Skip to content

فرحة الفقراء

Kubani_defenders

أكتب هذه السطور مع اشتداد معارك الدفاع عن مدينة كوباني – عين العرب – حيث تتحصّن المدافعات والمدافعون الأكراد والعرب للتصدي لهجوم القتَلة الجهَلة الذين يسمّون أنفسهم “الدولة الاسلامية”. أمَلي هو ألاّ تسقط كوباني، وألاّ تُرتكَب هناك مجازر، وأن يعود مئات آلاف المهجّرين بسلامة من حياة اللجوء إلى الحياة الآمنة في بيوتهم، في المدينة وقراها… كما أرجو للمقاتلات والمقاتلين، من يستشهد منهم ومن يبقى على قيد الحياة، أن يكون انتصارهم نقطة تحوّل لصدّ حملة القتل والاحتلال والمجازر الجنونية التي راح ضحيّتها أكثر من مائتي ألف سوري من جميع الفئات والمناطق.

معركة الدفاع عن كوباني ضرورية ومصيرية – ولكنها جزء من معركة أكبر منها بكثير، هي معركة الدفاع عن مستقبل منطقتنا.

إن تركيز أضواء الإعلام في كل وقت وزمان على زاوية واحدة من هذا الصراع التاريخي – لا يمكنه أن يُخفي حقيقة أنها معركة واحدة ومستمرّة في كلّ الساحات والميادين وفي مختلف بلدان المنطقة. وفي كل ساحة من ساحات هذه المعركة نجد أطرافًا مختلفة وتحالفات متغايرة… ويسأل المتفرّج نفسه (وكلّنا متفرّجون على هذه المعركة، مع أن موضوع هذا الصراع يتعلق بمصيرنا وبمستقبلنا) أين الحق؟ وهل فعلاً بقى طرف على حقّ في كلّ هذه المعادلة.

أومن أن التغيير ضروري، وواثق أنّ دولة الظلم ساعة، وأن الحرية والاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لن تتحقّق إلاّ بفضل نضال وتضحيات الجماهير الشعبية – كما أومن أن المحرّك الرئيسي للحراك الشعبي الثوري ليس الفقر واليأس وإنما هو الأمل والإيمان بإمكانية التغيير. ومن هذا المنطلق، أريد أن الفت نظركم من هذه الصفحات إلى بعض صور الفرح التي شهدناها في هذه الأيام العصيبة… وقد تكون إشارة إلى مرحلة قادمة من الانتصارات والسلم والمستقبل المشرّف.

صورة من فجر ليبيا

الصورة المفرحة الأولى التي أحب أن أشاركها معكم، هي بالأحرى فيلم، إنها فيديو شاهدته على البي.بي.سي. (من 31 آب 2014)، يبيّن سيطرة ميليشيات “فجر ليبيا” على عمارة السفارة الأمريكية في طرابلس – ليست المشاهد مشاهد العنف أو الغضب وإنما هي مشاهد تُظهر فرحة الفقراء وبسطاء الناس يقتحمون القلعة المحصّنة ويدوسون بأقدامِهم عظمَتها – إنهم يسبحون في “بركة العظماء”:

Tripoli_Swimming_Pool_Jump

Tripoli_Swimming_Pool_Jump_Splash

أرى لهذه المَشاهد قيمة رمزية بالنسبة للربيع العربي، قيمة لا تقّل أهمية عن رمزية سقوط الباستيل في الثورة الفرنسية، أولاً لأنّ سفارات أمريكا كانت وما زالت معاقل القوة الحقيقية في منطقتنا؛ وثانيًا، وهذا أيضًا مهمّ، لأن نرى الشعب “طاير من الفرح” ويثبت قدرته ويخلق أمواجًا لا يُستهان بها في حوض سباحة “العظَماء” …

لقد سيطرت ميليشيات “فجر ليبيا” خلال شهر آب على العاصمة طرابلس بالرغم من قصفها من قبل طائرات أجنبية “مجهولة” وبالرغم من تعاون البرلمان المنتخب ودعوته إلى التدخل الأجنبي لقمع شعبه…

أفكار الفقراء

يعلم الجميع أن الدولة العربية الأكثر فكرًا هي اليمن، ويُحتمل أيضًا أن شعب اليمن هو أكثر الشعوب العربية تسليحًا… ولذلك تميّزت ثورة اليمن بالحذر الشديد من كل الأطراف – لأن كلّ طرف يستعمل القوة مدركًا أنه سيأتي الردّ من خصومه… لقد كانت ثورة اليمن عام 2011 في غالبيتها سلميّة، وعندما حاول الرئيس علي عبد الله صالح قصف مواقع المعارضين له قُصف بيته وأجبر على الرحيل.

لهذا السبب ظهر وكأنّ ثورة اليمن انتهت بـ”التعادل السلبي” وتسلم نائب الرئيس، عبد ربّه منصور هادي، الرئاسة لمرحلة انتقالية دون حلّ أيّة مشكلة من مشاكل البلد؛ ولكننا في شهر أيلول فوجئنا بخبر سيطرة حركة الحوثيين (“انصار الله”) على العاصمة صنعاء من خلال حركة احتجاج جماهيرية وميليشيات مسلحة. وفي الصور نراهم يحتفلون بالانتصار فوق مدرّعات الجيش… كأولاد فقراء من القرى أتوا في يوم العيد إلى المدينة ليمرحوا ويسرحوا فيها:

Huthiyin_in_Sanaa_KidsHuthiyin_in_Sanaa_Tank

أعترف أنني لا أعلم الكثير عن الحوثيين وعن حركتهم، ومنذ سنين يظهر “تمرّدهم” في نشرات الأخبار وكأنه قضية محلية في منطقة بعيدة في شمال اليمن، وشاهدناهم محاصرين وملاحقين من قبل جيش اليمن.

لذلك فوجئت كيف أصبحوا بين عشية وضحاها سادة العاصمة. لقد رأينا كيف وقّع الرئيس الهادي على “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” معهم. ونرى بأمل كيف من خلال هذا الاتفاق فرض تمرّد الحوثيين على الفئات الحاكمة في اليمن ليس فقط مشاركتهم في الحكم وأخذ مطالبهم بالحسبان، وإنما أيضًا فرض إشراك الحراك الجنوبي ومعالجة قضايا جنوب اليمن.

ديمقراطية الشعب المسلَّح

لستُ من محبّي التسلّح والعنف، ولكن إذا رجعنا إلى أغنية زياد الرحباني “الله ينجّينا من الآت“، فإننا نتذكّر مصير هذا المسكين “بو سعيد” -

قالوا لي عن بو سعيد – حكمو كريزة نهار العيد
صْريخو كان يعلى ويزيد – ما فتحوا باب الحديد
وعَ باب المستشفى مات – ألله ألله ألله…

ألله ينجّينا من الآت

إنّ عُنف الباب المغلق الصامت هو في نظري أشدّ وأشرس من عُنف اليد الذي “تدقّه” لكي يفتح …

جنون السلاح الذي تشهده الولايات المتحدة يعود تاريخه إلى أيام “حرب التحرير” التي خاضها المستوطنون هناك ضد حكم بريطانيا. لقد آمنوا أن الشعب المسلّح يستحيل قمعُه…

الأفضل هو أن تقوم دولة المؤسّسات وتحمي مصالح الشعب من خلال دستور يعبّر عن سيادة الشعب، يحترم حقوق الإنسان ويكفل حرية التعبير والتنظيم والانتخابات الديمقراطية؛ ولكن النخبة الحاكمة لن تسمح بذلك، وهي مستعدة لاستخدام العنف إلى أقصى الدرجات لكي تحمي مصالحها الذاتية وتقمع الشعب الذي تحتقره ولا ترى به إلاّ خطرًا يهدّد امتيازاتها.

