والناشطين وبعض القادة السياسيين إلى فحص جديد لمقاربتنا الخاصة بالعلاقات المستقبلية مع بقية الشعب الفلسطيني. فالروابط المشتركة تنمو وتتطور على الصُعُد الثقافية والاقتصادية والسياسية وبعض النضالات المشتركة. ويجب أن يُطور ذلك إلى مستويات عالية من التنظيم الواعي حول رؤية وأهداف واستراتيجية مشتركة، مع الأخذ في الحسبان خصوصيات كل تجمع من تجمعات الشعب الفلسطيني.

وكان حزب التجمع الوطني الديمقراطي. الذي تأسس عام 1995. هو الذي ابتكر صيغة سياسية جديدة تتحدى الصفة اليهودية لدولة إسرائيل، وتنادي بدلا من ذلك بدولة لجميع مواطنيها. حزب التجمع الوطني الديمقراطي هو الحزب الأخير الذي ظهر حاملاً صيغة جديدة وجذابة، معتمداً على انجازات أحزاب سياسية أخرى كانت موجودة، وما زال بعضها داخل إسرائيل، وعلى تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية والتجربة الإنسانية العالمية في مجال القيم العالمية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية. هذه الأحزاب هي: حركة الأرض، الحزب الشيوعي، حركة أبناء البلد، الحركة الإسلامية، الحركة التقدمية.

كان الدافع لتأسيس حزب يؤكد من جديد الهوية الوطنية للفلسطينيين في إسرائيل هو، في الأساس، التوقيع على اتفاقيات أوسلو. هذه الاتفاقيات اعتبرت الأقلية الفلسطينية عملياً شأناً إسرائيلياً داخلياً، وبالتالي هذه الأقلية تحت رحمة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ومُكرّسة عزلها عن بقية الشعب الفلسطيني وتهميشها داخل إسرائيل نفسها.

إن التحريض ضد الفلسطينيين في إسرائيل وأحزابهم وقياداتهم بلغ أعلى درجات الخطر. وكان التجمع ورئيسه السابق، عزمي بشارة، قد بدأ يتعرض لحملة عدائية شديدة بعد ظهوره على الساحة بسنوات قليلة، بسبب التعبئة الوطنية التي اضطلع بها، وبسبب دعوة الحزب إلى إلغاء الطابع اليهودي-الصهيوني للدولة الذي يوفر الامتيازات لليهود كشرط أساسي للمساواة الكاملة والعدالة الاجتماعية والقومية. هي دعوة تهاجمها السلطات باعتبارها نفياً لحق اليهود بأن يكون لهم دولة. الزعيم السابق للحزب، د. عزمي بشارة، الشخصية التي تميزت بقدرتها الفكرية والخطابية والسجالية، أُرغم على الخروج إلى المنفى عام 2007، حين واجهته المخابرات الإسرائيلية بتهمة مُلفقة، التعاون مع حزب الله. ولكن الكثيرين مؤمنون بأن  الدافع وراء المؤامرة ضد بشارة، وما زال هو وحركته يواجه ملاحقة ومضايقات،  هو قرار سياسي إسرائيلي هدفه التحرر من التحدي الذي طرحه أمام ما يسمى الديمقراطية الإسرائيلية. الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية، أمضى سنتين في السجن بسبب دوره السياسي، وبسبب نقله أموالاً للأيتام الفلسطينيين في قطاع غزة، الذي تحكمه حركة حماس، وما زال يتعرض للملاحقات.

ما العمل؟

 هناك حاجة ملحة للعمل، مفترضين زوال حل الدولتين الذي تتحمل إسرائيل مسؤوليته. عشرون عاماً مما يسمى مسيرة السلام أدت إلى نتائج كارثية: تكثيف الاستيطان، تعطيل م.ت.ف.، الجسم المركزي الذي شكل البيت المعنوي للفلسطينيين وقاد نضالاتهم وثورتهم حتى عام 1993، وتآكل روح المقاومة.

ولا مجال للخروج من هذا الطريق المسدود إلا باستعادة الوحدة الفلسطينية وإعادة بناء الخطاب الوطني الفلسطيني وصياغة الرؤية المشتركة.

جميع مبادرات المصالحة التي جرت تحت رعاية الدول العربية فشلت. آن الأوان لأن تكون جنوب أفريقيا (التي رفض زعماؤها صيغة أوسلو التي عرضت عليهم) مركزاً للحوار بين الفلسطينيين. لقد بات جلياً أن الانقسام بين الحركتين الفلسطينيتين الأساسيتين – حماس وفتح – أصبح راسخاً ومدعوماً بشبكة مصالح داخل كل حركة.

الطريق إلى الأمام تتمثل في المصالحة بين الأحزاب والأطراف الفلسطينية في قطاع غزة، في الضفة الغربية، إسرائيل، الأردن، لبنان وسوريا. وعملية المصالحة سوف تشجع المنظمات الشعبية ومنظمات المجتمع الأهلي أو الحراك من أسفل إلى أعلى- أو ما أصبح معروفاً لدى بعض الأوساط بالقوة الثالثة، التي تشكل الحامل الوطني للانتفاضة الثالثة التي طال انتظارها.

هذه المقاربة الجديدة تتطلب إقامة منظمات ولجان شعبية. المجتمع المدني والأحزاب الصغيرة والمنظمات النسائية، وبدرجة ليست أقل حركات الشبيبة التي يجب أن تكون لاعباً مركزياً في هذه المبادرة. هذه العوامل تستطيع المساهمة في الضغط على الحركتين الأساسيتين من أجل الانصياع للنداء الشعبي المطالب بالوحدة والانخراط في إعادة صياغة الخطاب الوطني الفلسطيني.

ما هي المسألة الفلسطينية

دعنا نتذكر أين بدأت المسألة الفلسطينية. إنها قصة كولونيالية كلاسيكية. في القرن التاسع عشر، حين كان الاستعمار سائداً ومسيطراً وجزءاً عضوياً من المركزية الأوروبية، جرى تأسيس منظمة أوروبية، أطلق عليها اسم الحركة الصهيونية، بهدف غزو فلسطين، ورغم معارضة يهود كثيرين لها، فإنها تقدمت إلى الأمام بمخططها الاستعماري في فلسطين بتأييد من الامبراطورية البريطانية.

وبخلاف نموذج الأبارتهايد في جنوب أفريقيا الذي استعان بالسود كأيدي عاملة رخيصة  فإن الحركة الصهيونية اعتبرت السكان الفلسطينيين الأصليين فائضاً عن حاجتها وعن متطلباتها. وفي عام 1948 طبقت الحركة الصهيونية ونفذت التطهير العرقي على نطاق واسع أثناء الحرب وبعدها. وقد جرى تحقيق ذلك من خلال ارتكاب المجازر ضد الفلسطينيين أو طردهم بالقوة من فلسطين، وهكذا ظل الفلسطينيون في غالبيتهم لاجئين حتى اليوم. عدد اللاجئين المذهل يقدر اليوم بنحو 7-6 مليون، معظمهم يعيش في ظروف قاسية في مخيمات في الأردن وسوريا ولبنان وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي تطبيقها للسياسة الصهيونية نجحت الحركة الصهيونية في الفصل ما بين الشعب الأصلي وبلده وأرضه، متنكرة لحقهم في العودة ولقرار الأمم المتحدة رقم 194.

وبقي داخل إسرائيل ضمن حدود 1948 حوالي 150 ألف فلسطيني. وتكشف الأرشيفات الصهيونية أن القيادة في دولة إسرائيل الحديثة ترددت في مواصلة سياسة الطرد، وذلك خوفاً من ردود فعل الأمم المتحدة التي اعترفت بإسرائيل قبل ذلك بوقت قصير. إن بقاء ووجود أقلية صغيرة من الفلسطينيين داخل حدود إسرائيل، والتي تحولت إلى أقلية كبيرة عدديًا، يعود إلى حدّ كبير إلى هذه المخاوف، أي من ردود الفعل السلبية من جانب الأسرة الدولية.

إن الصهيونية هي أيديولوجيا عنصرية واستيطانية، كما هو واضح من السياسيات الإسرائيلية التي تؤثر في صياغتها  العرق والديموغرافيا في فلسطين التاريخية. ولذلك إن انتقاد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل لحماية احتلالها ليس كافياً. فهذه الجرائم منبثقة عن أيديولوجيا عنصرية توفر الامتيازات لليهود وتخضع الفلسطينيين وتستعبدهم على أساس تشريعات عنصرية بالضبط مثل الاضطهاد الذي استخدمه نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا لدعم نظام الأبارتهايد.