لذلك، ومن أجل إحداث التغيير الديمقراطي، لا بدّ أن يتغيّر ميزان القوى بين النخبة الحاكمة وبين عامّة الشعب، وأن تفقد الفئة الحاكمة قدرتها على احتكار العنف والسلاح لكي تتفوّق قوة الشعب المسلح على قوة حكامه… لقد حصل هذا في ليبيا، وحصل في اليمن، ولم يحصل – حتى الآن – في بقيّة البلدان العربية.

الحد الأدنى من برنامج الثورة

يمكن أن يسألني سائل: مع من أنت في هذه الحرب، و”فجر ليبيا” محسوب على “الإسلاميين” السنّة، أمّا الحوثيّون فهم من “الشيعة” و”أتباع إيران”؟ وما لك أنت، كيساري، تفرح بفرحة أيّ منهما؟

أجيب: إنني كيساري أفرح مع الناس وأكره الظلم في كل مكان من أي طرف جاء… والثورة لا تأتي لكي تحقق أحلامي أو تطبق نظرياتي، بل هي انفجار الغضب الشعبي بوجه الظالمين. وأجيب: أنه يمكن للإنسان المتديّن أن يثور ضد ظلمه في إطار سياسي-ديني ويطالب بالحق وبالعدالة – كما يمكن لشخص آخر (متديّن أو غير متديّن) أن يقاوم الظلم من خلال إطار قومي أو طبقي أو ديمقراطي – والحرية التي نطالب بها هي حرية واحدة وللجميع.

الحد الأدنى المطلوب اليوم هو أن يعمل الجميع من كل الفئات ومن حاملي كافة العقائد على خلق وضع سياسي جديد يتّسع للجميع دون إقصاء – وهنا الفرق الفاصل بين الذين يثورون لنيل حريتهم وبين الذين يقاتلون لإقصاء الآخرين.

نرى ميليشيات شعبية مثل فجر ليبيا أو الحوثيين وهي تسيطر على مدينة فلا نسمع عن إعدامات ولا عن اعتقالات جماعية ولا نرى بالتالي حركة نزوح لمئات الآلاف من الموطنين… وهذا لا يعني أن كل شيء تمام وأنه لم تُرتكب أخطاء أو حتى جرائم من قبل أي منهما أو من قبل أفراد منهما، وأي خطء لازم أن يصحح وأي جريمة واجب عقاب منفذيها.

وفي ختام كلامي أعود وأقول، إن الشعوب العربية وغيرها من شعوب المنطقة تثور لأجل حريتها ولا يوجد ضمان لهذه الحرية إلاّ بفرحة وقوة وشجاعة وحكمة هذه الجماهير الشعبية.

بين أيام الغضب…

Day_of_Anger_Nazareth

نحتاج أيامًا للمحبة والتكاتف الاجتماعي وصياغة المستقبل

رسمت الحراكات الشبابية صفحات مهمة في تاريخ نضال الجماهير العربية الفلسطينية خلال السنتين الأخيرتين، وكان عنوانها الرئيسي “أيام الغضب”.

أنشر هذا المقال من منطلق النقد الإيجابي والبناء لتجربة الحراكات الشبابية (في المناطق المحتلة منذ 1948) خلال هذه المرحلة. وآمل بأن يثير نشره حوار رفاقي في منتهى الصدق والصراحة لكي نشارك جميعًا في توحيد جهود كل الحراكات وتوسيع مجال نشاطها لكي تصبح قادرة علة مواجهة كافة التحديات…

واشكركن\م على أي تصحيح أو إضافة أو ملاحظة أو رد…

غضب الشباب أسقط مشروع برافر

كانت تجربة الحراك لإسقاط “مشروع برافر” هي الأبرز في هذه المرحلة… وقد تميّز هذا الحراك في اختيار الهدف وهو مرحلة نوعية خطيرة من مشاريع التطهير العرقي الصهيونية وبدأ الحراك بالتصدي لهذا المشروع وهو في مراحله الأولى – مراحل التخطيط والتشريع وقبل أن يدخل حيز التنفيذ.

أعْلِن يوم الغضب الأول لإسقاط مشروع برافر ليوم 15 تموز 2013، متزامنًا مع دعوة لجنة المتابعة للإضراب العام، ولحقه يومٌ غاضبٌ ثان في الأول من آب 2013. أمَا يوم الغضب الثالث فقد كان في الثلاثين من نوفمبر-تشرين ثاني 2013 وشملت الدعوة له النداء لمظاهرات مركزية في النقب وغزة والقدس ورام الله وحيفا.

كانت مظاهرة حيفا عظيمة وأثبتت الروح النضالية الجديدة بين أوساط الشباب، ولكن أعتقد أنّ العامل الحاسم الذي أدى إلى إسقاط  مشروع برافر هو التلاحم الذي ظهر في مظاهرة حورة في النقب بين شباب الحراك وبين جماهير النقب وقد اثبت هذا التلاحم للحكومة أن الاستمرار في مشروعها العنصري يمكنه أن يؤدي لاندلاع انتفاضة جديدة بين مئات آلاف عرب النقب.

Demonstration_in_Haifa

بين الهدوء والعاصفة

الانتصار الكبير، والسريع نسبيًا، بإسقاط مشروع برافر، خلّف وراءه مشاعر الفخر والاعتزاز والإحساس بالقوة وإمكانية التأثير والتغيير، ولكنه خلف أيضًا نوعًا من الغموض بالنسبة للخطوات القادمة… هل يمكن لمن أوقف برافر أن يحسم معارك سياسية أكبر وأهم؟ وإذا استوجب الأمر أن تكون الخطوة القادمة أقوى من سابقتها، فمن أين نبدأ؟

من المفارقات أن انتصار حراك برافر خلّف مرحلة من التقوقع والهدوء النسبي، كنا نعمل فيها على تحريك نضالات جماهيرية في قضايا ضرورية مختلفة وكان رد فعل الشباب أن لا تُحلّ هذه القضية أو ذاك إلا بانفجار الغضب الجماهيري، ولكن مفتاح هذا الغضب ليس بيد أحدٍ، وصار انتظار هذا الغضب يُظهر العمل السياسي والنضالي اليومي كأنه غير مجدي.

واستمرت هذه الديناميكية السلبية حتى إضراب الأسرى الإداريين الذين خاضوا الإضراب عن الطعام منذ 24 نيسان 2014، وفرَضَتْ أوضاع الأسرى المتدهورة نتيجة للإضراب على الشباب التحرك دون مراعاة ميزان القوة والظروف ومن ثم إقامة حراك جديد، تحت اسم “اغضب!” والأخذ بنشاطات ميدانية ومحلية للتحضير ليوم غضب جديد. ولم يأتِ يوم الغضب المخطط للتضامن مع إضراب الأسرى إلا يوم الجمعة 27 حزيران 2014، بعد أكثر من شهرين من الإضراب وبعد إعلان إغلاق الإضراب.

كانت مظاهرة يوم الغضب للتضامن مع الأسرى في أم الفحم افتتاحًا لمرحلة سياسية جديدة مع موجة الغضب الجماهيري التي أشعلها مقتل الطفل المقدسي محمد أبو خضير حرقًا. واستمرت مرحلة الغضب الجماهيري واتسعت مع الاجتياح الصهيوني الحاقد لقطاع غزة وحملة المجازر ولإبادة ضد أهليها، وشمل الغضب مظاهرات جماهيرية ومواجهات بين الشباب والشرطة في العديد من المواقع منها مجد الكروم وسخنين وطمرة وشفاعمرو والناصرة وأم الفحم وعرعرة والطيبة والنقب وحيفا وغيرها من المناطق المحتلة منذ 1948، إلى جانب الانتفاضة الشعبية في القدس المحتلة ومظاهرات الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية التي ضحى فيها العشرات من الشهداء بأرواحهم.

وكانت حصيلة أيام الغضب في مناطق الـ48 حوالي 1000 معتقل وتقديم لوائح الاتهام بحق المئات من الشباب وتمديد الاعتقالات بالجملة ولا يزال العديد من الشباب قيد الاعتقال  إمّا في السجون أو في الحبس المنزلي.

حراك لكل الأيام

قبل أن يوقف العدوان على غزة استنفذت حملة الغضب الجماهيرية وُقود حماس الشباب وها نحن نشهد اليوم مرحلة أخرى من الهدوء النسبي…

من الضروري ألا يتوقف الحراك بين أيام الغضب وبين أمواج التصعيد الجماهيري.

أول من يستحق أن نتحرك من أجله هم الشباب المناضلون الذين شاركونا في المظاهرات وأيام الغضب وكان من سوء حظهم أن يقعوا بيد الشرطة وهي تلاحقهم في المحاكم. وإذا اقصر التضامن معهم على الزيارات والتواصل ومتابعة المحاكم فهذا أضعف الإيمان. ولكن بين الحد الأدنى وبين الحالة الثورية في مراحل كثيرة من التنظيم والترتيب وتحسين الأداء، وليس من البعيد أن نطلب بناء حركة جماهيرية تتحمل مسؤولية تنظيم عمل المحامين المتطوعين وتضمن المرافعة القانونية لكل متظاهر.

كذلك الأمر بالنسبة لباقي قضايا الجماهير… الغضب الجماهيري ليس حلا سحريًا بل وسيلة من وسائل النضال. جماهيرنا تعاني من العديد من ظواهر التمييز والملاحقة والظلم في جميع مجالات الحياة ولا يمكن أن تمنح ثقتها لحركة جماهيرية لا تدافع عن حقوقها اليومية في كافة المجالات… ولكي يصبح الحراك الشبابي حراك كل الناس عليه أن يتبنى ويُطوّر كافة أشكال النضال في الصبر والمهنية إلى جانب الإخلاص والاستعداد للتضحيات.

ولا يغيب عنّا أن العنصرية والقمع والنهب والتشريد ليست ظواهر عابرة بل هي من طبيعة النظام… ولن تختفي من خلال “حركة احتجاج” – مهما كانت قوية وجماهيرية – فالمطلوب هو التغيير السياسي… المتمثل بإسقاط نظام الظلم وفي بناء البديل له، البديل الذي يضمن العودة والحرية والعدالة. فبعد ضياع البوصلة عند العديد من القوى السياسية نتمنى أن يحمل الشباب هذا الحلم إلى حيز التنفيذ.

حيفا 6\10\2014

Day_of_Anger_in_the_NaqabDetainees_and_Police_in_Haifa

ندوة في خيمة الاعتصام في رمية مع عالم الاقتصاد الدكتور سامي ميعاري عن الأبارتهايد الاقتصادي وسُبل مقاومته

Economist_Dr_Sami_Miaari

نُشر هذا التقرير في صحيفة كل العرب يوم 24\9\2014

إن حالة أهل قرية رمية الجليليّة هي التجسيد الأوضح لنظام الأبارتهايد الذي يعاني منه العرب الفلسطينيون: فهم يعيشون في أكواخ، بلا كهرباء، بلا طرق معبّدة، وهم محاطون من كلّ الجهات بالعمارات الحديثة لمدينة كرميئل اليهودية المرفّهة… ولا يملكُ سكان رمية حتى أرض أجدادهم التي يسكنون فوقها حيث صودرت منذ 1976 بحجة “احتياجات الجمهور” – أو الحاجة لبناء أحياء جديدة للأغراب على أراضيهم.

في هذه الأيام تخوض بلدية كرميئل حربًا اقتصادية لاقتلاع أهالي رمية المرابطين على أرضهم، وتضع قوانين خاصة تمنع إدخال الماعز والأغنام إلى أرض البلد، وتبعث المفتشين لمراقبة أهل البلد ومخالفتهم ومحاكمتهم على كلّ كبيرة وصغيرة.

فرضت هذه الظروف الصعبة على أهالي رمية الصمود والنضال، وقد التفّت حولهم نخبة من الناشطات والناشطين من سكان المنطقة، ليحوّلوا رمية إلى رمز لمقاومة الأبارتهايد في الجليل، وليبحثوا عن كلّ السبل لفكّ الحصار الخانق المفروض على الأهالي ولمنع ترحيلهم.

في هذا السياق بادرت “مجموعة أصدقاء رمية” إلى إقامة ندوة مع عالم الاقتصاد الدكتور سامي ميعاري حول الأبارتهايد الاقتصادي وسُبل مقاومته، وذلك مساء الأحد 25\5 في خيمة الاعتصام. ونظرًا لأهمية الموضوع أقدّم فيما يلي ملخّصًا يشمل التحليل الذي عرضه د. سامي وبعض الأفكار التي ناقشها الحاضرون في الندوة.