الأمر المتوقع من أصدقائنا في جنوب أفريقيا هو ألا تكتفي بإدانة الأعمال الوحشية التي ترتكبها إسرائيل في المناطق المحتلة، بل نتوخى منها أن تدين أيضاً أيديولوجية الأبارتهايد الصهيوني، فهي المصدر الأساسي للاحتلال والفصل العنصري والتمييز المنهجي ضد الفلسطينيين والأساس الذي تستمد منه سياسة سرقة أراضي الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. في جنوب أفريقيا لم يكن كافياً الكفاح ضد جرائم الأبارتهايد وممارسته القمعية. كانت هناك حاجة للنضال ضد نظام الأبارتهايد نفسه والمطالبة بإلغائه من أجل ديمقراطية شاملة. وعلى نحو مشابه، نحن الفلسطينيين، نطالب بنزع الطابع الكولونيالي عن إسرائيل وتفكيك النظام العنصري البنيوي من أجل بديل ديمقراطي وإنساني شامل.

هذه هي توقعاتنا من أصدقائنا في جنوب أفريقيا: أن يطرحوا قضية نظام الأبارتهايد الصهيوني في جميع المحافل الدولية.

كما ونحث حكومة جنوب أفريقيا بأخذ زمام المبادرة، والمطالبة بفرض عقوبات اقتصادية وثقافية شاملة ضد إسرائيل.

شكرا لكم

 

لجنة المتابعة تدعو لمظاهرة يوم الجمعة 13\11 لمنع هدم قرية رمية الجليلية

remya-sign-arabic3_bulldoze_invitation_midrehov

لن نترك رمية وحيدة

لنقف معا ضد مشروع اقتلاع البقية الباقية من قرية رمية المحاصرة!

لنشارك في صلاة الجمعة بأرض رمية، ولنشارك بعدها مباشرة في التظاهرة الشعبية في شارع (المدرحوف) مقابل الكنيون بالقرب من بلدية كرميئيل الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الجمعة 13 تشرين الثاني وفي المظاهرة الجماهيرية الحاشدة في كرميئيل يوم السبت 21 تشرين الثاني.

يا جماهير شعبنا الأبي،

تقف أكثر من 50 عائلة، من أبناء شعبنا الصامد في وطنه، على الأرض الباقية من قرية رمية المحاصرة بمدينة كرميئيل، في وجه المرحلة الأخيرة من اقتلاع البقية الباقية من قرية رمية، وتشتيت الأهل، بعد تشتيت المئات من أبناء هذه القرية الصامدة على مر السنين الأخيرة. إذ تمارس المؤسسة الحاكمة بأذرعها المختلفة، مما يسمى بـ”دائرة أراضي إسرائيل” وبلدية كرميئيل، الضغوط على الأهالي للرضوخ والتوقيع على اتفاق لا يضمن مستقبل الأهالي على أرضهم، واشتدت الضغوط بعد صدور قرار المحكمة العليا الذي تماشى مع سياسة السلطات الاقتلاعية.

إن لجنة المتابعة التي ترافق نضال أهالي قرية رمية على مر السنين، تدعوكم لصلاة الجمعه على أرض رمية وللمشاركة في التظاهرة التضامنية مع أهالي القرية، في الساعة الواحده بعد صلاة الجمعة القريبة 13 تشرين الثاني في شارع (المدرحوف) مقابل الكنيون – في ساحة السوبر-فارم (بالقرب من البلدية).

وكذلك المشاركة بالمظاهرة الجماهيرية الحاشدة التي ستجري يوم السبت 21 تشرين الثاني في مدينة كرميئيل. فهذه أيام مصيرية بالنسبة لأهالي رمية، وعلى السلطات أن تعرف أن رمية لن تكون وحيدة في هذه المعركة، بل كل جماهيرنا تقف الى جانبها، فهذه ليست قضية قرية رمية وحدها، بل هذه قضيتنا جميعا، وغول الاقتلاع قد يصلنا الى بلدات أخرى، كما هو حاصل في النقب العربي.