مفهوم “الاقتصاد الثانوي”

بدأ د. سامي تحليله للاقتصاد العربي داخل الخط الأخضر بتعريفه كـ”اقتصاد ثانوي” يرتبط كليًا بالمركز الاقتصادي الصهيوني، ويفتقد كلّ مقوّمات النموّ والتطور. فمن ناحية الموقع يتميّز الاقتصاد العربي في إسرائيل بأنه بعيد عن فروع الاقتصاد الأساسية، ومن ناحية الدور هو يقدّم خدمات للاقتصاد الرئيسي المتمركز في تل أبيب، وفي فترات النموّ الاقتصادي حيث تزداد الحاجة إلى الأيدي العاملة يأتي العامل العربي ليسدّ الفراغ، ولكن في فترات الانكماش الاقتصادي يكون هو أوّل من يخسر مكان عمله. نتيجة لهذه الهامشيّة والتبعيّة فإن الاقتصاد العربي في الوضع الحالي عاجز عن توفير الحدّ الأدنى من الرفاهية والاستقرار للمواطنين. وبالمقارنة، نوّه د. ميعاري إلى نمط اقتصاديّ شبيه في ثانويّته، هو اقتصاد السّود في الولايات المتحدة قبل عقود؛ لكن في مجتمعنا العربي لا نرى حتى اليوم البوادر أو الخطة لخلاص الاقتصاد العربي من هذا الموقع المهمّش…

التمييز المنهجي

لا شك أن السبب الرئيسي لضعف الاقتصاد العربي هو سياسة التمييز العنصري المنهجي الذي تتبعه دولة إسرائيل بكلّ حكوماتها المتعاقبة. أهم عناصر هذه السياسة هو مصادرة الأراضي العربية- المستمرّة حتى اليوم- حتى أصبح العرب الفلسطينيون داخل “الخط الأخضر” يملكون 2.7% فقط من الأراضي بالرغم من كون هذه لأراضي كلّها أرض عربية وبالرغم من كونهم أكثر من 20% من السكان داخل الخط الأخضر.

ويمتدّ التمييز العنصري إلى كلّ أشكال الاقتصاد: توزيع ميزانية الدولة، إلى رسم السياسات الضريبية، وتصنيف مناطق أولويّة التطوير الاقتصادي، وتحديد مناطق نفوذ اللسلطات المحلية والتي تنشأ عنها مشكلة إسكان حادّة إذ لا تكفي المسطّحات الحالية لتلبية احتياجات النموّ السكاني العربي، والتمييز في مجال التعليم ومحلات العمل والبنية التحتية، والخدمات مثل الصحة والمواصلات العامّة وقروض الإسكان، بل في الرواتب حيث يتقاضى العربي أجرًا أقلّ من اليهودي لقاء العمل نفسه، وغير ذلك… وممّا يجب التشديد عليه، أنّ سياسة التمييز العنصري لا تعني فقط أن الأفضلية في المجالات المذكورة هي لليهود، وإنما هي تعني في الواقع أن المتاح للعرب هو أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى المطلوب لتلبية احتياجات الحياة بكرامة.

العمل الذاتي

ورغم صعوبة الوضع وإلقاء اللّوم الرئيسي على النظام، ركّز د. ميعاري في محاضرته على أهمية العامل الذاتيّ وعلى فرص التغيير والتأثير على أوضاعنا الاقتصادية من خلال الوعي والمبادرة والمهنية والتعاون بين كل الأطراف الفاعلة في المجتمع لأجل المصلحة العامّة – مشدّدًا على أنَّ الخطوة الأولى في كلّ مخطط اقتصادي تبدأ بالإدراك والتحكّم بالمصاريف، لأن التوفير في مصاريف الاستهلاك يفتح الباب للاستثمار الاقتصادي المنتج الذي يمكنه أن يرجع بالفائدة أضعاف تكلفته. وللتدليل على لوجود القدرة ولكن في الوقت نفسه غياب الوعي والتوجيه نحو الاستثمار، ذكر ظاهرة الهدْر المالي المتجسّدة في المبالغة في الإنفاق على الأعراس، وخلال شهر رمضان الذي تنفق فيه العائلات أربع أضعاف الإنفاق في الشهر العادي.

وأكّد أن أهمّ المؤسسات التي يمكنها أن تبادر وتقود العمل لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمجتمع العربي هي السلطات المحلية، لأنها منتخبة من قبل الجمهور العربي ولأنه توجد تحت تصرفها مؤسسات مهمة ومركزية. ولكن المشكلة تكمن في أنه غالبًا لا تتوفر لديها الكفاءات المهنية، وأحيانًا يكون انتخابها لاعتبارات ليس لها علاقة بالكفاءة  والقدرة على إدارة المجالس ووضع وتنفيذ المشاريع التطويرية.

وذكر د. ميعاري مثال مشروع بناء مراكز رعاية صحّة الأمهات والأطفال، الذي رصدَت له حكومة إسرائيل ميزانية 300 مليون ش.ج. ولا تقدّم معظم السلطات المحلية العربية الخطط المطلوبة للاستفادة من هذا المشروع؛ وكانت النتيجة أن الميزانية أعيدت إلى خزانة الحكومة… كما انتقد ظاهرة الرواتب المبالغ فيها للعديد من “كبار الموظفين” في السلطات المحلية مقابل أداء هذه السلطات الذي لا يتجاوز في العديد من الحالات تصريف الأعمال.

المبادرات المطلوبة

أوضح د. ميعاري في محاضرته أنهُ رغم استحالة الاستقلال الاقتصادي الكامل في ظلّ سيطرة النظام العنصري والاختلال البنيوي في ميزان القوى السياسي لصالح “الأغلبية اليهودية” (ومن المهمّ التشديد أنها هي المقصودة عندما تتحدّث دولة إسرائيل عن “الصالح العامّ” – وذلك حتى رغم اتّساع الفجوة الاقتصادية في المجتمع اليهودي نفسه حيث السياسات النيوليبرالية تضرّ بقطاعات آخذة بالاتساع هناك)، فإنه باستطاعة كلّ مواطن أن يؤثر سلبيًا أو إيجابيًا من خلال قراراته اليومية. وتبدأ هذه من قرارات بسيطة، مثل أيّة بضاعة يشتري أو من أيّ دكان يشتري. وذكر، على سبيل المثال أنهُ عندما يشتري المواطن العربي احتياجاته في كرميئل ترجع فائدة الضرائب لبلدية كرميئل ولخدمة سكانها، بينما عندما يشتري احتياجاته في سخنين أو البعنة فإن نسبة أكبر من الربح ترجع للاقتصاد المحلّي.

وذكر أن المبادرات الإنتاجية هي الأهمّ لتحقيق نموّ اقتصاديّ محليّ ولتوفير فرص العمل. وفي هذا الصدد نوّه د. ميعاري ان مثل هذه المبادرات بحاجة إلى استباقها بالبحث العلمي للاحتياجات والقدرات وفرص التسويق، كما أنها بحاجة إلى التشجيع من قِبَل المؤسسات. كما ذكر الحاجة إلى توفير المناطق الصناعية وإلى مبادرة أصحاب رؤوس الأموال، أو بناء تعاونيات أو لتوظيف الأموال العامّة مثل أموال الزكاة وغيرها. ولا تقتصر المبادرات الاقتصادية المطلوبة على الاستهلاك والإنتاج، فهناك حاجة لتطوير اقتصادي كامل يتطلب أيضًا المؤسّسات المالية؛ وفي هذا الصدد وطرحَ د. ميعاري إمكانية بناء بنك عربي أو شركة تأمين عربية، وباعتقاده أنّ هذه مشاريع جديّة ويمكن تنفيذها إذا توفرت الإرادة والتوجّه المهني للموضوع.

ولتمكين المبادرات الاقتصادية طرحَ د. سامي التعاون الثلاثي بين السلطات المحلية العربية ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الدولية المعنية بتشجيع الاقتصاد العربي لمواجهة الفقر والتمييز.

كما اقترح الاستعانة بالمساجد كمنبر لزيادة الوعي لقضايا الاقتصاد والتكافل المجتمعي وأن يستعمل جزء من أموال الزكاة لتطوير مشاريع إنتاجية ترجع بالفائدة على الجمهور لفترة طويلة…

مناقشة التجارب والاقتراحات

شارك جميع الحضور في بحث ومناقشة سبل تحريك وتطوير الاقتصاد العربي، مع التطرق ومحاولة الاستفادة من تجارب مختلفة. وفي سياق النقاش ذُكرت أهمية “فارق الأسعار” كسبب مركزي لاختيار العديد من العائلات العربية لشراء احتياجاتهم في المجمّعات التجارية الكبيرة مثل مجمّع “بيج” في كرميئل. وذُكر أن بعض هذه المجمّعات موجودة أيضًا في المناطق العربيّة وأن بعض أصحاب الدكاكين العرب استطاعوا أن ينافسوا بأسعارهم الشبكات القطرية الكبيرة.

ذكر أحد المتحدثين تجربة مقاطعة أصحاب الدكاكين في سخنين لشركة “كوكا كولا” بسبب الأسعار العالية التي طلبت منهم، والتي تفوق الأسعار للمستهلك في بعض الدكاكين الكبيرة – وفشلت هذه التجربة بسبب ضعف تنظيم أصحاب الدكاكين.

وبحث المجتمعون إمكانيات معاقبة بلدية كرميئل على سياستها العنصرية والضغط عليها لوقف مشروع اقتلاع وتهجير أهالي رمية، وذلك من خلال مقاطعة اقتصادية عربية لمناطقها التجارية. وذُكر أن كرميئل مستفيدة من علاقتها الاقتصادية في محيطها العربي أكثر ممّا تفيد، وأن علاقة التبعِيّة تديم الفقر وضعف الاقتصاد العربي. وقد جرى بحث اقتراحات عملية تربط مناهضة واقع “التبادل غير المتكافئ” مع اقتصاد كرميئل بإنشاء وتطوير مشاريع اقتصادية عربية. ومن بين المبادرات التي يمكن تنفيذها لتكون رافعة لإنعاش الاقتصاد المحلي، إقامة “سوق رمضان” في كل القرى العربية المجاورة لكرمئيل – علة نمط “أسواق كريسماس” التقليدية.

invitation_picture_with_titles_aboveRamiya_Protest_Tent

ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا – وذكرى شهداء 1961 الخمسة

حيفا تحيي ذكرى الشهداء وتتواعد أن تكمل المشوار حتى العودة والحرية

لا عودة عن درب العودة والتحرير!

في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا – وذكرى شهداء 1961 الخمسة – إضاءة شموع وتجديد العهد للشهداء

يوم الأربعاء 17\9 الساعة 20:00

في ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا وأيلول الأسود –

وفي 17 أيلول يوم استشهاد خمسة شباب من حيفا وسخنين وأم الفحم على حدود غزة عام 1961 -

حيفا تحيي ذكرى الشهداء وتتواعد أن تكمل المشوار حتى العودة والحرية

يا أهالينا في حيفا والمنطقة

  • في صيف عام 1982 حاصَر ثمّ احتلّ جيش الحقد الصهيوني العنصري بيروت بهدف القضاء على الثورة الفلسطينية؛
  • وفي أيلول 1982 (من 16\9 إلى 18\9) وبمساعدة مليشيات طائفية – ارتكب الجيش الصهيوني مجزرة رهيبة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، راح ضحيتها الآلاف من الشهداء…
  • وفي الـ16\9 عام 1970 انطلق الجيش الأردني بأمر من أسياده الصهاينة بهجوم دموي ضد المقاومة الفلسطينية وضد مخيمات اللاجئين وضد كل الفلسطينيين وأصحاب الضمائر في الأردن… وخلال 11 يومًا ذبح أكثر من خمسة آلاف شهيد من المقاومين والمدنيين.
  • وتتزامن أيام الذكرى هذه مع الذكرى الـ53 لاستشهاد خمسة شباب قتلتهم قوات حرس الحدود الصهيونية على حدود غزة في الـ17 من أيلول 1961؛ وهم: الشهيد جورج شامة والشهيد جريس بدين والشهيد ريمون مارون، وكلهم أبناء مدينتكم حيفا، والشهيد محمود جبارين من أم الفحم والشهيد فايز سيد أحمد من سخنين.

ما زالت مستمرّة مسيرة شعبنا البطل ضد الاستعمار الصهيوني، وما زلنا نصرّ على رفع شُعلة الحرّية عاليًا، ولهذا ما زال مستمرًّا العدوان الصهيوني مستهدفًا كسر شكيمتنا واستنزاف حلمنا بالعودة والتحرير وإقامة العدل في أرض فلسطين. ولذلك كان مؤخرًا العدوان الصهيوني الغاشم على شعبنا في قطاع غزة الصامد، والذي راح ضحيته أكثر من ألفي شهيد؛ هذا عدا المجزرة اليومية المستمرة في الضفة الغربية والقدس الشريف حيث نالت نيران الجيش والمستوطنين الطفل محمد أبو خضير والعشرات من الأطفال والشباب وكبار السن خلال الأشهر الأخيرة… لن يستطيع الاستعمار الصهيوني، بالرغم من كل جرائمه، اقتلاع جذور شعبنا الضاربة عميقًا في أرض الوطن، ولا قوّة لديه تستطيع إطفاء شعلة حُلم الحرّية في وطننا لأن هذا في نفوسنا هو جوهر وجودنا الإنساني. ولهذا نحن أوفياء لأرواح شهدائنا، ولهذا أيضًا نحن مستمرّون على طريق النضال لأجل العودة والتحرير، مهما كانت التضحيات! ندعوكم لمشاركتنا في إضاءة الشموع على أرواح الشهداء وتجديد عهد مواصلة السير على دربهم، درب الحرية والكرامة لشعب فلسطين في أرض فلسطين. وذلك يوم الأربعاء 17\9\2014 في تمام الساعة 20:00 على دوار البهائيين (مفترق شارعي الكرمة وجادة الكرمل) في الحي الألماني في حيفا

حراك حيفا

الإيفينت على الفيسبوك

تقرير عن النشاط وصور منه في موقع “الحياة

 commemorating_Sabra_and_Shatila_Massacre_and_1961_martyrs

زيارة الرفيق جميل صفوري في سجن عتليت

Jamil_Safuri_in_prison_at_visit_time

أعتقد أن الرفيق جميل صفوري غنيّ عن التعريف…

وإذا لم يحالفكم الحظ لمعرفته قبل ذلك، فقد ارتبط اسمه في قضية “مدافعي شفاعمرو”.