إن لجنة المتابعة العليا تدعو الى أوسع مشاركة من جماهيرنا العربية ومن القوى التقدمية في الشارع الإسرائيلي للمشاركة في النشاطات الاحتجاجية والتضامنية مع أهالي القرية، وستتقرر لاحقا خطوات تصاعدية، بموجب التطورات على هذه القضية.

برافر ليس عنا ببعيد هلموا جميعكم لنكرر التجربه ولنصد مخططات الاقتلاع!

لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية

منتصف تشرين الثاني2015

انضموا للإيفينت على الفيسبوك، عمموه وادوا الأصدقاء!

فلسطين الديمقراطية: ما هو دور إعلان ميونيخ؟

palestine

مع احتدام أزمة المشروع الصهيوني الاستيطاني-الاستعماري  العنصري وتصعيد النضال الشعبي الفلسطيني، نصطدم الان وبكل وضوح بغياب رؤية وبرنامج وآليات للحل. آملين ان يأخذ الجيل الفلسطيني الجديد، الذي يقود اليوم نضالا بروح عالية من الاخلاص والتضحية والابداع، زمام العمل السياسي ويعيد بناء البنية التحتية للحركة التحررية الفلسطينية على أسس حديثة، متحررًا من حسابات وأخطاء وإخفاقات وهزائم الماضي. حيث لا بد ان يتركز تطوير الرؤية والحركة التحررية حول تحديد الهدف الا وهو: كيف ستكون فلسطين التي نسعى لبنائها والعيش بها؟ هنا بالضبط أقترح على الجميع الاطلاع على وثيقة عنوانها “إعلان ميونيخ من أجل إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية“. وبصفتي مشاركًا في صياغة هذه الوثيقة وفي العديد من المؤتمرات والمبادرات من أجل مشروع “الدولة الديمقراطية الواحدة”، سأحاول أشرح أهمية هذا البيان من خلال النقاط التالية:

 بيان وحدوي

لقد عُقدت حتى الان مؤتمرات عديدة وصُيغت بيانات ودراسات وكتب كثيرة حول مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين – وكل هذه أعمال مهمة وتغني الفكرة من نواحي عدة وضرورية. ولكن لقاء ميونيخ، الذي عُقد في ألمانيا، خلال حزيران- تموز 2012، لم يكن مؤتمرًا عاديًا بل ورشة عمل شارك فيها نشطاء من فلسطين (عربًا ويهودًا) وفلسطينيين من الشتات ومتضامنين عرب وأجانب. وتميّز هذا اللقاء، رغم عدد المشاركين المحدود الذي بلغ حوالي 35 ناشط وناشطة ، بالتنوع السياسي الذي تمثل بمشاركة ناشطين ذوي توجهات اسلامية وعلمانية، اشتراكية وليبرالية. وعمل الجميع، قبل اللقاء وخلاله وبعده، على ابراز الحد الأدنى المشترك بينهم ليتسنى للجميع العمل تحت سقف واحد من أجل هدف سامي مشترك وهو التحرر من الصهيونية والعيش المشترك أحرارًا في فلسطين الديمقراطية.

القول الفاصل

يستند اعلان ميونيخ الى تحديد معالم الدولة الفلسطينية العتيدة كدولة ديمقراطية تحمل راية التنوير وتؤكد على حق العودة للفلسطينيين كجزء من المشروع التحرري، ليس احقاقا للحق فحسب، بل تأكيدًا على أهمية تمكين اللاجئين الفلسطينيين وأبنائهم وأحفادهم من ممارسة هذا الحق بالعودة الفعلية الى ديارهم التي طردوا منها وإعادة ترميم حياتهم على المستوى الشخصي والجماعي والمشاركة الفعالة في بناء الدولة الجديدة. ان التركيز على عودة اللاجئين الفلسطينيين كحق مشروع وممارسة فعلية يشكل فرقا جوهريا بين كل من يطرح مشروع تحرري حقيقي وبين أولائك الذين ينادون بمشروع آخر انهزامي يدعو الى “دمقرطة” الكيان الصهيوني العنصري والاندماج فيه.

إضافة الى ذلك يطرح اعلان ميونيخ مبدأ “الفصل بين الحكومة والدين” وضمان حرية الدين و العباده للجميع كأسس للتفاهم والعمل المشترك بين العلمانيين والاسلاميين ضمن حركة تحرر واحدة.

الاختلاف عن غيرها

لا ينطلق ميثاق ميونخ من نفس المنطلقات التي اعتمدها كثيرون من “دعاة الدولة الواحدة” منطلقين من فكرة “استحالة إزالة المستوطنات” أو أنهم لجأوا إلى هذا الحل “لأن اسرائيل أفشلت حل الدولتين”. هنا يجب أن ننتبه ان هذا المنطق يأخذ ميزان القوى القائم كنقطة انطلاق. متناسين انه لا يوجد حلٌ، أي حل، دون تغيير ميزان القوى بواسطة الصراع على الأرض. والصحيح هو أنه وفي ظل الهيمنة الصهيونية، فانها لن تتيح بأي حال حياة كريمة لسكان الأرض الأصليين العرب الفلسطينيين بل تعمل دائمًا على قمعهم واقتلاعهم.

مشروع الدولة الديمقراطية يتطلب هزيمة المشروع الصهيوني ولذلك يبقى السؤال الملحّ والأساسي في صياغة الحل هو ليس ما تسمح به اسرائيل، بل كيف سنختار حياتنا بعد التخلص من نظامها القمعي.

الروح الإيجابية

المعادلة الأساسية في اعلان ميونيخ تقول أن التحرر من الصهيونية يعني التحرر من مجمل النظام والفكر العنصري العدواني القمعي الذي أسسته في فلسطين وأن فلسطين الديمقراطية ستكون نقيضًا لكل هذا الظلم بكونها رمزًا للحرية والديمقراطية والمساواة. وبهذا الشكل يطرح الإعلان صيغة إيجابية تشمل استرجاع جميع الحقوق الفردية والقومية المسلوبة للفلسطينيين مع محاولة صادقة لتحرير السكان اليهود في فلسطين من الفكر الصهيوني ومن الارتباط بالنظام العنصري  من خلال السعي إلى نظام يضمن للجميع الأمن والمواطنة الكاملة وحياة أفضل مما هو قائم  اليوم تحت هذا النظام.

خير الكلام ما قلّ ودل

عندما نبني حركة جماهيرية من المهم أن نتفق على ما نسعى إليه، ومن المفضل أن يتفق الناس على صيغة بسيطة وقصيرة يقرأها الناس من أولها الى اخرها… وهذا أحسن من ما نتفق على نص طويل ومنمق بعبارات منتقاة لكن لا يقرأه ولا يفهمه إلا قلّة من الناس. أما نحن فقد سعينا خلال صياغة اعلان ميونيخ الى اختصاره بصفحة واحدة يفهمها الجميع…

لأنه أثبت نجاعته

كما أرى من أهم انجازات لقاء ميونيخ هو روح الموضوعية والتواضع التي سادت مع قرار المشاركين عدم الإعلان عن “حركة من أجل الدولة الديمقراطية الواحدة” بل على تبني نداء للحوار والتنسيق والتعاون بين جميع الحلفاء في فلسطين والشتات…

وعلى هذا الأساس قد عُقدت لقاءات عديدة في مختلف أنحاء فلسطين اضافة الى مؤتمر في زيورخ عام 2014. وتم من خلال هذه اللقاءات تشكيل مجموعتين هما “مجموعة يافا من أجل الدولة الديمقراطية الواحدة” ثم تلاها تشكيل “الحركة الشعبية للدولة الديمقراطية الواحدة على أرض فلسطين التاريخية“، كما تم تشكيل مجموعات ناشطة أخرى في بريطانيا والولايات المتحدة. وبرغم أن هذه المجموعات ضمت بين صفوفها عناصر ذات خلفيات وعقائد متباينة، وأن كلها أصدرت بياناتها التأسيسية الخاصة بها، فلكن كلها متفقة على اعتبار “إعلان ميونيخ” قاسما مشتركا يحدد جوهر مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة.

حتى إشعار آخر

بعد تاريخ طويل من النضال البطولي الذي جعل فلسطين رمزًا للحرية في العالم، فاننا نحتاج اليوم إلى إعادة صياغة الرؤية وإعادة هيكلة الحركة التحررية الفلسطينية…  وهذه مهمة ملقاة على عاتق الجيل الجديد، الذي حتمًا سنراه ونسمعه ونقرأه معبرا عن آماله وأمانيه بلغته الخاصة… فيما نحن كل ما نستطيع أن نقدمه له من تجربة الماضي ليس سوى مساهمات واجتهادات، آملين أن تفيده لا أن تقيّده.