نذكر المجزرة التي ارتكبها الجندي الإرهابي الصهيوني “نتان زادة” في حافلة في شفاعمرو يوم 4 آب 2005 وقتل برصاص بندقيته العسكرية سائق الحافلة ميشيل بحوث والركاب نادر حايك والشقيقتين دينا وهزار تركي كما جرح العديد من الركاب. ولم تتوقف المجزرة إلاّ بالفعل البطولي لبعض الموجودين في الحافلة الذين استطاعوا أن يسيطروا على الجندي، ولم تنجح الشرطة بجهودها لإنقاذه من غضب أهل البلد…

وبعد ذلك لم تهدأ ولم تسترِح “شرطة إسرائيل”؛ لم تنهمك في ملاحقة المجرمين المسؤولين عن المجزرة، كلاّ بل في اعتقال المئات من سكان شفاعمرو والتحقيق معهم بشبهة الاعتداء على السفّاح. في نهاية المطاف ركّزت الشرطة على سبعة من أبناء شفاعمرو واتهمتهم بقتله. وبعد تسع سنوات – في نوفمبر تشرين الثاني 2013 – انتهت المحكمة بإدانة المتهمين، وقضت عليهم بالسجن لفترات مختلفة، حيث وصل حكم ثلاثة منهم لمدة السنتين، ومن بينهم جميل صفوري.

إن الرفيق جميل محبوب جدًا، وليس لديّ شك في أنّه لو أجريَ استطلاع بين الرفاق في “أبناء البلد”، شيوخها وشبابها، حول “من هو أحَبُّ الرفاق إليك؟” فإن الرفيق جميل سوف يفوز دون منافس. يحبّون جميل لأنه يحبّ الناس ويحترمهم؛ بيته المفتوح دائمًا هو ملتقىً للشباب، وأذنه الصاغية دائمًا تستمع إلى الآخرين قبل إبداء الرأي… ولذلك نجح الرفيق جميل صفوري في الامتحان الأهمّ – والذي فشلنا فيه، نحن المناضلون القدامى – نجح في إنشاء جيل جديد من الرفاق يكمل المشوار.

لكل هذه الأسباب، لن يصعب عليكم فهْم فرحتي عندما اتصل بي الرفيق جميل ودعاني لزيارته (مع فريد وإيريس) في سجن عتليت يوم الجمعة 5\9\2014. وحيث أنّ العديد من الرفاق مازالوا ينتظرون فرصة لزيارته، فقد يكون هذا التقرير البسيط عن زيارتنا حلقة وصل بينكم وبين جميل…

أسوار البطون والبلاستيك

سجن عتليت “المدني” يختبئ وراء السجن العسكري، والاثنان عبارة عن معسكر وسجن قديم من أيام حكم الإنجليز. وبالنظر إلى شكل أسواره ومداخله يبدو أن الاحتلال الجديد (المستمر منذ 66 عامًا “فقط”) لم يغيّر فيه شيئًا غير صبغ الجدار.

أمّا غرفة الزيارة ففيها جدار من نوع جديد يعبّر عن شطارة التكنولوجيا الإسرائيلية الحديثة، فأنت تلتقي السجين وبينكما حاجز من البلاستيك الشفّاف، ولا “يصل” صوته إليك ولا صوتك إليه إلاّ عبر الهاتف الخاصّ. لا مجال لتبادل السجائر أو لمسات الأصابع بعد أن اختفى حاجز “الزمن القديم” وثقوب شبكته التي كانت تتيح تمرير السجائر وبثّ الأشواق عبْر الأنامل.

قسّموا غرفة الزيارة، لكن لا مكان ولا مجال للحرية أو للخصوصية الشخصية في أيّ من طرفيها أو أية زاوية منها… ومن كلّ الجهات علّقوا إعلانات كبيرة تخبرنا بالعبرية والانجليزية والعربية والروسية والأمْهَرية أن كلّ المحادثات في هذه الغرفة يجري تسجيلها. لمْ أرّ قبل ذلك السلطة تخاطب المواطن بهذا الوضوح… وبهذه الوقاحة!

قسّموا الغرفة وقسّموا الوقت… فالهواتف لا تشتغل إلاّ عندما يجلس جميع السجناء وجميع الزوّار على مقاعدهم في جهتَي حاجز البلاستيك الشفاف. مع تشغيل الهواتف بدأ الحديث بيننا، ولكن بدأ معه العدّ التنازلي على الساعة المعلّقة فوق رؤوسنا. الدقائق الثلاثون المخصّصة للحديث تتسرّب من الساعة، والدقيقة الباقية أخيرة مهمّتها قطع الهواتف في آن واحد على الجميع، معلنة انتهاء وقت الزيارة. الوقت هنا صلب لا يمكن مطّه إذ لا يُتاح المجال لكلمة أخيرة تودّع فيها الأحباء – والله فأنّ السجّان أرحم من هذه الساعة!

الوقت قبل وبعد تشغيل الهواتف هو وقت فنّ التمثيل الإيمائي – وهذه من المهارات التي يتميّز بها أهل شفاعمرو. ليتهم لم يأخذوا منّا الهواتف، لكنّا صوّرنا القبلات التي بعثها لكم جميل وحملناها معنا… وإذا كنت قد فهمت صحيح مقطع إيمائي آخر، فإنّ ترجمته أنّ جميل مسرور ببرتقاليّة لباس السجن، لأن البرتقالي لون حزب “التجمع” – وهذا يُفرحه لأنه ينسجم مع حبّه للوحدة الوطنية وقناعته أن الشراكة تكون من منطلق الاحترام المتبادل والمحبة وبهدف تحقيق أهداف النضال المشترك، وليس بهدف اصطياد المكاسب على حساب الشركاء.

التنكيل والمطالبة

لماذا نقلت شرطة إسرائيل جميل إلى سجن عتليت؟

بحسب نظام السجون، يستطيع السجين المدني (وليس الأمني، ولكن قضية مدافعي شفاعمرو تعتبر قضية مدنية) أن يطلب الـ”إجازة” – الخروج من السجن لزيارة أهله – وهذا بعد أن يقضي أربعة أشهر في السجن نفسه، لكي يعرفه ضابط الأمن ويتأكد من حُسُن سلوكه. وقد قضى جميل أربعة أشهر في سجن بئر السبع وبعدها أربعة أشهر أخرى في سجن جلبوع.  أي أنهم نقلوا جميل إلى سجن عتليت مع انتهاء مدة الأشهر الأربعة لكي يمنعوا عنه حق طلب الإجازة…

ولكن تنكيل سلطات إدارة السجون بالرفيق جميل لا يقف عند هذا الحدّ… فباقي شركائه في القضية قد نُقلوا إلى سجن “صلمون” في الجليل، حيث الظروف أقلّ قسوة، وذلك من ضمن “إعادة التأهيل” وإعدادهم لمرحلة الإفراج عنهم… على أمل أن توافق “لجنة الثلث” على إطلاق سراحهم بعد انتهاء ثلثي المحكوميّة. أما بالنسبة لجميل فالسلطات تعتبر رفضه الاعتراف بـ”الجريمة” منذ بدء التحقيق وأثناء المحاكمة وحتى اليوم إشكاليّة تعيق “إعادة التأهيل”؛ وهذا قد يتسبّب في معارضة السلطات إطلاق سراحه ضمن إجراء “لجنة الثلث”. أما جميل فمُصرّ على موقفه أنه لم يكن في الحافلة وقت الأحداث، ولم يكن أصلاً في شفاعمرو، ولديه شهود على ذلك، ولكن المحكمة فضّلت أن تصدّق شهادات رجال الشرطة الذين تآمروا على اتهامه. وهكذا، تتحوّل البراءة من التهمة إلى تهمة جديدة يدفع ثمنها…

ويؤكد جميل أنه يعمل كلّ ما في وسعه ليطالب بالإجازة لزيارة الأهل وليطالب بإطلاق سراحه في لجنة الثلث، وهذه حقوق له لا يتنازل عنها مهما أمعنت السلطات في التنكيل به.

أمّا بشأن نقله إلى سجن عتليت، فإنه يرى أن لذلك بعض الجوانب الإيجابية أيضًا… في ساحة السجن لا توجد شبكة فوق رؤوس السجناء، ويسرّه أنه يستطيع رؤية السماء الزرقاء كما هي، بعد أن اشتاق إليها من مدة طويلة، وأنه يتأمّل في منظر جبل الكرمل المنتصب فوق أسوار السجن…

الرسالة

تحدثنا مع الرفيق جميل عن الأوضاع السياسية وعن العدوان على غزة وبطولات المقاومة…

وقد سأل عن الشباب في الداخل وتحدثنا عن الهبّة الجماهيرية، التي بدأت بالتضامن مع إضراب الأسرى، وتواصلت في مظاهرات الغضب لمقتل الطفل المقدسي الشهيد محمد أبو خضير، وبلغت ذروتها في الاحتجاجات الجماهيرية ضدّ العدوان على غزة.

ويرى جميل أن السلطة، رغم امتناعها عن قتل المتظاهرين في الداخل – خلافًا لما فعلت في أكتوبر 2000، فهي تستعمل القوّة المفرطة بهدف تقليص هامش حرّية التحرك والاحتجاج الذي حصلت عليه الجماهير بنضالاتها… وبالفعل، قد شهدنا هذا في تركيز قوّات كبيرة بعدّها وعتادها لقمع أيّ عمل احتجاجيّ واعتقالات جماعية وتقديم لوائح الاتهام بالجملة وتمديد الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات وفرض الغرامات وإطلاق السراح مقابل كفالات بمبالغ هائلة…

ويوصينا جميل من سجنه بالتركيز على الوحدة الوطنية الشاملة كأقوى وأحسن أسلوب للدفاع عن الجماهير العربية الفلسطينية أمام هذا الهجمة الصهيونية الشرسة.

في ذكرى مجزرة رابعة العدوية: المجد والخلود للشهداء – فليسقط الطغيان!

rabea_aladawiya_vigil

بقلم: إيريس بار

الليلة استيقظت وأنا اصرخ…

حلمت: رجال الشرطة رموني، يدي مكبلتين بقيود بلاستيك بقلب سيارة شرطة مليئة بمتظاهرين معتقلين…

45 معتقلاً بسيارة لا تسع سوى 24 شخصاً…

ما في هواء كفاية… بدأنا نختنق…

البعد صاروا يصيحوا “افتحاوا الباب” وطرقوا بقوة على صندوق السيارة لإخراجهم.

“اسكتوا”، صرخ الضابط، فتح الباب فأطلق قنبلة غاز داخل السيارة…

الليلة حلمت عن رابعة العدوية…

حسب تقرير منظمة HRW الدولية قُتلَ ما يقارب 1000 متظاهر خلال فض اعتصام رابعة العدوية.

السيسي سفاح ومجرم حرب. كان يتمرن على خنق معتقلين ايديهم مكبلة بقلب سيارة شرطة، على خنق ارادة الشعب في مصر، قبل ان يحاول خنق الشعب الفلسطيني المقاوم في غزة العزة.

صورة

مع أسرى الخبز في معتقل الجلمة

مع أسرى الخبز في معتقل الجلمة

مساء الجمعة 14\6 شاركت في تظاهرة تضامن مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، أقيمت في “ساحة الأسير” في جادة الكرمل، الحي الألماني، حيفا. في اليوم نفسه أعلنَ عن عملية اختطاف ثلاث شبّان من المستوطنين… كانت الأجواء متوترة والشرطة جهّزت قوىً معزّزة لقمع التظاهرة، بما فيها الخيل وحرس الحدود والوحدات الخاصة “اليَسام”. وفي غياب أيّ حدث يُذكر يبرّر تدخّل الشرطة، وبعد ما تفرّق المتظاهرون بمبادرتهم، جرى اعتقالي من موقع التظاهرة… وقضَيتُ اللّيل في التحقيق في مركز شرطة حيفا، ومن بعدها وصلتُ الساعة الثالثة ليلاً إلى معتقل الجلمة، وبقيت هناك خلال نهار السبت إلى أن تمّ الإفراج عني ليلة السبت في محكمة حيفا.

ومع أنّ اعتقالي جرى على خلفية التضامن مع نضال الأسرى الإداريين، ولا شكّ أن نضالهم حقّ وأن ظلمًا كبيرًا يقع عليهم، أريد أن أخصص هذه المقالة لأسرى من نوع آخر – أسرى الخبز المعتقلين بتهمة التسلّل من وراء الجدران ليفتشوا عن لقمة العيش. أعتقد أنّ وضع هؤلاء الأسرى يُجسّد جوهر القضية وأقصى حدود الظلم، ولكن ما يجري معهم يبقى بعيدًا أن أنظار العالم ولا يشكل محورًا لأيّ نضال كان…

ربّما عليّ أن أشكر شرطة حيفا على الفرصة التي منحتها لي للالتقاء ببعض أسرى الخبز ولقضاء نهار السبت مع ثلاث منهم في غرفة 13، قسم 1، في معتقل الجلمة…

محمود

محمود بالكاد قطع عامه العشرين. جسمه الضعيف وابتسامته الخجولة يجعلك تحسّ أنه ولد…

وقد اعتُقل محمود من جادة الكرمل في حيفا، حيثما اعتقلوني. ولكن بينما جئت أنا إلى “الشارع” لأتظاهر، أتى محمود ليجلي الكؤوس والصحون في مطاعم الشارع. وبالطبع فإن تهمته أخطر من تهمتي. وقد أمرت محكمة حيفا بالإفراج عني ليلة السبت، أمّا محمود فقُدمت بحقّه لائحة اتّهام، وكان ينتظر جلسة محكمته يوم الأربعاء.