* * *

إعلان ميونيخ لأجل إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية

ميونيخ، ألمانيا، 29 يونيو – 1 يوليو، 2012

تقام الدولة الديمقراطية الواحدة في كامل أراضي فلسطين التاريخية ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن كدوله واحده ينتمي لها جميع مواطنيها بما في ذلك أولئك الذين يعيشون حاليا هناك وجميع الذين هُجروا خلال القرن الماضي و كل المنحدرين منهم . يتعين على البلد أن تكون دولة مستقلة ذات سيادة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوق متساوية ويمكن للجميع العيش في حرية وأمن.

الدولة الديمقراطيه الواحدة في فلسطين تُنهي التطهير العرقي والاحتلال وجميع أشكال التمييز العنصري الذي عان منها الشعب الفلسطيني تحت الصهيونية / إسرائيل.

يجب على فلسطين الموحدة أن تكون دولة ديمقراطية مدنية يتمتع فيها جميع مواطنيها بحقوق متساوية في التصويت والترشح للمناصب والمساهمة في إدارة الحكم في البلاد. لا يجوز لأي قانون أو مؤسسه أو ممارسة أن تميز بين مواطني الدوله على خلفية العرق أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين، أو الرأي السياسي أو غير السياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو مكان الميلاد أو أي وضع آخر.

تقام الدولة على مبدأ الفصل بين الحكومة والدين.  لن تُنشئ أو تمنح الدولة امتياز خاص لأي دين ولكن تضمن الممارسة الحرة لجميع الأديان.

أحد الأهداف الرئيسية للدولة الجديدة هو تمكين اللاجئين الفلسطينيين وكل المنحدرين منهم من تحقيق حقهم في العودة إلى جميع الأماكن من حيث طردوا منها وإعادة بناء حياتهم الشخصية والإجتماعية والمشاركة في بناء الدولة الجديدة.  تتم استعادة الممتلكات الخاصة للاجئين الفلسطينيين وترتيبات العودة والتعويض واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني مع احترام المساواة في الحقوق والحماية لجميع المواطنين بموجب القانون.

تكون الأراضي الأميريه ملكاً للدولة ويملك جميع مواطنيها حقوقاً متساوية في استخدامها. يتم ادارة الأراضي والموارد الطبيعية والبنية التحتية العامة لصالح جميع المواطنين بطريقة متساوية ومتكافئة وبدون تمييز.

توفر الدولة المناخ المناسب لحرية التعبير لكل مواطنيها. تضمن الدولة ازدهار جميع اللغات والفنون والثقافات بحريه.  لكل المواطنين الحق الكامل في ملابسهم التقليدية واستخدام لغتهم والتعبير عن ارثهم الحضاري بدون تمييز.

يحق للمواطنين فرص متساوية للعمل على جميع المستويات وفي جميع قطاعات المجتمع. يجب الا تحدد الوظائف او تحجب على اساس الجنس أو العرق أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. يجب الا يتم الفصل بين المواطنين  في التعليم والتدريب المهني أو تخصيصها بطريقة تعيق تكافؤ الفرص لجميع المواطنين في الحصول على الوظائف والفرص لتحقيق طموحاتهم واحلامهم.

يجب على الدولة احترام القانون الدولي والسعي للحل السلمي للنزاعات من خلال المفاوضات والأمن الجماعي وفقا لميثاق الأمم المتحدة. ستقوم الدولة الواحدة بالتوقيع والتصديق على جميع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية كما وردت في المواثيق ذات الصلة بالأمم المتحدة وستعزز مكافحة العنصرية. يجب على الدولة السعي والمساهمة في اقامة منطقة الشرق الأوسط الخالية من جميع أسلحة الدمار الشامل.

مؤتمر ميونيخ يدعو النشطاء أن يتحدوا لإنشاء حركة دولية فعاله بناء على رؤية مشتركة تجمع  جميع البيانات الحالية والمبادرات العالمية للدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 32 متابعون آخرين