ولماذا “اختار” محمود أن يشتغل في مطاعم حيفا؟ إنه من سكان جنين، وقد تخرّج من المدرسة الثانوية، وبعدها تعلّم في كلّية التمريض، ويمكنه أن يشتغل في مهنته… ولكن في الضفة الغربية، من وراء الجدار، لا يوجد شغل، وإذا اشتغل فسوف يكون راتبه الشهري أقلّ من ألف وخمسمائة شاقل. ويتابع محمود كلامه بابتسامة: “وإذا دفعوا شهر، يغيب المعاش بعده شهرين…”

مشكلة محمود أنه لا يعرف اللغة العبرية… وجده رجال الشرطة خارج مكان عمله. توجّهوا إليه بالعبرية فلم يعرف كيف يجيبهم… طلبوا منه بطاقة الهوية، ولم تكن بحوزته بطاقة هوية… طلبوا منه التصريح، وليس لديه تصريح… فلمّوه وحملوه إلى معتقل الجلمة. هذه هي المرّة الثالثة الذي يُعتقل فيها محمود على خلفية التهمة نفسها، وفي الاعتقالين الأول والثاني أبعدوه إلى ماوراء الجدار، ولكن مع الاعتقال الثالث يختلف الوضع. وتمّ تقديم لائحة اتهام بحقّ محمود، وها هو ينتظر المحاكمة والعقاب…

حسن وهشام

يكفي أن تجيل نظرك في أنحاء الساحة في وقت “الفورة”، أو أن تراقب السجناء المزدحمين في أقفاص القضبان للنقل إلى المحكمة، لتنتبه أن نسبة أسرى الخبز من بين المعتقلين في الجلمة هي في حدود النّصف… وهذا ما كنت قد تنبّهت إليه أيضًا أيام اعتقالي في سجن “هاشارون” عام 2011.

وإذا كان معظم المعتقلين الآخرين هم من “أصحاب المشاكل”، أو محترفين في عالم الإجرام، أو خالفوا القانون بقيادة سيارة دون رخصة، أو شاركوا في شجار، أو بالغوا في شرب الكحول… فإن أسرى الخبز هم أهدأ وأبسط وأطيب ناس. وهم يحاولون تجنّب المشاكل ولكن المشاكل تلاحقهم. تهمتهم أنهم يريدون العيش، وجوع أولادهم يؤدي بهم إلى قطع الجدار ومخالفة قوانين النظام العنصري، ومن ثم إلى السجن…

الأكبر بين زملائي في غرفة 13 كان حسن. متزوّج وله أربع أولاد. تمّت محاكمته وأُدين وحُكم عليه بالسجن عشرة أيام. يقول حسن أن القُضاة يتفهّمون وضع العمال الذين كلّ “جريمتهم” هي البحث على العمل، ولذلك يمتنعون عن فرض غرامة مالية. ولا يعرف حسن إذا ما سيتمّ نقله إلى سجن الدامون، كما هو المعتاد مع أسرى الخبز، أم أنه سيبقى في معتقل الجلمة إلى حين انتهاء مدّة الحُكم. بحسب قوانين السجن يُسمح للمعتقل الذي قُدمت ضدّه لائحة اتهام أن يتّصل بأهله، ولكن في حالة حسن قد قُدمت لائحة الاتهام وصدر الحُكم فالسجانون لم يسمحوا له بعدُ بالاتصال…

حسن يعمل في “العَمار” وفي ترميم البيوت… قبضت عليه شرطة إسرائيل في أمّ الفحم، وهو في طريقه إلى عمله… إنه يجيد معرفة “قوانين اللعبة”. يروي حسن أنه في هذه الأيام هناك فرص للحصول على تصريح للعمل إذا طلبك “مقاول مسجّل”… ويشكو أن بعض المقاولين يستغلون ضائقة العمال ويطلبون من العامل أكثر من ألفي شاقل ثمن التصريح. “وماذا يبقى للعامل من معاش الشهر؟” وقد يحصل عامل العَمار على راتب يومي بين 150 و 350 شاقل، حسب الظروف وحسب قدرته المهنية.

أمّا هشام من قضاء نابلس، فهو شاب كبير الجسد، عمره قريب الثلاثين، متزوج وينتظر ميلاد ابنته الأولى. هشام “شريك في الجريمة” مع حسن: جريمة الشغل في العمار وترميم البيوت. ولكن حالته أصعب فقد أدين سابقَا بالتهمة نفسها وعليه حكم بالسجن الفعلي مع وقف التنفيذ لمدة شهرين. وعلى الأغلب سيحكمون عليه بتنفيذ هذا العقاب المبيّت. وليس مُستبعدًا أن تضاف إلى الشهرين أشهر أخرى.

إلى متى؟

نتحدّث عن الأوضاع… السلطة الفلسطينية خيّبت أمل الذين علّقوا عليها الأمل. الانتعاش الاقتصادي، بقدر ما هو ظاهر، يقتصر على مدينة رام الله، وبقيت جنين مدينة أشباح. هل تعتقد أن يأتي يوم وإسرائيل تسمح للفلسطيني أن يعيش حياة طبيعية؟ أن يذهب للعمل دون أن يكون ملاحقًا؟

لا نتوقع الخير من إسرائيل. وهي تزيد عنصرية يومًا بعد يوم، وتلاحق الفلسطيني لأنه فلسطيني لكي تقتلعه من أرض الوطن.

ولكن لا توجد قوة تظلّ تتحكّم بالعالم إلى الأبد… كلّ قوة عظيمة تصل القمة وتتوقف، أو تنهار… بالقوّة فرضت التوسّعية الإمبريالية حكم الاستعمار على كلّ أنحاء العالم، قبل مائة عام. ولكن معظم شعوب العالم تحرّرت، وتبقى إسرائيل من آخر معاقل الاستعمار القديم… وإذا كان الغرب يدعمها لأجل مصالحه و”لتعاطفه” مع عنصريتها، فهو يعرف أن هذا نمط نظام قديم لا ينفع للمستقبل…

وقد يكون مفتاح الحلّ هو بتحرر العالم العربي من الهيمنة الاستعمارية-الصهيونية ومن الأنظمة الاستبدادية الذي تقمع وتنهب شعوبها… الإنسان العربي كان مغيّبًا عن أيّ تأثير على مصيره منذ عقود، وانكسر الصمت وانتهى الركود مع انطلاق الربيع العربي عام 2011. وقد استطاع الحراك الشعبي أن يهزّ أركان الأنظمة القديمة، ولكن لا توجد الآلية لبناء المجتمع الديمقراطي الحديث لكل الناس… إنه صراع مستمرّ ولا يمكن أن يدوم عهد الظلام إلى الأبد…

الأمل هو شريان الحياة… هم لا يرون الكثير منه في مسار حياتهم بين العمل الشاقّ وملاحقة سلطة إسرائيل… والحديث في زنازين الجلمة عن تغيير سياسي يظهر مثل الكلام عن يوم القيامة…

أذكُر في حديثي مع محمود وحسن وهشام مدوّنة “حيفا الحرة”، فيطلبون: “اكتبْ عنّا” – وها أنا كتبت. آمل أن يرى أحدهم هذه المقالة ويعلم أنني وفيت بالوعد.

عن هذه الأيام ، تمّت حكايتي هنا ….

بقي أن نصل إلى الأيام التي نلتقي فيها دون “معروفية” الشرطة والسجانين. عندها سنكتب حكايات بنكهة “غير شكل”.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.